اعلم أن أسماء الفاعلين الجارية على أفعالهم، نحو: ضارب، وقاتل، ومضارب،
[ ١ / ٤٣٥ ]
ومكسّر، ومستغفر، وما أشبه ذلك، إذ كانت جارية على: ضرب، وقاتل، وكسر، واستغفر؛ وأسماء المفعولين: نحو: معطى، ومكسوّ، ومعرّف، ومعلم إذا كانت جارية على: أعطى، وكسي، وعرّف، وأعلم، تعمل عمل الفعل الذي جرت عليه، إذا كان الفعل للحال، أو المستقبل، وتتصرف تصرفه، تقول: " هذا ضارب زيدا "، كقولك: " هذا يضرب زيدا "، " وهو مكسوّ جبة "، و" معرّف زيدا "، كما تقول: " هذا يضرب زيدا "، و" يعرّف زيدا "؛ وإن شئت قلت: " هذا زيدا ضارب "، و" هذا زيدا معرف "، كما تقول:
" هذا زيدا يضرب "، و" هذا زيدا يعرف "، فيجري مجرى الفعل ويعمل عمله.
فإن قال قائل: لم أعملتم هذه الأشياء، وهي أسماء عندكم؟
قيل له: حمل الأسماء على الأفعال إذا كانت بينهما مشاكلة، وحمل الأفعال على الأسماء جائز، فمن ذلك أنّا قد حملنا الأفعال المضارعة التي في أوائلها الزوائد الأربع على الأسماء، فأعربناها للمضارعة التي بينها وبين الأسماء، وقد ذكرنا تلك المضارعة، ولم تكن في الأصل معربة، ولا مستحقة للإعراب، فبالمضارعة التي حملنا بها الأفعال على الأسماء، وأعربناها حملنا أيضا الأسماء على الأفعال فأعملناها؛ لأن العمل في الأصل للأفعال.
فإذا كان الاسم في معنى فعل ماض لم تعمله؛ لأن ذلك الفعل الذي الاسم في معناه لم يضارع الاسم مضارعة تامة،
فيحمل عليه في إعرابه، وكذلك الاسم لم يضارعه فيحمل عليه في عمله، لا تقول: " زيد ضارب عمرا أمس "، ولا " وحشيّ قاتل حمزة يوم أحد "، لأنه في معنى: ضرب، وقتل، وليس بينهما مضارعة، بل تضيفه إليه فتقول: " زيد ضارب عمرو أمس "، و" وحشيّ قاتل حمزة ". وهذا قول النحويين إلا الكسائي، وقد مضت الحجة فيه.
فإذا قلت: " هذا معطي زيد درهما أمس "، " وهذا ظان زيد منطلقا أمس " فكثير من أصحابنا يزعمون أن الثاني ينتصب بإضمار فعل آخر، كأنه قال: " هذا معطي زيد أعطاه درهما أمس "، و" هذا ظان زيد ظنه منطلقا أمس ". والأجود عندي أن يكون منصوبا بهذا الفعل بعينه، وذلك لأن الفعل الماضي فيه بعض المضارعة، ولذلك بني على حركة، فبذلك الجزء من المضارعة يعمل الاسم الجاري عليه عملا ما، دون عمل الاسم الجاري على الفعل المضارع، فعمل في الاسم الثاني لمّا لم يمكن إضافته إليه، لأنه لا يضاف إلى اسمين، فأضيف إلى الاسم الذي قبله، وصارت إضافته بمنزلة التنوين له، وعمل في الباقي
[ ١ / ٤٣٦ ]
بما فيه من معنى الفعل والتنوين.
قال سيبويه عقيب ذكر هذا: (وذلك قولك: " أزيدا أنت ضاربه "، " وأ زيدا أنت ضارب له "، و" أعمرا أنت مكرم أخاه "، و" أزيدا أنت نازل عليه ". كأنك قلت:
" (أزيدا) " أنت ضارب "، " وأنت مكرم "، و" أنت نازل "، كما كان ذلك في الفعل؛ لأنه يجري مجراه، ويعمل في المعرفة كلها، والنكرة مقدما ومؤخرا، ومظهرا ومضمرا).
يعني أن قولنا: " أزيدا أنت ضاربه " بمنزلة قولك: " أزيدا أنت تضربه " وقد بينا أن اسم الفاعل يجري مجرى الفعل، ويعمل عمله.
فإن قال قائل: فأنت إذا قلت: " أزيدا أنت ضاربه "، الهاء في موضع جر، فكيف نصبت زيدا، وضميره مجرور؟
قيل له: جر ضميره لا يمنع أن يكون " ضارب " في معنى الفعل، كما كان ذلك في قولك: " أزيد مررت به "؛ لأن ضميره مجرور، وإنما الجر في اللفظ، والنية نية التنوين في " ضاربه "، كأنك قلت: " ضارب له ".
وقوله: (ويعمل في المعرفة والنكرة، مقدما ومؤخرا، ومظهرا ومضمرا).
يعني: اسم الفاعل، تقول: " هذا ضارب زيدا "، و" قاتل رجلا "، و" هذا زيدا ضارب "، و" هذا أباك قاصد "، فذكر سيبويه هذا؛ ليثبت أنه يعمل عمل الفعل ويجري مجراه.
