" وذلك لأن الواو والياء بمنزلة التي تدانت مخارجها لكثرة استعمالهم إياهما وممرها على ألسنتهم، فلما كانت الواو ليس بينها وبين الياء حاجر بعد الياء " ولا قبلها كان العمل من وجد واحد أخف عليهم وكانت الياء الغالبة في القلب لا الواو؛ لأنها أخف عليهم لشبهها بالألف وذلك قولك في فيعل سيّد وميّت.
قال أبو سعيد ﵀: قد بينا فيما مضى أن الياء والواو إذا اجتمعتا والأولى منهما ساكنة أن الواو تقلب ياء تأخرت أو تقدمت، وإنما كان ذلك لما ذكر سيبويه أنهما بمنزلة حرفين وإن كانا متباعدين، لأنهما متشاركان في المدّ واللين وفي أشياء كثيرة فصارا باشتراكهما في هذه الأشياء بمنزلة حرفين متقاربي المخرج مثل التاء والدال والذال، فلما كان الحرفان المتقاربان إذا اجتمعا جاز إدغامهما أو وجب إدغامهما كان ذلك في الياء
[ ٥ / ٢٧٢ ]
والواو أوجب، وله ألزم والذي أدغم من الحرفين المتقاربين كقولك أذكروا أصله ذال وتاء صيرت التاء دالا
فصارت ذالا ودالا وكقولك مضت وعد وصارت الياء أولى وقلب الواو إليها أوجب لما ذكرناه من تمكن موضعها من اللسان وتوسطه، ولخفة الياء وشبهها بالألف فأصل سيد وميت سيود وميوت، لأنه من ساد يسود ومن الموت وزعم الفراء أن سيد وميت فعيل اعتلت عين الفعل منه في مات يموت وصان يصون، فقدم وأخّر وقلبت الواو ياء وأنه ليس في الكلام فيعل الذي تعتل عينه إنما يجيء على هذا الوزن وأن طويل شاذ لم يجئ على قياس طال يطول وكان ينبغي إذا جاء على طال يطول أن يقال طيل كما قيل سيد وصيت وإذا لم يكن على فعل معتل صح كقولك سويق وعويل وحويل والذي قاله سيبويه أولى، لأن الظاهر من وزن البناء هو فعل فيعل وقد خصوا فيما ذكر سيبويه المعتل بأبنية لم يجعلوها لغيره فمنها فعيل كسيد وميت ولغير المعتل فيعل كصيقل وحيدر، ومنها فعلة جمع فاعل كقاض وقضاة وغاز وغزاة وفي غير المعتل تكون على فعلة نحو كاتبه وكتبة وبار وبررة، ومنها فيعولة نحو كينونة وقيدودة الأصل كينونة وقيدودة وذكر الفراء أن هذه الأبنية كأبنية الصحيح كما ذكرناه وأصل قضاة عنده فعل كشاهد وشهد وجاثم وجثم فكان أصل قضاة قضي كما تقول غاز وغزي واستثقلوا التشديد على عين الفعل فخففوا وعوضوا من الحرف الذي حذفوه كما قالوا عدة فعوضوا هاء من الواو المحذوفة، وأما كينونة فالأصل فيه عند الفراء كونونة على فعلولة مثل بهلول وصندوق ثم فتحوه؛ لأن أكثر ما يجيء من هذه المصادر ومصادر ذوات الياء كقولهم صار صيرورة وسار سيرورة ففتحوه حتى تسلم الياء، لأن الباب للياء، ثم حملوا ذوات الواو على ذوات الياء فقلبوا الواو ياء في نحو كينونة وقيدودة والقول في ذلك كله ما قاله سيبويه.
