وذلك قولك: (" يوم الجمعة ألقاك فيه "، وأقلّ يوم لا ألقاك فيه و" أقل يوم لا أصوم فيه "، و" خطيئة يوم لا أصيد فيه "، و" مكانك قمت فيه "، وصارت هذه الأحرف ترتفع بالابتداء كارتفاع " عبد الله "، وصار ما بعدها مبنيا عليها كبناء الفعل على الاسم الأول).
قال أبو سعيد: اعلم أن الظروف على ضربين:
ضرب يكون اسما وظرفا وهو الظرف المتمكن.
وضرب لا يكون اسما وهو الظرف الذي لا يتمكن.
فأما الضرب الذي يكون اسما وظرفا، فهو ما يكون مرفوعا في حال ومجرورا في حال ومنصوبا في حال على غير معنى الظرف، وهذا هو تمكنه، وكونه اسما؛ لأنه يصير بمنزلة " زيد، وعمرو "، وهو نحو " اليوم، والليلة، والشهر، والمكان " وما أشبه ذلك.
فأما الظرف الذي لا يتمكن، فهو ما يمتنع من الرفع ولا يكون فاعلا، ولا مبتدأ، كقولك: " عندك، وقبلك، وبعدك "، ألا ترى أنك لا تقول: " عندك واسع "، ولا " قبلك يوم الجمعة "، كما تقول: " وكأنك واسع "، ولاستقصاء الفصل بين الظروف المتمكنة وغير المتمكنة موضع غير هذا.
[ ١ / ٣٧٧ ]
فإذا كان الظرف متمكنا، وشغلت الفعل الناصب له بضميره عنه، رفعته كما ترفع " زيدا "، إذا شغلت الناصب له عنه فقلت: " يوم الجمعة ألقاك فيه " كما تقول: " زيد أضربه "، " وعمرو أتكلم فيه ".
واعلم أن الظروف المتمكنة إذا نصبت كان لك في نصبها وجهان: أحدهما: أن تنصبها من طريق الظرف، فيكون مقدرا ل " في " وإن كانت محذوفة، ألا ترى أنك لمّا حذفتها وصل الفعل فنصب.
والوجه الثاني: أن تقدر وصول الفعل إليها بلا تقدير " في ". وهذا هو المفعول على سعة الكلام.
فإذا شغلت الفعل عنه وقد قدرته تقدير الظرف قلت: " يوم الجمعة قمت فيه "، وإن كان بتقدير المفعول على سعة الكلام، أضمرت من غير " في "، كقولك: " يوم الجمعة ألقاكه "، و" مكانكم قمته ".
قال الشاعر:
ويوم شهدناه سليما وعامرا قليل سوى الطّعن النّهال نوافله (١)
أراد: شهدنا فيه. وجعله مفعولا على سعة الكلام.
قال سيبويه: بعد الفصل الأول: (فكأنك قلت: " يوم الجمعة مبارك " و" مكانك حسن " وصار الفعل).
الذي هو " ألقاك فيه "، " وقمت فيه ".
(في موضع هذا) يعني صار الفعل في موضع الخبر كما أنك إذا قلت: " يوم الجمعة مبارك، ف " مبارك " خبر؛ كما أنك إذا قلت: " زيد ضربته " بمنزلة " زيد منطلق ".
(وإنما صار هذا هكذا، حين صار في الآخر إضمار اليوم والمكان).
قال أبو سعيد: يعني: حين اشتغل الفعل بضميرهما، فلم يصل إليهما، ورفع بالابتداء، كما رفع " زيد " إذا قلت: " زيد ضربته ".
قال: (فخرج من أن يكون ظرفا، كما يخرج إذا قلت: " يوم الجمعة مبارك ").
_________________
(١) البيت لرجل من بني عامر: الأعلم ١/ ٩٠ - الكامل للمبرد ١/ ١٣٩ - أمالي ابن الشجري ١/ ٦٠.
[ ١ / ٣٧٨ ]
يعني: أن قولك: " يوم الجمعة قمت فيه "، بمنزلة " يوم الجمعة مبارك " لأن الفعل لما اشتغل بضميره لم يصلح أن ينتصب بالفعل.
قال: (فإذا قلت: " يوم الجمعة صمته "، ف " صمته " في موضع " مبارك "، حيث كان المضمر هو الأول، كما كان المبارك هو الأول).
