اذكر فيه ما أدغموه وأكتفي بذكر بعضه عن ذكر جميعه، فما كان منه موافقا لمذهب سيبويه فقد مر الاحتجاج له في جملة ما مضى من كلامه، وذكر احتجاجه وشرحنا إياه وما خالفه ذكرنا من الاحتجاج له ما نتحرى فيه الحق وبالله نستعين وإليه نهتدي وأنا أبتدئ بترتيب ذلك على حروف اب ت ت فإنه أقرب متناولا، وأبلغ استيعابا إن شاء الله الباء تدغم في مثلها.
قرأ أبو عمرو لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ [البقرة: ٢٠] والرُّعْبَ بِما [آل عمران:
١٥١]، وهذا مذهب أبي عمرو، والذي حكاه الفراء عنه من الجمع بين ساكنين في حروف كثيرة في الإدغام تقف على بعضها إن شاء الله.
وقد أباه سيبويه والبصريون وحملوا ذلك على الإخفاء من أبي عمرو وأجاز الجمع بين ساكنين الفراء والكوفيون.
ودغم أبو عمرو الباء في الميم في يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ [المائدة: ١٨]، يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا [هود: ٤٢]، ولا خلاف في جواز إدغام الباء في الميم.
وروي عن أبي عمرو أنه كان يدغم الميم في الباء إذا تحرك ما قبل الميم مثل مَرْيَمَ بُهْتانًا [النساء: ١٥٦]، ولِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا [الحج: ٥]، بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [الأنعام: ٥٣].
فإذا سألت أصحابه عن اللفظ بما ترجموه عنه من إدغام ذلك لم يأتوا بباء مشددة.
وقد سألت أبا بكر بن مجاهد﵀- عنه فذكر أنهم يترجمونه عنه بإدغام أو نحو هذا من اللفظ.
[ ٥ / ٤٧٢ ]
قال أبو سعيد﵀-: والذي يتبين من لفظه ما حكوه تسكين الميم والباء وهو على أحد وجهين أما أن يكون أخفى الحركة على ما يعتقده كثير من البصريين، ويتأوله أبو بكر بن مجاهد﵀- في بعض ما روي عن أبي عمرو، وذلك أنه حكى عن اليزيدي عن أبي عمرو تسكين في يَنْصُرْكُمْ [التوبة: ١٤]، ويَأْمُرُكُمْ [البقرة:
٦٧]، وذكر عقيبة أن سيبويه ونحويي البصريين ينكرونه وينفون أن يكون محفوظا عن أبي عمرو ويحكون أن أبا عمرو كان يميله إلى التخفيف يختلس الكسرة والضمة إذا توالت الحركات فيرى من يسمعه ممن لا يضبط سمعه ما خفيت حركته أنه أسكن ولم يسكن.
قال أبو بكر: ولا أحسب القول إلا ما قال، وحكي عن جماعة عن أبي عمرو ما يضعف رواية اليزيد عنه ويقوي ما قاله سيبويه، وأهل البصرة؛ فأما أن يكون على التسكين الذي حكي عنه في قوله: يَنْصُرْكُمْ ويَأْمُرُكُمْ حكاه عنه اليزيدي.
وقد حكي عن الكسائي أيضا فيما كان مثل يَأْمُرُكُمْ ثلاث لغات الإشباع والتخفيف والجزم، وإنما هو تسكين ضمة بين حرفين متحركين كقولهم في رسل ورسل وفي عجز ورجل عجز ورجل وكذلك في المكسور نحو قولنا: في فخذ فخذ وفي علم علم، ومذهب سيبويه أن لا تدغم الفاء في الباء.
وكذلك ذكر أبو بكر بن مجاهد قال: قال اليزيدي: كان أبو عمرو لا يدغم الفاء في الباء.
قال: ولم يذكر عنه في الباء مع الفاء شيئا. قال أبو بكر: والقياس يوجب إدغامها تعريفا منها ويحتمل تركه ذكرها إذا ذكر ما لا يدغم فيها أن يكون أباح إدغامها والله أعلم.
قال: ولم أر من أدركت من الذين يقرؤون قراءة أبي عمرو بحثوا عن إدغام الباء في الفاء، وما ذكر أبو بكر هو مذهب سيبويه لأنه يدغم الباء في الفاء ولا يدغم الفاء في الباء.