قال: (وكذلك " آلدار أنت نازل فيها " وتقول: " أعمرا أنت واجد عليه "، و" أخالد أنت عالم به "، و" أزيدا أنت راغب فيه "؛ لأنك لو ألقيت " عليه " و" فيه " و" به " مما ها هنا لتعتبر، لم يكن ليكون إلا مما ينتصب، كأنه قال: " أعبد الله
أنت ترغب فيه "، و" أعبد الله أنت تعلم به "، و" أعبد الله أنت تجد عليه "، فإنما استفهمته عن علمه به، وعن رغبته فيه في حال مسألتك).
يعني: أن اسم الفاعل إذا كان متعديا بحرف جر، فليس يمنعه ذلك من أن يجري مجرى الفعل، وينصب الاسم الأول بإضمار فعل. فإذا قلت: " أعبد الله أنت راغب فيه " صار بمنزلة قولك: " أعبد الله أنت ترغب فيه "، إذا كان راغبا فيه، فتنصب كما نصبت في قولك: " أعبد الله أنت مررت به " وقد بينا هذا. وإنما تنصب " عبد الله " في قولك: " عبد الله أنت راغب فيه " إذا كان راغبا في معنى " يرغب " لا في معنى " رغبت ".
[ ١ / ٤٣٧ ]
وهذا معنى قول سيبويه: (فإنما استفهمته عن علمه به، ورغبته فيه في حال مسألتك).
لأن الذي يعمل عمل الفعل من أسماء الفاعلين ما كان في معنى الفعل المضارع، وقد بيّنا ذلك.
قال: (ولو قال: " آلدار أنت نازل فيها "، فجعل " نازلا " اسما رفع، كأنه قال:
" آلدار أنت رجل فيها ").
يعني: أن اسم الفاعل قد يجوز ألا يذهب به مذهب الفعل؛ لأنه اسم، ويجري مجرى الأسماء التي لم تؤخذ من الأفعال. فإذا فعلت ذلك لم تنصب الاسم الأول؛ لأنه ليس بعده فعل، ولا شيء جعل في معنى الفعل، ووقع على ضميره.
فإن قال قائل: فإذا قلت: " آلدار أنت نازل فيها "، فجعلته بمنزلة قولك: " آلدار أنت رجل فيها "، فما موضع " فيها " من الإعراب؟ وما العامل فيها؟
قيل له: أما قولنا: " آلدار أنت رجل فيها "، فموضعها رفع " باستقر "، وهي في موضع النعت لرجل، كقولك: " مررت برجل في الدار "، و" مررت برجل خلفك "، وأما قولك: " آلدار أنت نازل فيها "، فقد يكون على هذا الوجه، وقد يكون أيضا على معنى الفعل الماضي، ويكون عاملا في الظرف الذي هو " فيها " بمعناها لا بلفظها، وقد تعمل المعاني في الظروف، ولا تعمل في الأسماء. ألا ترى أنك تقول: " زيد غلامك اليوم "، و" غلام " ليس باسم فاعل، ولا مأخوذ من الفعل.
قال: (ولو قال: " أزيد أنت ضاربه " فجعله بمنزلة: " أزيد أنت أخوه "، جاز).
يعني: أنه لا يجريه مجرى الفعل، فيكون اسم الفاعل المضاف، فإذا لم يجر مجرى الفعل كان بمنزلة " أخوه "، فإذا لم يكن مضافا، كان بمنزلة " رجل ".
قال: (" ومثل " ذلك في النصب: " أزيدا أنت محبوس عليه "، و" أزيدا أنت مكابر عليه ").
يعني: أنك إذا قلت: " أزيدا أنت محبوس عليه "، فعلى موضعه نصب، وقد اتصل به ضمير " زيد "، فوجب أن ينصب "
زيد " بإضمار فعل، وكذلك في: " أزيدا أنت مكابر عليه "، كأنك قلت: " أتنتظر زيدا أنت محبوس عليه "، " واستلبت زيدا أنت مكابر عليه "، وفي " محبوس " و" مكابر " ضمير يقوم مقام الفاعل؛ لأن معناه: أنت " تحبس عليه، وتكابر
[ ١ / ٤٣٨ ]
عليه "، وهذا من أسماء المفعولين التي تجري مجرى الفعل.
قال: (وإن لم يرد به الفعل، وأراد به وجه الاسم رفع).
يريد أن " محبوسا "، و" مكابرا "، إذا ذهبت به مذهب " رجل " في المسألة الأولى، قلت: " أزيد أنت محبوس عليه "، و" أزيد أنت مكابر عليه ".
قال: (" وكذلك جميع هنا " فمفعول مثل يفعل، وفاعل مثل يفعل).
يريد أن " مفعول " مثل " محبوس " و" مكابر " وما أشبهه " يجري مجرى " يحبس "، و" يكابر " والأفعال التي لم تسم فاعلوها. و" ضارب، وشاتم، ومقاتل، ومكسّر "، يجري مجرى " يضرب، ويشتم، ويقاتل، ويكسر ". والأفعال التي تسمى فاعلوها.
قال: (ومما يجرى مجرى فاعل من أسماء الفاعلين " فواعل " أجروه مجرى " فاعله "، حيث كان جمعه وكسّروه عليه، كما فعلوا ذلك بفاعلين، وفاعلات).