قال أبو سعيد ﵀: أما فيعل كسيد فقد ذكرناه ونقوي ذلك بأن نقول إن كان أصل سيد سويد على فعيل قالوا وفيه إما أن تكون في موضعها أو قد أخرت فإن كانت الواو في موضعها فينبغي إذ خففت في سيد وميت أن تردها إلى الواو فتقول سود وموت كما نقول أموات، لأن الذي حذفناه هو الحرف الثاني وإن كانت الواو قد قدمت عليها ياء فعيل وأخرت هي فقد تفرد المعتل بهذا التقديم الذي لا يوجد مثله في الصحيح، لأن ياء فعيل لا تقدم على عينه في شيء من الصحيح فإذا جاز أن يختص المعتل من التقديم والتأخير بما لا يوجد مثله في الصحيح جاز أن يخص ببناء لا يوجد مثله في الصحيح وأما كينونة فهي عند سيبويه فيعلولة والأصل كينونة ولكنهم خففوها كما خففوا سيد وميت كما أن التخفيف والتشديد في سيد وميت جائزان وفي كينونة يجب التخفيف لكثرة
[ ٥ / ٢٧٣ ]
حروفه وذلك أن نهاية الاسم أن يكون على سبعة أحرف بالزيادة وهي على ستة أحرف، وقد لزمتها هاء التأنيث وقد يخففون منها لكثرة حروفها كقولهم في اشهيباب اشهباب، فلما جاز التخفيف فيما قلّت حروفه وهو سيد لزم
التخفيف فيما كثرت حروفه وهو كينونة ولو كانت فعلولة قودودة وكونونة وأما قول القائل أنهم غلبوا الياء على الواو، لأن الباب للياء فليس شيء، لأن المصادر على هذا الوزن قليلة وما جاء منها فذوات الواو منه قريبة في العدد من ذوات الياء أو مثلها كقولك كينونة وقيدودة وحال حيلولة، واستدل على أنه ليس بفيعل أعني سيد وميت أنه لو كان فيعل لوجب أن يقال سيد وميت كما قالوا تيحان وهيبان فالتيحان فيعلان ومعناه الذي يعترض في كل شيء والهيبان الجبان الذي يهاب كل شيء، وقد شكر سيبويه أن قوما قالوا سيد فيعل وأنه كسر عين الفعل كما قالوا في بصري بصري وكما قالوا في أموي أموي وقالوا أخت والأصل الفتح لأن أصلها أخوة، وقد مضى هذا مفسرا وإنما قال هذا القائل أن وزنه فيعل؛ لأنه وجد فيعلا في الكلام ولم يجد فيعل فجعله فيعلا، ثم جعل الكسر تغييرا كما غير في بصري في النسبة إلى البصرة وفي النسبة إلى دهر دهري إذا أردت أنه قد أتى عليه الدهر وهو مسن فإذا نسبته إلى القول بالدهر قلت دهري، وقد جاء في بعض هذا المعتل فيعل قال الشاعر:
ما بال عيني كالشعيب العيّن (١)
قال: " فإنما يحمل هذا على الاطراد حيث تركوها مفتوحة فيما ذكرت لك ووجدت بناء في المعتل لم يكن في غيره ولا نحمله على الشاذ الذي لا يطرد، وقد وجدت سبيلا إلى أن يكون فيعلا " يعني: أن هذا البناء إنما يحمل على فيعل؛ لأنه المطرد في الباب ولو كان فيعل لترك على الفتح فقيل في سيّد سيد كما قيل عين، ثم قوي حمل سيد على فيعل أنهم قد وجدوا في المعتل بناء ليس مثله في الصحيح.
قوله " ولا نحمله على الشاذ الذي لا يطرد " يعني: لا يحمل على فيعل مثل عين وأنت تجد سبيلا إلى أن تجعله فيعلا على لفظه.
قال: " وأما قولهم ميت وهين ولين فإنهم يحذفون العين كما يحذفون الهمزة من هاير لاستثقالهم الياءات كذلك حذفوها في كينونة وقيدودة ".
_________________
(١) الإنصاف ٢/ ٨٠١، تاج العروس ٣٥/ ٤٥٦، جمهرة اللغة ٢/ ٩٥٦.
[ ٥ / ٢٧٤ ]
يعني: أنهم حذفوا عين الفعل من سيد وكان أصله سيود وعين الفعل منه واو ومن ميت فبقي ميت استثقالا لياءين وكسرة وكان هذا الحذف لازما في كينونة لما ذكرناه وشبه سيبويه حذف عين الفعل من ميت وهين بحذفهم الهمزة من هاير وهي أيضا عين الفعل استثقالا للكسرة على همزة هاير ويجوز لقائل أن يقول أنهارا إنما الأصل فيه هار يهور، وعين الفعل وقعت ساكنة معتلة في هار يهور فإذا جاؤوا باسم الفاعل وقعت عين الفعل ساكنة في
أسماء الفاعل كما كانت ساكنة، فاجتمع ساكنان فحذفوا أحدهما لاجتماع الساكنين قال عقب حذف العين من كينونة وقيدودة لما كانوا يحذفونها في العدد الأقل ألزموهن الحذف إذ كثر عددهن وبلغن الغاية في العدد حرفا واحدا وإنما أرادوا بهن مثال عيضموز يعني ألزموا كينونة الحذف؛ لأنها على ستة أحرف والغاية في العدد سبعة أحرف مع الزيادة فكينونة مثل الغاية إلا حرفا واحدا.
