" لأنهم لو فعلوا ذلك صاروا بعد الاعتلال إلى الاعتلال والالتباس فلو قلت يفعل من حيي ولم تحذف لقلت يحيي فرفعت ما لا يدخله الرفع في كلامهم فكرهوا ذلك كما كرهوا في التضعيف فإن حذفت فقلت يحيي أدركته علة لا
تقع في كلامهم وصار ملتبسا بغيره يعني يعي ويقي ونحو ذلك ".
قال أبو سعيد ﵀: قد كنا بينا فيما تقدم أن حرفي علة إذا اجتمعا في آخر الفعل لم يجز إعلالهما جميعا وإنما يعل أحدها والأولى بالإعلال منهما الأخير وهو لام الفعل دون عينه كقولك حيى وشوى وأحيى وأغوى وفي المستقبل يحيا ويشوى ويحيى ويغوى جعلنا الحرف الأولى بمنزلة حرف صحيح وأقررناه على لفظه في الماضي والمستقبل ووفيناه ما يستحقه من الحركات في مواضعها ولحق الثاني القلب والتغيير والسكون والحذف فالقلب والتغيير قولك في مستقبل حيى يحيا وشوى بألف والأصل شويت بالياء والسكون في يشوي ويحيي في حال الرفع والحذف في الجزم، كقولك لم يشو ولم يحي ولو صححنا لام الفعل وأعللنا عينه لخرج عن منهاج كلامهم ودخله اللبس ووجب أن نقول في يفعل ويفعل من حي يحيى ويحيى لأنا إذا أعللنا عين الفعل وجب أن نقول في حيي حاي كما نقول فيما اعتلت عينه وصحت لامه نحو باع وهاب وأن نقول في احيي احاي كما نقول أبان وألان ومتى قلنا ذلك كان المستقبل كالمستقبل فنقول يحيى كما نقول تبيع ونقول يحيى كما نقول يبين ويلين، فتضم الياء في الفعل المستقبل
[ ٥ / ٣١٦ ]
علامة للرفع وليس بموجود في شيء من الفعل لأن الياء تسكن في الفعل في موضع الرفع ولو قال قائل تسكن الياء في الفعل في موضع الرفع ولو قال قائل تسكن الياء في الرفع لزمه أن يحذف الياء الأولى التي هي عين الفعل لسكونها وسكون لام الفعل في موضع الرفع فيقول يحيى فإذا قال يحيى أشبه يفي ويعي ونحوه ما فاء الفعل منه واو ولامه معتلة فيصير يحيى كمستقبل وحي يحيى ووعى يعي وما أشبهه ثم يلحقه الجزم فتسقط ياؤه كقولك لم يحي وفي ذلك إلباس وإخلال واعتلال بعد اعتلال.
قال: " فمما جاء في الكلام على أن فعله مثل بعت أي وغاية وآية وراية وجمعها راي كما قالوا آية وآي وتاية جعلوهن بمنزلة باب ودار وليس هذا بمطرد؛ لأن فعله بمنزلة خشيت ورميت وتجرى عينه على الأصل " يعني أنه قد جاءت أسماء شاذة اجتمع في آخرها حرفا علة فاعل الأول منهما وهو عين الفعل وكان القياس أن يعل الثاني الذي هو لام الفعل، وهي الأسماء التي ذكرها وكان القياس فيها أن يقال غواة أو غياة واوا أو ياء، وذلك أن الألف من غاية إن كانت منقلبة من الياء فأصلها غيية وإن كانت منقلبة من واو فأصلها غوية فيجتمع حرفا علة فالوجه على ما قدمناه من قياس الفعل أن نعلّ الثاني ونصحح الأول فإذا صححنا الأول وأعللنا الثاني وجب أن نقول عيا إن كان من الياء وغوى إن كان من الواو كما نقول حيا وغوى وما أشبه ذلك ولكن هذا جاء شاذا محمولا على دار وباب في إعلال اللام وشبه شذوذ هذا بشذوذ قود وروع وحول.
