قال أبو سعيد: اعلم أني لو اقتصرت على تفسير ألفاظ سيبويه فيما ذكره من القوافي لسقط الكثير مما يحتاج إليه فيها، لأنه لم يستوعب ذكرها ولا قصد إلى استيفاء معرفتها وما يتعلق بها، فعملت على أن أتقصى ذكرها وما يتعلق بها مع شرح كلامه، وأفرد من ذلك ما يحتمل الإفراد وبالله أستعين على جميع الأمور.
قال سيبويه: " أما إذا ترنّموا فإنهم يلحقون الألف والياء والواو وما ينوّن وما لا ينون لأنهم أرادوا مدّ الصوت وذلك قولهم:
_________________
(١) قاله أبو نخيلة انظر شرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٤١، شواهد الشافية ٢٢٥.
(٢) البيت لامرئ القيس انظر ديوانه ١٢٢، الخزانة ٢/ ٢٧٩.
(٣) سورة يوسف الآية: ١١.
[ ٥ / ٧٥ ]
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلي (١)
وقال في النصب ابن الطثريّة (٢):
فبتنا تحيد الوحش عنّا كأننا قتيلان لم يعلم لنا الناس مصرعا (٣)
وقال في الرفع الأعشى:
هريرة ودّعها وإن لام لاثمو (٤)
فهذا ما ينّون فيه وما لا ينون فيه قولهم وهو لجرير:
أقلّي اللوم عاذل والعتابا
وقال في الرفع جرير:
متى كان الخيام بذي طلوح سقت الغيت أيتها الخيامو
وقال في الجر:
أيهات منزلنا بنعف سويقة كانت مباركة من الأيامي
وإنما ألحقوا هذه المدة في حروف الروي، لأن الشعر وضع للغناء والترنم، فألحقوا كل حرف الذي حركته منه، فإذا أنشدوا ولم يترنموا فعلى ثلاثة أوجه، أما أهل الحجاز فيدعون هذه القوافي ما نوّن منها ومما لم ينّون على حالها في الترنم ليفرقوا بينها وبين الكلام الذي لم يوضع للغناء. وأما ناس كثير من بني تميم فإنهم يبدلون مكان المدة النون فيما ينوّن وما لا ينوّن لما لم يريدوا الترنم أبدلوا مكان المدة نونا ولفظوا بتمام البناء وما هو منه كما فعل أهل الحجاز ذلك بحروف المد. سمعناهم يقولون:
يا أبتا علّك أو عساكن (٥)
وللعجاج:
يا صاح ما هاج الدّموع الذرفن
_________________
(١) البيت لامرئ القيس انظر ديوانه ٨.
(٢) هو يزيد بن الطثرية، والطثرية أمه وهي من طثر بن عنز بن وائل.
(٣) نسب هذا البيت لامرئ القيس في ديوانه ٢٤٢ والخزانة ٤/ ٢٢٧، ونسب لابن الطثرية في ملحق ديوانه ٩٣.
(٤) انظر الخزانة ٤/ ٢٢٧، شرح شواهد سيبويه ٢/ ٢٩٨.
(٥) قائله رؤبة بن العجاج انظر ملحق ديوانه ١٨١.
[ ٥ / ٧٦ ]
وقال:
من طلل كالأتحميّ أنهجن
وكذلك الجر والنصب والرفع والمكسور والمفتوح والمضموم في جميع هذا كله كالمجرور والمنصوب. وأما الثالث فأن يجروا القوافي مجراها لو كانت في الكلام ولم تكن قوافي شعر جعلوه كالكلام حيث لم يترنموا، وتركوا المدة لعلمهم أنها في أصل البناء.
سمعناهم يقولون:
أقلّى الّلوم عاذل والعتاب
وللأخطل:
واسأل بمصقلة البكري ما فعل
وكان هذا أخف عليهم ويقولون:
قد رابني حفص فحرك حفصا
تثبت الألف لأنها كذلك في الكلام ".
قال الأخفش: وبعضهم يقف على المنصوب منونا كان أو غير منون بالألف فيقول:
أقلى اللوم عاذل والعتابا
وإذا وقف في الجر والرفع أسكن فقال:
أيتها الخيام
أفاطم مهلا بعد هذا التدلّل (١)
وسمعت من العرب من يقف على الروي المنصوب إذا كان من الفعل أو من شيء لا يدخله التنوين في وجه من الوجوه بالإسكان. يقول:
ولا تبقي خمور الأندرين (٢)
وينشدون:
أهدموا بيتك لا أبا لك وحسبوا أنك لا أخا لك (٣)
_________________
(١) شطر بيت من معلقة امرئ القيس انظر ديوانه ١٢.
(٢) عجز بيت لعمرو بن كلثوم الكلبي انظر جمهرة أشعار العرب ١٣٩، شرح القصائد التسع ٢/ ٧٧١.
(٣) انظر كتاب القوافي ١٠٧، الدرر اللوامع ١/ ١٥، شرح شواهد الشافية ١٧٢.
