قال أبو سعيد: اعلم أن من العرب إذا عطفت فعلا على فعل- وكان كل واحد من الفعلين متعلقا باسمين أو باسم واحد- فإنهم يستجيزون في ذلك ما لا يستجيزونه في
[ ١ / ٣٥٩ ]
غيره من كلامهم. فمن ذلك أنك تقول: " قام وقعد أخوك " فأنت بالخيار إن شئت رفعت الأخ بالفعل الأول، وإن شئت رفعته بالفعل الثاني.
فإن رفعته بالفعل الأول فتقديره: قام أخوك وقعد، ويكون في " قعد " ضمير من الأخ، وإذا ثنيته، أو جمعت على هذا الوجه قلت: " قام وقعدا أخواك "، و" قام وقعدوا إخوتك "، و" قامت وقعدن الهندات "، ويكون قد جعلت الاسم الذي تعلق بالفعل الأول بعد الفعل الثاني، فقد فصلت بين الفعل الأول وفاعله بجملة. فهذا لا يجوز في كل مكان، وإن أعملت الفعل الثاني في " الأخ "، جعلت في الفعل الأول ضمير الأخ؛ لأن الفعل لا يخلو من فاعل مظهر أو مضمر. وإذا ثنيت أو جمعت على هذا الوجه قلت: " قاما وقعدا أخواك "، و" قاموا وقعدوا إخوتك "، " وقمن وقعدت الهندات "، فتضمر في الأول ضمير الفاعل قبل الذكر، وليس ذلك بمستحسن في جميع المواضع وهو هاهنا الاختيار.
وإذا كان الفعل متعديا إلى مفعول جرى هذا المجرى، فقلت: " ضربني وضربت زيدا " إن أعملت الفعل الآخر، وتجعل في " ضربني " ضمير الفاعل ولا بد من ذلك، لأن الفعل لا يخلو من فاعل. فإذا ثنيت أو جمعت- على هذا
الوجه- قلت: " ضرباني وضربت الزيدين " و" ضربوني وضربت الزيدين " و" ضربني وضربت الهندات ".
وإن أعملت الفعل الأول في هذه الوجوه، كان الاختيار أن تقول: " ضربني وضربته زيد "، لأن التقدير: ضربني زيد وضربته وضربني وضربتهما الزيدان، و" ضربني وضربتهم الزيدون "، و" ضربتني وضربتهن الهندات ".
ويجوز حذف ضمير المفعول من الفعل الثاني؛ لأن المفعول يجوز حذفه؛ لأنه كالفضلة المستغنى عنها. وقد علم أن الفعل قد وقع به، وقال الله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِراتِ على معنى والذاكراته وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ (١)، ولم يأت للفعل الثاني بمفعول اكتفاء بالأول.
وإذا قلت: " ضربت وضربني زيد " فأعملت الفعل الثاني، رفعت " زيدا " به، ولم تأت للأول بمفعول، وقد علم أنه واقع " بزيد "؛ لذكرنا في الفعل الثاني، فلم تضمره كما أضمرته حيث كان فاعلا؛ لأنهم احتملوا إضماره قبل الذكر حيث كان فاعلا؛ لأن الفعل
_________________
(١) سورة الأحزاب، آية: ٣٥.
[ ١ / ٣٦٠ ]
لا بد له من فاعل، وقد يستغنى عن المفعول، فلم يكن بهم ضرورة توجب إضمار المفعول قبل الذكر.
فإذا ثنيت، أو جمعت- على هذا الوجه- قلت: " ضربت وضربني الزيدان "، و" ضربت وضربني الزيدون "، " وضربت وضربتني الهندات "، فإن أعملت الفعل الأول- في هذه الوجوه- قلت: " ضربت وضربني زيدا "، وجعلت في " ضربني " ضميرا من زيد، وتقديره: ضربت زيدا، وضربني. وفي التثنية والجمع " ضربت وضرباني الزيدين " و" ضربت وضربوني الزيدين "، و" ضربت وضربني الهندات ".
