وذلك قولك: يا سارق الليلة أهل الدار.
قال أبو سعيد: أما قوله: هذا باب ما جرى مجرى الفعل الذي يتعدى فعله، وليس للفعل فعل، وإنما أراد مجرى الفعل الذي يتعدى في تصاريفه، يعني في ماضيه واستقباله واسم الفاعل منه.
وقوله: " في اللفظ لا في المعنى " يعني أنك إذا قلت: يا سارق الليلة أهل الدار، فهو بمنزلة قولك: " يا معطي زيد الدرهم " أضفته إلى أحد المفعولين ونصبت الآخر؛ فلذلك
_________________
(١) هذا البيت من زيادات أبي الحسن الأخفش سعيد بن مسعده في حواشي كتاب سيبويه ابن يعيش ٣/ ١٩، الخزانة ٢/ ٢٥١، الخصائص ٤٠٦.
[ ٢ / ٣١ ]
أضفت " سارق " وهو اسم فاعل إلى " الليلة " كما تضيف اسم الفاعل إلى أحد المفعولين وتنصب الآخر، فهذا شبهه به في اللفظ.
وأما خلافه له في المعنى فلأن الليلة كانت ظرفا في الأصل، وأهل الدار قد كان يتعدّى السّرق إليهم بحرف الجر، وهو " من "، فكان الأصل " سرقت في الليلة من أهل الدار " فحذفت " في " وجعلت الليلة مفعولة على السّعة وحذفت " من " فوصل الفعل إلى أهل الدار، كما قال تعالى: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا (١) أي من قومه، فقلت بعد الحذف: " سرقت الليلة أهل الدار ".
ثم أجريت اسم الفاعل على ذلك.
قال: (فتجرى الليلة على الفعل في سعة الكلام، كما قالوا: صيد عليه يومان، وولد له ستّون عاما).
يعني جرت الليلة مفعولة على السّعة، وإن كان أصلها الظرف، كما أقيم اليومان والستون عاما مقام الفاعل في " صيد عليه " وولد له، وإن كان اليومان لم يصادا وإنما صيدا فيهما، والستون لم تولد، وإنما ولد للرجل أولاد فيها.
قال: (فإن نونت فقلت: " يا سارقا الليلة أهل الدار " كان حد الكلام أن يكون أهل الدار على سارق منصوبا وتكون الليلة ظرفا؛ لأن هذا موضع انفصال).
يعني أنك إن لم تضف " سارق " إلى " الليلة " نونته وهو منادى فهو معرفة، وإنما يجب تنوينه وهو مفرد معرفة، لأنك قد أعملته فيما بعده. فلم يتم آخره فيبنى، فصار بمنزلة المضاف والنكرة، وإن كان القصد إلى واحد بعينه، ومثله: " يا خيرا من زيد أقبل " تنصبه، وإن كنت تقصده بعينه، ولا تبنيه لأن " من زيد " تمام لخبر، وتنصب الليلة بها
على الظرف، وأهل الدار نصب لوقوع السّرق عليهم، وإن شئت نصبت الليلة؛ لأنها مفعول بها على سعة الكلام.
قال: ولا يجوز " يا سارق الليلة أهل الدار " إلا في شعر كراهية أن يفصلوا بين الجار والمجرور.
قال أبو سعيد: وإنما كرهوا ذلك لأن المجرور من تمام الجار، لأنه يقوم مقام التنوين
_________________
(١) سورة الأعراف، آية: ١٥٥.
[ ٢ / ٣٢ ]
ويعاقبه، ولا يفصل بين الاسم وتنوينه؛ فكرهوا الفصل بين الجار والمجرور لذلك.
قال: " فإذا كان منوّنا فهو بمنزلة الفعل الناصب تكون الأسماء فيه منفصلة ".
يعني إذا نونت فقد بطلت الإضافة وصار بمنزلة الفعل. إذ كان لا إضافة في الفعل، وعمل عمله.
قال الشماخ:
ربّ ابن عمّ لسليمى مشمعل طباخ ساعات الكرى زاد الكسل
فهذا وجه الإنشاد بنصب الزاد، وإضافة طباخ إلى ساعات، و" المشمعل " المنكمش السريع، وقد روي: " طباخ ساعات الكرى زاد الكسل "، وبإضافة طباخ إلى زاد وتكون " ساعات " في موضع نصب.
