لا في المعنى؛ لاتساعهم في الكلام، وللإيجاز والاختصار. فمن ذلك أن تقول على قول السائل: " كم صيد عليه " وكم غير ظرف؛ لما ذكرت لك من الاتساع والإيجاز فتقول: " صيد عليه يومان "، وإنما المعنى صيد عليه الوحش في يومين، ولكنه اتسع واختصر؛ ولذلك وضع السائل " كم " غير ظرف.
قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الفصل قد اشتمل على معان يكشفها التفسير، منها أن تعلم أن في الظروف ما يجوز أن يستعمل اسما كزيد وعمرو، كقولك: " صمت اليوم " على مثل: " ضربت زيدا "، وتجعل " اليوم " مفعولا كزيد.
ومنها أن تعلم أن المبتدأ إذا كان بعده فعل فيه ضميره، جاز أن يجري على المبتدأ من الاسم ما لزم ضميره من اللفظ، كقولك: " زيد ضربته " يجوز أن يقال: " زيد " مفعول، ونحن نعلم أن " زيدا " مبتدأ، وإنما يراد ضميره مفعول.
_________________
(١) الخزانة ٣/ ٣٧٩ - ابن يعيش ٦/ ٢١، المخصص ١/ ٣١.
(٢) سورة النساء، آية: ٤.
[ ٢ / ١٠٤ ]
ومنها أن تعلم أن الاسم الذي يستفهم به، إذا كان له موضع من رفع أو نصب أو جر، فجوابه يكون على لفظ ما
يستحقّ الاستفهام، وعلى تقدير عامله الذي عمل فيه كقولك: " كم رجلا جاءك " فتقول: " عشرون "، وذلك أن " كم " في موضع مبتدأ، وهو حرف الاستفهام و" جاءك " خبره، ورجلا على التمييز، والجواب: " عشرون " على لفظ كم مرفوع بالابتداء وتقديره " عشرون رجلا جاءني ".
وإذا قال: " كم رجلا رأيت " فالجواب: " عشرين "؛ لأن " كم " في موضع نصب برأيت.
وإذا قال: " بكم رجلا مررت " قلت: " ثلاثة رجال " فخفض؛ لأن " كم " في موضع خفض.
ومنها أن الظرف الذي يجوز إجراؤه مجرى الأسماء يجوز أن يقام مقام الفاعل مجازا؛ لأنا قد جعلناه بمنزلة " زيد " كقولك: " سير بزيد يوم طويل "، كما تقول: " ضرب بزيد الحائط "، فقد أقمت " اليوم " مقام الفاعل وجعلته كالأسماء الصحيحة. ومنها أن تعلم أن المقادير المضافة إلى الأنواع المميزة بها، حكمها حكم ما أضيفت إليه، وميزت به كقولنا: " سرت عشرة أيام "، فعشرة هي الظرف؛ لأنها مقدار أضيف إلى الأيام و" أيام " ظرف، و" سرت عشرين يوما "، " العشرون " ظرف؛ لأنها مقدار مميّز بظرف.
فتقول الآن: إن قول السائل: " كم صيد عليه " أرادكم يوما صيد عليه، فكم مبتدأ، وهو مقدار مميّز بظرف فهو إذن ظرف و" صيد عليه " خبره، وفي " صيد " ضمير يعود إلى " كم " قد أقيم مقام الفاعل، فصار ذلك الضمير بمنزلة سير عليه يوم طويل.
وقوله: ولم يجعل " كم " ظرفا. أراد لم يجعل ضمير " كم " الذي في " صيد " فعبّر بلفظ " كم " عن ضميره ولم يجعله ظرفا؛ لأنه قد أقامه مقام الفاعل، ثم أتى المجيب بنحو ما بنى السائل عليه كلامه، فجعل اليومين مرفوعين بصيد، ولم يجعلهما ظرفا، كما لم يجعل الضمير الذي في " صيد " ظرفا حين سأل، وهو مجاز واتساع؛ لأن " اليوم " لا يصاد، وإنما يصاد فيه كما قال:
أما النهار ففي قيد وسلسلة والليل في جوف منحوت من الساج (١)
_________________
(١) البيت من الأبيات التي لم يعرف قائلها ونسبه المبرد في الكامل إلى رجل من أهل البحرين من-
[ ٢ / ١٠٥ ]
وإنما أراد أن الرجل في قيد وسلسلة في النهار، فكذلك المعنى صيد عليه الوحش في يومين.