وإذا كان الفعل متعديا إلى اثنين جرى على هذا المجرى، وعلى هذا القياس. وإذا تعدى إلى ثلاثة مفاعيل: فالجرمي ومن ذهب مذهبه لا يرون إجراءه على قياس هذا الباب؛ لأن هذا الباب خارج عن القياس، وإنما يستعمل فيما استعملته العرب، وتكلمت به، وما لم تتكلم به فمردود إلى القياس. ومن أصحابنا من يقيس ذلك في جميع الأفعال.
فما يتعدى إلى مفعولين، تقول: " أعطاني وأعطيت أخاك درهما "، فتجعل في " أعطاني " ضمير الأخ؛ لأنه فاعل مضطر إلى ذكره، وتحذف ضمير الدرهم؛ لأنه مفعول، وما في الفعل الثاني يدل عليه، وتعمل الفعل الثاني في الآخر.
فإذا ثني أو جمع- على هذه الوجوه- قلت: " أعطياني وأعطيت أخويك درهما "، و" أعطوني وأعطيت إخوتك
درهما "، و" أعطيتني وأعطيت الهندات درهما ".
فإذا أعملت الفعل الأول- على هذا الوجه- قلت: " أعطاني وأعطيته إياه أخوك درهما "، وتقديره: أعطاني أخوك درهما وأعطيته إياه، فالهاء ضمير الأخ، وإياه ضمير الدرهم، وقد جرى ذكرهما في التقدير فأضمرتهما لذلك، فإذا ثنيت أو جمعت قلت:
" أعطاني وأعطيتهما إياه أخواك درهما "، و" أعطاني وأعطيتهم إياه إخوتك درهما "، و" أعطتني وأعطيتهن إياه الهندات درهما ".
ويجوز حذف ضمير المفعول من الفعل الثاني على نحو ما مضى: فإذا قلت:
" أعطيت وأعطاني زيد درهما " وأعملت الفعل الثاني حذفت المفعولين من الفعل الأول، وإن كانا يرادان في المعنى؛ لأن الفعل الثاني قد دل عليهما، والمفعولان أحدهما زيد والآخر الدرهم، كأنك قلت: " أعطيت زيدا درهما، وأعطاني زيد درهما، وإذا ثنيت أو جمعت قلت: " أعطيت وأعطاني الزيدان درهما "، و" أعطيت وأعطاني الزيدون درهما "،
[ ١ / ٣٦١ ]
و" أعطيت وأعطتني الهندات درهما ".
وإذا أعملت الأول- على هذا الوجه- قلت: " أعطيت وأعطاني إياه زيدا درهما "، و" أعطيت وأعطياني إياه الزيدين درهما "، و" أعطيت وأعطوني إياه الزيدين درهما "، و" أعطيت وأعطينني إياه الهندات درهما "، ويجوز حذف إياه؛ لأن المفعول يستغنى عنه.
وإن كان الفعل متعديا إلى مفعولين لا يجوز الاقتصار على أحدهما، فسبيله سبيل " أعطيت " الأول إلا في الاقتصار على أحد المفعولين، تقول: " ظنني وظننت زيدا منطلقا إياه "، أعملت الفعل الثاني في " زيد "، و" منطلق "، وجعلت في الفعل الأول ضمير " زيد " وهو الفاعل، والنون والياء هما المفعول الأول من مفعولي الظن، وأنت مضطر إلى ذكر الثاني؛ لأنه لا يقتصر على أحد المفعولين فجئت به في آخر الكلام. وهو ضمير " منطلق " بعد أن جرى ذكره، ولا يجوز أن تضمر قبل ذكره؛ لأن المفعول لا يضمر قبل الذكر، وكل ما تعلق بالفعل الأول فلا يجوز أن تذكره بعد الفعل الثاني حتى يتم فاعله ومفعوله.
ولو ثنيت أو جمعت- على هذا الوجه- لم يجز؛ لأنك لو أخرته لقلت: " ظناني وظننت أخويك منطلقين إياه وإياهما " وكلاهما فاسد، وذلك أنك إذا قلت: إياه فقد جعلت ضميرا واحدا، وإذا قلت: إياهما فأضمرت المنطلقين، فقد جعلت المتكلم اثنين وهما واحد، وعلى هذا قياس جميع هذا الباب، فيما يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل.