وقد ذكر في موضعه من كلام سيبويه، وقد أدغم الكسائي وحده الفاء في الباء في قوله إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ
[سبأ: ٩]، لأن أقرب المخارج إلى مخرج الباء مخرج الفاء، وهو قليل ضعيف وأما التاء؛ فإنها تدغم في مثلها إذا كانت الأولى ساكنة ضرورة وإذا كانت الأولى متحركة فإن أبا عمرو يدغم في بعض ولا يدغم في بعض؛ فما أدغم قوله ذاتِ الشَّوْكَةِ [الأنفال: ٧]، في تاء تكون ومما لم يدغم كُنْتَ تَرْجُوا [القصص: ٨٦]، وكُنْتُ تُرابًا [النبأ: ٤٠]، وكِدْتَ تَرْكَنُ [الإسراء: ٧٤]،
[ ٥ / ٤٧٣ ]
وأَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ [الزخرف: ٤٠]؛ لأن كنت قد نقصت عين الفعل منه، وهو واو في كان يكون وفي كدت قد أدغمت الدال في التاء فلم يمكن إدغام الحرف المشدد في شيء بعده، وأما أنت فإنما ترك إدغامها لقلة حروف الكلمة وخفاء النون.
وكان أبو عمرو يدغم التاء في أحد عشر حرفا سوى نفسها يدغمها في الطاء كقوله ﷿ قالَتْ طائِفَةٌ [آل عمران: ٧٢] هَمَّتْ طائِفَتانِ [الأنفال: ١٢٢]، ولا يدغم خَلَقْتَ طِينًا؛ لأن القاف ساكنة ويدغم الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ [هود:
١١٤]؛ لأن القاف ساكنة ويدغم الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ [هود: ١١٤] لأن الساكن الأول ألف، وفي الدال كقوله قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ وفي الظاء كقوله كانَتْ ظالِمَةً وفي التاء كقوله: رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ وفي الذال كقوله:
الذَّارِياتِ ذَرْوًا [الذاريات: ١] فَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا [المرسلات: ٥] وهذا قول اليزيدي وبعض يروي عنه أنه كان لا يدغم الذَّارِياتِ ذَرْوًا [الذاريات: ١] ولا فَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا [المرسلات: ٥].
وفي السين كقوله: أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ [البقرة: ٢٦١] ومَضَتْ سُنَّتُ [الأنفال: ٣٨]، والصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ [النساء: ٥٧].
ولم يدغم أُوتِيتَ سُؤْلَكَ [طه: ٣٦] وفرق بينه وبين الألف في قوله الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ [النساء: ٥٧]؛ لأن الألف أقوى في المد من الياء والواو وليس كل شيء جاز إدغامه يدغمه أبو عمرو؛ لأن الإدغام ليس بلازم فيدغم شيئا ويمنع ما هو أضعف منه في الإدغام.
وفي الصاد كقوله: الصَّافَّاتِ صَفًّا وفَالْمُغِيراتِ صُبْحًا [العاديات: ٣].
وفي الضاد كقوله: وَالْعادِياتِ ضَبْحًا [العاديات: ١].
وفي الزاي في قوله خَبَتْ زِدْناهُمْ [الإسراء: ٩٧]، فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا [الصافات: ٢].
وفي الشين كقوله بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ [النور: ٤].
وفي الجيم كقوله: الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ * وفَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا [فاطر: ٩]، ووَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ [الشعراء: ٨٥]، وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ [الواقعة: ٩٤] ولا تدغم في قوله إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ [الكهف: ٣٩] لسكون اللام وفتح التاء.
ولم يذكر سيبويه إدغام التاء ولا غيرها في الجيم وقد أدغم أبو عمرو التاء وأختيها الطاء والدال فيها.
[ ٥ / ٤٧٤ ]
ومذهب الكوفيين إدغام التاء فيهما، والطاء والدال بمنزلة التاء، وهما من مخرجها وأحكام هذه الثلاثة سواء في الإدغام.
قال أبو سعيد﵀-: وإدغام التاء والدال والطاء في الجيم عندي قوي؛ لأن المخرجين مجاوران ليس بينهما فصل، والجيم أقوى منهما، وأمكن؛ لأنها من وسط اللسان وهذه الحروف من الطرف ووسط اللسان أمكن من طرفه، كما أن داخل الفم أمكن من الشفتين ومن أجل ذلك أدغمت الباء التي من بين الشفتين في الفاء؛ لأن الفاء من داخل الفم والباء من بين الشفتين.