يعني: أنك إذا قلت: " يوم الجمعة صمته "، فجعلت " اليوم " مفعولا على سعة الكلام، جعلت الضمير العائد إليه غير متصل ب " في " وقد مضى هذا.
قال: (فيدخل النصب كما دخل في الاسم الأول).
يعني: أنك تقول: " يوم الجمعة صمته " على تقدير: " صمت يوم الجمعة صمته " فهو كما تقول: " زيدا ضربته "، على
تقدير: ضربت زيدا ضربته. ويجوز " يوم الجمعة آتيك فيه "، على تقدير: " آتيك يوم الجمعة آتيك فيه "، كما تقول: " زيدا تكلمت فيه "، على تقدير: " ذكرت زيدا تكلمت فيه ".
قال سيبويه: (كأنك قلت: " ألقاك يوم الجمعة " فنصبته لأنه ظرف، ثم فسّرته فقلت: " ألقاك فيه "، وقدرته: " ألقاك فيه "، وإن شئت نصبته على الفعل نفسه، كما أعمل فيه الفعل الذي لا يتعدى إلى مفعول واحد. وكل ذلك عربي جيد).
يعني: أنك إذا قلت: " يوم الجمعة ألقاك فيه " وقدرته: " ألقاك يوم الجمعة ألقاك فيه "، فالفعل المضمر الناصب ليوم الجمعة، إن شئت أعملته فيه من طريق الظرف، وإن شئت أعملته على طريق المفعول على السعة، وقد ذكرنا هذين الوجهين، لأنه يكون ظرفا، وغير ظرف.
قال سيبويه: (ولا يحسن في الكلام أن تجعل الفعل مبنيا على الاسم؛ ولا تذكر علامة إضمار الأول، حتى يخرج من لفظ الإعمال في الأول، ومن حال بناء الاسم عليه، وتشغله بغير الأول حتى يمتنع من أن يكون يعمل فيه).
يعني: أنك إذا جعلت الاسم مبتدأ، وجعلت الفعل خبرا، والوجه أن يظهر الضمير الذي يعود إلى الاسم، حتى يخرج من لفظ ما يعمل في الأول.
يعني أنه قبيح أن تقول: " زيد ضربت "؛ لأن " ضربت " في لفظ ما يعمل في " زيد "؛ لحذفك الضمير في اللفظ، ولا بد من تقديره حتى يصح أن يكون خبرا للاسم الأول، إذ قد جعلت الاسم مبتدأ، ولا يصح أن يكون الفعل خبرا له، حتى يكون فيه ما يعود إليه.
[ ١ / ٣٧٩ ]
قال سيبويه: (ولكنه قد يجوز في الشعر، وهو ضعيف في الكلام. قال أبو النجم العجلي.
قد أصبحت أمّ الخيار تدّعي عليّ ذنبا كلّه لم أصنع) (١)
فهذا ضعيف، وهو بمنزلته في غير الشعر؛ لأن النصب لا يكسر الشعر ولا يخل به.
قال: (فترك إضمار الهاء، فكأنه قال: كله غير مصنوع).
قال أبو سعيد: يعني أن إضمار الهاء إذا قلت: " زيد ضربت " هو قبيح ومع قبحه هو جائز في الكلام. قال: والدليل على جوازه في الكلام، أن الشاعر لو قال: " كله لم أصنع " لاستقام البيت ولم ينكسر، فلم تدعه الضرورة من جهة الشعر إلى رفعه فعلم بذلك جوازه في غير الشعر.
وكان الفراء يجيز " كلهم ضربت "، ولا يجيز " زيد ضربت ".
قال: لأن معنى " كلهم ضربت " معنى الجحد، كأنه قال: " ما منهم أحد إلا ضربت ". وليس هذا بحجة؛ لأن كل موجب
يتهيأ رده إلى الجحد، فيمكن للقائل أن يقول: " زيد ضربت "، معناه: " ما زيد إلا قد ضربت، وما زيد إلا مضروب ".
وقد أنشد سيبويه مع القياس الذي ذكرناه أبياتا منها:
(قول امرئ القيس:
فأقبلت زحفا على الرّكبتين فثوب لبست وثوب أجرّ) (٢)
لم يقل أجره ولم ينصب الثوب.
