وذلك قولك: " تسرّيت وتظنيّت وتقصّيت من القصة، وأمليت وزعم أن التاء في اسنتوا مبدلة من الياء أرادوا حرفا أخف عليهم، وأجلد كما فعلوا ذلك في أثلج وبدلها شاذ هنا بمنزلتها في ستّ وكل هذا التضعيف فيه عربي كثير جيد، وأما كلا وكل فكل واحدة من لفظ ألا ترى أنه يقول: رأيت كلا أخويك فيكون مثل معي، ولا يكون فيه تضعيف. وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون هنانان يريدون معنى هنيين فهذا نظيره يجعل الواحد هنان ".
قال أبو سعيد﵀- ذكر سيبويه بدل الياء في هذه الأحرف.
وقد جاء غيرها فما أرى أحدا حصره فمنه قول الله ﷿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [الشمس: ٩، ١٠] قيل فيه: دسسها، وابدل الياء من السين الآخرة، ثم قلبها ألفا.
[ ٥ / ٣٦٨ ]
وقوله: وإن كانت قبل المسكنة ألف لم تغير الألف، واحتملت ذلك الألف لأنها مد يعني رادّ ومادّ وجادّة وأصلها مادد وجاددة وجاز إدغامها، والجمع بين ساكنين، وهما ألف مادّ والدال الأولى من الدالين لأن الألف فيها مد فيكون مدها عوضا من الحركة.
ولا يجمع بين ساكنين إلا أن يكون الساكن الأول من حروف المد واللين والساكن الثاني مدغما في مثله نحو ضالّ ورادّ وجادّة، وما أشبه ذلك.
وأما ما يكون فعلا فنحو: ألدّ وأشد، وإنما الأصل ألدد وأشدد، ولكنهم ألفوا حركة المسكن عليها؛ فأجريت هذه الأسماء مجرى الأفعال في تحريك الساكن والإلزام الإدغام، وترك المتحرك الذي قبل المدغم، وترك الألف التي قبل المدغم، ولا تجري الألف مجرى الألف في يضربانني إذا ثنيت؛ لأن هذه النون الأولى قد تفارقها الأخرى، وهذه الدال التي في رادّ لا تفارقها الآخرة فما يستثقلون لام للحرف.
قوله: فأجريت هذه الأسماء مجرى الأفعال.
يعني يجري ألدّ الذي هو اسم مجرى أملّ الذي هو فعل الإدغام، وتحريك الساكن فيما كان فاؤه ساكنا نحو أملّ واستعدّ وأصله أملل واستعدد، وكذلك أجري مرتد مجرى يرتد، وأصل التاء متحركة؛ لأن أصله يرتدد ومرتدد.
قوله: " وترك الألف قبل المدغم يعني أن الألف في دابة وراد ومادّ وقوله: ولا تجري الألف مجرى الألف في يضربانني إذا ثنيت ".
يعني: أن النونين في يضربانني، وإن كانتا من جنس واحد؛ فليس يلزم إدغام إحداهما في الأخرى كما لزم إدغام
إحدى الدالين في الأخرى في راد وماد، والأصل رادد ومادد.
وقال محتجا لترك إدغام إحدى النونين في الأخرى في يرضانني قال: " لأن هذه النون الأولى قد تفارقها الأخرى، وهذه الدال الأولى التي في رادّ لا تفارقها الأخرى " يعني أن النون الأولى التي في يضربانني يجوز أن تتصل بغير المتكلم فيجتمع نونان لغير المتكلم كقولك يضربانك ويضربان زيدا.
فإذا كانت النون الثانية غير لازمة لم يجب إدغام الأولى؛ لأن الأولى قد ثنيت فيها الحركة لفظا قبل مجيء الثانية فلا تبطل هذه الحركة بمجيء الثانية.
وقد يجوز إدغامها وإن كان إدغامها غير واجب كقولك يضرباني وفي الجمع أيضا كقولك يضربوني، قال الله ﷿ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ [الأنعام: ٨٠].
[ ٥ / ٣٦٩ ]
وقوله: «فما يستثقلون لازم للحرف» يعني يستثقلونه من اجتماع الحرفين من جنس واحد لازم لرادّ وماد قال.
ولا يكون الاعتلال إذا فصل وذلك نحو: الإمداد والمقداد يعني إذا وقع بين الحرفين المتجانسين حرف يفصل بينهما في اللفظ بطل الإدغام والتغيير وصحا جميعا كفصل الألف بين دالي إمداد.
