" فأما ما لا زيادة فيه فقد كتب فعل سنه، ويفعل منه، وقيس ".
قال أبو سعيد رحمه الله تعالى: اعلم أن الفعل على تسعة عشر بناء مختلفة لما سمي فاعله غير ما ألحق ببعض هذه التسعة عشر مما سنبين؛ فهذه التسعة عشر بعضها بحروف أصلية وبعضها بزوائد، وإنما أتى على جميع ذلك مستقصى إن شاء الله تعالى، وهي فعل نحو ضرب، وفعل نحو كرم، وفعل نحو علم وعمل، وفعلل دحرج، وافعل
نحو أكرم، وفعّل نثر، وفاعل قاتل، وافتعل ارتبط، وانفعل انطلق، وافعلّ احمر، وتفعلل تدحرج، وتفاعل تعالج، وفعّل تحرك، وافعال احمار، واستفعل استغفر، وافعول أجلوذ، وافعوعل أغدودن، وافعلل اقشعرّ افعنعل احرنجم؛ فهذه التسعة عشر بناء ثلاثة منها ثلاثية الحروف وأربعة منها رباعية وستة خماسية وستة سداسية؛ فأما الأصول منها فأربعة أبنية منها الثلاثة وواحد رباعي؛ وهو فعلل نحو دحرج؛ فأما الثلاثي منها فأصل لأثني عشر بناء محققة زوائد مختلفة؛ فصار على هذه الأبنية الأثني عشر فمن ذلك أفعل أكرم أصله كرم فلحقه الهمزة وفاعل قاتل أصله قتل فلحقه الألف بعد فاء الفعل، وفعل نحو حرّك وكسّر شدد عين الفعل منه وأصله عين واحدة من كسر وحرك فهذه ثلاثة أفعال زيد على الثلاثي حرف واحد حتى صار على ما ذكرته، وفيها ما زيد عليه حرفان وذلك فعلل نحو تكسّر أصله كسّر زيد عليه تاء، وشدد موضع العين منه وتفاعل نحو تعالج وتقاتل زيد على قتل تاء في أوله وألف بعد فاء الفعل، وأفعل نحو أحمر زيد عليه ألف الوصل وإحدى الراءين؛ لأن أصله حمّر وافتعل نحو ارتبط زيد عليه ألف الوصل وتاء بعد فاء الفعل؛ لأن أصله ربط وانفعل نحو انطلق زيد عليه ألف الوصل ونون قبل فاء الفعل ومنها فعوعل زيد عليها واو وإحدى عيني الفعل ومنها افعول نحو اعلوط وهو أن يركب الفرس عريا مأخوذ من العلط وألف الوصل والواو المشددة وهي واو زائدة؛ فهذه أربعة أفعال على ستة أحرف وأصلها ثلاثة أحرف وأما الرباعي فهو أصل الثلاثة أبنية منها تفعلل نحو تدحرج زيدت فيه التاء وأصله دحرج ومنها افعنلل نحو اخرنطم ومعناه تكبر وأصله خرطم زيدت فيه ألف الوصل والنون ومنها افعلل وهو اقشعر الألف فيه زائدة وإحدى الراءين والأصل قشعر، وليس في الأفعال فعل فيه خمسة أحرف أصلية لأن نهاية الاسم خمسة سفرجل، ونهاية ما يبلغ الفعل بالزيادة ستة أحرف سوى تاء التأنيث نحو احرنجم واخرنطمم فيكون للاسم على الفعل فضيلة في الأصل والزائد؛ فهذه جملة يتناول بها ما
[ ٥ / ١٧٦ ]
ذكره سيبويه في الأفعال وزوائدها في هذا الباب وغيره بسهولة عن قرب إن شاء الله تعالى؛ فأما هذا الباب فذكر فيه سيبويه خمسة أبنية وهي أفعل وفعل وفاعل ونفعل وتفاعل وأسماء الفاعلين والمفعولين المأخوذة من هذه الأفعال، وأنا أشرح من هذا الباب ما اعتاص من لفظه من مستغلق في عرضه إن شاء الله تعالى.
