(وذلك قولك: زيدا وعمرا ورأسه، وذاك أنّك رأيت رجلا يضرب أن يشتم أو
_________________
(١) ينسبان لراجز جاهليّ من أسيد بن عمرو بن تميم، وقيل لجارية من بني مازن، وزعم ابن الشجريّ أنهما لرؤبة: شرح المفصل ١: ١١٧؛ مغني اللبيب ٦: ٣٤٣، ٣٨٠؛ اللسان وتاج العروس (ميح).
(٢) سورة النساء، الآية ٢٤.
(٣) سورة النساء، الآية ٢٢.
[ ٢ / ١٥٣ ]
يقتل فاكتفيت بما هو فيه من عمله).
اعلم أنّ الإضمار على ثلاثة أوجه:
- وجه يجب فيه الإضمار ولا يحسن فيه الإظهار.
- ووجه لا يجوز أن تضمر العامل فيه.
- ووجه أنت مخيّر بين إضماره وإظهاره.
فأما ما لا يجوز فيه الإضمار لعامل فأن تقول مبتدئا: زيدا، من غير سبب نحويّ ولا حال حاضرة دالة على معنى، وأنت تريد: اضرب زيدا، وغيره من الأفعال لأنك إذا أضمرته لم يعلم أنّه " أكرم زيدا " أو اشتم زيدا أو غير ذلك.
وأما ما يجوز إظهاره وإضماره فأن ترى رجلا يضرب أو يشتم فتقول: زيدا، تريد اضرب زيدا، ويجوز إظهاره فتقول: اضرب زيدا، ومثل ذلك أيضا في الخبر أن تلقى رجلا قادما من سفر فتقول: خير مقدم أي: قدمت خير مقدم، ولو أظهرته لم يكن بأس، وكذلك إذا قلت لرجل في طريق: الطريق يا هذا، معناه: خلّ الطريق وعن الطريق، ويجوز إظهاره، قال جرير:
خلّ الطريق لمن يبني المنار به وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر (١)
ولا يجوز أن تضمر في شيء من هذا الباب الجارّ؛ فإذا قلت: الطريق لم يجز أن يكون الضمير تنحّ عن الطريق؛ لأن الجارّ لا يضمر، وذلك أن المجرور داخل في الجار غير منفصل.
والوجه الثالث:
قوله: إياك وأن تقرب الأسد، معناه: إيّاك اتق، وإياك احذر، ولا يحسن إظهار ما نصب إياك، ثم استشهد سيبويه على جواز الحذف الذي عقد به الباب: (تقول العرب في مثل من أمثالهم: " اللهمّ ضبعا وذئبا " إذا كان يدعو بذلك على غنم رجل، فإذا سألهم ما يعنون قالوا: اللهم اجمع فيها ضبعا وذئبا، كلّهم يفسر ما ينوي).
قال أبو العباس: سمعت أن هذا دعاء له لا دعاء عليه؛ لأن الضبع والذئب إذا اجتمعا تقاتلا فأفلتت الغنم.
_________________
(١) ديوان جرير ٢١١؛ شرح المفصل ٢: ٣٠؛ تاج العروس (برز).
[ ٢ / ١٥٤ ]
وقال: أمّا ما وضعه عليه سيبويه فإنه يريد ذئبا من ههنا وضبعا من ههنا.
قال: (وحدثنا من يوثق به أن بعض العرب قيل له: أما بمكان كذا وكذا وجد وهو موضع يمسك الماء) نحو النقرة في الصخرة، (فقال: بلى وجادا، ومنه قول الشاعر:
أخاك أخاك إنّ من لا أخا له كماش إلى الهيجا بغير سلاح (١)
كأنه يريد: الزم أخاك).
غير أنّ هذا مما لا يحسن فيه إظهار الفعل إذا كررت، ويحسن إذا لم تكرّر، إذا قلت: أخاك، حسن أن تقول: الزم أخاك، وإذا قلت: أخاك أخاك، لم يحسن أن تقول:
الزم أخاك أخاك لأنهم إذا كرروا جعلوا أحد الاسمين كالفعل، والاسم الآخر كالمفعول.
وكأنهم جعلوا أخاك الأول بمنزلة " الزم "، فلم يحسن أن تدخل " الزم " على ما قد جعل بمنزلة " الزم ".
ومنه قول العرب:
" أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك "
فمعناه: عليك بأمر مبكياتك، واتّبع أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك.
فمعناه: اتبع أمر من ينصح لك فيرشدك وإن كان مرّا عليك صعب الاستعمال، ولا تتبع أمر من يشير عليك بهواك؛ لأن ذلك ربما أدى إلى العطب.
ومنه: " الظّباء على البقر ". والمعنى في المثل:
أنك تنهاه عن الدخول بين قوم يتشابهون ويتكافؤون في سوء أو غيره، وتقديره:
خلّ الظباء على البقر.