فقال: " وهذا شاذ كما شذ قود وروع وحول في باب قلت ولم يشذ هذا في فعلت لكثرة تصرف الفعل وتقلب ما يكرهون فيه في فعل ويفعل ونحو ذلك " يعني أن هذا الشذوذ الذي أتى في غاية وراية ونحوهما إنما أتى في الأسماء دون الأفعال والتقدير أن لو أتى الفعل على ذلك لاعتلت عينه وصحت، لأنه نحو بعت وهبت ولكن لم يأت في الفعل ذلك بسبب ما ذكرناه من الاختلال والخروج عن مذهب كلام العرب وأشبه غاية وسائر ما ذكرنا معها في الشذوذ قودا وروعا وذلك أن قودا وروعا اسمان شذا في تصحيح موضع العين منهما وكان حكمهما أن تكنا معتلتين فيقال قاد وراع لأنهما من باب قال وقام وهذا الشذوذ لم يأت في شيء من الفعل إنما أتى في الاسم ولم يأت قوم يقوم وبيع يبيع في الفعل لما يلزم الفعل من التغيير والتصرف، فكذلك الشذوذ في إعلال عين الفعل وتصحيح لامه مما اجتمع في آخره حرفا علة إنما أتى في الاسم دون الفعل وحكى سيبويه
[ ٥ / ٣١٧ ]
أن غير الخليل يقول أن أصل آية أية وأي ولكنهم قلبوا الياء واوا وأبدلوا مكانها الألف لاجتماعهما، لأنهما تكرهان كما تكره الواوان فأبدلوا الألف كما قالوا: الجيران وكما قالوا: ذوائب، فأبدلوا الواو كراهية الألف بين همزتين وهذا قول الخليل. اعلم أن الخليل ومن ذهب مذهبه، يقول أن آية وزنها فعلة وقلبت عين الفعل منها ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وقد مضى الكلام فيها على مذهبه وذهب الذي حكى عنه سيبويه وهو أيضا قول الفراء إلى أن وزنه فعلة وأنهم استثقلوا اجتماع ياءين فقلبوا إحداهما ألفا ثم استشهد سيبويه على قلبهم أحد الحرفين إذا اجتمعا وهما من حروف العلة فمن ذلك قلب إحدى الواوين إذا اجتمعتا في أول كلمة في جمع واصلة وتصغيرها أواصل وأويصلة والأصل وواصل وويصلة وكقلبهم الواو في حيوان والأصل حييان عنده وكما قالوا ذوائب والأصل ذائب وذلك أنها جمع ذؤابة فإذا جمعناها أدخلنا ألف الجمع بعد الهمزة فوقعت ألف ذؤابة بعد ألف الجمع فهمزت كما فعل برسالة ورسائل فاجتمعت همزتان بينهما ألف الجمع، فقلبت الأولى منهما واوا وقد مضى الكلام في هذا في باب الهمز مستقصى ومما احتج به الفراء أيضا في هذا قولهم عيب وعاب قلبوا الياء ألفا وهي ساكنة لا ياء معها فكيف إذا اجتمعت معها ياء أخرى.
وقال الكسائي آية وزنها فعلة وكان أصلها أيية فاستثقلوا اجتماع الياءين مع الكسرة فحذفوا إحداهما.
قال سيبويه: " وجاء استحييت على حاي مثل باع وفاعلة جاءي مثل بائع مهموز وإن لم يستعمل كما أنه يقول يذر ويدع ولا يستعمل فعل وهذا النحو كثير ".
قال أبو سعيد ﵀: اعلم أن استحيت فيه لغتان إحداهما استحييت والأخرى استحيتو فأما استحييت بياءين فهي لغة أهل الحجاز وهو على ما ينبغي أن يكون في القياس، لأنهم صححوا الياء الأولى وهي عين الفعل وأعلوا
الثانية وهي لام الفعل، فقالوا استحيي يستحيي واستحييت كما تقول استحلى يستحلي واستحليت، وأما اللغة الأخرى وهي استحيت فهي لغة بني تميم، واختلف فيها النحويون وفي السبب الذي حذفت إحدى الياءين لأجله.
