" وذلك قولهم: أحست يريدون احسست وأحسن يريدون احسسن وكذلك
[ ٥ / ٣٦٤ ]
تفعل به في كل بناء تبنى اللام فيه من الفعل على السكون، ولا تصل إليه الحركة شبهوها بأقمت؛ لأنهم أسكنوا الأولى فلم تكن لتثبت والآخرة ساكنة؛ فإذا قلت لم أحس لم تحذف لأن اللام في موضع قد تدخله الحركة ولم يبن على سكون لا تناله الحركة فهم لا يكرهون تحريكها ".
قال أبو سعيد ﵀: اعلم أن الحذف في هذا الباب شاذ غير مطرد والذين استعملوه مع شذوذه تأولوا فيه
ضربا من التأول فإذا قال: أحست أو النسوة أحسنّ في المستقبل يحسن؛ فالأصل في ذلك قبل هذا التغيير أحس ويحس ثم دخلت التاء للمتكلم أو المخاطب أو النون لجماعة النساء فسكن ما قبلها وهو السين الأخيرة وقد كانت السين الأولى ساكنة مدغمة في الأخيرة فكرهوا تحريك واحدة منهما فحذفوا إحداهما.
وقوله: «فشبهوها بأقمت» يعني: إن أقمت حذفوا الألف منها لأنها ساكنة وقد سكنت الميم فاجتمع ساكنان.
وكذلك لما اجتمع السينان ساكنتين.
وقوله: ولا تصل الحركة إليها.
يعني أن ما اتصل به تاء المتكلم أو نون جماعة النساء لا يحرك لاجتماع الساكنين وليس بمنزلة ما يسكن في الجزم أو الأمر؛ ألا ترى أنك تقول: لم يذهب الرجل فتكسر الباء لاجتماع الساكنين، ولذلك قالت بنو تميم: لم يرد وقالوا: لم يرددن ورددت فأظهروا عند اتصال التاء والنون، وأدغموا في الجزم إذا كان المجزوم قد يتحرك.
قال: " ألا ترى أن يقولون: لا تردّ يقولون رددت كراهية للتحريك في فعلت فلما صاروا في موضع قد يحركون فيه اللام من رددت أثبتوا الأولى، لأنه صار بمنزلة تحريك الإعراب إذا أدرك نحو: يقول، ويبيع وإذا كانوا في موضع يحتملون فيه التضعيف لكراهية التحريك حذفوا؛ لأنه لا يلتقي ساكنان ".
قال أبو سعيد﵀- قد بينا ما ذكره في هذا الفصل من الفرق بين ما اتصلت به تاء المتكلم ونون جماعة النساء وبين ما كان مجزوما على لغة بني تميم، وقال: " أثبتوا الأولى؛ لأنه بمنزلة تحريك الإعراب ".
يعني أن ما تحرك لاجتماع الساكنين على هذه اللغة بمنزلة ما حرك الإعراب فلا
[ ٥ / ٣٦٥ ]
يسقط أحد الحرفين في حال الجزم لا يقال: لم يحسن زيد ولا أحسن يا زيد قال: ومثل ذلك قولك: ظلت ومست يعني أن ظلت ومسست أصله ظللت ومسست فحذفوا الفتحة التي في أول الكلمة وألقوا الحركة على فاء الفعل، وهو الحرف الأول حركة عين الفعل، وهو الحرف الثاني ومنهم من يقول: ظلت ومسست فيقر الفتحة على حالها كما تقول:
لست، وأصل لست ليست مثل ظللت ومسست فأسقطوا الياء وأقروا فتحة اللام على حالها، وكذلك فعلوا بظلت ومست ولم يقولوا: لست بكسر اللام كما قالوا: ظلت لأن ليس لم تتمكن تمكن ظل يظل ومس يمس فلم يتوسعوا فيها باللغتين.
وقوله: وليس هذا النحو إلا شاذا، والأصل في هذا عربي كثير.
يعني أن أحسست وظلت ومست شاذ والكلام به على الأصل عربي، وهو أن تقول: أحسست وظللت ومسست
وليس كل شاذ تتكلم العرب بأصله لأنهم قالوا:
استحوذ عليهم الشيطان وهو شاذ والقياس أن يقال: استحاذو العرب لا تتكلم به، وكذلك دينار وقيراط، والأصل دنار وقراط، ولا يتكلم به، ثم قال بعد منعه أن يقال لست بكسر اللام لأنه لم يتمكن تمكن ظل يظل ومس يمس فلم يتوسعوا فيها باللغتين.
وخالفت الأفعال الصحيحة في إن لم تكسر ياؤها كما علم وعمل وصير وما أشبهه، وخالفت الأفعال في أن لم يجعل لها مستقبل ولا مصدر ولا اسم فاعل كذلك خالفت الأفعال في حذف الياء منها، وترك القاء حركتها على اللام.
وقوله: " ولا نعلم شيئا من المضاعف شذ إلا هذه الأحرف ".
يعني لم يشذ إلا أحسست وظلت ومست والباقي من المضاعف كله على الأصل كقولك: عضضت، ومللت وما أشبهه.