وقوله " إنما أرادوا بهن مثل عيضموز " يعني: في عدة الحروف وزيادة الياء ثانية.
قال: " وإذا أردت فيعل من قلت قيّل فلو كان يغير شيء من الحركة باطراد لغيروا الحركة ها هنا فهذه تقوية؛ لأن يحمل سيد على فيعل إذ كانت الكسرة مطردة كثيرة وبنات الياء وبنات الواو وسواء " يعني: أنا لو بنينا فاعل من القول لوجب أن نقول قيل وذلك أنا نزيد ياء فيعل فيصير قيول فتقلب الواو ياء لسكون الياء التي قبلها وتدغم.
ومعنى قوله " ولو كان يغير شيء من الحركة باطراد لغيروا الحركة ".
هاهنا يريد لو كان فيعل من ذوات الواو والياء يوجب الكسر كما زعم من حكى عنه سيبويه في سيد وميت؛ أنه فيعل لوجب أن يقال قيّل ولاطردن لك وبنات الياء والواو سواء في فيعل فبنات الواو كسيد وصيت وبنات الياء كلين ودين.
قال: " ومما قلبوا الواو فيه ياء ديّار وقيّام وإنما كان الحد قيوام وديوار وقالوا قيّوم وديّور إنما الأصل قيووم وديوور، لأنهما بنيا على فيعال وفيعول ولو كان ديار على فعال لوجب أن يقال قووم؛ لأن عين الفعل واو قال وأما فعيل مثل حذيم فبمنزلة فيعل إلا أنك تكسر أول حرف فيه " يعني: أنه يستوي لفظ فيعل وفعيل مما عينه واو أو ياء إلا في كسر أوله فمن ذلك أنا لو بنينا فعيل من قام لوجب أن تقول قيّم والأصل قويم
[ ٥ / ٢٧٥ ]
فاجتمعت الواو والياء والأولى منهما ساكنة، فقلبت الواو ياء فأدغمت الياء فيها وفيعل من القول تقول فيه قيّل على ما بينا فليس بينهما فرق إلا في كسر أوله وفتحه قال وأما زيّلت ففعّلت من زايلت، وإنما زايلت بارحت والدليل على ذلك قولك في المصدر تزييلا كما تقول كسرت تكسيرا وإنما صارت ياء؛ لأنها من زاله يزيل إذا فرّقه وزايلته أي بارحته فقد تبين أنه من الياء ولو كان من زال يزول لوجب أن يقال زوّلت تزويلا كما تقول قوّمت تقويما قال ولو كان زيّلت فيعلت لقلت في المصدر زيله ولم تقل تزييلا في الأصل فقال لو كان زيولت في الأصل لوجب أن يكون مصدره زيولة ينقل إلى زيلة، فلما لم يقل زيلة وقيل تزييل علمنا أنه ليس فيعلت.
قال: " وأما تحيزت فتفيعلت من حزت والتحيّز تفعيل " وإنما علمنا أن تحيزت تفيعلت لأنه لو تفعلت لوجب أن يقال تحوزت إن كان من حاز يحوز من الواو لكان المصدر تحوزا قال وأما صيود وطويل وما أشبه ذلك فإنما منعهم
أن يقلبوا الواو فيهن ياء إن الحرف الأول المتحرك فلم يكن ليكون إدغام إلا بسكون الأول ألا ترى أن الحرفين إذا تقارب موضعهما فتحركا أو تحرك الأول وسكن الآخر لم يدغموا نحو قولهم وتد ووتد فعل ولم يجيزوا ودّه على هذه فيجعلوه بمنزلة مدّ لأن الحرفين ليسا من موضع تضعيف فهم في الواو والياء أجدر أن لا يفعلوا ذلك ولم يجيزوا يدو أول هذا الفصل بيّن من كلام سيبويه فأما قوله فلم يجيزوا ودّه فإنه يعني لم يجيزوا إدغام الدال في التاء في وتد فعل ماض فيقولون ودّه لأن الحركة تمنع الإدغام ولم يجيزوا يد في يتد محركة التاء، ولأنهم لو فعلوا ذلك لجمعوا على الحرف علتين إحداهما حذف الواو وهي فاء الفعل كما حذفوها من يعد ويزن وما أشبهه والأحرى التسكين والإدغام، وجعل سيبويه اجتماع الواو والياء بمنزلة الحرفين المتقاربي المخرج، فلما لم يدغم الحرفان المتقاربان المخرج نحو وتد ويتد لم تدغم أيضا الواو والياء إحداهما في الأخرى لتحرك الأولى منهما كما ذكر في صيود وطويل، ولأنه فيما ذكر أن الواو والياء مشبهتان بحرفين متقاربي المخرج، فإذا كان ما تقارب مخرجه لا يدغم إذا ترك الأول فكذلك الياء والواو إذا تحركت الأولى منهما وإذا كان الحرفان من جنس واحد والأول منهما متحرك جاز أن يدغم نحو مد ومد، لأن الحرفين إذا كانا من موضع واحد اختاروا أن يرفعوا اللسان رفعة واحدة فأدغموا وإن كان الحرفان من موضعين لم يرفعوا اللسان بهما رفعة واحدة، فتركوا كل واحد منهما على أصله.