فقال الخليل وهو الذي حكاه سيبويه عنه إن استحيت استفعل وعين الفعل منه معتلة كأنه كان في الأصل قبل دخول السين حاي، كقولك باع بإعلال العين ثم دخلت السين على حاي فتقول استحاي كما تقول استباع، ثم اتصلت تاء المتكلم بياء استحاي
[ ٥ / ٣١٨ ]
فسكنت الياء لاتصال تاء المتكلم هاء فاجتمع ساكنان الألف والياء فسقطت الألف لاجتماع الساكنين.
ومعنى قوله: " جاء على حاي مثل باع وفاعله حاءي مثل بائع مهموز " إن استحيت إنما جاء على حاءي المعتل ولو بنينا منه فاعل لوجب همز موضع العين منه لأنه يقال بائع وقائل ولا يستعمل حاءي الذي جاء على استحيت كما يستعمل يذر ويدع على أن ماضيهما وذر وودع ولا يستعمل وذر ولا ودع والمستعمل حاي غير مهموز، لأن عين الفعل من حيث صحيحة فإذا صحت الياء في الفعل لم تنقلب همزة في اسم الفاعل والقول الثاني إن استحيت أصله استحييت فاستثقلوا اجتماع ياءين فألقوا الأولى منهما تخفيفا وألقوا حركتها على الحاء وألزموها هذا الحذف تخفيفا في لغة بني تميم كما ألزمت العرب يرى وأرى ونرى وترى تخفيف الهمزة وإلقاء حركتها على الراء والأصل يرأى وممن ذهب إلى هذا القول أيضا أبو عثمان المازني، قال أبو عثمان المازني: ولا تحذف لالتقاء الساكنين ولو كان حذفها له لردت إذا قلت هو يفعل فقلت يستحي.
يعني أبو عثمان إن استحيت لو كان جاء على اعتلال العين كاستبعت وجب أن تقول في المستقبل يستحي مثل يستبيع.
فقال المحتج عن الخليل: حذفوا الياء لالتقاء الساكنين في الماضي كما فعل باستبعت ولم يردوها في المستقبل لأنهم لو ردوها لقالوا يستحيي فرفعوا ما لا يرتفع مثله وذلك لأن الأفعال المضارعة إذا كان آخرها ياء لم يدخلها الرفع في شيء من الكلام والذي يوجبه قول الخليل في يستحي أن أصله يستحي فاعلوا الياء الأولى كما أعلوا ياء يستبيع ثم اسكنوا الياء الثانية؛ لأنهم يسكنونها في موضع الرفع فاجتمع ساكنان فحذفوا الأولى منها وأما استحيى على هذه اللغة فكان حكمة أن يقال استحاي ولم يوجد في شيء من الأفعال ياء متحركة وقبلها ساكن فسكنوها فاجتمع ساكنان فحذفوا الأولى منهما وقلبوا هذه الياء ألفا لانفتاح ما قبلها.
قال المازني: ومما يقوي أن حذف الياء في استحيت ليس لالتقاء الساكنين قولهم في الاثنين استحيالات اللام لا ضمة فيها ولكن هذا حذف لكثرة الاستعمال كما قالوا في أشياء كثيرة بالحذف مثل أحست وظلت ومست.