وللقائل أن يقول: إذا كان سيبويه قد منع الفصل بين الجار والمجرور إلا في شعر، وما يجوز في الشعر لا يجوز في الكلام، إنما يكون للضرورة، ولا ضرورة في هذا؛ إذ كان يمكنه أن ينصب " الزاد " ويضيف " طباخ ". قيل له: يجوز أن يكون الشاعر لم يجعل " ساعات " مفعولا على السعة، فيمكنه إضافة " طباخ " إليها، وليس عليه أن يخرجها عن الظرف إلى المفعول على السعة، فإذا جعلها ظرفا لم يجز إضافة " الطباخ " إليها، فيضيفه إلى " الزاد " لا محالة اضطرارا.
وقال الأخطل:
وكرّار خلف المحجرين جواده إذا لم يحام دون أنثى حليلها (١)
فهذا هو الوجه، وقد أنشد بعضهم:
" وكرار خلف المحجرين جواده "
فهذا على مثل التفسير الذي مضى في البيت الذي قبله إذا قال: " طباخ ساعات الكرى زاد الكسل " وهو في " كرار خلف " أحسن؛ لأن " خلف أقل تمكنا؛ وأضعف من ساعات.
قال: " ومما جاء في الشعر ففصل بينه وبين المجرور قول عمرو بن قميئة:
لما رأت ساتيد ما استعبرت لله درّ اليوم من لامها (٢)
فأضاف " درّ " إلى " من "، و" من " في موضع جر، ونصب " اليوم " على الظرف، ولا
_________________
(١) ديوان الأخطل ٢٤٥. خزانة الأدب ٣/ ٤٧٤.
(٢) ديوان عمرو بن قميئة ٦٢، الخزانة ٢/ ٢٤٧، المقتضب ٤/ ٣٧٧.
[ ٢ / ٣٣ ]
يجوز في هذا البيت ما جاز فيما قبله من الإضافة إلى الظرف ونصب ما بعده، فلا يجوز " لله درّ اليوم من لامها "، كما جاز " وكرار خلف المحجرين جواده " وذلك أن " كرار " يجري على الفعل وتنصب، فإذا أضفناه إلى الظرف نصبنا الذي بعده به، وصارت الإضافة بمنزلة التنوين فيه، ولا يجوز التنوين في " درّ " لأنك لا تقول: " لله درّ زيدا "، كما تقول:
" وكرار جواده "، فوجب إضافة " درّ " إلى " من " اضطرارا، وإذا وجبت إضافته إليه، وجب نصب " اليوم "، وقال أبو حيّة النّميري:
كما خطّ الكتاب بكفّ يوما يهوديّ يقارب أو يزيل
وهذا كالبيت الذي قبله، ولا يجوز " بكف يوم يهوديّا "، والجر في هذا البيت والذي قبله اضطرارا؛ لأنه لا يجوز فيه غير الفصل بين المضاف والمضاف إليه.
قال: " ومما جاء مفصولا بينه وبين المجرور قول الأعشى:
ولا نقاتل بالعص يّ ولا نرامى بالحجاره
إلا علالة أو بدا هة قارح نهد الجزاره (١)
فأضفت " علالة " إلى " قارح " وأسقطت التنوين من أجل الإضافة، وفصلت بينها وبين " قارح " " بالبداهة "، فهذا قول " سيبويه "، وهو أجود من الذي مضى، من الفصل بين المضاف والمضاف إليه، وذلك أن هذين شيئان أضيفا إلى شيء واحد، وأقحم أحدهما على الآخر، وهما في معنى واحد، يتناولان المضاف إليه تناولا واحدا، ومثله يجوز في الكلام كقولك: " مررت بخير وأفضل من ثمّ ".
وكان بعض أصحابنا يتأول في هذا غير هذا التأول، فيقول: أسقط المضاف إليه من الأول اكتفاء بالثاني، فكأنه قال: إلا علالة قارح أو بداهة قارح، فحذف الأول اكتفاء بالثاني.
والذي قاله سيبويه أليق، لأن الأشبه أن تحذف الثاني اكتفاء بالأول، لأن الأول إذا ورد فحكمه أن يوفّى حقّه من
اللفظ.
ثم أنشد أبياتا على منهاج الأول منها قول ذي الرّمّة:
كأنّ أصوات من إيغالهنّ بنا أواخر الميس أصوات الفراريج (٢)
_________________
(١) ديوان الأعشى: ١٥٩، الخزانة ١/ ٨٣، الخصائص ٢/ ٤٠٧.
(٢) ديوان ذي الرمة ٧٦، الخزانة ٢/ ١١٩، الخصائص ٢/ ٤٠٤.
[ ٢ / ٣٤ ]
أراد: كأنّ أصوات أواخر الميس، ومنها قول درنا بنت عبعبة، من بني قيس بن ثعلبة:
هما أخوا في الحرب من لا أخا له إذا خاف يوما نبوة فدعاهما (١)
فأضاف " أخوا " إلى " من "، وفرق بينهما بفي.