[ ٥ / ٧٧ ]
وأنا أمشى الدّ ألي حوالك
ولا يلحقون الألف، وهذا لا يكون إلّا مطلقا إلّا أنهم يريدون الوقف.
وقال هؤلاء
بشبّان يرون القتل مجدا وشيب في الحروب مجّربين (١)
فسكن بعد الياء، لأن هذا لا يدخله تنوين في وجه من الوجوه.
وأما:
تسف الجلّة الخور الدّرينا
فالدرين اسم فيقفون عليه بالألف لأنه لو لم تكن هذه الألف واللام كان منونا، وكل ما كان كذلك ألحقوا الألف في وقفه فيقول هؤلاء:
أقلّي اللوم عاذل والعتابا
لأنه إذا لم يكن بالألف واللام كان منونا، فلذلك ألحقوا الألف في السّكت.
قال أبو سعيد: وأما قوله: لأن الشعر وضع للغناء والترنم، " فهو من أصح الكلام وذلك أن الغناء يحتاج إلى ألحان موزونة ونغم منظومة تكرر على مقادير من الحروف وبسبب لا يختلف فلا يجوز أن يحمل ذلك إلّا كلام موزون يكون قدر بعضه إلى بعض معروفا، ولولا ذلك ما احتيج إلى المنظوم، وهذا في جميع الألسنة ما أرادوا الترنم به والغناء من الكلام كان موزونا، ومنهم من يلزم حرفا بعينه مع الوزن، ومنهم من يعتمد على اتفاق الوزن ومقدار الحروف وإن لم يقف على حرف معلوم ولولا أن الكتاب لا يحتمل لأطلته أكثر من هذا، فلما كان موضوع الشعر للغناء والترنم احتاجوا إذا ترنموا إلى الحروف التي يمد فيها الصوت وهي الألف والواو والياء، وهذه الحروف مأخوذة من الحركات، فجعلوا ما كان مفتوحا من الحروف فتتبع فتحته الألف، وما كان مضمونا تتبع ضمته الواو، وما كان مكسورا تتبع كسرته الياء لامتداد الصوت في هذه الحروف، فإن قال قائل: كان موضوع الشعر للغناء
والترنم فلم جاز أن يكون في الشعر مقيد؟ قيل له:
يجوز أن يكون الترنم به قبل حرف رويّه، لأنه ليس جميع حروف البيت يقع عليه المدّ والنغمة، وإنما تقع النغمة والتمديد ببعضه على حسب الطريق الذي يسلكونه فيه، وعلى أنه قد روي عن العرب إطلاق الموقوف وإلحاق الوصل به، وكذلك تحريك الهاء
_________________
(١) البيت لعمرو بن كلثوم انظر جمهرة أشعار العرب ١٤٣، وشرح القصائد السبع ٣٩٩.
[ ٥ / ٧٨ ]
الساكنة إذا كانت وصلا، وذلك عندي على طريق الشعر، كما روي قوله:
لمّا رأيت الدهر جمّا خبلهو أخطل والدهر كثير خطلهو (١)
ومثله قول أبي النجم:
تنفش منه الخيل ما لا تغزلهو
وإنما الوزن: جمّا خبله، و: تنفش منه الخيل ما لا تغز له.
وسأذكر هذا في موضعه مستقصى إن شاء الله تعالى. فإذا أنشدوا على غير وجه الترنم فأهل الحجاز أجروا آخره مجرى الترنم على كل حال، ولزموا الأصل الذي يوجبه الشعر من التغني به وفرقوا بينه وبين الكلام الذي لم يوضع للغناء. وأما من أبدل مكان المدة النون من بني تميم فإنهم أرادوا إتمام الوزن فجعلوا مكان حرف المد نونا، لأن أكثر الأواخر في الكلام منوّن، فلزموا التنوين في ذلك كله، فحرسوا ولم ينقصوا منه شيئا وفصلوا بين ما يترنم به وما لا يترنم به. وأما الذين أجروه مجرى الكلام فذهبوا إلى أنه لما ترك الترنم به زال عنه المقصد الذي يقصد بالشعر الموزون فأجروه مجرى سائر الكلام واحتمل النقصان الوزن في اللفظ لزوال الترنم والغناء الذي يحتاج معه إلى التمام واستيفاء النغمة.
قال: " واعلم أن الياءات والواوات اللوائي هن لامات إذا كان ما قبلها حرف الروي فعل بها ما فعل بالياء والواو اللتين ألّحقتا للمدّ في القوافي لأنها تكون في المد بمنزلة الملحقة ويكون ما قبلها رويا كما كان ما قبل تلك رويّا، فلما ساوتها في هذه المنزلة ألحقت بها في المنزلة الأخرى وذلك قولهم:
وبعض القوم يخلق ثم لا يفر
وكذلك يغزو إذا كانت في قافية كنت حاذفها إن شئت، وهذه اللامات لا تحذف في الكلام، وما حذف منهن في الكلام فهو ها هنا أجدر أن يحذف إذ كنت تحذف ما لا يحذف في الكلام ".