قال أبو سعيد: قد قدمنا أن اسم الفاعل الجاري على فعله يعمل عمل الفعل على الشرط الذي شرطنا، وقد علمت أن الفاعل يثنى ويجمع على حسب ما يكون له من الفعل، فيكون تثنية الفاعل وجمعه جاريا مجرى الفعل، وأحق الجموع بذلك الجموع السالمة؛ لأنها تطرد على الواحد اطرادا لا ينكسر ويسلم فيه لفظ الواحد، وطريقته طريقة واحدة وذلك قولك: " الزيدان ضاربان عمرا "، و" الزيدون ضاربون عمرا "، وتقدم فتقول:
" الزيدان عمرا ضاربان "، و" الزيدون عمرا ضاربون "، و" الهندات ضاربات عمرا " و" عمرا ضاربات "، ثم أجروا الجمع المكسر على الجمع السالم؛ إذ كانا جميعا جمعين، وكان القصد فيهما إلى معنى واحد، وإن كانت وجوه الجمع المكسر كثيرة، فقالوا: " الزيدون ضراب عمرا، وعمرا ضراب " و" الهندات ضوارب عمرا، وعمرا ضوارب " ثم أجروا اسم الفاعل الذي فيه معنى المبالغة مجرى الفعل الذي فيه معنى المبالغة في العمل، وإن لم يكن جاريا عليه في اللفظ، فقالوا: " زيد ضراب عبيده "، و" قتاال أعداءه "، كما قالوا: " يضرب، ويقتل " إذ أكثر ذلك منهم، فكان " قتّال، وضرّاب " بمنزلة: قاتل، وضارب، كما كان " يضرّب ويقتّل " بمنزلة يضرب ويقتل.
قال: (فمن ذلك قولهم: " هنّ حواجّ بيت الله) وفي حواج نية التنوين، كأنك قلت:
" هنّ حواجّ بيت الله " جمع " حاجة " وسقط التنوين؛ لأنه لا ينصرف، وتجوز إضافته فتقول: " هن حواج بيت الله "،
ويسقط التنوين للإضافة لا لمنع الصرف.
[ ١ / ٤٣٩ ]
قال أبو كبير الهذلي:
ممّن حملن به وهنّ عواقد حبك النّطاق فشبّ غير مهبّل (١)
فصرف " عواقد " للضرورة، ونصب " حبك "، ويروى " مما حملن به " والهاء في " به " تعود إلى " ما " و" من ".
(وقال العجاج:
أو الفا مكة من ورق الحمى) (٢)
فصرف " أو الفا "، ونصب " مكة " وقد ذكرنا في أول الكتاب الكلام في الحمى.
قال: (وقد جعل بعضهم " فعّالا " بمنزلة " فواعل "، فقالوا: " قطّان مكة " و" سكان البلد الحرام "، لأنه جمع " كفواعل ").
قال أبو سعيد: قد بينا أن الجمع المكسر- وإن كانت له وجوه- يجري مجرى الجمع السالم، غير أن بعض الجمع المكسر أشدّ اطرادا من بعض. فأشده اطرادا " فواعل "، وذلك أنه تكسير جمع الفاعل والفاعلة على القياس الذي لا ينكسر؛ لأن قياس تكسير الاسم الذي على أربعة أحرف أن تدخل ألف الجمع ثالثة، ويفتح أوله ويكسر ما بعد الألف، فلما جمعت " فاعلة " أدخلت بعد ألف " فاعلة " ألفا للجمع، وقلبت ألف " فاعلة " واوا، لاجتماع الساكنين ثم حملوا " فعّالا " عليه.
قال: (وأجروا اسم الفاعل، إذا أرادوا أن يبالغوا في الأمر، مجراه إذا كان على بناء " فاعل "؛ لأنه يريد به ما أراد بفاعل من إيقاع الفعل، إلا أنه يريد أن يحدّث عن المبالغة، فمما هو الأصل الذي عليه أكثر هذا المعنى: فعول، وفعّال، ومفعال، وفعل.
وقد جاء " فعيل ": كرحيم، وسميع، وعليم، وقدير، وبصير، يجوز فيهن ما جاز في " فاعل " من التقديم والتأخير، والإضمار والإظهار).
قال أبو سعيد: وقد بينا أن اسم الفاعل الذي فيه معنى المبالغة نحو قتّال، وضرّاب، يجري مجرى اسم الفاعل، كما كان: " يضرّب، ويقتّل "، يجري مجرى: يقتل، ويضرب، فجمع سيبويه الأبنية التي تكون للمبالغة، فقال: فعول، وفعال مفعال وفعل، وفعيل،
_________________
(١) الخزانة ٣/ ٤٦٦، ديوان الهذليين ٢/ ٩٢، المغني ٢/ ٩٤٢.
(٢) الديوان ٥٠٩، الدرر اللوامع ١/ ١٥٧، ابن عقيل ٢/ ٧٩.
[ ١ / ٤٤٠ ]
كقولك: " ضروب زيدا "، و" ضرّاب أخاه، و" منحار إبله "، و" حذر أمرك "، و" رحيم أباه "، والتقديم في ذلك كله والتأخير، والإضمار والإظهار جائز.
قال: (لو قلت: " هذا ضروب رؤوس الرجال "، وسوق الإبل على: وضروب سوق الإبل، جاز، كما تقول: " هذا ضارب زيد وعمرا " تضمر: " وضارب عمرا ").
ومثل هذا في الفعل: " مررت بزيد وعمر "، تخفض الأول ثم تضمر فعلا في معناه تعديه إلى الثاني بغير حرف، فكأنك قلت: " مررت بزيد ولقيت عمرا ".