يعني أن عين الفعل وإن كانت معتلة لا تسقط من فعل الاثنين الغائبين كقولنا
[ ٥ / ٣١٩ ]
استباعا لتحرك لام الفعل فلو استحيت على استبعت لوجب أن يقال استحايا كما يقال استباعا، فلما قالوا استحيا علمنا أنهم حذفوا تخفيفا من غير علة توجب حذفها كما قالوا احست وظلت ومست والأصل احسست وظللت ومسست فحذفوا أحد الحرفين تخفيفا وقالوا حيوة كأنها من حيوت وإن لم يقل لأنهم قد كرهوا الواو ساكنة وقلبها الياء فيما لا تكون الياء لازمة في تصرف الفعل منه نحو يوجل حتى قالوا يبجل فلما كان هذا لازما رفضوه كما رفضوا أن يكون من يوم يمت كراهية لاجتماع ما يستثقلون، ولكن مثل لويت كثير لأن الواو تحيى ولم تعتل في يلوي كييجل فيكون هذا مرفوضا، فشبهت واو ييجل بالواو الساكنة وبعدها ياء فقلبت ياء كما قلبت أولا، وكانت الكسرة في الواو والياء بعدها أخف من الضمة في الياء والواو بعدها، لأن الياء والكسرة نحو الفتحة والألف وهذا إذا صرت إلى يفعل.
أما قوله: " قالوا حيوة كأنها من حيوت " وإن لم يقل فإنه يعني أن حيوة شاذ لأن حكم الياء إذا كانت ساكنة وبعدها واوان تقلب الواو ياء وتدغم فكان يلزم أن يقال حية كما يقال في تصغير قشوة قشية ولكن حيوة أي كأنها من حيوت أن كأنها من فعل تكون عينة ولامه واوا ولا يوجد ذلك في شيء من الأفعال.
وقوله: " لأنهم قد كرهوا الواو ساكنة وقبلها الياء فيما لا تكون الياء لازمة في تصرف الفعل " يعني أنهم قد استثقلوا الواو في يوجل لكون الياء قبلها، فقالوا ييجل وإن لم تكن الياء التي قبلها لازمة لأنك تقول أوجل توجل وتوجل فإذا كانوا قد استثقلوا يوجل فهم لحيوت أشد استثقالا.
وقوله: " فلما كان هذا لازما رفضوه " يعني لما كان هذا الاستثقال يلزم الياء في حيوت رفضوا استعمال الفعل منه كما رفضوا أن يبنوا من يوم فعلا وقد ذكرنا السبب في امتناعهم من بناء فعل ثلاثي من يوم ونحوه فيما مضى.
ومعنى قوله: " ولكن مثل لويت لأن الواو تحيا ولم تعتل في يلوي كييجل فيكون هذا مرفوضا " يعني أن الواو إذا كانت متحركة وبعدها ياء لا تستثقل كما استثقلت الواو إذا كان قبلها ياء وذلك إن قولنا يلوي ويحوي أخف من يوجل ويحيو، وذلك لأن الياء أخف من الواو والكسرة أخف من الضمة فإذا بدأت بواو ثم جئت بعدها بكسرة أو ياء كان أخف من أن تبدأ بياء، ثم تأتي بعدها بضمة أو واو لأنك في يحوي ويلوي تنقل
[ ٥ / ٣٢٠ ]
الأثقل إلى الأخف وفي يحيو تنقل الأخف إلى الأثقل.
وقوله: " فشبهت واو ييجل بالواو الساكنة وبعدها ياء " يعني شبهت واو يوجل حين قلبت ياء بواو لويت حين قلبت
فقالوا ليّة، لأن لوية الواو فيها أول فقلبت الواو في يوجل وهي ثانية من الياء كما قلبت أولا في لوية.
وقوله: " وكانت الكسرة في الواو والياء بعدها أخف من الضمة في الياء والواو بعدها " يعني يروي ويلوي أخف من يحيو وحيوت فلذلك لم يأت حيوت ويحيو.
وقوله: " لأن الياء والكسرة نحو الفتحة والألف وهذا إذا صرت إلى يفعل " يعني أن الياء والكسرة في الخفة كالألف والفتحة، لأن الياء والكسرة أخف من الواو والضمة أقرب شبها بالألف والفتحة.
ومعنى قوله: " إذا صرت إلى يفعل " يعني في المستقبل إذا قلت يحيو وقد مضى الكلام في هذا.