" اعلم أن أصلها الضم وبعدها الواو، لأنها في الكلام كله هكذا إلّا أن تدركها هذه العلة التي أذكرها لك وليس بمنهم ما أذكره لك أيضا من أن يخرجوها على الأصل، كما أن الياء خفيّة، فالهاء تكسر إذا كان قبلها ياء أو كسرة لأنها خفية وهي من حروف الزيادة وهي من موضع الألف، وهي أشبه الحروف بالياء، فكما أمالوا الألف في مواضع استخفافا، كذلك كسروا هذه الهاء وقلبوا الواو ياء، لأنها لا تثبت
[ ٥ / ٦٦ ]
واوا ساكنة وقبلها كسرة، فالكسرة ها هنا كالإمالة في الألف لكسرة ما قبلها وما بعدها ".
قال أبو سعيد: اعلم أن هاء الضمير أصلها الضم، ولا يجوز كسرها إلا أن يكون قبلها أو ياء ساكنة فإنه يجوز في هذه الحال كسرها للياء والكسرة ويجوز ضمها على الأصل وكان ابن شهاب الزهري يضمها في جميع القرآن وهو مدني حجازي ولذلك قال سيبويه: " وأهل الحجاز يقولون: مررت بهو قبل ولديهو مال ويقرؤون (فخسفنا بهو وبدارهو الأرض) ".
ولعل سيبويه أراده بهذه القراءة، وإنما جاز كسرها لكسر ما قبلها أو للياء لأنها أشبه الحروف بالألف، فكما أمالوا الألف ونحوا بها الكسرة للكسرة بعدها أو قبلها أو للياء على ما شرحناه كسروا الهاء أيضا من أجل ذلك. والذي يقول عليهمو أتبع الهاء كسرة الهاء، لأن الهاء كالألف وترك الميم على ضمتها لأنها لا تشبه الياء ولا الألف.
" كما أنك تقول في الإدغام مصدر فتقرّ بها من أشبه الحروف من موضعها بالدال وهي الزاي، ولا يفعل ذلك بالصاد مع الراء والقاف ونحوهما، لأن موضعهما " يعني موضع الراء والقاف " لم يقرب من الصاد كقرب الدال، وزعم هارون أنها قراءة الأعرج وهي قراءة أهل مكة اليوم حتى يصدر الرّعاء بين الزاي والصاد ".
قال أبو سعيد: أراد سيبويه أن الحروف قد تقرب إلى ما يجاورها كتقريب الصاد إلى الدال بأن جعلت كالزاي، لأن الزاي تشبه الدال بالجهر والصاد قريبة من الدال في المخرج والزاي من مخرج الصاد، فقّربت منها بأن جعلت بين الصاد والزاي لمناسبة الدال للزاي، وكذلك كسر الهاء لما ذكرناه.
قال: " واعلم أن قوما من ربيعة يقولون منهم، أتبعوها الكسرة ولم يكن المسكن حاجزا حصينا عندهم، وهذه لغة رديئة إذا فصلت بالنون بين الهاء وبين الكسرة فالزم الأصل؛ لأنك قد تجرى على الأصل ولا حاجز بينهما، فإذا تراخت وكان بينهما حاجز لم تلتق المتشابهة، ألا ترى أنك إذا حرّكت الصاد فقلت صدق كان من يحقق الصاد أكثر لأن بينهما حركة. فإذا قال مصادر فجعل بينهما حرفا ازداد التحقيق كثرة، فكذلك هذا ".
قال أبو سعيد: الذي يقول منهم لا يحفل بالنون فيكسر الهاء لكسرة الميم، والنون
[ ٥ / ٦٧ ]
خفية، وقد رأيناهم في حروف غير هذه عاملوا ما قبل النون الساكنة معاملة ما بعدها، كقولهم: هو ابن عمّى دنيا والأصل دنوا لأنه من الدنو.
وقالوا: منتن فكسروا الميم لكسرة التاء وأتبعوها إياها وكأنه ليس بينهما نون.
قال: " وقال ناس من بكر بن وائل: من أحلامكم شبهها بالهاء لأنها علم إضمار قد وقعت بعد الكسرة فأتبعوا الكسرة حيث كانت حرف إضمار وكان أخفّ عليهم من أن يضمّ بعد أن يكسر، هذه لغة رديئة جدّا وسمعنا أهل هذه اللغة يقولون للحطيئة:
وإن قال مولاهم على جلّ حادث من الدّهر ردّوا فضل أحلامك ردّوا (١)
قال: " وإذا حركت فقلت رأيت قاضية قبل لم تكسر، لأنها إذا تحركت لم تكن حرف لين فبعد شبهها من الألف، لأن الألف لا تحرك أبدا " وليست كالهاء لأن الهاء من مخرج الألف فهي وان تحركت في الخفاء نحوّ من الألف والياء الساكنين ألا تراها جعلت في القوافي متحركة بمنزلة الياء والواو ساكنتين فصارت كالألف، وذلك قولك:
خليلها، فاللام حرف الروي وهي بمنزلة خليلو، وإنما ذكرت هذا لئلا تقول قد تحركت الهاء فلم جعلتها بمنزلة الألف فهي متحركة كالألف ".