وكان أبو عمرو يدغم الطاء في التاء في قوله لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ وأَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وفَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ وفَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ويبقي منها صوتا لئلا يخل بحرف الإطباق.
ولا يدغم الظاء في التاء؛ لأن بينهما تراخيا لا لأن الإدغام فيها لا يجوز، ولكنه يختاره في بعض لقوته ويدع في بعض لنقصان سببه.
ويدغم الدال في التاء كقوله: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: ٢٥٦]، وذكر أبو بكر بن مجاهد أنه لم يكن أحد ممن لا يرى الإدغام من الأئمة يظهر دال قد عند التاء إلا ابن المسيبي قد روى عن نافع قد تبين بإظهار الدال، وهذا استكراه وصعوبة على اللسان.
قال أبو سعيد﵀-: وقد بينوا الطاء عند التاء في فرطت وأحطت، والطاء مثل الداء في المخرج والشدة، ولكن بيان الطاء مع التاء؛ لأن الطاء مطبقة والداء والتاء ليستا بمطبقتين فبانفراد الطاء بالإطباق واجتماع الدال والتاء في عدم الإطباق صارت الطاء من الدال أبعد من الدال منها، وإنما يثقل اجتماع ما هو أقرب وبيانه وأدغم أبو عمرو لام هل في التاء، ولم يدغم لام بل فيها.
قرأ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ وفَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ، وروى عنه أيضا هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا، ولم يدغم بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً ونحوها.
وذكر بعض من احتج عنه للفرق بينهما أنه اتبع الأثر؛ لأن عمرو بن دينار قال:
سمعت ابن عباس يقول: هَلْ تَرى من يرى يدغمها يعني اللام في التاء هكذا نقل هذا الحرف مدغما.
وقد أدغم اللام من هل وبل في التاء حمزة والكسائي في قوله بَلْ تُؤْثِرُونَ وهَلْ تَرى ونحوه.
[ ٥ / ٤٧٥ ]
وقد مضى الكلام في إدغام ما يدغم في التاء في موضعه، وقد روي عن عبد الله بن كثير إدغام التاء في أول الفعل المستقبل علامة للمخاطب أو للمؤنثة الغائبة في تاء بعدها في أحرف كثيرة منها ما قبله متحرك، ومنها ما قبله
ساكن من حروف المد واللين، ومنها ما قبله ساكن من حروف المد واللين؛ فأما ما قبله متحرك فنحو قوله فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ وهي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ، * وأما ما كان قبله ساكن من حروف المد واللين فقوله وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ ووَ لا تَفَرَّقُوا ووَ لا تَنازَعُوا.
وأما ما كان قبله ساكن من غير حروف المد فقوله ﷿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ وإِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وسيبويه ومن اتبعه لا يجيزون إسكان هذه التاء في تتكلمون ونحوها؛ لأنهم إذا أسكنوها احتاجوا إلى إدخال ألف الوصل وألف الوصل إنما تلحق ويختص بها ما كان في معنى فعل وافعل في الأمر يعني أن ألف الوصل إنما تدخل على الفعل الماضي نحو: انطلق واستغفر وفعل الأمر نحو: اجلس واقعد وانطلق واستغفر ولم يدخلوا ألف الوصل على فعل مضارع في أوله أحد الزوائد الأربع، وأما الثاء فأدغمها أبو عمرو في مثلها كقوله: ثالِثُ ثَلاثَةٍ ويدغمها في الذال كقوله يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ ويشمها الكسر أعني الثاء.
وكان أبو بكر بن مجاهد ﵀ يحمل ما أشم الكسر أو الضم من نحو هذا على أنه اختلاس للحركة لئلا يكون جمع بين ساكنين تدغمها في الشين ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ وحَيْثُ شِئْتُمْ * وفي السين كقوله بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ، وَوَرِثَ سُلَيْمانُ.
وفي الضاد حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ، وفي التاء كقوله: أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ.
وقد أدغم في الثاء الفراء ثلاثة أحرف التاء والذال واللام وقد ذكرتها في مواضعها، وأما الجيم فإن سيبويه ذكر إدغامها في الشين فقط، ويروي اليزيدي عن أبي عمرو إدغامها في التاء كقوله ذِي الْمَعارِجِ (٣) تَعْرُجُ.