قال أبو سعيد: يريد أن الياء الأصلية يجوز أن تقع وصلا في القافية المجرورة فتجري مجرى الياء الزائدة التي تتبع الكسرة، فإذا جرت مجراها جاز أن تسقط في الوقف كما تسقط الزائدة، لأن القافية واحدة، وذلك قوله:
لعب الرياح بها وغيّرها بعدي سوافي المور والقطري
_________________
(١) قائله أبو النجم العجلي انظر شرح المعلقات التسع ٢/ ٨٢٥.
[ ٥ / ٧٩ ]
والياء في القطري صلة وهي زائدة، لأن الأصل القطر، ويجوز أن تقول سوافي المور والقطر بتسكين الراء، وفي هذه القصيدة:
ولأنت أشجع حين تتجه ال أبطال من ليت أبي أجري
ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثمّ لا يفري
والياء في يفري أصلية وهي لام الفعل، لأنك تقول: فرى يفري، فلما اجتمع الأصلي والزائد في قصيدة واحدة أجريا في الحذف مجرى واحدا، وكذلك الواو وهو نحو قول زهير.
صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو وأقفر من سلمى التعانيق فالثقلو
فالواو في الثقل زائدة وقد يجوز أن يوقف على اللام فيقال فالثّقل وتحذف الواو، ثم قال:
وقد كنت من سلمى سنين ثمانيا على صير لأمر ما يمرّ وما يحلو
فالواو في يحلو أصلية وهي لام الفعل، لأنها من حلا يحلو وهي وصل جرت مجرى الواو في الثقلو، فلما جاز حذف الواو في الثقلو جاز حذف الواو في يحلو، لأنها من قصيدة واحدة فيقال: ما يمرّ وما يحل.
قال: " وأما يخشى ويرضى ونحوهما فإنه لا يحذف منهنّ الألف لأن هذه الألف لما كانت تثبت في الكلام جعلت بمنزلة ألف النصب التي تكون في الألف بدلا من التنوين، فكما تثبت تلك الألف في القوافي فلا تحذف كذلك لا تحذف هذه الألف، فلو كانت تحذف في الكلام ولا تمدّ إلّا في القوافي لحذفت ألف يخّش كما حذفت ياء يقضي حيث شبّهتها بالياء التي في الأيامي، وإذا ثبتت التي بمنزلة التنوين في القوافي التي هي لام أسوأ حالا منها، ألا ترى أنه لا يجوز لك أن تقول:
لم يعلم لنا الناس مصرع
فتحذف الألف لأن هذا لا يكون في الكلام فهو في القوافي أيضا لا يكون فإنما فعلوا ذلك بيقضي ويغزو لأن
بناءهما لا يخرج نظيرهما، إلّا في القوافي وإن شئت حذفته، وإنما ألحقتا بما لا يخرج في الكلام وألحقت تلك بما يثبت على كل حال، ألا ترى أنك تقول:
[ ٥ / ٨٠ ]
داينت أروى والديون تقضى فمطلت بعضا وأدّت بعضا (١)
وكما لا تحذف ألف بعضا لا تحذف ألف تقضى ".
قال أبو سعيد: بنى سيبويه ما يحذف من الألفات والياءات والواوات الأصليات في القوافي على ما يحذف منهن في الكلام إذا لم يكن أصليا، فمن ذلك أن الألف التي هي يدل من التنوين إذا وقف عليها لا تحذف، تقول رأيت زيدا ورأيت فرسا لا يحسن حذفه، فإذا كان في قافية لم يحسن أيضا حذفه، فإذا كان معه ألف أصلية جرت مجراها في أن لا يحسن حذفه مثل الألف في يقضي لا تحذف كما لا تحذف الألف في بعضا، وأما المضموم والمكسور المنونان إذا وقفت عليهما لم تبدل منهما ياء ولا واوا، كقولك:
جاءني زيد ومررت بزيد فشبه الياء في يفري والواو في يحلو في حذفهما بحذف الواو والياء في الإبدال من التنوين في قولك:
جاءني زيد ومررت بزيدي فيمن يجريه مجرى الألف، وهي لغة رديئة. ولو كنا نحذف الألف في رأيت زيد إذا وقفت عليه لجاز حذف ألف يخشى، وينبغي على قياس من يقول: رأيت زيدا إذا وقف عليه أن يجيز حذف الألف في يخشي وذلك معنى قول سيبويه: " لو كانت تحذف في الكلام ولا تمد إلّا في القوافي لحذفت ألف يخشى ". وقد ذكر سيبويه أن الشاعر إذا اضطر جاز له أن يحذف الألف وأنشد:
وقبيل من لكيز شاهد رهط مرجوم ورهط ابن المعل
أراد المعلى. ومعنى قوله: " فإنما فعلوا ذلك بيقضي ويغزو، لأن بناءهما لا يخرج عن نظيره إلا في القوافي "، لأنه ليس في الكلام ما يبدل من تنوينه ياء ولا واو، إنما يكون في القوافي كقولك: من حبيب ومنزلي، وقولك:
طحابك قلب في الحسان طروبو (٢)
قال: " وزعم الخليل أن ياء يقضي واو يغزو إذا كانت واحدة منهما حرف الروي لم تحذف، لأنها ليست بوصل حينئذ وهي حرف روي كما أن القاف في قوله.