ومما يشبه قول الأعشى: " إلا علالة أو بداهة قارح " قول الفرزدق:
يا من رأى عارضا أكففه بين ذراعي وجبهة الأسد (٢)
فأضاف " ذراعي " إلى " الأسد " وأقحم " الجبهة "، وفيه التفسير الثاني الذي ذكرناه، كأنه قال: بين ذراعي الأسد وجبهته، ويروى:
يا من رأى عارضا أرقت له
قال: " أما قوله ﷿: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ * (٣) فإنما جاز لأنه ليس ل " ما " معنى سوى ما كان قبل أن تجيء إلا التوكيد، فمن ثمّ جاز ذلك إذ لم ترد بها أكثر من هذا، وكانا حرفين، أحدهما في الآخر عامل، ولو كان اسما أو ظرفا أو فعلا لم يجز ".
يعني أنه إنما جاز الفصل بين الباء وبين " نقضهم " " بما " لأن " ما " لا تغيّر الكلام، ولا تزيد فيه معنى لم يكن من قبل دخولها إلا التوكيد، فلما كانت كذلك كان دخولها كخروجها، ولو كان الفصل بين الجار والمجرور باسم أو ظرف أو فعل، لم يجز على الشرائط التي تقدمت، وقد اختلف النحويون فيما إذا كانت زائدة، فبعضهم يجعلها اسما، وبعضهم يجعلها حرفا، وكلا القولين محتمل، لأنا قد رأينا الأسماء والحروف قد تجيء مزيدة، فأما الاسم فقولك: " كان زيد هو العاقل "، وأما الحرف فقولك: " لمّا أن قام زيد " لأن المعنى فيهما كان زيد العاقل، ولما قام زيد.
وقوله: " كانا حرفين أحدهما في الآخر عامل ".
يعني بالحرفين الباء و" نقضهم " ولم يدخل بينهما شيء يعتد به.
قال: وأما قوله: " أدخل فوه الحجر " فهذا جرى على سعة الكلام والجيد أدخل
_________________
(١) الخصائص ١/ ٩٢، ٢/ ٤٠٥. العيني ٣/ ٤٧٢، ابن يعيش ٣/ ٢١.
(٢) الخزانة ١/ ٣٦٩ - الخصائص ٢/ ٤٠٦ - ديوان الفرزدق: ٢١٥.
(٣) سورة النساء، آية: ١٥٥، المائدة، آية: ١٣.
[ ٢ / ٣٥ ]
فاه الحجر كما قال: أدخلت في رأسي القلنسوة ".
يعني أنه كان الوجه وحقيقة الكلام أن يقال: " أدخل فاه الحجر "، وذلك أن الحجر والفم مفعولان، أحدهما فاعل بالآخر، والحجر هو الفاعل، لأنه الداخل الفم، فإذا رددناه إلى ما لم يسمّ فاعله أقيم الذي كان فاعلا في المعنى مقام الفاعل، وهو الحجر، كما قال:
" أعطي زيد درهما "، فإذا قلت: " أدخل فوه الحجر " فقد أقمت الفم مقام الفاعل، وهو مفعول في المعنى.
قال: " فجرى هذا على سعة الكلام "، إذ كان لا يشكل كما قيل: أدخلت في رأسي القلنسوة. والرأس هو الداخل فيها لأنها محيطة به.
قال: " وليس مثل اليوم والليلة؛ لأنهما ظرفان، فهو مخالف له في هذا، موافق له في السعة ".
يعني أن اليوم والليلة لا يقامان مقام الفاعل؛ إذ كان معهما مفعول صحيح كما تقام القلنسوة والفم، ولا يقال: " ضرب زيدا اليوم "، ولا " سيرت الليلة زيدا " كما يقال:
" أدخلت القلنسوة رأس زيد " فهذا باب اختلافهما.
وأما اتفاقهما في سعة الكلام، فلأن الظرف قد يقام مقام الفاعل، وقد يضاف اسم الفاعل إليه، ويؤتى بالمفعول من بعده كقوله:
طباخ ساعات الكرى زاد الكسل (١)
فجعل " الساعات " مفعولة على السعة، فصارت هي والزاد مفعولين، ثم قدمها على الزاد، وجعلها كالمفعول الأول كما قدم القلنسوة على الرأس فجعلها كالمفعول الأول.
قال الشاعر:-
ترى الثّور فيها مدخل الظّلّ رأسه وسائره باد إلى الشمس أجمع (٢)
وكان الوجه أن يقول: مدخل رأسه الظّلّ؛ وذلك لأن الرأس هو المفعول الأول.
