قال أبو سعيد: الذي يشتمل عليه هذا الباب: أن الاسم إذا ولي حرف الاستفهام، وجاء بعده فعل واقع على ضميره، فالاختيار نصب الاسم بإضمار فعل يكون الفعل
_________________
(١) البيت لابن مروان النحوي في الخزانة ١/ ٤٤٥، ٤/ ١٤٠، ومعجم الأدباء ١٩/ ١٤٦.
[ ١ / ٤٠٣ ]
الظاهر تفسيره، كقولك: " أزيدا ضربته "، و" أعمرا مررت به "، و" أزيدا ضربت أخاه "، ويكون التقدير فيه: " أضربت زيدا ضربته "، و" ألقيت زيدا مررت به "، و" ألابست زيدا ضربت أخاه "، والنصب هو الاختيار، ويجوز الرفع على أن تجعله مبتدأ وما بعده خبرا.
وإنما صار الاختيار النصب، من قبل أن الاستفهام في الحقيقة إنما هو عن الفعل لا عن الاسم؛ لأن الشك فيه، ألا ترى أنك إذا قلت: " أزيدا ضربته "، فإنما تشك في الضرب الواقع به، ولست تشك في ذات " زيد "، فلما كان حرف الاستفهام إنما دخل للفعل لا للاسم، كان أولى في الاختيار أن يلي حرف الاستفهام الفعل الذي دخل من أجله، وإنما جاز دخوله على الاسم، ورفع الاسم بعده على الابتداء والخبر؛ لأن الابتداء والخبر قبل دخول الاستفهام يوجب فائدة، وإذا استفهمت فإنما تستفهم عن تلك الفائدة.
قال سيبويه: (ذلك أن من الحروف حروفا لا يذكر بعدها إلا الفعل، ولا يكون الذي يليها غيره، مظهرا أو مضمرا).
قال أبو سعيد: اعلم أن الحروف على ثلاثة أضرب: منها ما لا يليه إلا الاسم، ومنها ما لا يليه إلا الفعل، ومنها ما يليه الاسم والفعل جميعا.
فأما ما لا يليه إلا الاسم، فنحو: " إنّ " وأخواتها، ولا نحتاج إلى ذكرها في هذا الباب.
وأما ما لا يليه إلا الفعل، فهو على ضربين:
ضرب لا يحسن إيلاء الاسم إياه، وحذف الفعل منه، ولا يقدم الاسم فيه على الفعل.
وضرب يحسن أن يحذف منه الفعل، ويليه الاسم في الظاهر، والفعل مقدر في النية، فأما الضرب الذي لا يحسن حذف الفعل منه فنحو: " قد، وسوف، ولم، ولما "، لا يحسن أن تقول: " لم زيدا أضرب "، ولا " قد زيدا "، على تقدير: لم أضرب زيدا؛ وقد ضربت زيدا، ولا يحسن أيضا فيه التقديم والتأخير، فتقول: " قد زيدا ضربت، ولم زيدا أضرب "، وذلك لأن " قد، وسوف " مع الفعل بمنزلة الألف واللام مع الاسم؛ لأن " سوف " تقصر الفعل على زمان دون زمان، فهي بمنزلة التعريف، و" قد " توجب أن يكون الفعل متوقعا، وهو يشبه التعريف أيضا. فإذا كان الألف واللام اللتان للتعريف لا يفصل بينهما وبين المعرّف كان هذا مثله.
[ ١ / ٤٠٤ ]
وأما " لم، ولما "، وسائر الحروف العاملة في الأفعال، فإن حكمها ألا يتقدم الاسم على الفعل فيها؛ لأن عوامل الأفعال أضعف من عوامل الأسماء، لأن الأفعال أضعف من الأسماء، فلما رأينا الحروف العاملة في الأسماء لا يحسن فيها تأخير الأسماء عن مواضعها إلا بالظروف، نحو: " إنّ، وليت، ولعل، وبابها " وكانت الحروف العاملة
في الفعل أضعف منها، لم تؤخر الأفعال عن مواضعها؛ فإن اضطر الشاعر إلى تقديم الاسم على الفعل، جاز واحتمل للضرورة، نحو قولك: " لم زيدا أضرب، وسوف زيدا أضرب "، وإنما جاز من قبل أن العامل في الاسم هو الفعل لا الحروف، وقد كان يجوز تقديم الاسم على الفعل قبل دخول الحرف، وإنما دخل الحرف على الجملة، فأجازوا بعد دخوله ما كان يجوز قبله.
