وذلك قولك الشقاوة والأداوة والنقاوة والنقاية والنهاية قويت حيث لم يكن حرف إعراب.
قال أبو سعيد ﵀: " قد كنا بينا أن الياء والواو إذا وقعتا بعد ألف أنهما تقلبان همزة وإذا اتصلت بهما هاء أو غيرها مما يقع الإعراب عليه أقرّتا على لفظهما وكذلك الواو إذا وقعت طرفا وقبلها ضمة قلبت ياء كادل واحق فإذا اتصل بها ما يقع عليه الإعراب لم تقلب نحو عرقوة وقلنسوة بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع فأما قولهم صلاءة وعباءة وغطاءة فالأصل فيها صلاي وعظاي وعباي فهمزت هذه الياءات بوقوعهن طرفا بعد ألف ثم دخلت الهاء عليهن بعد انقلابهن همزات، ومن قال صلاية وعباية وعظاية لم نقدر الياء منفصلة من الهاء وكأن بنية الكلمة وقعت على التأنيث في أوليتها كما قالوا النهاية والنقاية ومثل عظاءة وصلاءة قولهم مسنية ومرضية للمؤنث والأصل مسنو ومرضو؛ لأنه من سنوت ومن الرضوان ووقعت الواو طرفا فشبهوها بعتيّ وادل وقد فسر هذا ثم دخلت هاء التأنيث عليها بعد انقلاب الواو ياء بوقوعها طرفا ولو لم يقدر سقوط الهاء لم يجز قلب الواو، لأنها لم تقع طرفا وكانت تكون بمنزلة قلنسوة ".
قال: " وأما من قال صلاية وعباية فانه لم يجئ بالواحد على الصلاء والعباء كما
[ ٥ / ٣٠٢ ]
أنه إذا قال خصيان لم يبنه على الواحد المستعمل في الكلام ولو أراد ذلك لقال خصيتان " يعني أن صلاية وعباية ليست بتأنيث عباء وصلاء لأنها لو كانت تأنيث عباء وصلاء لقيل عباة وصلاة ولكنها جاءت على غير المذكور المستعمل كما أن قولهم خصيان ليس بتثنية خصية المستعمل في الكلام بل هي تثنية خصي، وإن كان خصي لا يستعمل في الكلام ومثل هذا كثير في كلامهم ألا تراهم قالوا افتقر الرجل فهو فقير، وفقر من فقر وفقر يستعمل وقولهم في جمع ذكر مذاكي، ر ومذاكير إنما هو جمع مذكار ومذكار لا يستعمل وكذلك محاسن وملامح إنما هي
جمع محسن وملمح وإن كانا لا يستعملان في الكلام ومثل خصيين الياءان تثنية إليه قال الشاعر:
يرتج الياه ارتجاج الوطب
وقال آخر:
كأن خصييه من التدلدل ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل
قال وسألته عن الثنايين فقال: " هو بمنزلة النهاية لأن الزيادة في آخره لا تفارقه أشبهت الهاء ومن ثم قالوا مذروان فجاؤا به على الأصل، لأن ما بعده من الزيادة لا يفارقه وإذا كان قبل الياء والواو حرف مفتوح كانت الهاء لازمة لم يكن إلا بمنزلتها لو لم تكن هاء وذلك قولك علاة وهناة وقناة وليس هذا بمنزلة قمحدوة لأنها حيث فتحت وقبلها الضمة كانت بمنزلتها منصوبة في الفعل ".