وقاتم الأعماق خاوي المخترق (٣)
حرف الواو، فكما لا تحذف هذه القاف لا تحذف واحدة منهما ".
_________________
(١) البيت لرؤبة بن العجاج انظر ديوانه ٧٩.
(٢) قائله علقمة بن عبدة انظر ديوانه ٣٣.
(٣) قائله رؤبة بن العجاج انظر ديوانه ١٠٤.
[ ٥ / ٨١ ]
وذلك نحو قوله:
ألم تكن أقسمت بالله العليّ أنّ مطاياك لمن خير المطيّ (١)
فالياء حرف الروي ولا يجوز حذفها.
قال: وقد دعاهم حذف ياء يقض إلى أن حذف ناس كثير من قيس وأسد الواو والياء اللتين هما علامة المضمر، ولم تكثر واحدة منهما في الحذف ككثرة ياء يقضي، لأنهما تجيئان لمعنى الأسماء وليستا حرفين بنيا على ما قبلها، فهما بمنزلة الهاء في:
يا عجبا للدهر شتّى طرائقه (٢)
وسمعت من يروي هذا الشعر من العرب ينشده:
لا يبعد الله أصحابا تركتهم لم أدر بعد غداة البين ما صنع (٣)
يريد: صنعوا. وقال:
لو ساوفتنا بسوف من تحيّتها سوف العيوف لراح الرّكب قد قنع
يريد: قنعوا. وقال:
طافت بأعلاقه خود يمانية تدعو العرانين من بكر وما جمع
يريد: جمعوا.
وقال:
جزيت ابن أوفى بالمدينة قرضه وقلت لشفّاع المدينة أوجف (٤)
يريد: أوجفوا.
فحذف الواو وهي ضمير الفاعلين في هذه الأبيات لأنه شبّهها بواو يغزو، وحرف الروي العين، وحذفها دون حذف واو يغزو في الحسن، لأن الواو ها هنا اسم وواو يغزو حرف.
وقال عنترة:
يا دار عبلة بالجواء تكلم
_________________
(١) انظر خزانة الأدب ٤/ ٣٢٨، الخصائص ١/ ٣١٥.
(٢) قائله الراعي النميري انظر شرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٤٢.
(٣) قائل الأبيات الثلاثة ابن مقبل انظر ديوانه ١٦٨، ١٧٢، ١٧٠.
(٤) المصدر السابق ص ١٩٧.
[ ٥ / ٨٢ ]
يريد: تكلّمي. وقال الخزز بن لوذان:
كذب العتيق وماء شنّ بارّد إن كنت سائلتي غبوقا فاذهب
يريد: فاذهبي ".
وحذف الياء في يفري أحسن من حذف الياء من تكلّمي واذهبي، لأن الياء في تكلمي واذهبي ضمير المؤنث، وهي اسم، والياء في يفري حرف.
قال: " وأما الهاء فلا تحذف من قولك: شتّى طرائقه، لأن الهاء ليست من حروف المدّ واللين ".
وإنما جاز حذف الياء التي هي الضمير لأنها قد شبّهت بمثلها في اللفظ من حروف المد واللين كقوله:
" الحمد لله الوهوب المجزلي "
ويجوز المجزل، وإذا كانت الألف ضميرا لم تحذف كقوله:
" خليلّي طيرا بالتفّرق أوقعا "
" فلم يحذف الألف كما لم يحذفها من تقضى ".
قال: " واعلم أن الساكن والمجزوم يقعان في القوافي "، يريد القوافي المتحركة المطلقة.
قال: " لأنهم لو لم يفعلوا ذلك لضاق عليهم، ولكنهم، توسعوا بذلك، فإذا وقع واحد منهما في القافية حرك ".
يريد بالساكن هو المبنى على السكون والمجزوم الفعل المستقبل.
" وليس تحريكهم إياه بأشذّ من إلحاق حرف المدّ ما ليس هو فيه ولا يلزمه في الكلام ".
يريد أن الشعر قد أحوجهم أن يلحقوا الواو والياء والألف فيما لا يدخله ذلك في الكلام، كقوله:
وأقفر من سلمى التعانيق فالثقلو
وقوله:
سواقي الموز والقطري.
فإدخالهم هذا المدّ كتحريكهم الساكن لكي يسمعوا، وجعلوا حركة ذلك كسرا " كما أنهم إذا اضطروا إلى تحريك الساكن في التقاء الساكنين كسروا، فكذلك جعلوها في
[ ٥ / ٨٣ ]
القوافي المجرورة حين احتاجوا إليها، كما أن أصلها في التقاء الساكنين الكسر، وقال:
أغرك منّي أن حبك قاتلي وأنك مهما تأمري القلب يفعلي (١)
ويفعل مجزوم لأنه جواب مهما.
" وقال طرفة:
متى تأتني أصبحك كأسا رؤيّة وإن كنت عنها غانيا فاغن وازددي "
وأصل ازدد السكون.