والضرب الآخر من الحروف، وهو الذي يليه الفعل، ويحسن إضماره وتأخره " هلا، ولولا، ولو ما "، إذا كانتا بمعنى: " هلا، وألا "، إذا كانت كذلك. ومعناها كلها أنها لوم واستبطاء فيما تركه المخاطب، أو يقدر فيه الترك، من ذلك أن يقول القائل: " قاتلت أهل الكوفة "، فيقول القائل: " هلا القرمطي "، أي: هلا قاتلت القرمطي، أو يقول: " أنا أقاتل أهل الكوفة "، فيقال له: " فهلا القرمطي "، أي: فهلا تقاتل القرمطي. فهذا عدول به عما ذكر إلى هذا الآخر الذي حض عليه في المستأنف. أو ليم على تركه في الماضي قال الشاعر جرير:
تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكم بني ضوطري لولا الكميّ المقنّعا (١)
أي: هلا تعدون الكمي المقنعا.
وهذه الحروف مركبة من حرفين لهذا المعنى، والأصل فيها: هل، ولو، وأن. أضيف إليهم: لا، وما. ويجوز فيما بعدهن التقديم والتأخير، ويحسن، فيقال: " هلا زيدا ضربت "، " وهلا عمرا أكرمته " وخالفت هذه الحروف الحروف التي قبلها في جواز إضمار الفعل، التقديم والتأخير؛ لأن هذه الحروف جعل فيها معنى التحضيض، واستدعاء الفعل، فصارت كأنها الأفعال، فجاز إيلاء الاسم إياها تشبيها لها بالفعل، وحذف الفعل معها
_________________
(١) البيت لجرير في ديوانه ٣٣٨، الخزانة ١/ ٤٦١، ٤/ ٤٩٨، ابن عقيل ٢/ ٢٩٦، الدرر اللوامع ١/ ١٣٠.
[ ١ / ٤٠٥ ]
لذلك، فمتى اضطر شاعر إلى تقديم الاسم في الحروف الأولى، وأوقع الفعل على ضميره وجب أن تضمر فعلا توقعه على الاسم، يكون الظاهر تفسيرا له، فتقول: " لم زيدا أضربه " و" قد زيدا ضربته "، و" سوف زيدا أضربه " على تقدير: لم أضرف زيدا أضربه، وقد ضربت زيدا ضربته، وسوف أضرب زيدا أضربه. ولا بد من تقدير هذا: لأن هذه الحروف لا معنى لوقوعها على الأسماء. والأفعال المشغولة بضميرها لا يصح تقديرها بعد هذه الحروف؛ لأن الأسماء المضمرة المنصوبة قبلها توجب ضرورة إضمار الفعل، وكذلك إذا قال: " هلا زيدا ضربته "، وجب أن تضمر فعلا توقعه على " زيد "، ويكون الظاهر تفسيرا له.
والذي يليه الاسم والفعل نحو: " ما، وإنما، وألف الاستفهام، وهل، وسائر حروف الاستفهام " وما جرى مجراهن.
فإن قال قائل: ما الذي أحوج سيبويه إلى ذكر هذه الحروف في صدر هذا الباب وهو باب الاستفهام؟
قيل له: لأن المعنى الذي من أجله يختار إضمار الفعل بعد حروف الاستفهام هو موجود في هذه الحروف، وذلك أن هذه الحروف حكمها أن تدخل على الأفعال لا غير، فإذا وليها الاسم أضمر بعدها فعل، وكذلك حرف الاستفهام حكمه أن يدخل على الفعل، إذا اجتمع الاسم والفعل بعده. فإذا وليه الاسم وقد وقع الفعل على ضميره، اختير إضمار الفعل.
فحرف الاستفهام مشاكل لهذه الحروف في باب أنه أولى بالفعل، غير أنه يجوز أن يليه الاسم ولا يضمر الفعل بعده؛ لأنه يجوز أن يدخل على مبتدإ وخبر، كقولك: " أزيد قائم "، و" أزيد أخوك "، و" هل زيد منطلق "؟
فإن قلت: " هل زيدا رأيت؟ "، و" هل زيد ذهب؟ " قبح. ولم يجز إلا في الشعر؛ لأنه لما اجتمع الاسم والفعل حملوه على الأصل.
واعلم أن ألف الاستفهام هي أم حروف الاستفهام، ومعنى ذلك أنها تدخل على الاستفهام في جميع مواضعه، وغيرها من حروف الاستفهام تلزم موضعا وتختص به، وتنتقل عنه إلى غير الاستفهام، نحو قولنا: " من، وكم، وهل " وما أشبه ذلك.
فأما " من ": فهي للاستفهام عما يعقل، وقد تنتقل فتكون بمعنى الذي، وفي المجازاة.