واعلم أن لغة للعرب مطردة تجري فيها فعل من رددت مجرى فعل من قلت، وذلك قولك ردّ يا هذا، أو هدر ورحبت بلادك وظلت لما أسكنوا العين ألقوا حركتها على الفاء كما فعل ذلك في خيف، ولم يفعلوا ذلك في فعل نحو: عضّ وصبت كراهية الالتباس كما كره الالتباس في فعل وفعل من باب بعت.
قال أبو سعيد﵀-: قد بينا فيما مضى أن ما لم يسم فاعله من باب بعت وقلت أصله بيع وقول.
وتلقى كسرة العين على فاء الفعل فتكسر فاء الفعل؛ فيقال: قيل وبيع، وما سمي
[ ٥ / ٣٦٦ ]
فاعل لا تلتقي حركة عين الفعل فيه على الفاء بل تتبع عين الفعل الفاء كقولهم: خاف وطال وأصله خوف وطول حذفوا الكسرة والضمة وقلبوا الواو والفاء وذلك للفرق بين ما سمي فاعله، وما لم يسم فاعله فمن العرب من يجعل باب المضاعف كذلك فيقول فيما لم يسم فاعله، رد وصد وأصله ردد فتلقى كسرة الدال الأولى على الراء وتقول فيما سمي فاعله، وبين ما لم يسم فاعله، وذوات الواو والياء ألزم لهذا التغيير. وأولى؛ لأنها لا تصح في حال وذوات التضعيف قد تصح في أفعل المتكلم والمخاطب وجماعة المؤنث كقولك:
رددت ورددت.
قال: " وقد قال قوم قد ردّ فأمالوا الفاء ليعلموا أن بعد الياء كسرة قد ذهبت كما قالوا للمرأة اغزى فأشموا الزاي ليعلموا أن هذه الزاي أصلها الضم فيه، ومع الضم أشموه الكسر للدلالة على أن الدال كانت مكسورة كما قالوا للمرأة اغزى فكسروا الزاي بسبب الياء التي بعدها حتى تسلم، ثم أشموه الضم للدلالة على أنها كانت مضمومة
وذلك أن أصل اغزى اغزوي مثل اقتلي فكرهوا الكسر على الواو لانضمام ما قبلها فسكنوها فاجتمع ساكنان الواو والياء؛ فحذفوا الواو لاجتماع الساكنين، ثم كسروا الزاي لتسلم الياء لأنها علامة التأنيث، ثم أشموه الضم لما ذكرناه قال: ولم يضموا فتقلب الواو ياء فيلتبس بجمع القوم ولم تكن لتضم الياء بعدها لكراهية الضمة وبعدها الياء إذ قدروا على أن يشموا الضم؛ فالياء تقلب الضمة كسرة كما تقلب الواو في ليّة ونحوها إنما قالوا من قبل أن القاف ليس قبلها كلام فيشمّون.
يعني لم يضموا الزاي في اغزي ضما محضا لأنهم لو فعلوا ذلك لانقلبت الياء واوا فقيل اغزو فيلتبس بجمع المذكر، وقد استغنوا عن ضم الزاي الإشمام.
وقوله: " فالياء تقلب الضمة كسرة كما تقلب الواو في ليّة ".
يعني أن الياء التي في اغزي قلبت ضمة الزاي كسرة في لوية الواو ياء.
وفصل سيبويه بين اغزي وتغزين وبين قيل ورد وما أشبه ذلك فجعل الإشمام لازما في اغزي ضمة ألف الوصل وهي متعلقة بضمة الحرف الثاني، ومن أجل ضمته ضمت ألف الوصل؛ فكرهوا إبطالها أصلا والألف مضمومة ووجه ثان أن تغزين الياء فيها غير لازمة لأنك تقول للمذكر تغزو وتفعل لازمة لكل ما كان ماضيه فعل ولام الفعل منه واو
[ ٥ / ٣٦٧ ]
وليس فيها ياء ولا تغيير وأما رد، وقيل فلا يتغير حكمه لمذكر كان أو لمؤنث ووجه ثالث وهو أن الأصل اغزوي وتغزوين كما تقول: التقي وتقتلين فأسقطت الواو وضمتها فكرهوا كسر الزاي وهي مضمومة بلا إشمام فيكون إجحافا شديدا وليس في فعل الذي هو رد وقيل: إسقاط حرف وأصل كلامهم تغيير فعل لأنه نقل مما سمي فاعله إلى ما لم يسم فاعله، ولا بد من تغيير بنية الفعل فلزوم التغيير له في الأصل جوز أن يلزم فيه ذلك من غير إشمام وأجود الكلام وأكثره في رد الضم، وفي قيل، وبيع الكسرة؛ لأن الفعل المعتل الثاني يتغير أوله في الثلاثي إذا كان الفعل للمتكلم أو المخاطب أو جماعة النساء كقولك: قام وخاف والقاف والخاء مفتوحتان، ثم يقول: قمن وقمت والهندات قمن وخفت وخفت والهندات خفن.
والأصل في قمت قومت فألقيت ضمة الواو على القاف وفي خفت خوفت فألقيت كسرة الواو على الخاء وكذلك قيل أصله قول فألقيت كسرة الواو على القاف وأما رد وبابه فإن المضاعف لا تلقى حركة ثانية على أوله في المتكلم ولا غيره تقول عضّ وعضضت، وأوله مفتوح لا يتغير فكذلك لا يتغير فيما لم يسم فاعله؛ لأن أوله مفتوح.