قال: (ومن ذلك أيضا أن تقول: " كم ولد له؟ " فيقول: " ستون عاما "، والمعنى ولد له الأولاد، وولد له الولد ستين عاما).
فحذف الأول وأقام الستين مقام الأولاد اتساعا.
ومن ذلك أن يقول: " كم ضرب به "؟ فتقول: " ضرب به ضربتان " و" ضرب به ضرب كثير ".
فمعنى " كم " هاهنا معنى المصدر، كأنه قال: " كم ضربة ضرب به " يريدكم ضرب بزيد، وفي " ضرب " ضمير يعود إلى " كم " قد أقيم مقام الفاعل وهو مصدر: فلذلك كان جوابه: " ضرب به ضربتان "، فسبيل المصدر في الاتساع كسبيل الظرف؛ لأنك إذا قلت:
" ضرب بزيد ضرب شديد " فالضرب ليس بمضروب في الحقيقة، وإنما المضروب الذي وقع به الضرب، وجعلت الضرب مفعول: " ضرب " مجازا.
قال: (ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها (١) وإنما يريد أهل القرية فاختصر، وعمل الفعل في " القرية " كما كان عاملا في " الأهل " لو كان هاهنا).
وقد بينا حذف المضاف والاكتفاء بالمضاف إليه فيما مضى، وإنما ذكره سيبويه حجة في الاتساع والاختصار؛ لأن المسألة في اللفظ للقرية والمعنى للأهل، فكذلك قولهم: " ولد له ستون عاما " لفظ " الأولاد " للأعوام، والمعنى للأولاد في الأعوام، على أن بعض الناس يزعم أن ذلك على الحقيقة، وأن مسألة القرية من " يعقوب " ﵇ صحيحة؛ لأن القرية يجوز أن تخاطبه؛ إذ كان نبيّا، وتكون مخاطبتها معجزة له.
ولا معنى للتشاغل بنقض هذا الكلام؛ إذ كان جوازه في كلام العرب وغيرهم أشهر من أن تحتاج معه إلى إقامة دليل.
_________________
(١) - اللصوص. المقتضى ٤/ ٣٣ - رغبة الآمل ٨/ ١٢٢.
(٢) سورة يوسف، آية: ٨٢.
[ ٢ / ١٠٦ ]
قال: " ومثله بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ (١) والمعنى بل مكرهم في الليل والنهار، ومثله وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ (٢) وإنما هو ولكن البرّ برّ من آمن بالله ".
وفي هذا وجه آخر، وهو أن يجعل البر في معنى البارّ، فكأنه قال تعالى: ولكن البارّ من آمن بالله.
قال: (ومثله في الاتساع قوله ﷿: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما (٣) المعنى: مثلكم ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به).
فالناعق الراعي والمنعوق به الغنم، فجعل المؤمنين كالراعي والكفار كالمنعوق به، والتمثيل في ذلك كلّه أن الكفار لم يعتقدوا ما خوطبوا به، ولم يحصلوا به أكثر من سماعه، ويدلك على صحة هذا أن الكفار لم يشبّهوا بما
ينعق؛ لأن الذي ينعق هو الراعي، وهم لم يشبهوا به، وإنما شبّهوا بالمنعوق به.
وقال بعضهم: أراد بقوله تعالى: كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ الذي ينعق به، كما قال تعالى: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ (٤) أي ينطق به، وكما قال تعالى: وَالنَّهارَ مُبْصِرًا (٥) أي يبصر فيه، والمعنى في هذا التأويل أنه جعل الذين كفروا في دعاء بعضهم لبعض كمثل صياح الغنم بعضها ببعض، واللفظ مقلوب على ما خبّرتك.