قال: (ومما جاء فيه مقدما مؤخرا على نحو ما جاء في فاعل قول ذي الرمة:
هجوم عليها نفسه غير أنه متى يرم في عينيه بالشّبح ينهض) (١)
فعدى " هجوم " إلى " نفسه "، كأنه قال: " يهجم نفسه عليها ". يصف ظليما طرح نفسه على البيض ما لم ير إنسانا، فإذا رأى إنسانا، قام فتنحى حتى لا يهتدي للبيض.
(وقال أبو ذؤيب الهذلي:
قلى دينه واهتاج للشّوق إنّها على الشّوق إخوان العزاء هيوج) (٢)
هذا البيت منسوب إلى أبي ذؤيب في نسخة كتاب سيبويه، وهو غلط وإنما هو للراعي يريد: أن المرأة هيوج إخوان العزاء، أي تهيجهم، وتشوقهم، وإخوان العزاء: ذوو الصبر، فإذا كانت تهيج ذوي البصائر والصبر فهي لغيرهم أهيج؛ يصف امرأة، وأنها لو تراءت لراهب قلى دينه، وذلك في بيت تاليه، هذا البيت وهو قوله:
ليالي سعدى لو تراءت لراهب برومة بحر عنده وحجيج (٣)
وقال القلاخ:
أخا الحرب لباسا إليها جلالها وليس بولاج الخوالف أعقلا (٤)
أراد: لباسا جلالها.
قال: (وسمعت من العرب من يقول: " أما العسل فأنا شرّاب ").
_________________
(١) الديوان ٣٢٤، الخزانة ٣/ ٤٥١.
(٢) البيت لأبي ذؤيب الهذلي في سيبويه ١/ ٥٦.
(٣) المصدر السابق.
(٤) البيت للقلاخ بن حزن المنقري- الخزانة ٣/ ٤٥١، الدرر اللوامع ٢/ ١٢٩ - ابن عقيل ٢/ ٨٦.
[ ١ / ٤٤١ ]
فنصب " العسل ". " بشراب "، كما يقول: " أما العسل فأنا شارب، أو أنا أشرب ".
قال:
(بكيت أخا اللأواء يحمد يومه كريم، رؤوس الدّارعين ضروب) (١)
أراد: ضروب رؤوس الدارعين، فقدم كما يقدّم في " ضارب ".
وقال: (أبو طالب ابن عبد المطلب):
ضروب بنصل السّيف سوق سمانها إذا عدموا زادا فإنّك عاقر) (٢)
أراد: ضروب سوق سمانها بنصل السيف.
وقال: (وقد جاء في " فعل " وليس في كثرة ذلك. قال الشاعر:
أو مسحل شنج عضادة سمحج بسراته ندب لها وكلوم) (٣)
قال أبو سعيد: اعلم أن النحويين قد خالفوا سيبويه في تعدي " فعل، وفعيل "، وجريهما مجرى الأفعال، فقالوا: لا تتعدى، ولا تعمل عمل الفعل. فلا يقال: " رجل حذر عمرا "، ولا " زيد رحيم أخاه ". وقالوا من قبل أن " فعيل، وفعل " هما اسمان يبنيان للذات، لا لأن يجريا مجرى الفعل، فيكون كقولك: " رجل كريم ونبيل " و" رجل عجل، ومغث، ولقس "، إذا كان ذلك في طبعه، وأنشد سيبويه بيتين في تعدي " فعل "، وبيتا في تعدي " فعيل ".
وقد أنكر مخالفوه احتجاجه بالأبيات:
فأما البيت الأول، فقوله: أو مسحل شنج عضادة سمحج- وهو للبيد- وموضع الاحتجاج: نصب " عضادة " ب " شنج " - فقال النحويون: انتصاب " عضادة " على الظرف، لا على المفعول به، ومعنى " عضادة ": القوائم، " وشنج " لازم، و" مسحل ": هو العير، و" سمحج ": هي الأتان، كأنه قال على مذهب النحويين: أو حمار لازم يمنة أتان، أو يسرة أتان، أو ناحية أتان على تقدير: لازم في ناحية أتان.
وقال المحتج عن سيبويه: شنج: في معنى لازم والعضادة: هي القوائم، وهي لا تكون
_________________
(١) البيت بدون نسبة في سيبويه ١/ ١٥٧، الأعلم ١/ ٥٧.
(٢) ديوان أبي طالب الورقة ١١، الخزانة ٣/ ٤٤٦، الدرر اللوامع ٢/ ١٣٠.
(٣) البيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ١٢٥، الخزانة ٣/ ٤٥١.
[ ١ / ٤٤٢ ]
ظرفا؛ كأنه قال: هو لازم قوائم سمحج. كما قال الآخر:
قالت سليمى لست بالحادي المدلّ ما لك لا تملك أعضاد الإبل (١)
" فأعضاد " بمنزلة " عضادة "، وقد نصبها " بتلزم ". وشنج في معنى ذلك. والبيت الثاني في " فعل " قوله:
حذر أمورا لا تضير وآمن ما ليس منجيه من الأقدار
فنصب " أمورا " " بحذر ".
قال النحويون: هذا بيت لا يصح عن العرب، ورووا عن أبي عثمان المازني عن اللاحقي عن الأخفش أنه قال: سألني سيبويه عن شاهد في تعدي " حذر "، فعملت له هذا البيت. ويروى أيضا: أن البيت لابن المقفع.
وأما الشاهد في فعيل فقول ساعدة بن جؤيّة:
حتّى شآها كليل موهنا عمل باتت طرابا وبات الليل لم ينم (٢)
فعدّى " كليل " إلى " موهن ".