وكان الكسائي إذا أعمل الفعل الثاني في الفاعل، أعرى الفعل الأول من الفاعل، ولم يجعل فيه ضميرا له.
وكان الفراء لا يضمر الفاعل قبل ذكره في شيء من هذه الأفعال التي ذكرنا، فأما الكسائي فإنه يقال للمحتج عنه، أخبرنا عن هذا الفعل، أتنوي فاعله أو لا تنويه؟
فإن قال: لا أنويه فقد أحال؛ لأن الفعل لا يتصور بغير فاعل، وإن قال: أنويه قلنا:
فإذا كنت تنويه قبل أن تذكره لحاجة الفعل إليه، فلم لا تأتي بالعلامة التي تكون لما ينوى من الفاعلين؟
وأما الفراء فإن قوله مخالف لكلام العرب؛ لأن الرواة قد أنشدوا قول طفيل الغنوي:
[ ١ / ٣٦٢ ]
وكمتا مدمّاة كأنّ متونها جرى فوقها واستشعرت لون مذهب (١)
فنصب " لونا " باستشعرت، وجعل في " جرى " ضمير فاعل، كأنه قال: جرى فوقها لون مذهب، واستشعرت لون مذهب مع ما حكاه البصريون من قول العرب: " ضربني وضربت زيدا "، واختيارهم لإعمال الفعل الثاني، وإذا أعملوا الفعل الثاني جعلوا في الأول ضمير فاعل.
قال سيبويه: مفسرا لترجمة الباب: (وهو قولك: " ضربت وضربني زيد " و" ضربني وضرب زيدا "، فحمل الاسم على الفعل الذي يليه).
قال أبو سعيد: يعني أنك تعمل الفعل الثاني وهو الاختيار عنده. وقد ذكرناه. قال سيبويه:
(والعامل في اللفظ أحد الفعلين، وأما في المعنى فقد يعلم أن الأول قد وقع، إلا أنه لا يعمل في اسم واحد رفعا ونصبا).
يعني العامل في الاسم الظاهر هو أحد الفعلين، كأنا إذا قلنا: " ضربت وضربني زيد "، فالعامل في " زيد " هو " ضربني "، وقد علم أن " ضربت " له مفعول مثل " ضربني " وإن لم يذكر، وكذلك إذا قلت: " ضربني وضربت زيدا " فالعامل في " زيد " هو " ضربت "، وفاعل " ضربني " ضمير زيد، وإن لم تظهره، فقد علم أن الفعل الأول كالفعل الثاني في وصوله إلى الفاعل والمفعول. ولا يجوز أن يكون الفعل الأول والثاني يعملان في الاسم الظاهر؛ لأن الفعل الأول يوجب نصبه، والثاني يوجب رفعه، أو الأول يوجب رفعه والثاني يوجب نصبه، ومحال أن يكون الاسم مرفوعا منصوبا.
وقد زعم الفراء أنا إذا قلنا: " قام أو قعد زيد "، فالعامل في " زيد " الفعلان جميعا.
وهذا غير جائز؛ لأنهما لو كانا عاملين في " زيد " جاز أن يبدل من أحدهما ما يوجب نصب " زيد "، فتقول: " ضربت أو ضربني زيد "، فيكونان جميعا عاملين في " زيد " وهذا فاسد.
قال سيبويه: (وإنما كان الذي يليه أولى؛ لقرب جواره، وأنه لا ينقض معنى، وأن المخاطب قد عرف أن الأول قد وقع " بزيد ").
_________________
(١) ديوانه: ٧، المقتضب ٤٤/ ٧٥، أساس البلاغة: ٢٣٧.
[ ١ / ٣٦٣ ]
يعني: أن الاختيار إعمال الثاني؛ لأنه لا فرق في المعنى بين إعمال الأول والثاني، ونحن نكتسب بإعمال الثاني حمل الشيء على ما يقرب منه ويجاوره، والعرب تختار حمل الشيء على ما يقرب منه، وقد بينا هذا.
