وذلك قولك: " رأيت زيدا وعمرا كلمته "، و" رأيت عبد الله وزيدا مررت به "، و" لقيت زيدا وبكرا أخذت أباه " و" لقيت بكرا وخالدا اشتريت له ثوبا ".
قال أبو سعيد: اعلم أن العرب إذا ذكرت جملة كلام، اختارت مطابقة الألفاظ ما لم تفسد عليها المعاني، فإذا جئت بجملة صدرتها بفعل، ثم جئت بجملة أخرى، فعطفتها على الجملة الأولى، وفيها فعل كان الاختيار أن تصدر الفعل في الجملة الثانية لتكون مطابقة للجملة الأولى في اللفظ وتصدير الفعل. فإذا قلت: " رأيت عبد الله وزيدا مررت به "، قدرت فعلا ينصب " زيدا "، كأنك قلت: " رأيت عبد الله، ولقيت زيدا مررت به "، قدرت فعلا ينصب " زيدا "؛ لتكون الجملة الثانية مطابقة للجملة الأولى في تصدير الفعل وتقديمه، وسواء ذكرت في الفعل الأول منصوبا أو لم تذكره، كقولك: " قام عبد الله وزيدا كلمته "، على تقدير: وكلمت زيدا كلمته؛ لأن الغرض أن يجمع بين الجملتين في تقديم الفعل، لا في لفظ النصب أو غيره.
ولسيبويه في هذا المعنى احتجاج يأتي من بعد.
ويجوز ألا تحمل الجملة الثانية على الفعل، ولكنك تجعله خبرا ومبتدأ، فتقول:
" رأيت عبد الله، وزيد مررت به ".
ومن الدليل على أن الاختيار ما وصفناه، قول الله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ
[ ١ / ٣٨٤ ]
مَنازِلَ (١) بالرفع، وقوله تعالى: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ (٢) بالنصب، وذلك أن قبل قوله: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ، قوله: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ (٣) فالجملة التي قبل " القمر " صدّر فيها اسم لا فعل، والجملة التي قبل قوله:
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ (٤)، قد صدر فيها الفعل، فعطف كل واحدة من الجملتين على ما يشاكلها من الجملة التي قبلها.
قال سيبويه: (وإنما اختير النصب ها هنا؛ لأن الاسم الأول مبني على الفعل، فكان بناء الآخر على الفعل أحسن عندهم، إذ كان يبني على الفعل، وليس قبله اسم مبني على الفعل).
يعني: لما كانوا يقولون: " زيدا ضربته "، فينصبون " زيدا " بفعل مضمر، وليس قبله اسم قد عمل فيه الفعل، كان نصبه إذا تقدمه اسم يعمل فيه الفعل أولى.
قال: (ليجري الآخر على ما جرى عليه الذي قبله، إذ كان لا ينقض المعنى لو لم تبنه على الفعل).
يعني: لو قلت: " رأيت عبد الله، وزيد مررت به "، لكان معناه كمعناه، إذا قلت:
" وزيدا مررت به "، فإذا استوى المعنيان، وكان في أحد اللفظين مشاكلة ما قبله كان أولى.
قال: (وهذا أولى أن يحمل عليه ما قرب جواره منه، إذ كانوا يقولون: " ضربوني وضربت قومك ").
يعني: أن قولنا: " رأيت عبد الله، وزيدا مررت به "، أولى بعطف الثاني على الأول في تقديم الفعل لطلب حمل الشيء على مجاوره، وإيثار تطابق اللفظين من قول العرب " ضربوني وضربت قومك "؛ لأن قولك: " ضربوني " فيه إضمار قبل الذكر، وأعملوا الفعل الثاني في " قومك "؛ لأنه يليه ويقرب منه؛ فإذا كان قد حملهم حمل الشيء على مجاوره على أن احتملوا الإضمار قبل الذكر، كان حمل الجملة الثانية على الفعل لمطابقة الجملة الأولى أولى.
_________________
(١) سورة يس، آية: ٣٩.
(٢) سورة الإسراء، آية: ١٣.
(٣) سورة يس، آية: ٣٧.
(٤) سورة الإسراء، آية: ١٢.
[ ١ / ٣٨٥ ]
قال: (فكان أن ليكون الكلام على وجه واحد، إذا كان لا يمتنع الآخر من أن يكون مبنيا على ما بني عليه الأول أولى،
وأقرب في المأخذ).
يعني: أن حمل الثاني على الأول أجود، حتى يكون الكلام على نظم واحد في حمل الجملتين على الفعل.