(وقال النمر بن تولب: وسمعناه من العرب ينشدونه:
فيوم علينا ويوم لنا ويوم نساء ويوم نسرّ) (٣)
أراد: يوم نساء فيه، أو نساؤه، فأضمر الهاء، ولم ينصب يوم فهو بمنزلة قولك:
_________________
(١) البيت لأبي النجم العجلي الخزانة ١/ ١٧٣ - الخصائص ١/ ٢٩٢، ٣/ ٦١، المغني ١/ ٢٠١، ٢/ ٤٩٨ - الدرر اللوامع ١/ ٧٣.
(٢) الديوان ١٥٩ ق ٢٩/ ١٧ - الخزانة ١/ ١٨ - الأعلم ١/ ٤٤.
(٣) الأعلم ١/ ٤٤ - الصمع ١/ ١٠١ - ٢/ ٢٧ - الدرر اللوامع ١/ ٧، ٢/ ٢٢.
[ ١ / ٣٨٠ ]
" يوم الجمعة أقوم " على معنى أقوم فيه، وضعف هذا كله مع جوازه؛ لأن الشاعر لو نصب في ذلك كله لم ينكسر الشعر، ولم يختل.
قال سيبويه: (زعموا أن بعض العرب يقول: " شهر ثرى " و" شهر ترى " و" شهر مرعى " يريدون: ترى فيه).
فرفع " الشهر " ولم يعمل فيه " ترى " للضمير الذي قدره، ومعنى هذا: شهر ثري:
أي شهر تبتدئ فيه الأرض من المطر وتثرى. والثرى: هو الندى، وشهر ترى: أي ترى فيه النبات، وشهر مرعى: أي ترعى فيه المال وتأكله.
قال الشاعر:
ثلاث كلهنّ قتلت عمدا فأخزى الله رابعة تعود (١)
على معنى قتلتهن.
قال: (فهذا ضعيف، والوجه الأكثر الأعرف: النصب، وإنما شبهوه بقولهم:
" الذي رأيت فلان "، حيث لم يذكروا الهاء. وهو في هذا أحسن؛ لأن " رأيت " تمام الاسم، وبه يتم، وليس بخبر ولا صفة، فكرهوا طوله، حيث كان بمنزلة اسم واحد، مكا كرهوا طول " اشهيباب " فقالوا: اشهباب).
قال أبو سعيد: اعلم أن حذف الهاء يكون في ثلاثة مواضع: في الصلة، والصفة، والخبر.
فالصلة قولك: " الذي رأيت زيد "، في معنى: الذي رأيته. والصفة قولك: " مررت برجل أكرمت " أي أكرمته.
والخبر قولك: " زيد أكرمت " في معنى: أكرمته.
فأما حذفها في الصلة فحسن، وليس بدون إثباتها، وفي كتاب الله تعالى حذفها وإثباتها، قال الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا (٢)، وقال جل اسمه: لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ (٣) أراد تعالى: الذي بنوه.
_________________
(١) البيت من الخمسين التي لم يعرف قائلها: الخزانة ١/ ١٧٧ - الأعلم ١/ ٤٤ أمالي ابن الشجري ١/ ٣٢٦.
(٢) سورة الأعراف، آية: ١٧٥.
(٣) سورة التوبة، آية: ١١٠.
[ ١ / ٣٨١ ]
وإنما حسن حذفها من الصلة؛ لأن الذي والفعل والفاعل والمفعول جميعا كاسم واحد، وكذا كل موصول يكون هو والصلة كالشيء الواحد، فاستطالوا أن يكون أربعة أشياء كشيء واحد، فحذفوا منها للتخفيف واحدا، فلم يكن سبيل إلى حذف الموصول؛ لأنه هو الاسم، ولا إلى حذف الفعل لأنه الصلة، ولا إلى حذف الفاعل؛ لأن الفعل لا بد له من فاعل، فحذفوا المفعول لأنه كالفضلة في الكلام.
وحذف الهاء في الصفة دون حذفها في الصلة، وإثباتها أحسن من حذفها، وذلك لأن الصفة تشبه الصلة من وجه، وتفارقها من وجه. فأما شبهها: فلأن الصفة والموصوف بمنزلة اسم واحد، كما أن الصلة والموصول كاسم واحد. وأما مفارقتها لها، فلأن الموصوف يستغني عن الصفة والموصول لا يستغني عن الصلة.
وأما الخبر فهو الذي قدمنا ذكره أن حذف الهاء قبيح فيه؛ لأن الخبر غير المخبر عنه، وليس هو معه كشيء واحد، وإنما شبهوه بالذي في الحذف. ومعنى قول سيبويه:
(كما كرهوا طول اشهيباب، فقالوا: اشهباب).