قال سيبويه: (كما أن " خشّنت بصدره وصدر زيد "، وجه الكلام، حيث كان الجر في الأول، وكانت الباء أقرب إلى الاسم من الفعل، ولا تنقض معنى سوّوا بينهما في الجر كما يستويان في النصب).
قال أبو سعيد يعني: أن قولنا: " خشنت بصدره وصدر زيد "، أجود من " خشنت بصدره وصدر زيد " وكلاهما جائز؛ لأنك إذا جررت حملته على مجرور يجاوره لفظا، وإذا نصبت حملته على المعنى، كأنك قلت: " خشنت صدره وصدر زيد " وحمله على اللفظ أجود؛ لأنه معه وإلى جنبه، فكذلك الأول حمله على ما يقاربه ويجاوره أجود. ولا فرق بين النصب والجر في " خشنت " فلما لم يكن فرق كان مطابقة اللفظ أولى بالاختيار، كما أنهم لو نزعوا الباء لسوّوا بين الأول والثاني في النصب، وقالوا: " خشنت صدره وصدر زيد ".
قال سيبويه: (ومما يقوى ترك نحو هذا لعلم الخاطب، قوله تعالى: وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِراتِ) (١).
أراد و" الحافظاتها " والذاكرين الله كثيرا والذاكراته. فترك مفعول الثاني لعلم المخاطب بذلك والاكتفاء بالأول لو كان منصوبا.
وكذلك قوله: (" ونخلع ونترك من يفجرك ").
فلو كان منصوبا ب " نخلع " كان الاختيار أن يقول: ونخلع ونتركه من يفجرك، ونصبه ب " نخلع " جائز أيضا، فقد ترك إما مفعول " نخلع " وإما مفعول " نترك " اكتفاء بعلم المخاطب.
قال سيبويه: (وقد جاء في الشعر من الاستغناء أشد من هذا، وذلك قول قيس بن الخطيم:
_________________
(١) سورة الأحزاب، آية: ٣٥.
[ ١ / ٣٦٤ ]
نحن بما عندنا، وأنت بما عندك راض والرأي مختلف (١)
أراد: نحن بما عندنا راضون.
ومثله قول ضابئ البرجمي:
فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإنّي وقيّارا بها لغريب (٢)
فجاء بخبر أحدهما.
وقال ابن أحمر:
رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئا ومن أجل الطّوي رماني (٣)
ويروى: ومن جول الطوى. وحق الكلام أن يقول: بريئين فهذه الأبيات أشد مما ذكر؛ وذلك أنه حذف خبر الاسم الذي لا بد له منه اكتفاء بخبر الاسم الأخير، وما ذكرناه فإنما حذف منه المفعول المستغنى عنه، وحذف الخبر أشد من حذف المفعول.
فأما قول ضابئ البرجمي: " وإني وقيارا بها لغريب "، فيجوز أن يكون " لغريب " خبرا للنون والياء وخبر " قيار " محذوفا. ويجوز أن يكون خبرا " لقيار "، وخبر " إني " محذوف.
وكذلك بيت ابن أحمر، يجوز أن يكون خبرا " للقاء " في " كنت "، ويجوز أن يكون خبرا " لوالدي ". ومن روى: ومن أجل الطّوي رماني يعني بسبب الطّويّ، والطويّ: البئر.
وإنما كان بينهما مشاجرة في بئر، فبهته بسبب ما كان بينهما من المشاجرة، وقذفه بما لم يكن فيه.
ومن قال: " ومن جول الطوي رماني " أراد: ما رماني به رجع عليه؛ لأن من رمى من بئر رجع عليه ما رمي.
قال سيبويه بعد هذه الأبيات: (فوضع في موضع الخبر لفظ الواحد؛ لأنه قد علم أن المخاطب سيستدل به، والأول أجود).
يعني: أنه جاء بخبر واحد، وقد ذكر أكثر من واحد، فحذف الخبر اكتفاء بما ذكر والأول أجود، يعني: حذف المفعول من الفعل الذي ذكره أجود.