وروي عنه إدغامها في الشين كقوله أَخْرَجَ شَطْأَهُ، وكان أبو عمرو يدغم الجيم في التاء والدال والذال وهي مذكورة في مواضع إدغام هذه الحروف.
وأما الحاء فإن أبا عمرو كان يدغمها في مثلها كقوله عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى.
وقد روي عنه روايتان في إدغامها في العين إحداهما إدغامها في العين، وروي اليزيد عنه أنه لم يكن يدغم الحاء في العين إلا في قوله فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ، والأخرى ما رواه اليزيدي عن أبي عمرو قال: من العرب من يدغم الحاء في العين كقوله فَمَنْ زُحْزِحَ
[ ٥ / ٤٧٦ ]
عَنِ النَّارِ.
قال: وكان أبو عمرو لا يرى ذلك، وهذا أصح وقد ذكرنا من مذهب سيبويه أن الحاء لا تدغم في العين، والغين تدغم في الحاء واحتججنا له في موضعه بما يستغنى عن إعادته.
وأما الخاء والغين وهما من مخرج واحد، وكل واحدة منهما لا تدغم إلا في مثلها وفي الأخرى، ولم أر أحدا ذكر إدغام واحدة منهما في مثلها، وفي الأخرى في القرآن إلا في قوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ فإن أبا عمرو أدغمه فيه.
وأما الدال فسبيلها سبيل التاء، وقد أدغمها أبو عمرو في عشرة أحرف أدغمها في التاء كقوله قَدْ تَبَيَّنَ، * وهي أقرب الحروف منها وفي الدال كقوله ﷿ وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ والْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ، ولم يدغمها في فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ لأنه يشم الحركة فيصير مخفيا لحركة الدال ولا يقدر على الإشمام.
وزعم اليزيدي أنه كان يدغم وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها.
وفصل بين هذا وبين بَعْدَ ذلِكَ؛ لأن التاء من مخرج الداء وهي أقرب الحروف والذال أبعد منها، وقد جمع بين ساكنين، وليس فيه إشمام؛ لأنه نصب وسيبويه لا يرى ذلك للجمع بين الساكنين والفراء يجيز ذلك.
وقد ذكرنا قوله فيما مضى، وكان يدغم الدال في الشين كقوله وَشَهِدَ شاهِدٌ * وقَدْ شَغَفَها حُبًّا ويدغمها في السين كقوله يَكادُ سَنا بَرْقِهِ وعَدَدَ سِنِينَ وفي الزاي كقوله يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ.
وكان يدغمها في الظاء كقوله لَقَدْ ظَلَمَكَ، وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا، * ولا يدغم لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ. والكلام فيه كالكلام في بعد ذلك وفي الثاء كقوله ثَوابَ الدُّنْيا *.
وفي الجيم كقوله لَقَدْ جاءَكُمْ، * ولَقَدْ جِئْناكُمْ وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ. وفي الضاد في قوله قَدْ ضَلُّوا * ولَقَدْ ضَرَبْنا * وأدغم مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ، * ومِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ؛ لأنه خفض ويشم الكسرة فيجري مجرى الذي ليس بمدغم، ولا يدغم في قوله:
نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ لأن فتحة الدال لا يتهيأ إشمامها؛ لأن الضم والكسر يشم والفتح لا يمكن فيه ذلك.
وفي الصاد كقوله وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ وَلَقَدْ صَرَّفْنا * وفِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ويشم الدال فيها الكسرة فهذه عشرة أحرف تدغم الدال فيها، وقد ذكر إدغام التاء في أحد
[ ٥ / ٤٧٧ ]
عشر حرفا، وإنما نقص منها واحد؛ لأنه لم يتفق إدغام الذال والطاء كما أدغمت الدال في الطاء، وإدغام التاء فيما بعدها أكثر من إدغام الدال؛ لأن التاء علامة تلتبث الاسم والفعل، وهو كثير لا يحصى ويدغم في الدال جميع ما يجوز إدغامه في التاء في القياس إلا أن الذي وجدناه في قراءة القراء مدغما في الدال حرفان: التاء والدال.