أراد أن الذي وصلتها كالفاعل والمفعول، لما طالت وهي اسم واحد خففوا منها بحذف المفعول، كما خففوا " اشهيبابا "، فقالوا " اشهباب "؛ لأن " اشهيباب " سبعة أحرف، وهي نهاية ما يكون الاسم عليه مع الزيادة سوى هاء التأنيث، فخففوا منها، وهو مصدر " اشهاب ".
قال سيبويه: (وهو في الوصف أمثل منه في الخبر).
يعني حذف الهاء.
قال: (وهو على ذلك ضعيف ليس كحسنه في الهاء).
يعني: في الصفة.
قال: (لأنه في موضع ما هو من الاسم، وما يجري عليه، وليس بمنقطع منه خبرا مبنيا عليه ولا مبتدأ، فضارع ما يكون من تمام الاسم، وإن لم يكن تماما له ولا منه في البناء).
يعني: لما حسن حذف الهاء بعض الحسن، وإن كان الإثبات أحسن منه؛ لأنه ضارع الصلة، وصار كأنه من الاسم؛ لأن الصفة والموصوف كشيء واحد وليس هو خبرا له، ولا هو مبتدأ.
[ ١ / ٣٨٢ ]
(فضارع ما يكون من تمام الاسم، وهو الصلة وإن لم يكن تماما له ولا منه في البناء).
يعني: وإن لم تكن الصفة تماما للاسم، كما كانت الصلة قال جرير:
أبحت حمى تهامة بعد نجد وما شيء حميت بمستباح (١)
أراد: حميته، ولا يجوز أن ينصب " شيئا "، ب " حميت "؛ لأنه لو فعل ذلك لوجب أن يقول: " وما شيئا حميت مستباحا "، ويكون " مستباحا " نعتا لشيء، والنعت لا تكون فيه الباء زائدة، وكان ينقلب معنى المدح؛ لأنه كان يصير التقدير: وما حميت شيئا مستباحا أي: حميت شيئا محميا، وليس فيه مدح.
(وقال الحارث بن كلدة:
وما أدري أغيّرهم تناء وطول العهد أم مال أصابوا) (٢)
أراد " أصابوه "، والمال هو عطف على تناء، وهو فاعل غيرهم.
قال: (ولا سبيل إلى النصب وإن تركت الهاء؛ لأنه وصف).
يعني، لا تقول: " شيئا حميت " ولا " ما لا أصابوا ".
(كما لم يكن النصب فيما أتممت به الاسم يعني الصلة).
يعني كما أنك إذا قلت: " والذي رأيت " لم يصلح أن تعمل " رأيت " في " الذي " لأنه صلة.
قال: (فمن ثمّ كان أقوى مما يكون في موضع المبني على المبتدأ؛ لأنه لا ينصب به).
يعني فمن ثم كان حذف الهاء في الصفة أقوى منه في الخبر؛ لأن الصفة لا يجوز أن تعمل في الموصوف في هذه المواضع التي ذكر.
وأنت إذا قلت: " زيد ضربت " جاز أن تقول: " زيدا ضربت " فتعمله في " زيد "، والمعنى على حاله غير متغير.
قال: (وإنما منعهم أن ينصبوا بالفعل الاسم إذا كان صفة له أن الصفة تمام
_________________
(١) البيت لجرير في ديوانه: ٩٩ / الأعلم ١/ ٤٥ / المغني ٢/ ٥٠٣.
(٢) البيت للحارث بن كلدة في ابن يعش ٦/ ٨٩، ٩٠، أمالي ابن الشجري ١/ ٥.
[ ١ / ٣٨٣ ]
الاسم، ألا ترى أن قولك: " مررت بزيد الأحمر " كقولك: " مررت بزيد " وذلك أنك " لو احتجت إلى أن تنعته فقلت: " مررت بزيد " وأنت تريد " الأحمر "، وهو لا يعرف حتى تقول: " الأحمر " لم يكن تم الاسم، فهو يجري منعوتا مجرى " مررت بزيد " إذا كان يعرف وحده، فصار " الأحمر " كأنه من صلته).
يريك أنك إذا قلت: " مررت بزيد " فعرفه المخاطب اكتفيت به، وإذا لم يعرفه من بين " الزيدين " حتى يقول " الأحمر ". صار " زيد الأحمر " في معرفة المخاطب به بعينه " كزيد " إذا عرفه مفردا، فالصفة والموصوف كشيء واحد.