فقال النحويون: هذا غلط من سيبويه بيّن، وذلك أن " الكليل " هو البرق، ومعناه:
البرق الضعيف: وكذا " رجل كليل " إذا كان ضعيفا، وفعله لا يتعدى كقولك: كلّ. يكلّ، ولا تقول: " كلّ زيد عمرا ". و" الموهن ": الساعة من الليل، فهو ينتصب على الظرف، وإنما يصف حمارا وأتانا. و" شآها ": في معنى: شاقها، يعني شاق هذه الحمير هذا البرق الضعيف في هذه الساعة من الليل؛ حين نقلها من الموضع الذي كانت فيه، إلى الموضع الذي كان منه البرق. و" عمل ": تعب كليل، ومعناه: أن هذا البرق الضعيف كان يبدو مرة بعد مرة، فذلك البدوّ عمل. وباتت الأتن طرابا وقد استخفها الشوق، وبات الحمار لم ينم من الشوق أيضا، والنزاع إلى الموطن.
وقد خرج لسيبويه أن " كليل " في معنى " مكل "، ووزنه " مفعل "، و" فعيل " في معنى الفعل المتعدي مثل " عذاب أليم " و" داء وجيع "، إذا وضع بمعنى المؤلم والموجع، والمؤلم
_________________
(١) البيت نسب إلى جبار بن جزء أخي الشماخ في ابن يعيش ٦/ ٧٣، الديوان ٣٨٩ ق ٢٤/ ١، والخزانة ٢/ ١٧٤.
(٢) البيت لساعدة بن جؤية في الخزانة ٣/ ٤٥٠ - ديوان الهذليين ١/ ١٩٨ - الأعلم ١/ ٥٨.
[ ١ / ٤٤٣ ]
والموجع يتعديان، فيصير كأنه: مكلّ موهنا بدوامه عليه، كما يقال: " أتعبت يومك "، ونحو ذلك من المجاز
والاتساع.
وكان الجرمي يجيز تعدي " فعل " على مذهب سيبويه، قال: لأنه جاء على وزن الفعل، فأشبه أن يكون جاريا مجراه وليس بكثير.
قال سيبويه: (ويقال إنه لمنحار بوائكها).
يعني: سمانها وأقناها، الواحد بائك. " ومنحار ": مفعال وقد ذكرناه.
قال: (وفعل أقل من فعيل بكثير).
يعني: أن اسم الفاعل على " فعيل " أكثر منه على " فعل ". وقد ذكرنا مذهبه ومذهب من يخالفه في تعدي " فعيل، وفعل ".
قال: (وأجروه حين بنوه للجمع يعني فعولا كما كان أجرى في الواحد؛ ليكون " كفواعل " حين أجرى مجرى مثل " فاعل "، من ذلك قول طرفة:
ثمّ زادوا أنّهم في قومهم غفر ذنبهم غير فجر) (١)
ويروى: فخر يعني: أنهم أجروا جمع " فعول "، و" فعيل "، وما كان للمبالغة في باب التعدي مجرى جمع " فاعل " في التعدي، و" غفر " جمع: غفور، وقد عدوّه إلى ذنبهم، كما عدوا غفور. وقال الكميت: وليس بحجة عند الأصمعي:
شمّ مهاوين أبدان الجزور مخا ميض العشيّات لا خور ولا قزم (٢)
فعدى " مهاوين " إلى أبدان الجزور، وهي جمع " مهوان "، مثل: منحار ومعناه: أنه يهين اللحم إذا نحر الجزور، ويعطي.
قال: (ومنه قدير، وعليم، ورحيم، لأنه يريد المبالغة في الفعل، وليس هذا بمنزلة قولك: حسن وجه الأخ؛ لأن هذا لا يقلب ولا يضمر، وإنما حده أن يتكلم به في الألف واللام، أو نكرة ولا يعني أنك أوقعت فعلا سلف منك إلى أحد، ولا يحسن أن تفصل بينهما، فتقول: " هو كريم " فيها حسب الأب).
يعني: أن قديرا وعليما يتعدى كتعدي الفعل، ويقدم المفعول عليه ويؤخر ويضمر
_________________
(١) الديوان ٧٨، الخزانة ٣/ ٤٦٤، الدرر اللوامع ٢/ ١٣١.
(٢) البيت للكميت الأسدي الخزانة ٣/ ٤٤٨، سيبويه ١/ ٥٩ - الأعلم ١/ ٥٩.
[ ١ / ٤٤٤ ]
" عليم "، فيعمل مضمرا وقد ذكرنا ذلك في اسم الفاعل، وليس كذلك الصفة المشبهة، وهو: باب " حسن الوجه "،
إذا قلت: " هذا حسن الوجه " لم يحسن أن تقول: " هذا الوجه حسن "، كما تقول: " هذا زيدا ضارب " فهذا هو معنى قوله: لأن هذا لا يقلب أي لا يقدم. وإذا قلت: " هذا حسن الوجه والعين " لم يصلح أن تنصب العين بإضمار " وحسن العين " كما تقول: " هذا ضارب زيد وعمرو " ثم تقول: " هذا ضارب زيد وعمرا "، على إضمار " وضارب عمرا "، فاسم الفاعل يتصرف، ويجري مجرى الفعل، وليس بمنزلة الصفة المشبهة.
وقوله: (وإنما حده أن يتكلم به في الألف واللام لا يعني أنك إذا أوقعت فعلا سلف منك إلى أحد).