وقد ذكرناهما في موضعهما، وأما الذال فقد أدغمها أبو عمرو في مثلها في قوله إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا في سبعة أحرف سواها في التاء كقوله إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [آل عمران: ١٥٢] ويدغمها في ياء المتكلم كقوله أَخَذَتِ * ولَاتَّخَذْتَ * واتَّخَذْتُمُ * وأَخَذْتُمْ * وعُذْتُ بِرَبِّي * وفَنَبَذْتُها ويدغمها في الظاء كقوله: إِذْ ظَلَمْتُمْ وفي السين كقوله إِذْ سَمِعْتُمُوهُ * وفي الصاد كقوله وَإِذْ صَرَفْنا وفي الزاي كقوله وَإِذْ زَيَّنَ وفي الدال كقوله إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ وفي الجيم كقوله إِذْ جاؤُكُمْ ولم
يدغمها أحد من القراء في الجيم غير أبي عمرو.
وأدغموا من القرآن في الذال أربعة أحرف مذكورة في مواضعها وهي اللام والتاء وأما الراء؛ فإنها تدغم في مثلها.
وروي عن ابي عمرو بن العلاء أنه كان يدغم الراء في مثلها ساكنا كان ما قبلها، أو متحركا، والساكن ما قبلها قوله شَهْرُ رَمَضانَ وعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ * وذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ، واتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا، ويشير إلى ما كان من المدغم مضموما أو مكسورا بالضم والكسر كالإشارة إلى شهر رمضان بالضم وإلى أمرهم بالكسر، وليس في اترك البحر إشارة؛ لأنه مفتوح؛ لا يمكن الإشارة إليه.
قال أبو بكر بن مجاهد: يعني فيما كان مشارا فيه إلى ضم أو كسر هذا إخفاء وليس بالإدغام؛ لأنه يخفى الحركة فتخف بعض الخفة فيشبه الإدغام والإدغام في مثل هذا رديء وأن ما قبله ليس من حروف المد واللين ولا يجوز أن تنقل حركة المدغم إلى ما قبله؛ لأن ذلك إنما يكون في كلمة واحدة مثل يمد وأصله يمدد وهذا مذهب سيبويه؛ لأنه كان لا يجيز الإدغام في شهر رمضان، وأمر ربهم، لأنه لا يخلو من أن تبقى الهاء من شهر والميم من أمر على سكونهما وتنقل حركة ما قبله إليه وكلاهما غير جائز عنده، لأن ترك الساكن على حاله وإدغام ما بعده في مثله يوجب الجمع بين ساكنين وليس الأول منهما من حروف المد واللين، وليس ذلك من كلام العرب أو نقل حركة ما قبله إليه وليس ذلك بمعروف إلا أن يكون في كلمة واحدة وذلك في مثل أمد وأصله امدد وكان الفراء يجيز الإدغام في ذلك على الوجهين من الجمع بين الساكنين ومن التاء الحركة.
[ ٥ / ٤٧٨ ]
وقد مضى الكلام على ذلك فيما حكاه من مذهب الفراء وقد اختلف النحويون في إدغام الراء في اللام فقال سيبويه، وأصحابه لا تدغم الراء في اللام ولا في النون، وإن كانتا مقارنتين لها لما في الراء من التكرير ولتكريرها تشبه بحرفين ولا أعلم أحدا من النحويين البصريين بعده خالفه إلا ما روي عن يعقوب الحضرمي.
وقد ذكرته وحكى أبو بكر بن مجاهد ﵀ عن أبي عمرو بن العلاء أنه يدغم الراء في اللام ساكنة كانت الراء أو متحركة فالساكنة قوله ﷿ فَاغْفِرْ لَنا * واسْتَغْفِرْ لَهُمْ * ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، * وما كان مثله، والمتحركة قوله سَخَّرَ لَكُمُ * إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا، هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ، أو ما كان مثله؛ فإن سكن ما قبل الراء أدغمها في اللام في موضع الضم والكسر كقوله حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ ولا يدغم في النصب كقوله مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ ووَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ وسَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا.
قال أبو سعيد﵀-: وقد ذكرت الفصل بين المنصوب وبين المرفوع والمجرور قبيل هذا الموضع، وكان
الفراء يجيز إدغام الراء في اللام، ويرويه.
وروى أبو بكر بن مجاهد عن أحمد بن يحيى ثعلب عن أصحابه عن الفراء أنه قال:
كان أبو عمرو يروي عن العرب إدغام الراء في اللام، وقد أجازه الكسائي أيضا ومما يحتج به لأبي عمرو وغيره ممن أدغم الراء في اللام أن الراء إذا أدغمت في اللام صارت لاما ولفظ اللام أسهل وأخف من أن يأتي براء فتكرير وبعدها لام هي مقاربة للراء فيصير كالنطق بثلاثة أحرف من مخرج واحد فطلب التخفيف بذلك.