وفصل الواو بين راءي سرور وفصل الياء بين كافي ركيك قال؛ فأما ما جاء على ثلاثة أحرف لا زيادة فيه فإن كان يكون فعلا فهو بمنزلته وهو فعل وذلك قولك صب في فعل زعم الخليل أنها فعل؛ لأنك تقول صببت صبابة كما تقول قنعت قناعة، وهو قنع.
قال أبو سعيد﵀- اعلم أن كل شيء من الثلاثي من الأسماء قيلهن كما فعل بمردّ ومفرّ ومدقّ وأصلها مردد ومفرر ومدقق مثل مسعط.
قال سيبويه: وإنما معدّ بمنزلة خدبّ ولا تقول أصله فعلل، وكذلك معد ليس من فعلل في شيء يريد أن معدّا ليس أصله معدد على مثال جعفر كما أن خدبا لا يقال فيه أصله خدبب، ثم ألقيت فتحة الياء الأولى على الدال، ثم أدغمت بل بنيت الباء الأولى على السكون والدال على الفتحة كما فعل ذلك بمعد وخدب ملحق بقمطر وقعدد وسردد ملحق بجعشم.
قال سيبويه: ومنزلة جبن منها منزلة يريد منزلة جبن من قعدد كمنزلة معد من قرد لأن جبنا فيه ضمتان وحرف مزيد من جنس آخر كقعدد وليس بملحق كقعدد كما أن معدا فيه فتحتان وحرف مزيد من جنس آخر، وليس بملحق كقرد وظمر من رمدد بهذه المنزلة.
قال سيبويه: وأما قعدد فإنما أرادوا أن يلحقوه بجندب وعنصل بالتضعيف كما ألحقوا ما ذكرت من بنات الأربعة
ودرجة فيه بمنزلة فعل من فعلل.
فإن قال قائل: ولم جعل سيبويه قعددا ملحقا بجندب وعنصل والنون فيها زائدة.
وإنما يكون إلحاق ما فيه زائد بما ليس فيه زائد فالجواب أنه جعل عنصلا وجندبا كالأصل في وزن ما أوله مضمومه وثانيه ساكن وثالثه مفتوح؛ لأن النون الذي هو حرف الزيادة لا يسقط بحال، ولا يعرف له اشتقاق من شيء تسقط فيه النون وقعدد معروف الاشتقاق، ويقال فيه: هذا أقعد من هذا ودرجة منه بمنزلة فعل من فعلل يريد أن درجة ليس بملحق بجندب كلحوق قعد ولكنه قد صار فيه ضمة بعدها فتحة وبعد لام الفعل منه حرف زائد فمنزلة درجة من قعدد كمنزلة طمر من رمدد. وقد مضى نحو هذا.
[ ٥ / ٣٧٠ ]
قال سيبويه: " وقالوا: عفنجج فلم يغيروه عن زنة جحنفل كما لم يكن ليغير بغير نون عن زنة جحنفل، ولا تلحق هذه النون " فقل؛ لأنها إنما تلحق ما تلحقه ببنات الأربعة الخمسة، وإنما ضاعفت اللام يريد أن عفنجج قد لحق بالرباعي فصار عفجج وعفجج ملحق بجحفل وعلى وزنه ثم زيدت عليه النون؛ فألحق بالخمسة فصار بمنزلة الرباعي إذا ألحق بالخمسة بزيادة النون، وذلك بجحنفل وهو ملحق بسفرجل.
وإنما أراد سيبويه أن يؤكد أن ما يلحق بغيره ولا يغير عن ترتيب حركات ما ألحق به، ويجوز أن يقال أن عفنجج زيدت النون عليه وإحدى اللامين فألحقناه بسفرجل كما زيدت على جحفل النون فألحقته بسفرجل وفعل نحو معدّ لا تلحقه هذه النون ولو كان فعللا جاز أن تلحقه كما لحقت عفنجج وقوله: ولأنها إنما تلحق ما تلحقه ببنات الخمسة وليس معد بملحق فتلحقه النون وإنما ضوعفت فيه اللام على غير الإلحاق.
وقد تلحق الزيادة شيئا ملحقا بشيء فيكون سبيله بعد الزيادة كالأصلي الذي ألحق به إذا ألحقته تلك الزيادة كقولك: جلببت وهو ملحق بدحرجت ثم تزيد التاء عليه؛ فتقول تجلبب يتجلبب كما قالوا: تدحرج فزيدت فيه التاء.