قال أبو سعيد: " أراد سيبويه أن الياء إذا تحركت بطل الكسر في الهاء ووصلت الهاء بواو لأنها لما تحركت بطل الكسر في الهاء بعد شبهها من الألف لأن الألف لا تكون إلا ساكنة، وإنما تشبه الواو والياء والألف إذا كانت ساكنة والهاء خفية تشبه الألف وإن كانت متحركة لأنها من مخرج الألف فهي تشبهها وإن كانت متحركة، ويقوي ذلك أن الحروف التي تكون وصلا لحرف الروي في القافية أربعة الألف والواو والياء والهاء، والألف الواو والياء إذا
كنّ وصلا لم يجز أن يتحركن، وأما الهاء فإنها قد تكون وصلا وتتحرك، فيكون بعدها الألف والواو والياء، وقد تكون الهاء وصلا " وهي ساكنة. فأما هاء الوصل الساكنة فقوله:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله وعرّي أفراس الصّبا ورواحله (٢)
فاللام حرف الروي والهاء وصل وهي ساكنة، وأما إذا كانت متحرك وبعدها ألف
_________________
(١) قائل البيت جرول بن أوس بن مالك انظر معاني القرآن وإعرابه ١/ ١٥.
(٢) البيت لزهير بن أبي سلمى انظر ديوانه ٤٥.
[ ٥ / ٦٨ ]
فقوله:
عفت الديار محلّها فمقامها بمنّى تأبّد قولها فرجامها (١)
فالميم حرف الروي والهاء وصل وبعدها ألف وهي تسمى بعد الهاء الخروج، وما بعد الهاء ياء قوله:
إذا علا علياء من عليائهي شقّ بها ما صحّ من سقائهي
الهمزة حرف الروي والهاء وصل وبعدها ياء هي خروج والواو قوله:
وبلد عامية أعماؤه كأنّ لون أرضه سماؤه
الهمزة حرف الروي والهاء وصل وبعدها واو هي خروج، ولذلك قال سيبويه:
" خليلها "، كقولك: خليلو، لأن الواو في خليلو وصل، والهاء في خليلها وصل، فالهاء بتحركه كالواو ساكنة.
قال: " وأما هاء هذه فإنهم أجروها مجرى الهاء التي هي علامة الإضمار، إضمار المذكر لأنها علامة للتأنيث كما أن هذه علامة للمذكر فهي مثلها في أنها علامة وأنها ليست من الكلمة التي قبلها، وذلك قولك: هذ هي سبيلي، فإذا وقفت لم يكن إلّا الحذف كما تفعل ذلك في به وعليه، إلّا أن من العرب من يسكّن هذه الهاء في الوصل، يشبهّها بميم عليهم وعليكم لأن هذه الهاء لا تحول عن هذه الكسرة إلى فتح ولا تصرّف كما تصرف الهاء، فلما ألزمت الكسرة قبلها حيث أبدلت من الياء وشبهوها بالميم التي تلزم الكسرة والضمة وكثر هذا الحرف في الكلام كما كثرت الميم في الإضمار. سمعت من يوثق بعربيته من العرب يقول: هذه أمة الله فيسكّن ".
قال أبو سعيد: أصل هذه هذي، وإنما أبدلت الهاء من الياء، وكثير من العرب لا يبدلون ويقولون هذي، فمن أبدل فإنه يجري هذه الهاء مجرى هاء الضمير التي قبلها كسرة فيكسرها، ولا أعلم أحدا يضمها لأنهم شبهوها بهاء الضمير وليست للضمير فحملوها على أكثر الكلام، وأكثر الكلام كسر الهاء إذا كان قبلها كسرة، ووصلها بالياء
كما وصلوا بهي وغلامهي يا فتى، فإذا وقفوا سكّنوا كما يسكّنون به وبغلامه إذا وقفوا، والذين أسكنوا الهاء في هذه إذا وصلوا لا يسكنونها في قولك بغلامهي وبدارهي وفي سائر أحوال هاء الضمير لأن هاء الضمير أشد تصرفا لأنها قد يكون ما قبلها ساكنا ومفتوحا
_________________
(١) البيت للبيد بن ربيعة العامري انظر شرح ديوانه ٢٠٥.
[ ٥ / ٦٩ ]
ومضموما، ولا يلزمها الكسر كما يلزم الذال في هذه قبل الهاء، فلقلة تصرفها جاز لهم إسكانها، لأنها مبنية وبدل من شيء لو كان حرفا صحيحا للزمه البناء على السكون، وذلك أنها بدل من ياء في حرف إشارة مبنية على السكون فجاز فيها السكون لذلك.