وقد روى أبو بكر بن مجاهد بإسناد ذكره عن يعقوب الحضرمي أنه كان يدغم الراء في اللام في قوله يَغْفِرْ لَكُمْ * وما أشبهه.
قال أبو بكر ولم يقرأ بذلك أحد علمناه بعد أبي عمرو وسواه، ولم تدغم في شيء سوى اللام وقد أدغمت اللام والنون فيها، وجواز ذلك بإجماع وستراه في موضع اللام والنون إن شاء الله.
وأما الزاي فما أعلمها أدغمت في شيء من حروف القرآن، وقد أدغم فيها من الحروف ما يذكر في موضعه إن شاء الله.
وأما السين فإن أبا عمرو كان يدغمها في مثلها كقوله وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا وهذا جمع بين ساكنين وليس قبله حرف لين، وقد تكلمنا على نحوه وأدغمها في جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً.
[ ٥ / ٤٧٩ ]
وأدغمها في الذال كقوله وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ورأيت الرواية اختلفت عن أبي عمرو في إدغام السين في الشين في قوله ﷿ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا فمنهم من روى أنه أدغم ومنهم من روى أنه منع من الإدغام والذي عليه النحويون البصريون أن السين لا تدغم في الشين ولا الشين في السين.
وقد روي عن أبي عمرو إدغام كل واحدة منهما في الأخرى كقوله إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا، وأظنه ذهب إلى أنهما متواخيتان في التفشي والصوت فكأنهما من مخرج واحد، وإن تباعد مخرجاهما كما أن حروف المد واللين على تباعد مخراجها متواخية في قلب بعضها إلى بعض وبدل بعضها من بعض، ويدغم في السين والشين ما يذكر في موضعه.
وأما الصاد فليس فيها شيء يذكر من إدغامها في شيء، وما يدغم فيها مذكور في موضعه إن شاء الله.
وأما الضاد فلم يلتق في القرآن ضادان فتدغم إحداهما في الأخرى ولم تدغم في شيء إلا ما ذكر أبو بكر بن مجاهد أن أبا شعيب السوسي روي عن الترمذي عن أبي عمرو أنه كان يدغم الضاد في الشين في قوله لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ.
قال أبو بكر: ولم يرو عن أبي عمرو إدغام الضاد في الشين إلا أبو شعيب السوسي عن اليزيد وهو خلاف ما ذكره سيبويه، وإدغام الصاد في الشين عندي ليس بالمنكر؛ لأنها مقاربة للشين في المخرج والشين أشد استطالة من الضاد وفي الشين تفش ليس.
وعلى أن سيبويه قد حكى اطجع بإدغام الضاد في الطاء فدل ذلك على جواز إدغامها في الشين لأن الشين أقوى منها وأفشى، وما أدغم في الضاد مذكور في موضعه، وأما الطاء والظاء فليس في إدغامها شيء يذكر، وما يدغم فيهما مذكور في موضعه، وأما العين فتدغم في مثلها لا غير كقوله مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ وقد الفين مع الخاء وأما الفاء فتدغم في مثلها كقوله: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ ولا تدغم إلا في مثلها لأن فيها تفشيا، ولأنها أمكن موضعا وما روي عن الكسائي من إدغامها في الباء في نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ ضعيف عندهم شاذ وهو شيء تفرد به الكسائي.
وأما لقاف فإنها تدغم في مثلها كقوله ﷿ فَلَمَّا أَفاقَ وأَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ وتدغم في الكاف في كلمتين أو كلمة واحدة كقوله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ وخَلَقَكُمْ * ورَزَقَكُمُ * وكذلك الكاف تدغم في مثلها وتدغم في القاف فإدغامها في مثلها كقوله كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وإدغامها في القاف كقوله إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا وَكانَ
[ ٥ / ٤٨٠ ]
اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيرًا.
وأما اللام؛ فإن أبا عمرو كان يدغمها في مثلها ساكنا ما قبلها أو متحركا كقوله وَإِذا قِيلَ لَهُمْ * فَقالَ لَهُمُ * وإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي والمتحرك ما قبلها قوله جَعَلَ لَكُمُ * وَجَعَلَ لَكُمْ؛ * فأما اللام الساكنة إذا ألقيت لاما متحركة فهي مدغمة فيه ضرورة وكان يدغم اللام في الراء كقوله رَبُّكِ تَحْتَكِ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ.
