" فإذا عنيت مذكرين أو مؤنثين ألحقت ميما تزيد حرفا كما زدت في العدد وتلحق الميم في التثنية الألف، وفي جماعة المذكرين الواو، ولم يفرقوا بالحركة وبالغوا في هذا ولم يزيدوا لما جاوزوا اثنين شيئا، لأن الاثنين جمع كما أن ما جاوزهما جمع، ألا ترى أنك تقول ذهبنا فيستوي الاثنان والثلاثة، وتقول نحن فيها، وتقول: قطعت رؤوسهما، وذلك قولك: ذهبتما وذهبتمو أجمعون، وأعطيتكما وأعطيتكمو خيرا وتلزم التاء والكاف الضمة وتدع الحركتين اللتين كانتا للتذكير والتأنيث في الواحدة لأن العلامة فيما بعدها والفرق فألزموها حركة لا تزال، وكرهوا أن يحركوا واحدة منهما بشيء كان علامة للواحد حيث انتقلوا عنها وصارت العلامة فيما بعدها ولم يسكنوا التاء لأن ما قبلها ساكن ولا الكاف لأنها تقع بعد الساكن كثيرا، ولأن الحركة لها لازمة مفردة فجعلوها كأختها التاء ".
قال أبو سعيد: ذكر سيبويه لحاق الميم في تثنية التاء والكاف وجمعها، وضمّ ما قبل الميم ولزوم ضمّ ما قبل الميم، فأما الميم فذكر أنها لحقت التثنية والجمع لأنهم بالغوا فجعلوا الفرق بين الواحد والجمع بحرف سوى الحرف الذي كان يلحق في الاسم الظاهر كقولنا: زيدان وزيدون، وأن هذه الميم لحقت في التثنية لأن التثنية جمع كما تلحق في الجمع وتختلف العلامة اللاحقة بعد الميم فيهما فتكون للتثنية بالألف كقولك: ذهبتما وفي الجمع بالواو كقولك: ذهبتمو. وأما لزوم الضم لما قبل الميم، فلأن هذه الميم لحقت التاء وكانت حركة التاء قبل لحاق
الميم تختلف للفرق بين المذكر والمؤنث، كقولك: ذهبت يا رجل وذهبت يا امرأة، فلما ثنوا وجمعوا صارت العلامة علامة الجمع فيما بعد الميم كقولك: قمتوا يا رجال وقمتنّ يا نسوة وضربتكمو وضربتكنّ فأغنى عن تغيير التاء والكاف للفرق فألزموها حركة ما كانت تدخل على أحدهما وهي ضمة التاء والكاف في المتكلم، فإن قال قائل: كيف كانت التاء مضمومة في المتكلم؟ قيل له: المتكلم لا تلحقه
[ ٥ / ٧٢ ]
الميم وإنما تلحق المخاطب وتاء المخاطب، وكافة لا تكون إلا مكسورة أو مفتوحة ولم يسكنوا التاء، لأن ما قبلها ساكن أبدا فيجوز الجمع بين ساكنين، وحملوا الكاف على التاء لأن الكاف قد يكون ما قبلها ساكنا ومتحركا، والمتحرك قولك: ضربكما، والساكن: أعطاكما.
وذكر الزجاج أن الأصل لحاق الميم لتاء المخاطب كقولك: قمتما وقمتم وأنتما وأنتم، وذلك أن أنا لا يثنّى في التّحصيل، لأنه لم يقع على أنا، وإنما يقع على أنا وهو، فإذا ضمّ أحدهما إلى الآخر أتى بلفظ غير الواحد، فقيل: نحن، كما يقال للسواد والبياض إذا اجتمعا: بلقّ، وهو لفظ غيرهما، وكذلك التاء في قمتم، تقول قمنا لأنه لا يمكن فيه التثنية لاختلاف الاثنين، المضموم أحدهما إلى الآخر، والمخاطب يمكن أن يضم إليه يقال له أنت، فيمكن تثنيته على اللفظ، فإذا قلنا أنتما فله شبه من المتكلم وشبه من المثنى، فأما شبهه من المثنى فيوجب أن تزاد فيه الألف بحق التثنية، والواو بحق الجمع كما يقال: زيد وزيدان وزيدون. وأما شبهه من المتكلم فلأن أنا الذي للمتكلم هو أنا الذي للمخاطب وإنما تزاد فيه التاء علامة للخطاب، فاحتاجوا من أجل شبه المخاطب إلى ألف للتثنية وواو للجمع، ومن أجل المتكلم إلى حرف لا يكون في الواحد كقولهم: نحن، فزادوا الميم من أجل المتكلم، والألف والواو من أجل المخاطب، ثم حملوا الكاف على ذلك وألزموا التاء الضم وذلك أن تاء المتكلم مضمومة والمتكلم هو الأصل، وتاء المخاطب تفتح وتكسر للفرق بين المؤنث والمذكر، فلما لحقت الميم واستغني بما بعده عن الفرق بحركة التاء رجعت التاء إلى الأصل وهو الضم. وقال الزجاج: لمّا ثنوا هو فزادوا الميم أسقطوا الواو اكتفاء بالميم لأن الميم من مخرج الواو، فاستغّنوا بها عن الواو، وإنما اختاروا الميم، لأنها تلحق الأواخر زائدة كقولنا فسحم وزرقم ولأنها شبيهة بالنون، والنون قد تدخل للإعراب ولغيره من العلامات.
قال سيبويه: " قلت: ما بالك تقول ذهبن وأذهبن فلا تضاعف النون، فإذا قلت:
أنتنّ وضربكنّ ضاعفت؟ قال: أراهم ضاعفوا النون ها هنا، كما ألحقوا الألف والواو مع الميم، وقالوا: ذهبّن؛ لأنك لو ذكرت لم تزد إلّا حرفا واحدا على فعل، فلذلك لم تضاعف ومع هذا أيضا أنهم كرهوا أن يتوالي في كلامهم في كلمة واحدة أربع متحركات أو خمس ليس فيهن ساكن نحو ضربكنّ ويدكنّ وهي في غير هذا ما قبلها ساكن
كالتاء فعلى هذا جرت هذه الأشياء في كلامهم ".
قال أبو سعيد: احتج الخليل لما سأله سيبويه بشيئين: أحدهما أن يكون حمل
[ ٥ / ٧٣ ]
المؤنث على المذكر فلما كان للمذكر بحرف واحد جعل للمؤنث بنون واحدة، كقولك:
قالوا وذهبوا، فالواو علامة جمع المذكر وهي حرف واحد للمؤنث: قلن وذهبن بنون واحدة، فلما قلت للمذكر قلتمو وذهبتمو أو ضربتكمو قلت للمؤنث: ذهبتنّ وضربتكنّ.
فجعلت النون المشددة مكان الميم والواو، والثاني أنه لو لم تشدّد النون لاجتمع أربع متحركات أو خمس على ما ذكر، ثم قوّى أنه يحتاج إلى نون أخرى ساكنة كما أن النون المنفردة ما قبلها ساكن كقولك: ذهبن وانطلقن، كما تقول: ذهبت وانطلقت فيسكن ما قبل التاء.