[ ٥ / ٢٧٦ ]
قال: " وفوعل من بعت بيّع وتقلب الواو كما قلبتها وهي عين في فيعل وفيعل من قلت وإنما قلت بيع " لأن الأصل بويع فقلبت الواو ياء لتقدمها الياء وسكونها نحو لويته ليا والأصل لويا، وقد مضى نحو هذا وكذلك فعيل من بعت وفعول تقول بيّع وبيّع؛ لأن أصله بيوع قلبت الياء واوا قال: " وسألت الخليل عن سوير وبويع ما منعهم أن يقلبوا الواو ياء فقال؛ لأن هذه الواو ليست بلازمة ولا بأصل وإنما صارت بالضمة حيث قلت فوعل ألا ترى أنك تقول سابر وساير فلا تكون فيهما الواو، وكذلك تفوعل نحو تبويع؛ لأن الواو ليست بلازمة وإنما الأصل الألف ومثل ذلك قولهم روية ورويا ونويّ لم يقلبوها ياء حيث تركوا الهمزة؛ لأن الأصل ليس بالواو فهي في سوير أجدر أن يدعوها؛ لأن الواو تفارقها إذا تركت فوعّل وهي في هذه الأشياء لا تفارق إذا تركت الهمزة ".
قال أبو سعيد ﵀: قد ذكرنا أن الواو والياء إذا اجتمعا والأولى منهما ساكنة أن الواو تقلب ياء وتدغم، وقد رأينا الياء والواو قد اجتمعتا في سويد والأولى منهما ساكنة فلم تقلب الواو ولم تدغم والسبب في ذلك أن هذه الواو لا تثبت واوا إنما هي ألف ساير في الأصل، فلما جعل الفعل لما لم يسم فاعله لم يكن بد من ضم أوله علامة لما لم يسم فاعله فضمت السين من ساير، فصارت الألف واوا اتباعا فجعلت على حكم الألف مدة، ولم تدغم في الياء
كما لم تدغم الألف في الياء وكذلك تفوعل نحو تبويع، والأصل تبايع فلما لم يسم فاعله ضم أوله وثانيه علامة لما لم يسم فاعله كما قيل تدحرج، فلما ضممت الحرف الثاني انقلبت الألف واوا كما كان ذلك في سوير وصارت الواو في تبويع كالألف في تبايع ومثل ذلك رؤية ونوى إذا خففت الهمزة صارت واوا لسكونهما وانضمام ما قبلهما، ثم لا تقلب ياء للياء التي قبلها لأنها همزة قد خففت فالنية فيه نية الهمزة وكذلك سوير لما كانت النية في الواو منها نية الألف ثم تقلب ياء.
قال: " وهي في سوير أولى أن لا تقلب لأن الواو تفارقها في ساير ورؤية ورؤيا ونوى تجوز الواو فيهن في كل حال ".
قال: " وبعضهم يقول ريا ورية فجعلها بمنزلة الواو التي ليست ببدل من شيء ولا يكون في سوير وتبويع " يعني: أن روية إذا خففت الهمزة منها يجوز قلبها فيقال رية وقد قالته العرب تعل سوير إلا بالواو لان هذه الواو هي الألف التي في ساير، ولأن لا شبه
[ ٥ / ٢٧٧ ]
فعل نحو سير وبيع مثل سوير وتبويع والواو بمنزلته ولم تهمز في عواور لأنها بمنزلة واو بعدها ياء.