وتدغم اللام في التاء في هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ وفَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ ويدغمها في الثاء في قوله هَلْ ثُوِّبَ.
واتفق حمزة والكسائي على إدغام لام هل وبل في التاء والسين في جميع القرآن؛ فقرأ بَلْ تُؤْثِرُونَ وهَلْ ثُوِّبَ وبَلْ سَوَّلَتْ * وتفرد الكسائي وحده بإدغام لام هل وبل في الطاء والضاد والزاي والظاء والنون فقرأ بَلْ طَبَعَ وبَلْ ضَلُّوا بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا مدغما في جميع ذلك.
وقد روى أبو الحارث عن الكسائي وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ * بإدغام اللام في الذال في هذا الحرف أين وقع من القرآن، وأما الميم فإن أبا عمرو يدغمها في مثلها كقوله فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ ويَعْلَمُ ما بَيْنَ * ويَعْلَمُ ما تُبْدُونَ * ونحو ذلك.
وقد ذكرنا حالها في الباء في باب الباء وأما النون فإن أبا عمرو وكان يدغمها في مثلها ساكنا كان ما قبلها أو متحركا ما لم تكن الأولى مشددة كقوله وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ * وتَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ.
وكان يدغم النون في اللام إذا تحرك ما قبلها كقوله لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ * فإذا سكن ما قبلها لم تدغم كقوله وتكون لكم إلا
في قوله وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * يدغم في هذا الحرف وحده في النون في اللام ويشمها ضمة.
وقد ذكر نحو ذلك وما قيل فيه من الإخفاء ويدغمها في الراء إذا كان ما قبلها متحركا وذلك قوله وإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ فإن سكن لم تدغم مثل قوله بِإِذْنِ رَبِّهِمْ * وإذا لقي التنوين أو النون الساكنة أحد الحروف الخمسة التي تدغم النون فيها وهي اللام والراء والميم والواو والياء؛ فإن أبا عمرو كان أدغم النون فيه أدغم عند اللام والراء بغير غنة وعند الميم والياء والواو بغنة وكذلك قراءة القراء إلا حمزة وحده فإنه يترك الغنة عند الواو والياء في جميع القرآن كقوله ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ وروي عن الكسائي من
[ ٥ / ٤٨١ ]
يقول أما بغير غنة.
وقد أجاز سيبويه في ذلك كله الغنة، وترك الغنة وإذا أدغمت في الميم فالغنة للميم.
وقال أبو بكر بن مجاهد النون الساكنة والتنوين مدغمان عند اللام والراء بغنة وبغير غنة.
قال: وعادة القراء أن لا يظهروا الغنة عند الراء واللام؛ لأن في إظهارها كلفة لتداخل الحرفين.
قال: وإظهار الغنة جائز لأن الراء واللام لا صوت لهما؛ فلا يدغم مصوت في غير مصوت مَنْ يَبْخَلُ * وإنما تبقى منه غنة كما تبقى من المطبق إذا رمت إدغامه في غير مطبق أثر من الإطباق كرومك الحركة.
وروى أبو بكر عن ابن رومي ومحمد بن عمر عن اليزيدي هُدىً لِلْمُتَّقِينَ يدغم التنوين في اللام وتبقى غنة قال: ولم أر أحدا يحكي هذا عنه، وأما الواو؛ فإن أبا بكر بن مجاهد ذكر أن أبا عمرو كان يدغمها في مثلها كقوله: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ.
قال: وأما إذا انضم مثل قوله هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ وجاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ولا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ؛ فإن إدغام الواو هاهنا قبيح جدا؛ لأن الهاء مضمومة.
وإذا أردنا إدغام الواو سكنت الإدغام فيكون واوا منقلبة بعد ضمة فيصير الإدغام أثقل هذا معنى كلام أبي بكر بن مجاهد.
قال: فإنما تدغم ليخف وإذا كان الإظهار أخف كان أولى أن لا يتجاوز قال: وإن قست على قوله أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ * ونُودِيَ يا مُوسى أنه أدغم الياء إذا انفتحت وانكسر ما قبلها فكذلك الواو إذا كانت مفتوحة ما قبلها مضموم فهو قياس وما أحبه وإنما الإدغام تخفيف وحذف إعراب؛ فإذا كان الإظهار أخف فهو الذي يختار وأظن أبا بكر ابن مجاهد فرق بين الواو والياء؛ لأن الياء أخف من الواو.