يعني: باب " حسن الوجه "، وذلك أن " حسن الوجه " ليس بجار على فعله. ألا ترى أنك لا تقول: " زيد يحسن الوجه، ولا " زيد حسن الوجه "، وإنما شبه " حسن " بالفاعل، والاختيار عندهم أن يكون في الوجه الألف واللام، وأن يضاف فيقال: " حسن الوجه "، ولا يحسن أن تفصل بين " حسن " وما يعمل فيه، فتقول: " هو حسن في الدار الوجه "، و" كريم فيها الأب "، كما تقول: " هو ضارب في الدار زيدا "، وأنا أستقصي الكلام في " حسن الوجه " إذا انتهيت إليه، وأبين علله إن شاء الله تعالى.
قال: (ومما أجري مجرى الفعل من المصدر قوله:
يمرون بالدّهنا خفافا عيابهم ويخرجن من دارين بجر الحقائب
على حين ألهى الناس جلّ أمورهم فندلا زريق المال ندل الثّعالب) (١)
قال أبو سعيد: اعلم أن المصادر تعمل عمل الأفعال التي أخذت منها، كما عملت أسماء الفاعلين عمل الأفعال التي جرت عليها، وذلك أن الفعل متوسط بين المصدر واسم الفاعل لأنه مأخوذ من المصدر، واسم الفاعل مأخوذ منه، وقد تقدم ذلك. غير أن المصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول به، لأنه متعلق بهما، وهو غيرهما، كقولك: " هذا بناء الحائط "، و" هذا بناء زيد ". واسم الفاعل لا يضاف إلى الفاعل كما يضاف إلى المفعول به، لا تقول: " هذا ضارب زيد "، والضارب هو " زيد " لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، واسم
_________________
(١) البيتان للأعشى همدان في سيبويه ١/ ١١٥ - ١١٦، الكامل للمبرد ١/ ٢٤، العيني ٣/ ٤٦.
[ ١ / ٤٤٥ ]
الفاعل قد يتقدم عليه المفعول، والمصدر لا يتقدم عليه مفعوله، تقول: " هذا زيدا ضارب " على تقدير: " هذا ضارب زيدا "، ولا يجوز: " هذا زيدا ضربك " على تقدير: " هذا ضربك زيدا "؛ لأن المصدر مقدر " بأن " والفعل بعدها، وما بعد " أن " لا يعمل فيما قبلها، لا يجوز أن تقول: " زيدا أن أضرب خير له "، على تقدير: " أن أضرب زيدا خير له "، والمصدر يعمل في المفعول، ماضيا كان أو مستقبلا، واسم الفاعل لا يعمل إلا في المستقبل والحال، والفرق
بينهما: أن المصدر وإن كان في معنى الماضي فلا بد أن يقدر فيه " أن " والفعل، فليس بمنزلة الفعل المحض فصار محله كمحل الألف واللام إذا كانتا بمعنى الذي، وهي تعمل في الماضي والمستقبل، تقول: " أعجبني الضارب زيدا " في معنى:
الذي يضرب زيدا، ويعجبني: " الضارب زيدا " بمعنى: " الذي يضرب زيدا "، فيعمل في الماضي والمستقبل إذا كان تقديره: تقدير الذي ضرب، والذي يضرب. وكذلك المصدر، تقديره: أن ضرب، وأن يضرب، فقد خالف المصدر اسم الفاعل من ثلاثة أوجه:
أولهما: الإضافة إلى الفاعل.
الثاني: أن مفعوله لا يتقدم عليه.
الثالث: أنه يعمل في الماضي والمستقبل، واسم الفاعل لا يجوز فيه شيء من ذلك.
واعلم أنك إذا أضفت المصدر جررت الذي تضيفه إليه بالإضافة، وأجريت ما بعد المضاف إليه على حكم إعرابه، إن كان فاعلا رفعته، إن كان مفعولا به نصبته، كقولك:
" أعجبني قطع اللصّ الأمير "، و" أعجبني دقّ الثوب القصّار " وإن شئت: " أعجبني دق القصار الثوب " و" قطع الأمير اللص "، وإن نونت وأدخلت الألف واللام أجريت كل واحد منهما على حكمه، فقلت: " أعجبني ضرب زيد عمرا "، و" أعجبني القطع اللص الأمير "؛ لأنك أبطلت الإضافة بدخول الألف واللام والتنوين.
وأما قوله: (فندلا زريق المال ندل الثعالب) فظاهر كلام سيبويه أنه ينصب " المال " ب " ندلا "، وأنا أبين حقيقة ذلك:
اعلم أنك إذا قلت: " ضربا زيدا "، فتقديره: " اضرب ضربا زيدا " فضرب منصوب بالفعل المضمر، فينبغي أن يكون " زيد " منصوبا بذلك الفعل أيضا، وقد جرت عادة النحويين في هذا بأن يقولوا: إن " زيدا " منصوب بالضرب، وحقيقته ما ذكرته لك. غير أنهم توسعوا لما ناب المصدر عن الفعل الذي هو عامل أن يقولوا: إنه عامل، ولو أضمرنا
[ ١ / ٤٤٦ ]
في قولنا: " ضربا زيدا " فعلا غير أضرب، كقولنا: " أوقع ضربا زيدا "، و" افعل ضربا زيدا "، حتى يكون الضرب مفعولا لذلك الفعل المضمر لا مصدرا، لانتصب " زيدا " ب " ضربا "، فكان يصير بمنزلة قولك: " رأيت ضربا زيدا "، فعلى هذا قوله: " فندلا رزيق المال " هو على وجهين:
إما أن يكون على قولك: " اندل ندلا المال "، فيكون " المال " منصوبا باندل على الحقيقة و" ندلا " نائب عنه، وإما أن يكون " ندلا " منصوبا " بأوقع " أو " أفعل "، فيكون " المال " منصوبا ب " ندلا ".