قال: " فوجه الكلام فيه هذا؛ كراهية الانفصال ".
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) من الخمسين التي لم يعرف قائلها آمالي المرتضى ١/ ٢١٦ - سيبويه ١/ ٩٢ بولاق، ١/ ١٨١ هارون.
[ ٢ / ٣٦ ]
يعني وجه الكلام في هذا البيت إضافة " مدخل " إلى الظل؛ لأنك لو لم تفعل هذا فأضفته إلى الرأس لكنت قد فصلت بينهما بالظل، فكأن إضافته إلى الظل على السعة أحسن من الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظل.
قال: " وإذا لم يكن في الجرّ فحدّ الكلام أن يكون الناصب مبدوءا به ".
يعني إذا لم تضف فالوجه أن يكون المفعول الأول هو المبدوء به؛ لأن المفعول الأول هو الفاعل في المعنى، وهو الناصب للمفعول الثاني قبل أن يجعل مفعولا.
وهذا الكلام من سيبويه يوهم أنا إذا قلنا: " ضرب زيد عمرا "، أن للفاعل تأثيرا في نصب المفعول، وإنما سماه ناصبا يريد الفاعل في المعنى، لأنهما حيث اجتمعا في الفعل قبل النقل، وجعله فاعلا للفعل أوجب نصب الآخر، كما قال الله تعالى: فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ (١) ولم يكن الشيطان المخرج وإنما كان سببا لإخراج الله إياهما.
[ويجوز أن يكون معنى قول سيبويه: " يكون الناصب مبدوءا به " يريد المنصوب، ويكون لفظ الفاعل في موضع مفعول، كما قيل عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢) في معنى " مرضيّة " أي ذات رضا].
(هذا باب صار فيه الفاعل بمنزلة الذي فعل في المعنى وما يعمل فيه).
وذلك قولك: " هذا الضارب زيدا "، فصار في معنى هذا الذي ضرب زيدا، وعمل عمله؛ لأن الألف واللام منعتا الإضافة، وصارتا بمنزلة التنوين، وكذلك " هذا الضارب الرجل ".
قال أبو سعيد: يعني أن الألف واللام قد صارتا بمنزلة الذي، وصار اسم الفاعل المتصل به بمعنى الفعل.
فإن قال قائل: فأنتم قد منعتم أن يعمل اسم الفاعل إذا كان في معنى فعل ماض فكيف أجزتم نصب زيد في: " هذا الضارب زيدا " وهو في معنى فعل ماض؟
قيل له: إنما جاز هذا لأنا لما جعلنا الألف واللام بمعنى الذي، ونوينا به نية " الذي "، ووصلناها بما توصل به الذي وإن كانت الذي اسما، والألف واللام حرفا، جعلنا
_________________
(١) سورة البقرة، آية: ٣٦.
(٢) سورة الحاقة، آية: ٢١.
[ ٢ / ٣٧ ]
اسم الفاعل المتصل بالألف واللام في مذهب الفعل، وإن كان اسما.
ووجه ثان وهو أن الألف واللام لمّا لم يجز أن يليها لفظ الفعل، اضطرنا ذلك إلى نقل اللفظ عن الفعل إلى الاسم؛ ليتصل بالألف واللام، فكأنّ الذي نقل لفظ الفعل إلى الاسم حكم أوجبته تسوية اللفظ فقط، فبقي المعنى على حاله.
ووجه ثالث: وهو أن اسم الفاعل الذي في معنى الفعل الماضي كان حكمه أن يضاف إلى المفعول به، كقولك: " هذا ضارب زيد "، فلما دخلت الألف واللام فمنعت الإضافة واحتيج إلى ذكر المفعول للفائدة نصب.
وحكي عن الأخفش أنه قال: " هذا الضارب زيدا " إذا كان في معنى الفعل الماضي، إنما ينصب كما ينصب " الحسن الوجه " وليس على نصب المفعول الصحيح، والقول ما ذكرناه عن سيبويه للحجة التي ذكرناها.
فإن قال قائل: لم جعل سيبويه " الضارب " مفسرا بالذي ضرب ولم يفسّره بالذي يضرب؟
قيل له: من قبل أن اسم الفاعل الذي في معنى الفعل الماضي لا ينصب الاسم الذي بعده مع غير الألف واللام، والذي في معنى المستقبل ينصب، فإذا ذكر نصب اسم الفاعل مع الألف واللام، في معنى الفعل الماضي، لم يقع شك في أن المستقبل يعمل ذلك العمل؛ لأن المستقبل أقوى عملا من الماضي؛ ولو فسره بالمستقبل جاز أن يقول قائل: إن الماضي لا يعمل ذلك العمل. قال: " وقد قال قوم من العرب ترضى عربيّتهم: " هذا الضارب الرجل " شبّهوه بالحسن الوجه، وإن كان ليس مثله في المعنى ولا في أحواله ".