واعلم أن الفعل ليس فيه بناء يلحق به غيره إلا بناءان أحدهما فعلل وهو دحرج ألحق به جلبب وحوقل، وما أشبه ذلك، والآخر افعنلل الذي فيه أربعة أحرف أصلية، وهو أحرنجم واخرنطم، وما أشبه ذلك.
وألحق به البناء الثلاثي بإحدى زيادتين فقط، أما بزيادة ألف في آخره مع النون كقولك احرنبي واحبنطي، أو حرف من جنس لامه كقولك افعنسس واسحنكك والتقدير: أنا لو استعملنا أحرنجم بلا زيادة فعلا وجب أن يقال حرجم وألحقنا به حربي وحبطي وقعسس وسحكك، ثم زدنا على الملحق الزيادة التي زدناها على الأصل من الهمزة والنون فقلنا: احرنبي واقعنسس كما قلنا احرنجم فصارا اقعنسس غير مدغم كما كان قعسس غير مدغم مثل جلبب وشملل.
قال سيبويه: وقالوا: " اقعنسس فأجروه على زنة احرنجم؛ فكل زيادة دخلت على ما يكون ملحقا ببنات الأربعة بالتضعيف بغير زيادة سوى اللام فإن تلك الزيادة إن كانت تلحق ببنات الأربعة فهذا ملحق بتلك الزنة من بنات الأربعة كما كان ملحقا وليس زيادة سوى ما ألحقها بالأربعة ".
يريد أن الزيادة التي تدخل على بنات الأربعة الأصلية قد تدخل تلك الزيادة على
[ ٥ / ٣٧١ ]
الملحق ببنات الأربعة.
مثال هذا أن عفجج ملحق بجحفل وجحفل حروفه أصلية ثم زيد على جحفل نون فصار جحنفل.
وكذلك زيدت هذه النون على عفجج فقيل عفنجج فلم تتغير عن منهاج جحنفل، ولفظه وقعسس الحق بحرجم ثم زيد على حرجم ألف ونون زائدتان فصارا احرنجم وزيد مثله من الزيادة على الملحق به فقيل اقعسس فصارا اقعنسس على منهاج احرنجم.
وذكر سيبويه احمررت واستهاببت وأنه لم يلحق بشيء فلم يمتنع من الإدغام، وقالوا فيه احمر واشهابّ وأصله احمرر واشهابب ومثله مما أدغم وأصله غير ذلك؛ لأنه ليس بملحق اقشعر واطمأن وأصله اقشعرر واطمأنن ومثله استعدّ وأصله استعدد؛ لأنه على وزن استفعل.
وإنما أدغم كما أدغم عد وفّر، وأصله عدد وفر، ثم دخلت السين والتاء على عد وقد وجب إدغامه فترك على الإدغام.
قال سيبويه: " فإن قلت: هلا قالوا: استعدد على زنة استخرج فإن هذه الزيادة لم تلحق بناء يكون ملحقا ببناء وإنما لحقت شيئا يكون معتلا وهو على أصله كما أن أخرجت على الأصل ولو كان يخرج من شيء إلى شيء لفعل به ذلك. ولما أدغموا في أعد كما لم يدغموا في جلبب ".
يريد أن استعد على أصله في البناء لم يلحق بشيء كما أن باب أخرجت وهو افعلت يلحقه الإعلال؛ فيقال: أقام وأعد، وهو غير ملحق ببناء آخر.
ومعنى قوله: " ولو كان يخرج من شيء إلى شيء لفعل به ذلك ".
يعني لو كان ملحقا بشيء أتوا به على وزن ذلك الشيء، ولما أدغموا باب أعد كما لم يدغموا باب جلبب وسبيل الرباعي إذا زيد في آخره حرف من جنس آخره ليلحق بالخماسي كسبيل الثلاثي إذا ألحق بالرباعي بحرف من جنس آخره في أنه لا يدغم، وذلك قولك: سبيهلل وقفعدد ألحق بهمرجل كما ألحق قردد بجعفر.
ومعنى سهلل الفارغ يقال: أتاني أتاني عثريا أي فارغا وقفعدد قصير وبعد ذلك في الباب من كلام سيبويه ما
يغني عن تفسيره ما تقدم إن شاء الله.
[ ٥ / ٣٧٢ ]