(وقال المرار الأسدي:
أعلاقة أم الوليد بعد ما أفنان رأسك كالثّغام المخلس) (١)
قال: فالقول في: " أعلاقة أم الوليد "، كالقول في: " ندلا رزيق المال ".
وقوله: " بعد ما أفنان رأسك كالثّغام المخلس ": " أفنان " مبتدأ، وخبره " كالثغام " و" ما " وما بعدها من الابتداء والخبر بمعنى المصدر، كما تكون هي وما بعدها من الفعل بمعنى المصدر، وكما تكون " أنّ " المشددة وما بعدها من الاسم والخبر بمعنى المصدر، فيكون تقديره: " بعد إشباه رأسك الثغام "، كما لو قلت: " بعد ما أشبه رأسك الثغام " كان تقديره: " بعد إشباه رأسك "
(وقال الشاعر:
بضرب بالسّيوف رؤوس قوم أزلنا هامهنّ عن المقيل) (٢)
نصب " رؤوسا " ب " ضرب "، لما نونه.
قال: (وتقول: " أعبد الله أنت رسول له " و" رسوله "، لأنك لا تريد " بفعول " ها هنا، ما تريد به في " ضروب "؛ لأنك لا تريد أن توقع منه فعلا عليه، فإنما هو بمنزلة قولك: " أعبد الله أنت عجوز له).
يعني: أن " رسولا " لا يجري مجرى الفعل، كما جرى " ضروب " مجرى الفعل، ألا ترى أنك لا تقول: " هذا رسول زيدا "، كما تقول: " هذا ضروب زيدا "، وذلك أن
_________________
(١) الخزانة ٤/ ٤٩٣، سيبويه ١/ ٦٠، الدرر اللوامع ١/ ١٧٦.
(٢) البيت للمرار بن منقذ التميمي: العيني ٣/ ٤٩٩، ابن يعيش ٦/ ٦١ - ٦٢.
[ ١ / ٤٤٧ ]
" الرسول "، اسم للمرسل لا للمرسل عند مبالغة فعله، فهو بمنزلة عجوز التي لا تجري على الفعل، فلذلك لا تنصب " عبد الله "، الذي يلي حرف الاستفهام؛ لأنه ليس بعده فعل واقع به ولا اسم.
وتقول: (" أعبد الله أنت عديل له "، و" أعبد الله أنت له جليس "؛ لأنك لا تريد مبالغة في فعل، ولم تقل: مجالس، فيكون " كفاعل "، وإنما هذا اسم بمنزلة قولك:
" أزيد أنت وصيف له " أو " غلام له "، وكذلك: " البصرة أنت عليها أمير ").
يعني: أن " جليسا " و" أميرا " لا يجريان مجرى الفعل، فلا ينصب الاسم الأول. وإنما " جليس "، بمنزلة " وصيف "، وبمنزلة " غلام "، وكذلك " الأمير "، وكذلك لو قلت:
" أعبد الله أنت مجالس له " لنصبت " عبد الله "؛ لأن " مجالس " يجري على " يجالس " فكأنك قلت: " أعبد الله أنت تجالسه " على تقدير: " أتجالس عبد الله أنت تجالسه ".
وقوله: (لأنك لم ترد به مبالغة في الفعل).
يعني: أن " جليس " ليس للمبالغة، كما كان " رحيم ". لا تقول: " هذا جليس زيدا "، كما تقول: هذا رحيم زيدا، إذا كثرت منه الرحمة؛ لأن " الجليس " و" الأمير " قد يقال لهما في أول جلسة وأول إمارة.
قال: (فأما الأصل الأكثر الذي يجري مجرى الفعل من الأسماء " ففاعل ". وإنما جاز في التي بنيت للمبالغة؛ لأنها بنيت للفاعل من لفظه).
يعني: أن اسم الفاعل الذي يعمل عمل الفعل، ما جرى على الفعل، كضارب من " ضرب " ومجالس من " جالس "، وما كان من مبالغة الفاعل " فضروب " و" ضرّاب " و" جليس " و" أمير " على غير هذين الوجهين.
قال: (وليست هي بالأبنية التي هي في الأصل أن تجري مجرى الفاعل، يدلك على ذلك أنها قليلة. فإذا لم يكن فيها مبالغة الفعل، فإنما هي بمنزلة " غلام " و" عبد "؛ لأن الاسم على " فعل ويفعل " فاعل، وعلى فعل ويفعل: مفعول).