قال أبو سعيد: قد بينا أن اسم الفاعل يجوز أن يضاف إلى المفعول، فيما ليس فيه الألف واللام، ويجوز أن ينصب به ما بعده، كقولنا " هذا ضارب زيد " و" ضارب زيدا "، فإذا أدخلنا الألف واللام وجب النصب عند " سيبويه "، ولم يجز عنده الإضافة، وذلك أن الإضافة هي " معاقبة " للتنوين في قولك " هذا ضارب زيدا "؛ لأنه سقط بالإضافة التنوين الذي كان في قولك " ضارب زيدا " فإذا قلت: " هذا الضارب زيدا " لم يجز إضافة الضارب إلى زيد؛ لأنا لا نقدر على حذف شيء بالإضافة، فتكون الإضافة معاقبة له، فلم يجز " هذا الضارب زيد " لذلك.
فإذا قلت: " هذا الضارب الرجل " وما كان فيه الألف واللام من المفعولات جاز
[ ٢ / ٣٨ ]
جره، وإن كان القياس النصب لما ذكرنا، وإنما جاز الجر تشبيها بالحسن الوجه إذا كان في الوجه الألف واللام، وإن لم يكن فيه ألف ولام لم يجز، لأنك لا تقول: " مررت بالحسن وجه "، كما تقول: " مررت بالحسن الوجه " بالألف
واللام وهذا يحكم في بابه.
وقد أجاز سيبويه " هذا الضارب الرجل وزيد " و" هذا الضارب الرجل زيد " على عطف البيان، وإنما جاز في الاسم الثاني الجر، وإن لم يكن فيه ألف ولام؛ لأنه تابع للاسم الذي قبله، ولم يل اسم الفاعل، وقد يجوز في التابع ما لا يجوز في المتبوع، ألا ترى أنك تقول: " يأيها الرجل ذو الجمّة " فتجعل " ذو الجمّة " نعتا للرجل ولا يجوز أن يقع موقعه، وتقول: " يا زيد والرجل "، ولا يجوز أن يقع موقع الأول؛ لأنك لا تقول: يأيها ذو الجمّة، " يا الرجل " وأنشد في ذلك قول المرّار الأسديّ: (١)
أنا ابن التارك البكريّ بشر عليه الطير ترقبه وقوعا (٢)
فجعل " بشرا " عطف بيان من " البكري "، وأجراه عليه ولا يصح أن يكون بدلا، لأن البدل يقع موقع المبدل منه وكان أبو العباس المبرد لا يجيز الجر في الاسم الثاني عطفا كان أو بدلا، أو عطف بيان.
وينشد البيت نصبا:
أنا ابن التارك البكريّ بشرا
والقول ما ذكرناه عن سيبويه؛ للقياس الذي بيناه ولإنشاد العرب والنحويين البيت بالجر، والفراء يجيز " هذا الضارب زيد " " وهذا الضارب رجل "، ويزعم أن تأويله:
هذا الذي هو ضارب زيد، وضارب رجل، فيلزمه " هذا الحسن وجه "، على تقدير هذا الذي هو حسن وجه، و" هذا الغلام زيد " على تقدير هذا الذي هو غلام زيد، لأنه قدّر دخول الألف واللام على الاسم، ولم ينقل الفعل عن لفظه لدخولها وصيّر ما بعد الألف واللام معها على حكاية لفظ " الذي " وهذا قول فاسد، وأنشد سيبويه في العطف قول الأعشى:
_________________
(١) هو المراد بن سعيد الأسدي أو الفقعسي فينسب تارة إلى أسد بن خزيمة وهو جده الأعلى وتارة إلى فقعس الخزانة ٢/ ١٩٣.
(٢) الخزانة ٢/ ١٩٣ - العيني ٤/ ١٢١ - ابن يعيش ٣/ ٧٢.