_________________
(١) أمالي ابن الشجري ١/ ٢٩٦ - شرح ابن عقيل ص ١٢٥.
(٢) الخزانة ٤/ ٨١ - الكامل للمبرد ١/ ٢١٨ - الدرر اللوامع ٢/ ٢٠٠، ٢١٠.
(٣) الأعلم ١/ ٣٨، سيبويه ١/ ٣٨.
[ ١ / ٣٦٥ ]
(لأنه لم يضع واحدا في موضع جمع، ولا جمعا في موضع واحد. قال: ومثله قول الفرزدق:)
يعني: مثله الاكتفاء بخبر واحد عن خبر جماعة:
إني ضمنت لمن أتاني ما جنى وأبى فكان وكنت غير غدور (١)
ولم يقل: غدورين.
واعترض بعض النحويين على سيبويه فقال: " فعيل وفعول " قد يكونان للجماعة والواحد والمذكر والمؤنث، ومن ذلك قولهم: " رجل صديق " و" قوم صديق "، و" رجل خليط "، و" قوم خليط "، و" رجل عدو "، و" قوم عدو " كما قال تعالى: إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (٢).
قال فيجوز أن يكون " غدور " و" بديء " للاثنين. وهذا الذي ذكرنا يروى عن الزيادي. وهو غير ناقض لما ذكره سيبويه؛ لأنه قد ذكر في أول هذه الأبيات " نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض "، و" راض " لا يصلح إلا لواحد؛ وغرضه أن يبيّن أنه يحذف الخبر اكتفاء بخبر واحد.
على أن " فعيل " و" فعول " ليس طريقهما في كل موضع أن يكونا للجميع والواحد؛ ألا ترى أنك تقول: " رجل كريم "، و" رجلان كريمان "، و" رجل ظريف " و" رجلان ظريفان "، وما سمع " رجلان ظريف "، وكذلك " رجل صبور "، و" رجلان صبوران "، ولم نسمع: " رجلان صبور ".
قال سيبويه: (ولو لم تحمل الكلام على الآخر لقلت: " ضربت وضربوني قومك "، وإنما كلامهم: " ضربت وضربني قومك ").
يعني: إذا أعملت الأول قلت: " ضربت وضربوني قومك "؛ لأن تقديره: ضربت قومك وضربوني. والوجه " ضربت وضربوني قومك " على إعمال الثاني وترك مفعول الفعل الأول.
قال سيبويه: (فإذا قلت: " ضربني " لم يكن سبيل إلى الأول؛ لأنك لا تقول:
_________________
(١) البيت للفرزدق سيبويه ١/ ٣٨، الأعلم ١/ ٣٨، الإنصاف ١/ ٩٥ واللسان (قعد) ٤/ ٣٦١.
(٢) سورة النساء، آية: ١٠١.
[ ١ / ٣٦٦ ]
" ضربني " وأنت تجعل المضمر جميعا).
يعني إذا قلت: " ضربت وضربني قومك " لا يجوز أن تقول: " ضربت وضربني قومك " وقد أعملت الأول؛ لأنك إذا أعملت الأول في " القوم " وجب أن تضمر في الثاني ضمير جماعة.
قال: (ولو أعملت الأول لقلت: " مررت ومرّ بي بزيد ").
على تقدير " مررت بزيد ومرّ بي ".
(وإنما قبح هذا؛ لأنهم جعلوا الأقرب أولى إذا لم ينقض معنى).
يعني أن قولك: " مررت ومرّ بي زيد " أجود؛ لأن " زيدا " أقرب إلى الفعل الثاني.
قال الفرزدق في إعمال الثاني:
ولكنّ نصفا لو سببت وسبنّي بنو عبد شمس من مناف وهاشم (١)
ولو أعمل الأول في غير الشعر لقال: " سببت وسبّوني بني عبد شمس ".