ولو جاء هذا الساكن في قافية مرفوعة أو منصوبة كان إقواء، وقال أبو النجم:
إذا استحثّوها بحوب أوحلي
وحل في الكلام مسكّنة " قال: " ويقول الرجل إذا تذكر ولم يرد أن يقطع كلامه:
قالا، فيمد قال، ويقولوا فيمدّ يقول، ومن العامي فيمدّ العام وسمعناهم يتكلمون به في الكلام ويجعلونه علامة يتذكر به ولم يقطع كلامه، فإذا اضطروا إلى مثل هذا في الساكن كسروا، سمعناهم يقولون: إنه قدي في قد، ويقولون: ألي في الألف واللام يتذكر الحارث ونحوه. وسمعنا من يوثق به في ذلك. يقول: هذا سيفني يريد: سيف، ولكنه يتذكر بعد كلاما ولم يرد أن يقطع اللفظ لأن التنوين حرف ساكن فيكسر كما يكسر دال قد ".
" قال المفسر: احتج سيبويه في هذا الفصل لتحريك الساكن في القوافي بالكسر، فقال المتذكر في كلام العرب إذا وقف على شيء متحرك وهو يتذكر ما بعده أتبعه حرفا من جنس الحركة، فيقول في قال: قالا، وفي يقول: يقولوا، وفي العام: العامي، فإذا كان ساكنا كسره واتبعه الياء، كقوله: قدي في قد، وألي إذا أردت أن تقول: الحارث أو القاسم أو الفرس، فقال: ألونسى ما بعده فوقف متذكرا لما يصل به كلامه كسر الساكن وألحقه الياء، وكذلك قال: سيفني، لأن التنوين نون ساكنة، وأراد أن يصله بكلام بعده فنسيه فوقف متذكرا له فكسر النون الساكنة التي هي التنوين وألحقها ياء "، فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه إنما ذكر وجوه القوافي في الإنشاد ليعلمك حكم اللفظ بأواخر الشعر في الوقف والوصل كما أعلمك في الأبواب التي قبلها في غير الشعر، وذكر فصل ما بين الكلام والشعر في ذلك، فكان ما ذكره منه على ما يوجبه النحو من
_________________
(١) البيت من معلقة امرئ القيس انظر ديوانه ١٣.
[ ٥ / ٨٤ ]
حكم اللفظ بآخر الكلمة الموقوفة والموصولة لا على ما ينحوه أهل العروض والقوافي، غير أن كلامه اشتمل على أسماء يختص بها علم القوافي دعاني إلى تفسيرها ذكره لها في جملة كلامه.
فمن ذلك القوافي، وقد اختلف الناس في القافية على الحقيقة ما هي، فقال الخليل فيما ذكره الأخفش وغيره: إن القافية آخر ساكن في البيت إلى أول ساكن يلقاه مع المتحرك قبل الساكن. وقال الأخفش: القافية آخر كلمة في البيت، وقال غيرهما: القافية جميع ما يلزم الشاعر إعادته من حرف وحركة وأقل ذلك عنده حرف وحركة. وقال آخرون: القافية آخر حرف في البيت سواء كان زائدا أو أصليا أو حرف روي وصل أو خروج. وقال آخرون: آخر حرف أصلي في البيت. وقال آخرون: القافية هي حرف الرويّ وهو المختار عندي.
والظاهر من كلام سيبويه أنه مذهبه، وذلك أنه قال: " ولو لم يقفوا إلّا بكل حرف فيه حرف مدّ لصاق عليهم "، يريد لو لم يقفوا إلا بكل متحرك يعني حرف الروي فإذا كان التقفية بحرف الروي فهو قافية ويدل على أن حرف الرويّ هو القافية أنه يلزم آخر كل فن من الشعر كما أن القافية يلزم آخر كل فنّ منه، وقد يخلو آخر الشعر مما سوى حرف الروي من التأسيس والردف والوصل والخروج، ويدل أيضا على ذلك أنه لا تدافع بين أهل الصناعة أن يقول القائل: ما قافية هذه القصيدة فيقال له الياء أو الدال أو غير ذلك، يريدون به حرف الروي، وليس أحد منهم يقول الدال وشيء آخر. ويقولون إذا نسبوا القصائد إلى قوافيها هي قصيدة دالية.