وأما الهاء؛ فإن أبا عمرو كان لا يدغمها إلا في مثلها كقوله فِيهِ هُدىً * وفَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ * وقالَ اللَّهُ هذا وقد جمع
في ذلك بين ياءين لا أن الأول من حروف المد واللين وهو لما فيهن من المد واللين كالمتحركات وقد تقدم الاحتجاج لهذا الموضع.
[ ٥ / ٤٨٢ ]
وقد أدغم أبو عمرو هاءات سبيلهن أن يوصلن بواوات نحو قوله إِلهَهُ هَواهُ * واللفظ به الههو هواه بين الهاءين وأوصله للواو الأولى فأصله بينهما قبل الإدغام.
فإن قال قائل: وهل يجوز إدغام حرف بينه وبين الذي أدغم فيه واو قيل له ذلك غير ممتنع من جهتين إحداهما أن هذه الواو الصلة لا أصل لها في لام الفعل ولا غير ذلك، وإنما أدخلت بتكثير اللهاء ولذلك لا يوقف عليها؛ فلما أراد الإدغام أسقطها كأنه جعل إدغام الهاء بمنزلة الوقف عليها إذا كان الإدغام يوجب السكون كما أن الوقف يوجب السكون، والوقف على الهاء يسقط الواو والجهة الأخرى أن يكون أبو عمرو ذهب في هذه الحروف إلى من ضم الهاء من غير صلة أنشدنا أبو بكر قال أنشدني محمد بن الجهم عن الفراء:
إن ابن كلاب وابن أوس فمن يكن قناعة مغطيا فإني لمجتلي
فلم يصل الهاء من قناعه وضمها وأما الياء فإن أبا عمرو كان يدغمها في مثلها إذا سكن ما قبلها، أو تحرك كقوله الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ ومِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ وفَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ.
وذكر أبو بكر عنه مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ * واستقبحه لأن هذه الياء إذا أدغمت في ياء سكنت ولقيتها ياء أخرى من كلمة أخرى وحكم الياء الساكنة في آخر كلمة إذا لقيتها ياء من كلمة أن لا تدغم فيها وذلك في نحو فِي يَتامَى النِّساءِ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ لا يجوز إدغام ياء في ياء يتامى بإجماع وكذلك يدع ويفصل بينها وبين هي يومئذ بأن الياء الساكنة من في قد نطق بها ساكنة منفردة فحصل فيها كسر ما قبلها وسكونها فصارت بمنزلة الألف وقوله فهي منفردة لم يحصل فيها سكون الياء منطوقا به قبل الإدغام، وإنما بالإدغام صارت ساكنة وليس السكون مع الإدغام كالسكون المنفرد ألا ترى أنا نقول في ميزان وميثرة موزان وموترة وهو الأصل؛ الواو الساكنة غير المدغمة إذا كان قبلها كسرة انقلبت ياء وإن كانت مدغمة لم تنقلب ياء كقولهم: اعلولط وأخروط لأن الواو الساكنة بعد الكسرة لم تنفرد فيلزمها القلب وكذلك الواو إذا كانت متحركة فأدغمت في مثلها نحو هو والذين وهو والملائكة لو كانت الواو نطق بها وحدها ساكنة ما جاز إدغامها كقوله قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ وآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ * لا يجوز الإدغام في ذلك بإجماع لأنه قد حصل فيها مد قبل الإدغام لا يجوز إبطاله فتأمل ذلك إن شاء الله.
[ ٥ / ٤٨٣ ]
تم الجزء الخامس من شرح كتاب سيبويه لأبي سعيد السيرافي وبتمامه قد تم الشرح جميعه والحمد لله على التمام
والكمال وصلّى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا قد تم مقابلة هذا الجزء على الأصل الموجود بدار الكتب السلطانية وذلك في شهر جمادى الآخرة سنة ١٣٣٧ هجرية.
قد نسخ هذا الجزء بقلم الفقير محمود حمدي من النسخة الموجودة بدار الكتب المصرية على ذمة صاحب السعادة المفضال أحمد بيك تيمور أعلاه وكان الفراغ من نسخه موافق يوم الأحد خامس عشر جمادى الأولى من سنة ١٣٣٧ سبع وثلاثين وثلاثمائة وألف من هجرة من خلق على أكمل وصف سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
[ ٥ / ٤٨٤ ]