[ ٢ / ٣٩ ]
الواهب المائة الهجان وعبدها عودا تزجّى خلفها أطفالها (١)
فعطف " عبدها " على المائة الهجان، وقال بعض المخالفين له: ليس له في هذا البيت حجة، وإن كان " عبدها " مجرورا؛ وذلك أنه لا خلاف أن المضاف إلى الألف واللام في هذا الباب بمنزلة ما فيه الألف واللام، وأن قولنا: " هذا الضارب غلام الرجل " بمنزلة قولنا: " هذا الضارب الرجل "، كما أن قولنا: " هذا الحسن وجه الأخ " بمنزلة قولنا "
هذا الحسن الوجه " فلما قال: " الواهب المائة الهجان " جاز ذلك بإجماع؛ لأن المائة فيها الألف واللام، والهاء في " عبدها " تعود إلى المائة فصار العبد كمضاف إلى ما فيه الألف واللام، فكأنه قال: الواهب المائة وعبد المائة، وهذا جائز بلا خلاف، وإنما احتج سيبويه بهذا بعد أن صح عنده بالقياس الذي ذكرناه، جواز الجر في الاسم المعطوف، وأنشد البيت ليرى من المثال في الاسم المعطوف، لأنه لا حجة له في غيره.
قال سيبويه: وإذا ثنّيت أو جمعت فأثبتّ النون قلت: هذان الضاربان زيدا، وهؤلاء الضاربون الرجل، لا يكون فيه غير هذا؛ لأن النون ثابتة، ومن ذلك قوله تعالى: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ (٢).
فهذا بيّن وقال ابن مقبل: (٣)
يا عين بكّي حنيفا رأس حيّهم الكاسرين القنا في عورة الدّبر (٤)
" فالقنا " في موضع نصب، و" حنيف " قبيلة، والعورة الموضع الذي يبقى فيه العدو، ولا يكون بينهم حاجز، ومنه قوله تعالى: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ (٥) أي ممكنة للعدو وليس بينها وبينه حائل، و" عورة الدبر " ما تبقى من خلف فهؤلاء يقاتلون إذا أدبر غيرهم وولى.
قال: " فإذا كففت النون جررت، وصار الاسم داخلا في الجار، وبدلا من النون، لأن النون لا تعاقب الألف واللام، ولم تدخل على الاسم بعد أن ثبتت فيه الألف
_________________
(١) الخزانة ٢/ ١٨١ - ديوان الأعشى ٢٩ - الهمع ٢/ ٤٨.
(٢) سورة النساء، آية: ١٦٢.
(٣) هو تميم بن أبيّ بن مقبل من بني عجلان شاعر جاهلي أدرك الإسلام وأسلم عاش أكثر من مائة سنة خزانة الأدب ١/ ١١٣ الأعلام ٢/ ٧٠.
(٤) ديوان ابن مقبل ٨٢.
(٥) سورة الأحزاب، آية: ١٣.
[ ٢ / ٤٠ ]
واللام. لأنه لا يكون واحدا معروفا ثم يثنى، فالتنوين قبل الألف واللام؛ لأن المعرفة بعد النكرة ".
يعني أنك إذا قلت: " هذان الضاربا زيد " جررت، وجعلت زيدا مكان النون، والفرق بين التثنية والواحد في الإضافة أن المثنى إذا أضفته أسقطت النون للإضافة، فجازت الإضافة فيه كما جازت في المثنى الذي ليس فيه ألف ولام، إذا قلت: " هذان ضاربا زيد "؛ لأنك تسقط النون للإضافة فيهما جميعا، وإذا قلت: " هذا الضارب زيد " لم يجز؛ لأنه ليس في " الضارب " تنوين ولا نون تسقطها بسبب الإضافة.
وقوله: " لأن النون لا تعاقب الألف واللام ".
يعني أن النون توجد مع الألف واللام، فجازت الإضافة بإسقاطها مع الألف واللام، وكانت مخالفة للتنوين، إذ كان لا يوجد مع الألف واللام.
وقوله: " لأنه لا يكون واحدا معروفا ثم يثنّى "
يعني أن التثنية لحقت المنكور، ودخلت عليه، وكان المنكور منونا، فجعلت النون في التثنية عوضا من الحركة والتنوين، ثم دخلت الألف واللام على المثنى الذي قد ثبت فيه النون، فلم تحذف لقوتها، وقد ذكرنا هذا مستقصى في أول الكتاب.
وإنما لم يبن الواحد المعروف، لأن الواحد المعروف إنما يدل على شيء بعينه، فإذا ضممنا إليه مثله فقد أخرجنا كل واحد منهما أن يدل على شيء بعينه لمشاركة الآخر له، وإنما أراد أن يبين بهذا أن النون لم تدخل على ما فيه الألف واللام لأن النون عنده عوض من التنوين والحركة، وما فيه الألف واللام ليس فيه تنوين، وإنما يثنّى الاسم قبل دخول الألف واللام وكانت النون عوضا من الألف واللام، ثم ثنّيت بعد دخول الألف واللام؛ لما ذكرنا.
