" اعلم أن هذا الباب يشتمل على ما لحقته ألف الوصل مما أصله ثلاثة أحرف ولحقته زيادة واحدة سوى الألف أو زيادتان، وقد ذكرنا جملته فيما مضى، وإنما لحقته ألف الوصل بسكون أوله، وإنما سكن أوله لأن لو تحرك لتوالي أكثر من ثلاث متحركات، ألا ترى أن لو حركنا النون من انطلق والطاء واللام والقاف متحركات لتوالى أربع متحركات، وذلك مفقود في كلامهم في كلمة واحدة إلا ما خفف والأصل غيره نحو علبط وهدبد والأصل علابط وهدابد، وذكر الأمثلة فجعل افتعل على مثال انفعل وجعل أفعال على مثال استغفر، وليس يريد المثال على ما يوزن به الفعل، وإنما يريد عدد حروفه وقصد سواكنه ومتحركاته والأصل في أفعل وإفعال وافعلل وافعالل؛
[ ٥ / ١٧٩ ]
فأدغم الحرف الأول في الثاني لأنه من جنسه نحو احمر واسود والأصل فيه احمرر واسودد؛ فأدغمت كما أدغم ردّ والأصل ردد والدليل على ذلك أنهم قد قالوا ارعوي واحووي، والأصل في أرعوي أرعووا وأحووا مثل احمرر واسودد فقلبت الواو الأخيرة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فلما قلبتها ألفا بطل الإدغام فيه وصح الإدغام في آخر احمرر لثبات الراء الأخيرة، ثم ذكر سيبويه بعد تسوية بناء استفعلت فافعاللت فقال وإن أردت أفعل منه ".
يعني ما لم يسم فاعله من أفعاللت قلبت الألف والضمة التي قبلها كما فعل في فوعل، وذلك قولك استهابيت واستهوب في هذا المكان فهو على مثال استفعل، إلا أنه قد يغيره الإسكان عن مثال استخرج كما يتغير استفعل عن المضاعف؛ نحو استعيدد إن أدركه السكون عن استخرج يعني أن استهوب في الوزن مثل استخرج غير أن الباء الأولى من استهوب بحذاء الراء من استخرج، غير أن الباء الأولى من استهوب استعدد مثل استخرج فأدغمت الدال الأولى في الثانية، وألقيت حركتها على العين؛ فتغير البناء في اللفظ والأصل ما ذكرناه.
قال سيبويه: " وأما هرقت وهرحت فأبدلوا مكان الهمزة الهاء، كما تحذف استثقالا لها، فلما جاء حرف أخف من الهمزة لم يحذف في شيء ولزم لزوم الألف في ضارب، وأجري مجرى ما ينبغي لألف أفعل أن تكون عليه في الأصل، وأما الذين قالوا اهرقت فإنما جعلوها عوضا من حذفهم العين، وإسكانهم إياها، كما جعلوا ياء أينق وألف
يمان عوضا، وجعلوا الهاء العوض لأن الهاء تزاد ونظير هذا قولهم استطاع يستطيع جعلوا العوض السين لأنه فعل، فلما كانت السين تزاد في الفعل زيدت في العوض لأنها من حروف الزوائد التي تزاد في الفعل، وجعلوا الهاء بمنزلتها تلحق الفعل في قولهم ارمه وعه ونحوهما ".
قال أبو سعيد ﵀ أما هرقت وهرجت فالأصل فيهما إراق وأراج، والهاء بدل من الهمزة كما قالوا هياك في إياك، ومستقبله يهريق ويهريج، وكان الأصل يوريق ويوريح غير أنهم في الهمزة يحذفون على ما ذكرنا أن الأصل في يكرم يؤكرم، وإنما يحذفون الهمزة لئلا يجتمع همزتان في فعل المتكلم؛ فإن أبدل من الهمزة هاء لم يجتمع همزتان في فعل المتكلم فكذلك ثبتت الهاء التي هي بدل الهمزة، ولأثبتت الهمزة وفي هراق لغة أخرى وهي إهراق ومستقبله يهريق فمن قال هذا فإنما زاد ألفا على إراق كما زادا السين في
[ ٥ / ١٨٠ ]
إطاع يقال أسطاع بقطع الألف وزيادة الهاء في إهراق والسين في أسطاع؛ إنما هي عوض من ذهاب عين الفعل منها ونقلها إلى ما قبلها، وذلك أن الأصل في إراق وأطاع أروق وأطوع فأعلت الواو وألقيت حركتها على ما قبلها؛ فكان زيادة الهاء والسين عوضا من ذلك، وأما قوله: " كما جعلوا ياء أينق وألف يمان عوضا ".
يعني أن الأصل في أينق أنوق لأنه جمع ناقة والأصل في ناقة نوقة فجمع على أفعل، ثم استثقل الضم على الواو فحذفت الواو وعوض منها الياء في أينق؛ فإن قال قائل فهلا عوضت الياء في موضع الواو قيل له لو عوضت الياء في موضع الواو فقالوا أنيق جاز أن يتوهم متوهم أن الياء ليست بعوض، وأن الألف في ناقة بدل من الياء، وأن الأصل نيقة وعوضوها في غير موضعها ليزول ذلك التوهم وأما ألف يمان فالأصل فيه يمني لأنه منسوب إلى اليمن فأبدلوا ألف يمان من إحدى الياءين، ومنهم من يقول يماني، ومن قال ذلك فإنما نسب إلى منسوب كأن نسبنا مكانا إلى اليمن فقلنا يمان، ثم نسبنا إلى يمان فقلنا يماني كما لو نسبنا إلى صحار فقلنا صحاري، ومن العوض للمحذوف قولهم ارمه وعه الأصل ارمي وعي فحذفت الياء للجزم فعوضت الياء التي حذفت للجزم غير أن الهاء في عه وما كان مثله نحو قه، وما أشبه ذلك لازمة عوضا لأن الفعل يبقى على حرف واحد بعد سقوط الياء للجزم، ولا يجوز النطق بحرف واحد لأنه من الابتداء بمتحرك والوقف على ساكن فجعلوا الهاء عوضا لأن ما في عه وبابه لما ذكرناه، وإما ارمه وما كان أكثر من حرفين فالهاء غير لازمة كقولك ارمه، وإن شئنا ارم إذ لم يعوض.