ولامية أو ما أشبه ذلك. فإن قال قائل: لو كان حرف الرويّ هو القافية لجاز أن يأتي المردف أو المؤسس مع ما ليس بمردف ولا مؤسس، إذا كان حرف الروي فيهما واحدا، فالجواب في ذلك أن يقال: أن الشاعر قد يلزمه حراسة أشياء إذا ابتدأ شعره عليها ويحتاج إلى لزومها إذا كرّر، وليست تلك الأشياء كلها بقافية كالوزن الذي يلزمه أن يأتي به وليس بقافية، فكذلك الرّدف والتأسيس وما جرى مجراهما، غير أن الذي يلزم الشعر عامّا الوزن والقافية التي هي حرف الروي. وأما قول الخليل على ما حكى عنه فلا دليل عليه ولا رأيت أحدا ينصره ويذهب إليه، وبعض الناس غلط الحاكي عنه، وذكر أنه توهّم على الخليل غير الذي أراده. وأما قول الأخفش إنه آخر كلمة في البيت فإنه احتجّ لذلك بأن شاعرا لو قال لك اجمع لي قوافي لجمعت له كلمات نحو سلام وغلام، وكذلك لو قال شعرا إلّا الأخيرة لقيل قد بقيت القافية، واحتجّ أيضا بأن القافية لو كانت هي الحرف
[ ٥ / ٨٥ ]
يعني حرّف الروي لكان يجوز أن يأتي المردف وغيره والمؤسس في قصيدة واحدة، ولكان قول العجاج:
وخندف هامة هذا العالم
غير معيب في القصيدة التي أولها:
يا دار سلمى يا اسلمي ثم أسلمي بسمسم أو عن يمين سمسم
لأن القافيتين متفقتان إذا كانتا ميمين. واحتج أيضا بأن حرف الروي لو كان هو القافية لكان لا يؤنث، لأن الحرف مذكر والقافية مؤنثة.
قال أبو سعيد: كأن عنده أن القافية هي الكلمة للقافية لما قبلها، تقفوه تتبعه.
وقال: أما قول الأخفش: لجمعت له كلمات فليس ذلك من أجل.
إن الكلمة هي القافية، ولكن حرف الروي لا يقوم بنفسه، وإنما يكون في كلمة فتجمع الكلمات من أجل ذلك، وكذلك إذا بقيت كلمة فإنما يقال بقيت القافية، لأن حرف الروي في الكلمة، وأما قوله لو كانت القافية الحرف لجاز أن يكون في القصيدة مردف وغير مردف، ومؤسّس وغير مؤسّس فقد تقدم ما يكون جوابا لهذا.
وأما قوله: إن الحرف مذكر والقافية مؤنث، فكل حرف من حروف المعجم الأغلب عليه التأنيث كقولنا: ياء حسنه وكاف مكتوبة وما أشبه ذلك، كما قال الشاعر:
كما بيّت كاف تلوح وميمها
ومما يدل على ما ذكرناه أن ما يلزم إعادته يحتاج أن يكون معلوما أو كالوزن المعلوم عدّة حروفه وترتيب حركاته وسكونه وما يجوز فيه من الزحاف، وكحروف الروي المعلومة وكاللواحق المعلومة من التأسيس والردف والوصل والخروج.
وإذا كانت القافية كلمة فهي غير معلومة لتباين ما بين طولها وقصرها، ويدخل عليه أيضا أن يقال: إذا كانت القافية هي الكلمة الأخيرة، فقول زهير:
من الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابقا شيئا إذا كان جائيا
فالكلمة الأخيرة في البيت الأول ليا وليس فيها تأسيس، والكلمة الأخيرة في البيت الثاني جائيا وهي مؤسسة. وأما الذي قال أن القافية هي ما يلزم الشاعر إعادته من حرف أو حركة أو أكثر من ذلك، فقد تقدم فيما ذكرناه من الاحتجاج مما يدل على بطلان قوله، ومن مذهب هذا القائل أن أقلّ ما يلزم الشاعر حرف وحركة، وذلك أنه يقول: إذا
[ ٥ / ٨٦ ]
كان ما قبل حرف الروي متحركا لزم الشاعر الحركة التي قبله، إن كانت فتحة لم يجز أن يأتي بغيرها، وتسمى هذه الحركة التوجيه وإن كانت ضمة أو كسرة جاز له أن يأتي بالضم والكسر جميعا في قصيدة واحدة يتناوبان فيهما، ولا يجوز معهما الفتح بمنزلة الواو والياء في الردف، ولا يجوز معهما الألف. وزعم أنه من جمع بين الفتح والكسر، أو الفتح والضم فقد أخطأ، وأن رؤبة قد أخطأ في قوله:
ألّف شتّى ليس بالراعي الحمق
وقوله: مضبورة قرواء هرجاب فتق.
في قصيدته التي أولها:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
وأن بيت امرئ القيس:
إذا ركبوا الخيل واستلأموا تحرّقت الأرض واليوم قرّ
في قصيدته التي أولها:
لا وأبيك ابنة العامري لا يدّعي القوم أني أفرّ
أخطأ، وذكر أنه يروى: واليوم قرّ واليوم صرّ، وأن ذلك أولى بأن ينسب إلى امرئ القيس، ورأيت هذا القائل يعتقد أن ذلك نادر لا يوجد مثله ولم يوجد غير الذي ذكره، وهذا يدل على قلة تفتيش لأشعار العرب المتقدمين، وقد ذكرت لثلاثة من الشعراء ليسوا كلهم مكثرين ما استطلت أن أذكر أكثر منه مما جمعوا فيه بين المفتوح والمكسور والمضموم، على أني لا أنكر أن لزوم الفتح إذا ابتدئ به أحسن، ولزوم الضم والكسر للمبتدئ به أحسن، كما يكون في اللفظ وجهان يختار أحدهما على الآخر، ولا يكون الآخر خطأ ساقطا. قال عدي بن زيد العبادي:
طال ذا الليل علينا واعتكر وكأنّي ناذر الصبح سمر
من نجي الّهم عندي ثاويا بين ما أعلن منه وأسر
وقال في أخرى:
قد حان أن تصحو أو تقصر وقد أتى لما عهدت عصر
ثم قال:
قد فاض فيه كالعهون من ال أرواح لما أن علاه الزّهر
[ ٥ / ٨٧ ]
أهبطته بالعتد الأجرد فيه سهمة وضمر
فهو مثل السيد يفزعه النقر والصفر إذا يصفر.