قال طفيل الغنوي:
وكمتا مدمّاة كأنّ متونها جرى فوقها واستشعرت لون مذهب
أعمل " استشعرت " ولو أعمل الأول، وهو " جرى " لقال: لون مذهب وقال رجل من باهلة:
ولقد أرى تغني به سيفانة تصبي الحليم ومثلها أصباه (٢)
قال: أعمل " تغني "، ولو أعمل " أرى " لقال " سيفانة ". والسيفانة: المهفهفة الممشوقة، ومثلها أصباه يعني: مثل السيفانة أصبى الحليم.
وقال: (فالفعل الأول في كل هذا معمل في المعنى وغير معمل في اللفظ والآخر معمل في اللفظ والمعنى).
قال سيبويه: (فإن قلت: " ضربت وضربوني قومك " نصبت إلا في قول من قال:
" أكلوني البراغيث ").
والاختيار: " ضربت وضربني قومك " عند البصريين؛ تعمل الثاني في " القوم "، وإذا
_________________
(١) ديوان الفرزدق ٨٤٤، المقتضب ٤/ ٧٤، ابن يعيش ١١/ ٧٨،
(٢) سيبويه ١/ ٣٩ - الأعلم ١/ ٣٩، الإنصاف ١/ ٨٩، المقتضب ٤/ ٧٥.
[ ١ / ٣٦٧ ]
أعملت الثاني فيهم أفردت الفعل، وإن جمعت الفعل الثاني فقلت: " ضربوني " كان على وجهين:
أحدهما: أن تنصب " قومك بالفعل الأول وتضمر " هم " في الفعل الثاني؛ كأنك قلت: " ضربت قومك وضربوني " وهذا هو المختار من الوجهين.
والوجه الثاني: أن ترفع " قومك " فقلت: " ضربت وضربوني قومك " فإذا فعلت هذا كان فيه وجهان:
أحدهما: أن تجعل " الواو " في " ضربوني " علامة للجمع لا ضميرا على لغة من يقول: " قاما أخواك " و" ضربوني إخوتك "، و" أكلوني البراغيث ".
والوجه الثاني: أن تجعل " الواو " ضمير الفاعلين وتجعل " القوم " بدلا منهم، وجاز أن تضمر قبل الذكر على شرط التفسير، وهذا معنى قول سيبويه:
(أو تحمله على البدل فتجعله بدلا من المضمر كأنه قال: " ضربت وضربني ناس بنو فلان ").
قال: (وعلى هذا الحد تقول: " ضربت وضربني عبد الله " تضمر في " ضربني " كما أضمرت في " ضربوني ").
يعني أنك إذا قلت: " ضربت وضربني عبد الله " جاز أن يكون في ضربني ضمير فاعل، أضمرته قبل الذكر على شرط التفسير؛ على أنه لا يظهر في اللفظ لأن كناية الفاعل الواحد في الفعل لا تظهر.
قال: (فإن قلت: " ضربني وضربتهم قومك " رفعت؛ لأنك شغلت الآخر فأضمرت فيه، كأنك قلت: " ضربني قومك وضربتهم " على التقديم والتأخير).
يعني أنك إذا قلت: " ضربني وضربتهم قومك " فوحّدت الفعل الأول، فالاختيار أن ترفع " القوم " به؛ لأنك لو لم ترفعهم به لوجب أن تضمر ضمير جماعة في الفعل الأول؛ لأن الفعل الأول لجماعة فيكون تقديره: " ضربني قومك وضربتهم ".
وقال: (إلا أن تجعل " ها هنا البدل كما جعلته في الرفع، فإن فعلت ذلك لم يكن بد من " ضربوني " لأنك تضمر فيه الجمع).
يعني أنك إذا نصبت " قومك " فجعلتهم بدلا من الهاء والميم في " ضربتهم " وجب أن تأتي بفاعل الفعل الأول وهم جماعة؛ فتأتي لهم بضمير الجماعة على شرط التفسير.
[ ١ / ٣٦٨ ]
قال عمر بن أبي ربيعة:
إذا هي لم تستك بعود أراكة تنحّل، فاستاكت به عود إسحل (١)
أراد: تنحّل عود إسحل، فاستاكت به، فأعمل الفعل الأول، والشاهد إنما هو إعمال الفعل الأول.