ومثل ذلك قوله تعالى: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١).
وتقديره: ويعذب الظالمين؛ لأن الجملة التي قبلها مصدرة بفعل وهو " يدخل ".
وقوله جل اسمه: وَعادًا وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا. وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ (٢).
لأن قبله فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا وتقديره: وذكرنا كلا ضربنا له الأمثال.
وقوله: وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ (٣).
لأن قبله فَرِيقًا هَدى وهذا في القرآن كثير، قال ومثل ذلك: " كنت أخاك "، و" زيدا كنت له أخا "؛ لأن " كنت أخاك "، وزيدا كنت له أخا بمنزلة " ضربت أخاك، وتقول: " لست أخاك "، " وزيدا أعنتك عليه "، لأنها فعل، وتصرف في معناها تصرف كان.
إذا قلت: " كنت أخاك "، فجملة الكلام مصدرة بفعل وهو " كنت "، فلذلك اختير أن ينصب الاسم في الجملة الثانية بإضمار فعل، كأنك قلت: " كنت أخاك "، و" لابست زيدا كنت له أخا "، و" لست أخاك " بهذه المنزلة، من قبل أن ليس هو فعل، وإن لم يكن له تصرف غيره من الأفعال في المستقبل واسم الفاعل. والدليل أنه فعل أيضا اتصال الضمائر التي لا تتصل إلا بالأفعال نحو " لست، ولسنا "، فإذا قلت: " لست أخاك " و" زيدا أعنتك عليه "، فكأنك قلت: " لست أخاك "، و" أخاصم زيدا أعنتك عليه " وما أشبه ذلك من الأفعال.
قال الربيع بن ضبع الفزاري:
_________________
(١) سورة الإنسان، آية: ٣١.
(٢) سورة الفرقان، الآيتان: ٣٨، ٣٩.
(٣) سورة الأعراف، آية: ٣٠.
[ ١ / ٣٨٦ ]
أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا
والذّئب أخشاه إن مررت به وحدي وأخشى الرّياح والمطرا (١)
فنصب الذئب على تقدير: وأخشى الذئب أخشى، واختار ذلك لأن قبله " أصبحت " وهو فعل، و" أصبحت " من أخوات " كنت " و" لست ".
قال: (وقد يبتدأ فيحمل على ما يحمل عليه، وليس قبله منصوب، وهو عربي جيد).
أن الجملة الثانية قد يجوز أن ترفع الاسم فيها، وإن كانت الجملة الأولى مبنية على فعل، فتكون الجملة الثانية كجملة مبتدأة ليس قبلها فعل، وذلك قولك: لقيت زيدا وعمرو لقيته كأنك لم تحفل بتقدم قولك: " لقيت زيدا " إذ كانت جملة قائمة بنفسها، وكأنك قلت: " عمرو لقيته " في الابتداء، ثم عطفت جملة على جملة، فتجعله كقولك:
" لقيت زيدا وعمرو أفضل منه ". وهذا لا يجوز فيه إلا الرفع؛ لأن " أفضل " ليس بفعل يضمر مثله في نصب " عمرو ".
قال سيبويه: (فإذا جاز أن يكون في المبتدأ بهذه المنزلة، جاز أن يكون بين الكلامين).
يعني أنه لما جاز " عمرو لقيته " في الابتداء، وجاز أن تقول: " لقيت زيدا وعمرو لقيته "، فيكون رفعه بعد تقدم الجملة الأولى كرفعه في الابتداء، وإن كان الاختيار ما ذكرنا لما وصفنا.
قال: (وأقرب منه إلى الرفع " عبد الله لقيت وعمرو لقيت أخاه، وخالدا رأيت، وزيد كلمت أباه " هو ها هنا إلى الرفع أقرب كما كان في الابتداء من النصب أبعد).
قال أبو سعيد: قد قدمناه أن الفعل إذا كان واقعا على ضمير الاسم من غير حرف جر، فإن إضمار الفعل الناصب للأول أقوى، وأوجب من أن يكون الفعل واقعا على ضميره بحرف جر، أو واقعا على سبب له، فإن كان الأمر على ما وصفنا، فإن قولك:
" لقيت زيدا وعمرا كلمته "، أقوى في النصب من أن تقول: " لقيت زيدا وعمرا كلمت أخاه "؛ لأن قولك: " وعمرا كلمته " قد وقع الفعل على ضميره، وإذا قلت: " وعمرا كلمت
_________________
(١) الخزانة ٣/ ٣٠٩، الأعلام ١/ ٤٦، جمهرة أشعار العرب للقرشي ٢٥٥.