قال أبو سعيد ﵀: أما الثنايان فهذه الياء وقعت بعد ألف واتصلت بها علامة التثنية فلم يجب قلبها همزة، لأن واحدها لا يفرد كما أن هاء النهاية لما اتصلت بالياء وقع الإعراب عليها لم يجب قلبها همزة والثنايان حبلان أحدهما مشدود مع الآخر أو حبل واحد يعطف في الشد حتى يصير كحبلين يقال عقلته بثنايين ومثله مما لا يقلب للزوم علامة التثنية له قولهم مذروان وهما طرفا الإلية قال الشاعر:
أحولي تنفض إستك مذرويها لتقتلني فها أنا ذا عمارا
ولا يستعمل في الكلام واحد المذروين ولو استعمل واحده لقيل مذري كما يقال مغزي وكان يثنى على مذريان لأنا إذا قلنا مذري فالألف تكون منقلبة من ياء، لأنها وقعت رابعة طرفا في موضع تنقلب الواو فيه ياء كقولنا في أغزى أغزيت ودانى دانيت وهو من الواو ولكن مذروان لما اتصل بها علامة التثنية ولم تقع طرفا صارت بمنزلة
[ ٥ / ٣٠٣ ]
قمحدوة فإن قال قائل: فإن سيبويه فرق بين الواو التي قبلها ضمة وبين الواو التي قبلها فتحة فجعل الواو التي قبلها ضمة إذا انفتحت تصح كما صحت في لن يغزو حتى وقع الإعراب على غيرها كقولهم قمحدوة وإذا انفتح ما قبل الواو انقلبت ألفا نحو غزا ودعا واستدل بهذا على أن الواو إذا كانت قبلها فتحة أشد اعتلالا فكيف تثبت الواو في مذروان وقبلها فتحة قيل له قد كان حكم هذه الواو أن تقلب ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ولو جعلناها ألفا ثم اتصلت بها علامة التثنية لرجعت الألف إلى الياء والواو كما يقال في تثنية رحى رحيان، وقفا قفوان وليس الكلام في مذروان من جهة إعلال الواو وإنما الكلام فيه أنهما لم يفردا فتقلب الواو ياء ثم تثنى بالياء فتكون شاهدا للصلاية والعطاية أنها لم تذكر فتصير الياء همزة وكذلك النهاية والدراية وما أشبه ذلك على أن سيبويه إنما قصد إلى الواو والياء إذا انفتح ما قبلهما وهما في موضع لام الفعل واتصلت بهما هاء التأنيث اعتلت وانقلبتا
ألفين نحو علاة ومناة وشياة وما أشبه ذلك وإذا انضم ما قبل الواو صحت إذا كانت الهاء بعدها نحو قلنسوة وعرقوة وفرق بين المضموم ما قبله والمفتوح وليست علامة التثنية بمنزلة التأنيث؛ لأن علامة التثنية لا يكون ما قبلها ساكنا ولم توجد الواو لاما وقبلها فتحة إلا معتلة وإذا كانت قبلها ضمة جاز أن لا تعتل كقولك سرو يريد أن يغزوك.
قال: " وأما النفيان والغثيان فإنما دعاهم إلى التحريك أن بعدها ساكنا فحركوا كما قالوا رميا وغزوا " وقد ذكرنا هذا فيما مضى مشروحا.
قال: " وإذا كانت الكسرة قبل الواو ثم كان بعدها ما يقع عليه الإعراب لازما أو غير لازم فهي مبدلة مكانها الياء؛ لأنهم قد قلبوا الواو في المعتل الأقوى ياء، وهي متحركة لما قبلها من الكسر وذلك نحو القيام والثيرة والسياط ".
قال أبو سعيد﵀-: يعني متى وقعت قبل الواو كسرة وهي لام الفعل انقلبت ياء، وإن كانت بعدها هاء التأنيث كقولك محنية والأصل محنوة، وإنما انقلبت الواو ياء للكسرة قبلها وإن لم يقع الإعراب عليها لأنها قد انقلبت ياء فيما هو أقوى من واو محنوة وأبعد من الطرف وذلك في قيام وسياط وثيرة، وذلك أن الياء في قيام منقلبة من واو وهي عين الفعل وقد بعدت من الطرف، ووقع الإعراب على غيرها ومما يقوي هذا أنهم يقولون هذا قنية، وإنما هو في الأصل قنوة فجعلوا الواو ياء لكسرة القاف، وبينهما النون الساكنة وقد وقع الإعراب على الهاء، فإذ أجاز قلب الواو التي هي لام الفعل ياء لكسرة بينهما وبين الواو حرف ساكن وجب أن تقلب ياء متى وليت الكسرة ولم يكن بينهما حرف.
[ ٥ / ٣٠٤ ]