قال المرار الأسدي:
فردّ على الفؤاد هوّى عميدا وسوئل لو يبين لنا السؤالا
وقد نغنى به ونرى عصورا بها يقتدننا الخرد الخدالا
أراد: ونرى الخرد الخدال بها يقتدننا في عصور: فالعصور: ظرف، وأعمل الفعل الأول في الخرد، وهو " نرى "،
ولو أعمل الفعل الثاني لقال: ونرى عصورا بها يقتادنا الخرد الخدال.
قال: (وإذا قلت: " ضربوني وضربتهم قومك " جعلت " يقوم " بدلا من " هم "؛ لأن الفعل لا بد له من فاعل، والفاعل ها هنا جماعة، وضمير الجماعة الواو. وكذلك تقول: " ضربوني وضربت قومك "، إذا أعملت الآخر فلا بدّ في الأول من ضمير الفاعل، لأن الفعل لا يخلو من فاعل).
قال أبو سعيد: يعني أنك إذا أعملت الفعل الثاني في القوم، فلا بد من أن تأتي بالواو التي هي ضمير " هم " في الفعل الأول؛ لأنهم فاعلون للفعل الأول وهم جماعة فعلا متهم الواو.
قال سيبويه: (وإنما قلت: " ضربت وضربني قومك " فلم يجعل في الأول الهاء والميم؛ لأن الفعل قد يكون بغير مفعول، ولا يكون الفعل بغير فاعل).
يعني أنك إذا أعملت الفعل الثاني في القوم، وهم الفاعلون له، وقد وقع بهم الفعل الأول، لم يحتج إلى ضمير لهم في الفعل الأول؛ لأن الفعل قد يكون بلا مفعول؛ ألا ترى أنه يجوز أن تقول " أكلت " ولا تذكر المأكول، ولا تقول " أكل " من غير أن تذكر الأكل.
قال (وأما لقول امرئ القيس:
_________________
(١) سيبويه ١/ ٤٠، ديوان عمر بن أبي ربيعة ٤٩٠، الأعلم ١/ ٤٠.
[ ١ / ٣٦٩ ]
فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليل من المال (١)
فإنما رفع؛ لأنه لم يجعل القليل مطلوبا، وإنما كان المطلوب عنده الملك، وجعل القليل كافيا، ولو لم يرد ذلك ونصب، فسد المعنى).
يعني أنه رفع قليلا و" كفاني " ولم ينصبه ب " أطلب "؛ لأن امرأ القيس إنما أراد: لو سعيت لمنزلة دنيئة كفاني قليل من المال ولم أطلب الملك. وعلى ذلك معنى الكلام؛ لأنه قال في البيت الثاني:
ولكنما أسعى لمجد موثّل وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي (٢)
ولو نصب بأطلب لاستحال المعنى، وذلك أن قوله: " فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة "، يوجب أنه لم يسع لها؛ ألا ترى أنك تقول: " لو لقيت زيدا " لوجب أنك لم تلقه.
فإذا قلت: " لو لقيت زيدا لم يقصر " يوجب أنك تلقه، وأنه قد قصّر بسبب أنك لم تلقه. فإذا كان المعنى كذلك،
وجب متى نصبنا " قليلا " ب " أطلب " أن يكون معناه: لو سعيت لمعيشة دنيئة لم أطلب قليلا من المال، فنفيت أنك سعيت لمعيشة دنيئة، وأوجبت أنك طلبت قليلا من المال.
لأنك نفيت أنك لم تطلب قليلا من المال؛ لأن جواب " لو " منفي، كما أن الفعل بعدها منفي، وذلك متناقض.
قال سيبويه: (وقد يجوز: " ضربت وضربني زيدا "؛ لأن بعضهم قد يقول: " متى رأيت أو قلت زيدا منطلقا ").
يعني: أن إعمال الفعل الأول جائز، كما أن الذي قال: " متى رأيت أو قلت زيدا منطلقا " أعمل. " رأيت ".