وقال المرقش الأكبر:
هل تعرف الدار عفا رسمها إلّا الأثافّي ومبنى الخيم
ثم قال:
أمست خلاء بعد سكانها مقفرة ما إن بها من أرم
وقال أيضا:
أتتني لسان بني عامر فجلّت أحاديثها عن بصر
بأن بني الوخم ساروا معا بجيش كضوء نجوم السّحر
ثم قال:
وكأنّ بجمران من مزعف ومن رجل وجهه قد عفر
ويروى: منعفر، وقال الأعشى:
وبها خشيم إنه يوم ذكر وزاحم الأعداء بالثبّت الغدر
في قصيدة أولها:
كونوا كسمّ ناقع فيه الصّبر وارجها إذا ما ضيّع القوم الّدبر
وقال أيضا الأعشى في قصيدة لامية أولها:
أقصر فكلّ طالب سيمل إذ لم يكن عن الحبيب عول
علقتها بالشيطين فقد شقّ علينا حبّها وشغل
ثم قال:
تجري السّواك بالبنان على ألمي كأطراف السيال رتل
ترقى إليه من جهينة مجتاب المسوك وفي الهضاب وقل
وفيها:
متى القتود والفتيان بأل واح شداد تحتهن عجل
آنس طملا من حدبلة مش غوفا بنوه بالسما رغيل
[ ٥ / ٨٨ ]
وقال:
لعمرك ما طول هذا الزّمن على المرء إلّا عناء معن
وفيها:
وبيداء قفر كبرد السّدير مناهلها داثرات أجن
فهذه الأبيات قد اجتمع وفيها المفتوح مع المكسور والمضموم على ما ذكرنا من جواز ذلك وكثرته وإنّ كان لزوم الفتح فيه أجود.
وقال المجبر السلولي في قصيدة طويلة نحو مائة وعشرين بيتا موقوفة حركة ما قبل حرف الروي منها كأنها نصفان: نصف فتح ونصف ضم وكسرة وأولها:
يا أخويّ من معد عرّجا فحيّيا الرّبع كأعشار الخلق
ثم سلاة لي سؤالا نافعا إن بين القوم الجواب أو نطق
وما سؤال الرّبع قد غيّره تتابع الأضياف والهوج الخرق
طاوي المراض بحتري بالضّحى أقب مجلود رفليّ يلق
بذله الربع وقد تغّنى به أوانس مثل الغمامات البسق
يرتاده كل رفل هيكل كأنه محجاب دياج لهق
وأما الذي يقول أن القافية آخر حرف في البيت إذا لم يكن بعده شيء، رويا كان أو وصلا أو خروجا فقد ذكره الأخفش أن تسمية الوصل والخروج قافية على المجاز، لأنه آخر الحروف وهو يقفو جميع ما قبله، أي يتبعه، وإنما سميت القافية من البيت لاتباعها ما قبلها من أوله. وذكر الأخفش أنه رأى العرب إلى ذلك يذهبون؛ هذا- كما ذكر الأخفش- مجاز، كما استجازوا تسمية غير ذلك بالقافية مما يوزن بلام الفعل، فإن ذلك بين الفساد، لأنا نرى القصيدة حرف الروي في بعض أبياتها لام الفعل، وفي بعضها غيره، ومن ذلك قول الأعشى:
لعمرك ما طول هذا الزّمن على المرء إلّا عناء معنّ
فالنون في معن حرف الروي وهي عين الفعل، وأصلة معنى مفعل، والياء من معنى لام الفعل، وقد أجمعوا أن الياء المحذوفة التي هي لام الفعل غير داخلة في الروي ولا في القافية. ثم قال:
[ ٥ / ٨٩ ]
يظّل رجيما لريب المنون وللسقم في أهله والحزن
فالنون لام الفعل في هذا البيت، فقد صار حرف الروي في أحد البيتين عين الفعل، وفي الآخر لامه، وفي القصيدة نون زائدة لا هي عين الفعل ولا لامه، وذلك قوله:
فهل يمنعني ارتيادي البّلاد من حذر الموت أن يأتين
والنون زائدة لأن معناه يأتيني، والياء للمتكلم. وقال رؤبة:
يا أيّها الكاسر عين الأغضن والقائل الأقوال ما لم يرني
وفيها:
من كلّ رعشاء وناج رعشن