[ ١ / ٣٨٧ ]
أخاه " فقد وقع الفعل على سببه. وكذلك إذا قلت: " لقيت زيدا وعمرا مررت به "، فنصبه أضعف من نصب و" عمرا كلمته "؛ لأن الفعل وقع على ضميره بلا حرف. ومتى ما كان النصب أضعف كان الرفع أقوى فوجب من هذا أن يكون " عبد الله لقيت وعمرو ولقيت أخاه "، الرفع أقوى في " عمرو " من قولك: " وعمرو لقيته " إذ كان النصب في " وعمرو لقيت أخاه " أضعف.
فأما قول الله تعالى: يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ (١).
فإنما اختير الرفع في الثاني، وإن كان قبله جملة مبنية على فعل، من قبل أن هذه الواو ليست بواو عطف، فيكون حكمها ما ذكرنا، وإنما هي واو الابتداء تقع للحال كقولك: " لقيت زيدا وأبوه قائم " و" رأيت أباك وعمرو منطلق "، وإنما أردت: " لقيت زيدا " في حال: أبوه فيها قائم، وكذلك قوله تعالى: يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ (٢)، كأنه قال: يغشى طائفة منكم في حال طائفة قد أهمتهم أنفسهم، أو يغشى طائفة منكم إذ طائفة قد أهمتهم أنفسهم. وهذه الواو تسمى واو الابتداء، وقد يجوز النصب على أن تجعلها واو عطف بإضمار: وتهم طائفة أنفسهم قد أهمتهم أنفسهم، ويجوز أن تجعلها واو عطف، وترفع على ما ذكرنا ما قولك: " لقيت زيدا وعمرو كلمته ". إلا أنا جعلناها واو الابتداء؛ لأن القراءة بالرفع فحملناه على أجود الوجوه في المرفوع.
قال: (ومما يختار فيه النصب قوله: " ما لقيت زيدا ولكن عمرا مررت به " و" ما لقيت زيدا بل خالدا لقيت أخاه ").
جعل ما بعد " بل " و" لكن " بمنزلة ما بعد الواو فيما مضى؛ لأن " بل " و" لكن " من حروف العطف، كما أن الواو من حروف العطف، فما بعدهما كما بعد الواو إذا تقدمت جملة مبنية على فعل وإن كان قبلها حرف نفي، فيكون بمنزلة قولك: " لقيت زيدا وعمرا لم ألقه "؛ لأن الفعل الذي بعد " لم " وإن كان منفيا في العمل بمنزلة الموجب، فتنصب " عمرا " كما تنصبه إذا قلت: " وعمرا لقيته "، ويكون الإضمار: ولم ألق عمرا لم
_________________
(١) سورة آل عمران، آية: ١٥٤.
(٢) المصدر السابق.
[ ١ / ٣٨٨ ]
ألقه، حتى يكون المضمر مشاكلا للمظهر.
قال سيبويه: (يكون الآخر في أنه يدخله في الفعل بمنزلة هذا، حيث لم يدخله لأن " بل "، و" لكن " لا يعملان شيئا، ويشركان الآخر مع الأول؛ لأنهما " كالواو "، و" ثم " و" الفاء "، فأجروهما مجراهن فيما كان النصب فيه الوجه، وفيما جاز فيه الرفع إن شاء الله).
يعني: أن قولك: " ما لقيت زيدا ولكن عمرا مررت به "، الأول فعل منفي ب " ما "، والثاني موجب ب " لكن "، ويختار فيه حمل الثاني على الأول في باب النصب وإضمار الفعل، وإن اختلفا في الإيجاب والنفي، كما أن قولك: " لقيت زيدا وعمرا لم ألقه " قد أوجبت فيه الفعل الأول ونفيت الثاني، وعمل الفعل على حاله غير مختلف، و" لكن " في إدخال الاسم في الفعل المنفي عن الأول بمنزلة " الواو " في قولك: " وعمرا لم ألقه " في نفس الفعل الذي أوجبته للأول عن الثاني؛ لأن حروف العطف تعمل عملا واحدا، وإن كانت معانيها مختلفة، فكل ما كان النصب فيه الوجه مع " الواو "
كان كذلك مع " لكن ".
ويجوز الرفع في " لكن "، و" بل "، كما جاز في الواو، وذلك قولك: " ما رأيت زيدا لكن عمرو مررت به " فهذا معنى قوله: (وفيما جاز فيه الرفع) فاعرفه إن شاء الله.