قال: (والوجه: متى رأيت أو قلت زيد منطلق).
فيحكي ويعتمد على " قلت " لأنه الفعل الثاني.
قال: (ومثل ذلك في الجواز: " ضربني وضربت قومك "، والوجه أن تقول:
" ضربوني وضربت قومك " فتحمله على الآخر).
_________________
(١) الديوان ٣٩، الخزانة ١/ ١٥٨، الدرر اللوامع ٢/ ١٤٤، الأعلم ١/ ٤١.
(٢) المصدر السابق.
[ ١ / ٣٧٠ ]
يعني: أن " ضربوني وضربت قومك " قد أعملت فيه الفعل الآخر، فهو أجود من:
" ضربني وضربت قومك "؛ لأنك قد أعملت فيه الفعل الأول.
قال: (وإن قلت: " ضربني وضربت قومك " فجائز، وهو قبيح أن تجعل اللفظ كالواحد كما تقول: " هذا أجمل الفتيان "، و" أحسن وأكرم بنيه وأنبله ").
يعني: أنك إذا وحّدت الفعل الأول، وأعملت الفعل الثاني في مفعولين، وقد علمت أن فاعل الفعل الأول جماعة، والفعل لا بد له من فاعل، فالضرورة تحوجك إلى أن تضمر في الفعل الأول ضميرا واحدا في معنى جمع، حتى لا معرّي الفعل من فاعل فيكون تقديره:
" ضربني من ثم "، أو " ضربني جمع "، " فمن ثم " و" جمع " إذا قدرته، لفظه لفظ الواحد، ومعناه جماعة. قال: وهذا وإن كان قبيحا؛ لأنا نقول: " هذا أجمل الفتيان، وأحسنه، وأكرم بنيه، وأنبله " وإنما تريد: أحسنهم، وأجملهم.
قال: (ولا بد من هذا؛ لأنه لا يخلو الفعل من فاعل مضمر أو مظهر مرفوع من الأسماء؛ كأنك قلت: إذا مثّلته: " ضربني من ثم "، و" ضربت قومك ").
يريد: أنه لا بد لك من فاعل مقدر في الفعل الأول، وإن أفردناه.
قال سيبويه: (وترك ذلك أحسن وأجود للبيان الذي يجيء بعده).
قال أبو سعيد: في هذا وجهان:
أحدهما: ما قاله بعض أصحابنا أن شيئا من الكلام قد سقط، وأن تمامه. وترك ذلك جائز، وذكره أجود، وأحسن للبيان الذي يجيء بعده. يعني: وترك ضمير الجماعة جائز، وإبانة ضميرهم أجود لذكر الجماعة التي تأتي بعده.
والوجه الثاني: أن قوله: (وترك ذلك أجود).
يريد: وترك إضمار الواحد في معنى الجماعة أجود بسبب ذكر الجماعة التي تأتي من بعد.
ثم قال: (وأضمر " من " لذلك. وهو رديء في القياس، فدخل فيه أن تقول:
" أصحابك جلس " تضمر شيئا يكون في اللفظ واحدا).
يعني: أن إضمار " من " الذي هو مفرد في معنى الجماعة رديء؛ لأنك إذا ألزمت هذا القياس، وجب عليك أن تقول: " أصحابك جلس " تضمر في " جلس " شيئا يكون بمعنى الجماعة وهذا قبيح جدا.
[ ١ / ٣٧١ ]
قال: (وقولهم: " هو أظرف الفتيان وأجمله " لا يقاس عليه. ألا ترى أنك لو قلت، وأنت تريد الجماعة: " هذا غلام القوم وصاحبه " لم يحسن).
يريد أن قولنا: " هذا أظرف الفتيان وأجمله " أجود من " ضربني وضربت قومك "، من قبل أنك تقول: " هذا أظرف فتى "، فيكون بمعنى: أظرف الفتيان، فلما كان الواحد في هذا الموضع يقع موقع الجماعة، جاز أن تضمر بعد الجماعة واحدا وحسن، ولم يحسن في " ضربني وضربت قومك "، إلا أنه مع قبحه جائز.