فالقصيدة نونية، والنون في الأغضن لام الفعل، وفي يرني ليست من الكلمة في شيء، لأن النون زائدة والياء ضمير المتكلم متصل ببرني وهو فعل مجزوم ورعشن فعلن، لأنه من الارتعاش والنون زائدة والشين التي هي لام الفعل لا حكم لها في القافية ولا يلزم إعادتها، والشواهد في إبطال هذا كثيرة وقد ذكر الأخفش عن قوم أنهم ذهبوا إلى أن النصف الأخير بأسره هو القافية، فهؤلاء قسموا البيت نصفين فجعلوا النصف الثاني قافية لأنه يتبع الأول، وقد انطوى كلامنا على تحقيق القافية بما أغنى عن إعادتنا الكلام في هذا، وقد اتسعت العرب في تسمية القافية، فمنهم من سمى القصيدة قافية، ومنهم من سمى البيت قافية، ويمكن أن يكون ذلك لأن في كل بيت قافية، فسمى باسم ما لا يفارقه، وهذا كثير في كلام العرب، فأما تسمية القصيدة قافية فقد حكى الأخفش أنه سمع عربيا يقول عنده قواف كثيرة، فقلت: وما القوافي؟ قال: هي القصائد. قال: وسمعت آخر فصيحا يقول: القافية القصيدة، وأنشد:
وقافية مثل حد السّنان تبقى ويهلك من قالها (١)
وقال حسان:
فنحكم بالقوافي من هجانا ونضرب حين تختلط الدّماء
يريد نحكي بالقصائد، وقال جرير يهجو البعيث:
لقد سرى لحب القوافي بأنفه وعلب جلد الحاجبين وشومها
_________________
(١) البيت للخنساء ترثي أخاها صخرا انظر الديوان ١٢٢.
[ ٥ / ٩٠ ]
وقال آخر:
نبئت قافية قيلت تناشدها قوم سأترك في أعراضهم ندبا
وأما تسمية البيت قافية فقد قيل أن بيت عبد بني الحسحاس:
أشارت بمدراها وقالت لتربها أعبد بنى الحسحاس يزجى القوافيا
يريد يعمل قصيدة يزجى أبياتها، أي ينظمها ويسوقها. وفي قول الفرزدق:
إذا ما قلت قافية شرودا تنحلها ابن حمراء العجان
قال أبو عبيد: إن البعيث وهو ابن حمراء العجان لما قال جرير:
أترجو كليب أن يجيء حديثها بخير وقد أعيا كليبا قديمها
سرقه الفرزدق، وقد كان الفرزدق قال قبل ذلك:
أترجو ربيع أن يجئ صغارها بخير وقد أعيا ربيعا كبارها
وأما حرف الروي فحرف مجمع عليه وتختلف عبارات الناس عنه وتحديدهم له وأصح ذلك أن يقال هو الحرف الذي لا يخلو منه جميع فنون الشعر، وقد يخلو من الإطلاق وقد يخلو من التقييد والردف والتأسيس وغير ذلك مما هو سوى حرف الروي، وهو القاف في:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
واللام في:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله وعزى أفراس الصّبا ورواحله
ورأيت الأخفش لا يفرق بين الروي وبين حرف الروي بل الأغلب في عبارته الروي، وترجم في كتاب القوافي في هذا باب ما يكون رويا من الياء والواو والألف، ويقويه قول النابغة:
بحسبك أن تهاض بمحكمات يمر بها الرّوي على لساني
فسر الرواة أن الروي هو القافية، ورأيت بعض المحدثين يذكر أن الرويّ غير حرف الروي، يقول: أن الروي هو جملة ما به قوام الشعر من الوزن والقافية فيقال قصيدة كذا على روي قصيدة كذا إذا اتفقنا في الوزن والقافية، فإن اتفقنا في أحدهما دون الآخر لم يقل إنهما على روي واحد، وقد ذكر أن الروي ما يحمل أشعار العرب من الوزن والقافية، وأنه سمي رويا لحمله الشعر، وحمله له أنه لا يتم إلا به، قال: وإن قيل لحامل
[ ٥ / ٩١ ]
الأشعار راوية للشعر وكحامل لغة العرب راوية لغة لحملهما ما حملا من ذلك، وليس الأمر عندي كما قال بل اشتقاق ذلك عندي من شد الحبل على الشيء وضبطه به، ويقال للحبل الرواء، وجمعه أروية، ويقال روي فوقه وروي عليه إذا شد فوقه الحبل، قال الطرماح:
مزايد خرقاء اليدين مسيفة يخب بها مستخلف غير آين
روى فوقها راو عنيف وأقصيت إلى الحنو من ظهر القعود المداجن
يريد أنه شد الحبل فوقه، وإنما قيل راوية للشعر واللغة وغير ذلك، لأنه قد ضبط ما يرويه وشده، وكذلك الروي هو الذي ينعقد به الشعر. وروى أهل اللغة هذا الشعر على قرء وقرئ واحد، أي على روي واحد، والقرء ضم الشيء كأنه هو الذي ضم الشعر، وهو نحو معنى الروي.