قال سيبويه في أول الباب " فأما ما لا زيادة فيه فقد كتب منه فعل ويفعل منه، وقيس " فهو يعني الماضي والمستقبل؛ فإن كان على فعل وفعل ويفعل ويفعل، ويستعمل هذا أيضا فيما زاد على ثلاثة أحرف؛ فيقال فعل من الاستغفار، ويفعل منه يستغفر، ولما لم يسم فاعله فعل ويفعل، وإن كان المثال على غير ذلك؛ فإن قال قائل كيف جاز أن يعبر بفعل عن حلف وانطلق وما أشبه ذلك مما ليس هو على مثاله قيل له الفعل لفظ ومعنى فإذا أردت
العبارة عما معناه في مضيه واستقباله جاز أن يعبر عنه بفعل ويفعل وإن لم يكن على لفظه ألا ترى أن القائل قد يقول لمخاطبه هل استعدت فيقول قد فعلت أو انطلقت يقول قد فعلت وما يريد مثال الفعل، وإن أردت المثال عبرت عن كل فعل بلفظه فقلت في ظرف فعل، وفي انطلق انفعل، وفي يستغفر يستفعل، وذكر ما يزاد في أوله ألف وهو أفعل، ثم قال فهذا الذي على أربعة أبدا يجري مستقبله على مثال يفعل في الأفعال كلها مزيدة وغير مزيدة، وذلك نحو أخرج ويخرج؛ فإن قال قائل فهذا المثال لا يجيء أبدا إلا بزيادة الألف فما معنى قوله مزيدة وغير مزيدة؛ قيل له أراد أن كل فعل كان ماضيه على أربعة أحرف؛ فإن مستقبله مضموم الأول زائدا كان أو أصليا؛ فالأصل نحو دحرج يدحرج وسرهف يسرهف، والزائد نحو أكرم يكرم، وقاتل يقاتل، والأصل في كل ما كان ماضيه على أربعة أحرف أن يضم أول مستقبله، وتعاد حروف ماضيه كقولك قاتل يقاتل ودحرج يدحرج، غير أنك تكسر ما قبل آخره فيما سمي فاعله، وتفتحه فيما لم يسم فاعله؛ فإن قال قائل فإذا كانت حروف الماضي يجب إعادتها في المستقبل فلم قالوا أكرم يكرم وأخرج يخرج فأسقطوا الهمزة التي كانت موجودة في الماضي؛ قيل له قد كان الأصل أن يقال يؤكرم ويدحرج، وكذلك تؤكرم وتدحرج وتؤكرم وإكرم، ولكن فعل المتكلم يجتمع فيها همزتان إحداهما التي كانت في الماضي والأخرى همزة المتكلم، وكثر هذا المثال في كلامهم فاستثقلوا اجتماع الهمزتين مع الكسرة؛ فأسقطوا الهمزة التي كانت موجودة في الماضي، وقوي حذفها إنها زائدة، ثم لزم الحذف في سائر المضارع مع الياء والتاء والنون والأصل الموجب للحذف فعل المتكلم، ومثل ذلك حذفهم الواو، وفي يعد والأصل يوعد لوقوعها بين ياء وكسرة ثم قالوا تعد
[ ٥ / ١٧٧ ]
ونعد وأعد فأسقطوها حتى لا يختلف الفعل.
قال سيبويه: " وحذفوا الهمزة من باب فعل فاطرد الحذف فيه لأن الهمزة تثقل عليهم كما وصفت لك، وكثر في كلامهم فحذفوه واجتمعوا على حذفه، كما اجتمعوا على كل وخذ ويرى، وكان هذا أجدر أن يحذف حيث حذف ذلك الذي من نفس الحرف لأنه زيادة لحقته؛ فاجتمع فيه الزيادة، وإنه يستثقل وإن له عوضا إذا ذهب ".
يعني اجتمعوا على حذف الهمزة من يؤكرم ويدحرج، كما اجتمعوا على حذف كل وخذ، وكان الأصل أوكل على وزن أفعل مثل أقتل؛ فحذفت الهمزة الثانية التي هي فاء الفعل فسقطت الهمزة لأنها ألف وصل دخلت لسكون ما بعدها؛ وهي فاء الفعل فلما سقطت بقيت الكاف وهي مضمومة فلم يحتج إلى ألف الوصل فسقطت، وكان الأصل في يرى يرأى لأنه من رأيت فألقوا فتحة الهمزة في الفعل المضارع على الراء لأنها ساكنة وأسقطوا الهمزة وهذا حكم تخفيف الهمزة، وقد بينا فيما مضى من أحكام الهمزة ذلك.