قال: " فالنون مكفوفة، والمعنى معنى ثبات النون كما جاز ذلك في الاسم الذي جرى مجرى الفعل المضارع، وذلك قولك: " هما الضاربا زيد " و" الضاربو عمرو ".
يعني أن النون في قولنا: " هما الضاربا زيد " مرادة ولولا ذلك لم تجز إضافة ما فيه الألف واللام إلى زيد، لأن الإضافة توجب التعريف، وما فيه الألف واللام قد تعرف بهما، كما تعرف " غلاما زيد " بزيد، ولا يجوز أن تقول: " الغلاما زيد " فلولا أن التقدير:
هما الضاربان زيدا، لم تجز الإضافة، وهذا نظير اسم الفاعل الذي جرى مجرى الفعل
[ ٢ / ٤١ ]
المضارع، في أن الإضافة لا تخرجه عن نية التنوين، إذا قلت: " مررت برجل ضارب زيد " فهو مضاف في اللفظ، والنية فيه التنوين.
قال الفرزدق:
أسيّد ذو خرّيطة نهارا من المتلقّطي قرد القمام (١)
أضاف " المتلقطي " إلى " قرد القمام "، و" أسيّد " تصغير أسود، و" قرد القمام " ما تراكب من القمامة، وقال رجل من بني ضبّة:
الفارجي باب الأمير المبهم
وقال رجل من الأنصار:
الحافظو عورة العشيرة لا يأتيهم من ورائهم نطف (٢)
ويروى: " وكف " ويروى " الحافظو عورة العشيرة " فمن قال: " الحافظو عورة العشيرة " فعلى ما ذكرنا، وإذا قال: " الحافظو عورة العشيرة " فلم يرد الإضافة، وحذف النون اختصارا واستخفافا، لمّا كانت الألف واللام بمعنى الذي واللذين وهذه الأسماء موصولة، تكون هي وصلاتها كالاسم الواحد، فحذفوا منها لطولها، فقالوا في: " الذي ":
" اللّذ " بحذف الياء وكسر الذال قال الشاعر:
واللذ لو شاء لكانت برّا أو جبلا أصمّ مشمخرّا (٣)
ومنهم من قال: " اللّذ " بحذف الياء وإسكان الذال قال الشاعر:
كاللذ تزبّى زبية فاصطيدا (٤)
وقال في " الّذي ": " الذيّ "، وليس يدخل فيما قصدناه، ولكنا لم نحب أن نغفله؛ ليكون مضافا إلى نظائره من اللغات قال الشاعر:
وليس المال فاعلمه بمال وإن أنفقت إلّا للّذيّ
ينال به العلاء ويصطفيه لأقرب أقربيه وللقصيّ (٥)
_________________
(١) ديوان الفرزدق ٨٣٥.
(٢) اختلف في نسبة هذا البيت فقيل قائله: قيس بن الخطيم ديوانه ١٧٢، وقيل عمرو بن امرئ القيس الخزرجي الخزانة ٢/ ١٨٩.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) هذا عجز بيت صدره في الإنصاف ٣٩٣ (فظلت في شرّ من اللذ كيدا).
(٥) اللسان (زبي) ٢٠/ ١١١.
[ ٢ / ٤٢ ]
وكذلك " اللذان " يقال فيهما: " اللّذا " تخفيفا واختصارا؛ لطول الاسم مع الصلة.
قال الأخطل:
أبني كليب إنّ عمّيّ اللّذا سلبا الملوك وفكّكا الأغلالا (١)
وقال الأشهب ابن رميلة (٢):
وإن الّذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد (٣)
أراد " إن الذين "، والدليل على ذلك قوله: " دماؤهم "، فجعل العائد جمعا، فلما جاز في " الذي واللّذين والّذين " من الحذف والتخفيف ما ذكرنا من غير إضافة، جاز في الألف واللام التي في معناها حذف النون من غير إضافة.
" والنطف والنكف " جميعا الدنس والعار، وما يعاب به فاعلمه.
قال: وإذا قلت: " هم الضاربوك " و" هما الضارباك " فالوجه فيه الجرّ؛ لأنك إذا كففت النون من هذه الأسماء في المظهر كان الوجه الجر، إلا في قول من قال:
" الحافظو عورة العشيرة ".
قال أبو سعيد اعلم أن سيبويه يعتبر المضمر بالمظهر في هذا الباب فيقول: الكاف في الضاربوك والضارباك في موضع جر؛ لأنك لو قلت: " الضاربو زيد " جررت، وهذا هو الاختيار.
ويجوز أن يكون في موضع نصب لأنك تقول: " الضاربو زيدا " على من قال:
" الحافظو عورة العشيرة " وإذا قلت: " هم ضاربوك " فالكاف في موضع جر لا غير؛ لأنك تقول: " هم ضاربو زيد " لا غير.
