التي لا تذهب في الوصل ولا يلحقها تنوين، وتركها في الوقف أقيس وأكثر، لأنها في هذه الحال، ولأنها ياء لا
يلحقها التنوين على كل الحال شبهوها بياء قاضي لأنها ياء بعد كسرة ساكنة في اسم.
" وذلك قولك: هذا غلام وأنت تريد غلامي، وقد أسقان وأنت تريد أسقاني، وأسقن وأنت تريد أسقني، لأن ني اسم، وقد قرأ أبو عمرو: (فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ) (١) و(رَبِّي أَهانَنِ) (٢) ".
قال أبو سعيد: أما ياء المتكلم في الفعل فالحذف فيها حسن لأنها لا تكون إلا وقبلها نون، فالنون تدل عليها ولا لبس فيها، ولذلك كثر في القرآن. وأما قولنا هذا غلام إذا وقفنا عليه ذكرته من كلامه، لأن الوصل يبينه بكسر الميم أو الياء. وقال الشاعر وهو النابغة:
إذا حاولت في أسد فجورا فإني لست منك ولست مني (٣)
وقال:
وهم وردوا الجفار على تميم وهم أصحاب يوم عكاظ إن
يريد إني.
شهدت لهم مواطن صالحات أتينهم بود الصدر من
سمعنا ذلك ممن يرويه عن العرب الموثوق بهم وترك الحذف أقيس ".
والقصيدة التي منها هذه الأبيات مطلقة، وتمام الوزن فيها مثنى وإني، وإنما ذكر سيبويه في بعض وجوه إنشاد المطلق، وستقف على ذلك.
وقال الأعشى فيما هو مقيد:
فهل يمنعنّي ارتيادي البلا د من حذر الموت أن يأتين "
أليس أخو الموت مستوثقّا على وإن قلت قد ينسأن (٤)
_________________
(١) سورة الفجر الآية: ١٥.
(٢) سورة الفجر الآية: ١٦.
(٣) انظر ديوان نابغة الذبياني ١٢٤، أمالي الشجري ٢/ ١٦٥.
(٤) انظر ديوان الأعشى ٦٥، ابن يعيش ٩/ ٨٦.
[ ٥ / ٥٨ ]
(يريد يأتيني، وينسأني، كما قال أكرمن وأهانن).
قال: " وأما ياء هذا قاضي وهذان غلاماي ورأيت غلامي، فلا تحذف لأنها لا تشبه ياء هذا القاضي لأن ما قبلها
ساكن، ولأنها متحركة كياء القاضي في النصب، فهي لا تشبه ياء هذا القاضي ولا تحذف في النداء إذا وصلت كما قلت يا غلام أقبل، لأن ما قبلها ساكن، فلا يكون للإضافة علم ".
قال أبو سعيد: جملة الأمر، إذا كانت ياء المتكلم لا كسرة قبلها لم يجز فها، لأن الذي يحذفها إذا كان قبلها كسرة يكتفي بدلالة الكسرة عليها، فإذا حذفت هي والكسرة لم يجز لأن لا دلالة عليها في وقف ولا وصل.
قال: " ومن قال هذا غلامي فاعلم، وإني ذاهب لم يحذف في الوقف لأنها كياء القاضي في النصب وإنما لم يحذفوا الياء إذا تحركت لأنها إذا تحركت قويت وصار كالحروف غير المعتلة ".
قال: " ولكنهم مما يحذفون الهاء في الوقف، " أي يلحقون، " فيبنون الحركة، كقولك: ما ليه وحسابيه، فإذا كان في النداء حذفت متحركة كانت أو غير متحركة، كقولك: يا غلام أقبل، وهذا مبين في النداء.
قال: " وأما الألقاب التي تذهب في الوصل فإنها لا تحذف في الوقف، لأن الفتحة والألف أخف، ألا تراهم يفرون إلى الألف من الياء والواو إذا كانت العين قبل كل واحدة منهما مفتوحة، وفروا إليها في قولهم: قد رضا ونها.
قال الشاعر زيد الخيل:
أفي كلّ عام مأتم تبعثونه على محمر ثويتموه وما رضا (١)
أراد: ما رضي.
" وقال طفيل الغنوي:
إنّ الغوي إذا نها لم يعتب
أراد ما ينهي.
ويقولون في " فخذ " " فخذ " وفي " عضد " " عضد "، ولا يقولون في جمل جمل لا يخفّفون، لأن الفتح أخف عليهم والألف، فمن ثمّ لم تحذف الألف إلّا أن يضطّر شاعر
_________________
(١) انظر ديوانه ٢٥، النوادر ٨٠، الشعر والشعراء ١٥٨، خزانة الأدب ٣/ ١٤٨.
[ ٥ / ٥٩ ]
فيشبّهها بالراء لأنها أختها وهي قد تذهب مع التنوين.
قال الشاعر حيث اضطرّ وهو لبيد:
وقبيل من لكيز شاهد رهط مرجوم ورهط أين المعل
يريد المعلّى ".
قال أبو سعيد: أما قوله: " الألقاب التي تذهب في الوصل لا تحذف في الوقف ".
يريد الألف في قولنا هذه عصا يا فتى، ورحّى يا فتى، ومولّى وما أشبه ذلك إذا وصلتها ذهبت في اللفظ لاجتماع الساكنين: التنوين والألف. فإذا وقفت فذهب التنوين عادت الألف فقلت هذه عصا ورحى ومولى، ولم يكن كذلك هذا قاض لخفة الألف.
وهذا الموضوع يدل على أن مذهب سيبويه أن الألف التي تثبت في الوقف هي الألف التي كانت في الحرف لقوله؛ وأما الألفات التي تذهب في الوصل فإنها لا تحذف في الوقف، ويقوّي ذلك أيضا أنك تقول هذا فتى فتميل.
وقد قال بعض النحويين: أن هذه الألف منقلبة من التنوين، ولو كانت كذلك ما أميلت، ثم دل على خفة الألف بأنهم قلبوا الياء إليها في قولهم: قد رضا ونها، وأصله رضي ونهي، ففروا إليها لخفتها، وأنهم لا يخففون المفتوح كما خففوا المضموم والمكسور في قولهم فخذ وعضد، ولم يقولوا في جمل جمل.
والبيت الذي أنشده سيبويه في حذف الألف من المعلى مثله في ضرورة الشاعر:
حذف الفتحة من الياء في موضع النصب. قال الشاعر:
فكسوت عار لحمه فتركته جذلان جاد قميصه ورداؤه (١)
يريد عاريا، فسكّن الياء ثم حذفها لاجتماع الساكنين. ومثله في تسكين المنصوب قوله:
كأن أيديهنّ بالقاع القرق أيدي جوار يتعاطين الورق (٢)