قال: ومثل ذلك " بنو فلان يطؤهم الطريق " يريد يطؤهم أهل الطريق ".
وهذا مدح، والمعنى فيه أن بيوتهم على الجادة فالمارّة تنزل عليهم ويضيفونهم، فجعل مرور أهل الطريق بهم وطأهم إياهم.
وقالوا: " صدنا قنوين " وإنما يريد صدنا بقنوين أو صدنا وحسن قنوين وإنما قنوان اسم أرض.
قال: وفي السعة مثله " أنت أكرم عليّ من أن أضربك "، و" أنت أنكد من أن تتركه " إنما يريد أنت أكرم عليّ من صاحب الضرب.
_________________
(١) سورة سبأ، آية: ٣٣.
(٢) سورة البقرة، آية: ١٧٧.
(٣) سورة البقرة، آية: ١٧١.
(٤) سورة الجاثية، آية: ٢٩.
(٥) سورة يونس، آية: ٦٧.
[ ٢ / ١٠٧ ]
والقول في ذلك ما قاله " أبو إسحاق الزجاج " ﵀، قال: إن قدّرته: أنت أكرم عليّ من ضربك، لم يجز لأنك لست تريد أن تخبر أنه أكرم عليك من ضربه، وهذا هو ظاهر الكلام، وإن حمل المعنى عليه بطل، قال أبو إسحاق: وتهذيب هذا الكلام هو: كأن قائلا قال: " أنت تضربني " فنسب الضرب إلى نفسه، فقال الآخر: أنت أكرم عليّ من صاحب الضرب الذي نسبته إلى نفسك، وليس ذلك.
ومثل هذا أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (١) وليس لله تعالى شريك، وإنما جاز هذا؛ لأنهم جعلوا لله تعالى شركاء في زعمهم، فكأنه قال: أنت أكرم عليّ ممن يستحق ما زعمت أنه لك، ونسبته إلى نفسك، وأنشد سيبويه قول " النابغة الجعدي " مستشهدا لجواز الحذف:
كأنّ عذيرهم بجنوب سلّى نعام قاق في بلد قفار (٢)
أراد عذير نعام، والعذير الحال، وقال " أبو العباس " وحده: العذير الصوت، وما فسر أحد سواه ذلك، و" قاق ": صوت.
ومن ذلك قول عامر بن الطفيل:
فلأبغينّكم قنا وعوارضا ولأقبلنّ الخيل لابة ضرغد (٣)
أراد بقنا وعوارض، وحذف الباء فأوصل الفعل ومعناه: ولأطلبنكم بهذين المكانين.
قال: ومن ذلك قولهم: " أكلت أرض كذا وكذا، أراد أكلت خير بلد كذا، ومنه قولهم: هذه الظهر، أو العصر، أو المغرب ".
تريد هذه صلاة الظهر وصلاة العصر، وصلاة المغرب؛ لأن الظهر اسم للوقت، وكذلك العصر، كأنه أراد هذه صلاة هذا الوقت، ومنه قولهم: " اجتمع القيظ "، وإنما يريدون: اجتمع الناس في القيظ، وتقديره: اجتمع ناس القيظ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
_________________
(١) سورة القصص، آية: ٦٢.
(٢) نسبه ابن بري إلى شقيق بن جزء بن رباح الباهلي اللسان (فوق) ١٢/ ٢٠١ الإنصاف ٤٧ - رغبة الآمل ٨/ ٢٤.
(٣) سبق الحديث عنه.
[ ٢ / ١٠٨ ]
وقال الحطيئة:
وشرّ المنايا ميّت بين أهله كهلك الفتى قد أسلم الحيّ حاضره (١)
يريد: وشر المنايا منية ميّت بين أهله، كموت الفتى، وقد أسلم الحيّ حاضره، والحيّ هو الفتى، قد أسلمه الحاضرون له من أهله؛ لأنهم لا حيلة لهم في دفع المرض والموت عنه.
وقال النابغة الجعدي:
وكيف تواصل من أصبحت خلالته كأبي مرحب (٢)
يريد كخلالة أبي مرحب، وهي صداقته.