وقوله: " وكان هذا أجدر أن يحذف ".
يعني الهمزة في يؤكرم لأنها زائدة وهي في كل أصلية؛ إذ كانت في موضع الفاء من الفعل.
وقوله " وإن له عوضا ".
يعني في يكرم الياء وسائر حروف المضارعة عوض من حذف الهمزة، وليس ذلك في كل لأنه ليس فيه عوض من ذهاب الهمزة، قال ويجيء في الشعر يؤكرم على الأصل قال الشاعر:
وصاليات ككما يؤتفين
وهذا البيت له فيه حجة من وجه، ولا حجة له فيه من وجه؛ فأما الحجة فيه فهو أن يجعل أتفية أفعولة فتكون الهمزة زائدة، ويكون أتفيت أفعلت، وأما الوجه الذي لا حجة له فيه؛ فهو أن يكون أتفية فعلية فيكون أتفيت فعليت بمنزلة سلقيت، ويكون يؤتفين يفعلين مثل يسلقين وقال كرات غلام من كساء مؤرنب، ومعنى مؤرنب متخذ من جلود الأرانب، ويقال فيه صور الأرانب فهو أرنب مؤفعل، والهمزة زائدة عند سيبويه لأن أرنب عنده أفعل، ومن النحويين من يقول أرنب فعلل، ويجعل الهمزة أصلية واسم الفاعل والمفعول من أفعل وفاعل وفعل على لفظ الفعل المستقبل، غير أنك تجعل معاني حروف المضارعة فيها مضمومة كقولك مكرم ومكرم ومقاتل ومقاتل ويفصل بين الفاعل
[ ٥ / ١٧٨ ]
والمفعول بكسر ما قبل آخره وفتحه؛ فتكسره من الفاعل وتفتحه من المفعول به كقولك مكرم ومكرم كما كان ذلك في الفعل حين قلت يكرم ويكرم، وكذلك هذا المعنى في كل فعل زادت حروف ماضيه على ثلاثة أحرف يكون اسم الفاعل والمفعول على حروف الفعل المستقبل غير أنه يجعل في أوله ميم مضمومة، ويفصل بين الفاعل والمفعول به بكسر ما قبل آخره للفاعل، وفتحه للمفعول كقولك مستغفر ومستغفر ومرتبط ومرتبط ومتناوله ومتناول ومتجهم ومتجهم فصلوا بين الفاعل والمفعول به بالكسر والفتح، وإما تفاعل وتفعل فإن مستقبلهما على يتفعل ويتفاعل، وما لم يسم فاعله يتفاعل ويتفعل بفتح ما قبل آخرهما، ويفرق بين ما سمي فاعله وما لم يسم فاعله بضم أوله؛ فإن قال قائل قد رأينا الأفعال الزائدة على ثلاثة في الماضي قد فرق بين ما سمي فاعله وما لم يسم فاعله في مستقبلهما بكسر ما قبل آخره وفتحه كقولك يستغفر ويستغفر ويشترى ويشتري فما بال هذين البناءين لم يفعل بهما ذلك قيل له أما ما كان على أربعة أحرف فإن الفرق فيه لازم بالكسر والفتح؛ لأن أوله مضموم مما سمي فاعله، وما لم يسم فاعله، كقولك يكرم ويقاتل؛ فاحتاجوا إلى الفرق بالكسر والفتح لأن ضم أوله لا يدل على الفرق إذا كان مضمومي الأول، وأما ما جاوز أربعة أحرف فإنه مفتوح الأول
مكسور ما قبل الآخر فيما سمي فاعله، ومضموم الأول مفتوح ما قبل الآخر فيما يسم فاعله، إلا في تفعل وتفاعل وإنما صار يتفعل ويتفاعل بفتح ما قبل آخرهما من قبل أنهما كثرت الفتحات في أولهما، فاتبعوا ما قبل آخرها فتحات أولهما، وليس ذلك في فعل سواهما لأن كل واحد منهما في أوله ثلاث فتحات متواليات وليس كذلك غيرهما.