وكان " الأخفش " يجعل الكاف في موضع نصب على كل حال، وحجته في ذلك
_________________
(١) ديون الأخطل ٤٤ - الخزانة ٢/ ٤٩٩.
(٢) هو الأشهب بن ثور بن أبي حارثة بن عبد المدان النهشلي الدارمي التميمي شاعر نجدي ولد في الجاهلية وأسلم ولم يجتمع بالنبي وعاش إلى العصر الأموي ونسبته إلى أمه رميلة وكانت أمة. الخزانة ٢/ ٥٠٩ - السمط ٣٥ - ابن سلام ٢٥.
(٣) قال السيوطي: عزا هذا البيت صاحب الحماسة البصرية والآمدي للأشهب ابن زميلة بضم الزاء المعجمة وقيل الراء وهي أمه وأبوه ثور بن أبي حارثة يكنى أبا ثور الجمعي. الخزانة ٢/ ٥٠٧ - المقتضب ٤/ ١٤٦ - الدرر ١/ ٢٤.
[ ٢ / ٤٣ ]
أن اتصال الكناية قد عاقبت النون والتنوين ألا ترى أنك لا تقول: " هو ضاربنك " ولا:
" هما ضاربانك " ولا " هم ضاربونك " كما تقول: هو " ضارب زيدا " و" هما ضاربان زيدا "، فلما امتنع التنوين والنون لاتصال الكناية، صار بمنزلة ما لا ينصرف من الأسماء، ويعمل من غير تنوين، كقولك للنساء: " هؤلاء ضوارب زيدا "، والذي جمع بينهما أن التنوين حذف من " ضوارب "؛ لمنع الصرف، لا للإضافة، وحذف من "
ضاربك " لاتصال الكناية، لا للإضافة، وقد حكى بعضهم جواز " ضاربنك " و" ضاربني " في الشعر، وأنشدوا أبياتا لا تصح منها قوله:
وليس حاملني إلا ابن حمّال (١)
والرواية الصحيحة " وليس يحملني " وأنشد بعضهم- وزعم سيبويه أنه مصنوع-:
هم القائلون الخير والآمرونه إذا ما خشوا من محدث الدهر معظما (٢)
وقال الآخر:
ولم يرتفق والناس محتضرونه جميعا وأيدي المعتفين رواهقه
فوصل الكناية في " آمرونه " و" محتضرونه " بالنون، والوجه أن يقول: " آمروه " و" محتضروه "، فزعم سيبويه أن هذا من ضرورة الشعر، وجعل الهاء كناية.
وقد روي عن بعض القراء: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ. فَاطَّلَعَ- ذهب إلى " مطلعونني " - فأثبت نون الجمع مع اتصال الكناية، والكناية هي النون الثانية وياء المتكلم، وحذف إحدى النونين لاجتماعهما، وأسقط الياء لدلالة الكسرة عليها.
وأما " الآمرونه " و" محتضرونه " فذكر أبو العباس: أن هذه الهاء هي هاء السكت، وكان حكمها أن تسقط في الوصل، فاضطر الشاعر أن يجريها في الوصل مجراها في الوقف، وحركها؛ لأنها لما ثبتت في الوصل أشبهت الحروف التي حكمها أن تثبت في
_________________
(١) عجز بيت وصدره " ألا فتى من بني ذبيان يحملني " وقائله أبو محلم السعدي الإنصاف ٨٢ - الخزانة ٢/ ١٨٥.
(٢) قال البغدادي في الخزانة: (وهذا البيت أيضا مصنوع) الخزانة ٢/ ١٨٨.
[ ٢ / ٤٤ ]
الوصل كهاء الكناية إذا قلت " غلامه " وما أشبه ذلك؛ وأما القراءة في " مطلعون " فهي شاذة رديئة في القياس.
فإن قال قائل: وما السبب الذي أوجب سقوط التنوين والنون مع اتصال الكناية؟
قيل له: سبب ذلك أن علامة المضمر غير منفصلة من الاسم الذي اتصلت به، ولا ينطق بها وحدها، وهي زائدة في الاسم، والتنوين والنون زائدان أيضا، والكناية تقع في آخر الاسم كالنون والتنوين فتعاقبتا؛ كراهة أن يجتمع في آخر الاسم هاتان الزيادتان، فاكتفى بإحداهما عن الأخرى لمّا صارتا كشيئين من جنس واحد.
وهذا الفصل قد اشتمل على تفسير كلام سيبويه الذي لم يذكره من هذا الباب في هذا المعنى.