يعني: أن فعيلا ليست من الأبنية التي تجري مجرى الفعل في الأصل، ومع ذلك فهي قليلة وإنما يحتج بذلك كله؛ ليرى أن " جليسا " لا يتعدى إذا لم يكن جاريا على الفعل، وإذا لم يكن فيها مبالغة الفعل، ولم تكن للمبالغة. والاسم الجاري على الفعل أن يكون من " فعل يفعل " " فاعل " نحو: " ضرب يضرب ضارب ". وفاعل يفاعل فهو مفاعل نحو:
[ ١ / ٤٤٨ ]
" جالس يجالس فهو مجالس " وعلى " فعل يفعل " فهو " مفعول " نحو: " كسي يكسى فهو مكسو ". و" جولس يجالس فهو مجالس ". وجملة ذلك أن الاسم الجاري على الفعل في الفعل الثلاثي، ما كان على لفظ فاعل كقولك: " ضرب يضرب فهو ضارب "، " وقتل فهو قاتل "، و" علم فهو عالم "، و" سمع فهو سامع ". وما كان على أكثر من ثلاثة أحرف، فإن اسم الفاعل الجاري عليه لفظ مستقبله وعدة حروفه، إلا أن الحرف الأول منه ميم " مضمومة " مكان حرف الاستقبال، وما قبل آخره مكسور نحو قولك: " قاتل فهو مقاتل "، و" جالس فهو مجالس "، و" استغفر فهو مستغفر "، و" تعشى فهو متعشّ "، و" كسرّ فهو مكسّر "، و" دحرج فهو مدحرج "؛ لأنك تقول: " يقاتل، ويجالس، ويستغفر، ويتعشى، ويكسر، ويدحرج ".
والمفعول من الفعل الثلاثي على لفظ المفعول كقولك: " ضرب فهو مضروب "، و" كسي فهو مكسوّ ". وإذا كان على أكثر من ثلاثة أحرف فهو على لفظ فعله المستقبل كقولك: " قوتل فهو مقاتل، وأعطي فهو معطى، وكسّر فهو
مكسر " لأنك تقول: يعطى، ويقاتل، ويكسّر.
والأفعال التي للمبالغة، ولم تجر مجرى الفعل هي ما قدمناه، وذلك خمسة أسماء:
فعول، وفعّال، ومفعال، وفعل، وفعيل على قول سيبويه.
قال: (وتقول: " أكلّ يوم أنت فيه أمير "، ترفعه لأنه ليس بفاعل، وقد خرج " كل " من أن يكون ظرفا، فصار بمنزلة " عبد الله "، ألا ترى أنك تقول: " أكلّ يوم ينطلق فيه " صار كقولك: " أزيد يذهب به ").
يعني: أن قولك: " أكلّ يوم أنت فيه أمير "، يرتفع " كلّ "، ولا يجوز نصبه فيه، وذلك لأن " أمير " ليس في معنى فعل، فيضمر فعل " ينصب " " كل ".
فإن قال قائل: فإن الأسماء التي لا تجري مجرى الفعل، تعمل في الظروف، و" كل يوم " هو ظرف، فهلا أضمرت فعلا ينصبه، ويكون " أمير " هذا الذي يفسر ذاك الفعل، كما كان " أمير " ينصب الظرف، إذا قلنا: " زيد أمير يوم الجمعة "، " وزيد يوم الجمعة غلامك "؟
قيل له: المعاني وإن كانت تعمل في الظروف؛ فإنها لا تبلغ من قوتها أن تكون تفسيرا لفعل مضمر إذا كانت هي لا تجري مجرى الأفعال، ولا تكون لها تلك القوة.
[ ١ / ٤٤٩ ]
ولو قلت: " أكلّ يوم أنت أمير " نصبت، وصار " كل " ظرفا للأمير، فإذا قلت: " أكلّ يوم أنت فيه أمير " فقد صارت " فيه " هو الظرف للأمير، وارتفع " كلّ " بالابتداء.
وكذلك إذا قلت: " أكلّ يوم ينطلق فيه " وجعلت " فيه " في موضع رفع، وأقمتها مقام الفاعل في " ينطلق "، ورفعت " كل " بالابتداء، وفي هذا وجه آخر وهو: أن تجعل في " ينطلق " ضمير مصدر تقيمه مقام الفاعل، فيصير " فيه " موضعه نصب، فينتصب " كلا "؛ لأن ضميره اتصل بمنصوب على تقدير: أكلّ يوم ينطلق الانطلاق فيه، ويكون الناصب " لكل يوم " فعلا مبهما كأنك قلت: " أينطلق الانطلاق كلّ يوم ينطلق الانطلاق فيه ".
قال: (ولو جاز أن تنصب " كل يوم " وأنت تريد بالأمير الاسم لقلت: " أعبد الله عليه ثوب "؛ لأنك تقول: " أكلّ يوم لك فيه ثوب ").
يعني أن " الأمير " ليس يجري مجرى الفعل، فهو بمنزلة " الثوب " ولا ينصب الاسم الأول، وإن كان في الكلام ضمير يعود إليه متصل بمنصوب؛ لأن ذلك المنصوب نصبه كنصب الظرف بمعنى استقر، فإذا قلت: " أعبد الله عليه ثوب "، فتقديره: أعبد الله استقر عليه ثوب كما تقول: " أعبد الله خلفه ثوب "، ولو أظهرت الاستقرار لنصبت " عبد الله "، كقولك: " أعبد الله استقر عليه ثوب "، وقولك: " أكلّ يوم لك ثوب " تنصب " كل يوم " بالظرف، والعامل
فيه " لك " بمعنى الاستقرار، فإذا شغلت الظرف بضمير " اليوم "، خرج " اليوم " من أن يكون ظرفا، ورفعته بالابتداء فقلت: " أكلّ يوم لك فيه ثوب "، ولا تنصب " اليوم "؛ لأنه لم يظهر فعل ولا اسم فاعل.
قال: (ولو جاز أن تقول: " أكلّ يوم لك فيه ثوب "، لجاز أن تقول: " أعبد الله عليه ثوب "؛ لأن " عليه " في موضع نصب مثل: " فيه ". وهذا لا يجوز فيهما جميعا، لأنك لم تأت بفعل).