[ ١ / ٤٠٦ ]
وأما " كم " فللسؤال عن العدد وقد تنتقل فتكون بمعنى " ربّ ".
وأما " هل ": فقد تكون بمعنى " قد " كقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ (١) في معنى: قد أتى على الإنسان، وقال الشاعر:
سائل فوارس يربوع بشدّتنا أهل رأونا بسفح القفّ ذي الأكم
فأدخل الاستفهام عليها، وغير جائز أن يدخل استفهام على استفهام.
ولا يستفهم بها في جميع المواضع، لو قال قائل: " رأيت زيدا "، فأردت أن تستثبت جاز أن تقول: " أزيدا رأيته؟ "، ولا يجوز أن تقول: " هل زيدا رأيته ".
فقد تبين أن الألف أعم في الاستفهام من غيرها، فتوسعوا فيها بأكثر مما توسعوا في غيرها، فلم يستقبح أن يكون بعدها ابتداء وخبر، واستقبح ذلك في غيرها من حروف الاستفهام لقلة تصرفها في موضع الألف، وبدءوا بالفعل الذي حكمه أن يقدم.
قال: (فإن اضطر شاعر فقدم الاسم نصب كما كان فاعلا ذلك " بقد " ونحوها).
يعني: إن اضطر شاعر فقال: " هل زيدا رأيت "، أو " هل زيدا رأيته "، نصب الاسم، وأما في قوله: " هل زيدا رأيت "، فتنصبه " برأيت "، وأما في قوله: " هل زيدا رأيته " فتنصبه بإضمار فعل يكون هذا تفسيره، كأنه قال: " هل رأيت زيدا رأيته ".
قال: (وهو في هذه أحسن لأنه يبتدأ بعدها الأسماء).
يعني: تقديم الاسم في حروف الاستفهام أحسن من تقديمه في " قد "؛ لأن حروف الاستفهام يليها المبتدأ والخبر، كقولك: " هل زيد منطلق "، وقد لا يليها إلا بالفعل.
قال: (وإنما فعلوا ذلك في الاستفهام؛ لأنه كالأمر في أنه غير واجب، وإنما تريد من المخاطب أمرا لم يستقر عند السائل).
أراد أن الاستفهام يشبه الأمر، وذلك أنك تستفهم عن أمر يجوز أن يكون عندك موجودا، ويجوز أن يكون معدوما، وتأمر بشيء يجوز أن يفعل، ويجوز ألا يفعل، فلما كان الأمر لا يكون إلا بفعل، اختاروا أن يكون الاستفهام بالفعل.
قال: (ألا ترى أن جوابه جزم؛ فلهذا اختير النصب، وكرهوا تقديم الاسم، لأنها حروف ضارعت بما بعدها ما بعد حروف الجزاء، وجوابها كجوابه، وقد يصير معنى
_________________
(١) سورة الإنسان، الآية: ١.
[ ١ / ٤٠٧ ]
حديثها إليه، وهي غير واجبة كالجزاء، فقبح تقديم الاسم (لهذا)، ألا ترى أنك إذا قلت: " أين عبد الله آته "، فكأنك قلت: " حيثما يكن آته ").
أما قوله: (ألا ترى أن جوابه جزم).
يعني: ألا ترى أن جواب الاستفهام جزم كما يكون جواب الأمر، تقول: " أين زيد آته "، كما تقول: " ائتني آتك "، والتقدير: أين زيد إن أعرف مكانه آته، وائتني إن تأتي آتك. فقد بين لك التشاكل بينهما.
وقوله: (وكرهوا تقديم الاسم؛ لأنها حروف ضارعت بما بعدها ما بعد حروف الجزاء).
يعني: أن حروف الاستفهام أيضا تشبه حروف الجزاء؛ لأنها يجازى بها، وهي غير واجبة، كما أن حروف الجزاء غير واجبة؛ لأن فعل الشرط قد يجوز أن يقع، ويجوز ألا يقع كالاستفهام.
وقوله: (وقد يصير معنى حديثها إليه).
يعني: إذا قلت: " أين زيد آته " " فأين زيد " استفهام.
وقوله: (آته مجازاة وقد صار الاستفهام نائبا عن شرطه، فقد صار معنى حديث الاستفهام إلى الجزاء).
ويعني بقوله: (معنى حديثه).
يريد: الذي يقصد إليه بلفظ الاستفهام، يؤول معناه إلى الجزاء، وليس بحديث في الحقيقة؛ لأن الحديث ما كان خبرا. وقد مثل ذلك سيبويه، فقال: (إذا قلت: " أين عبد الله آته؟ " فكأنك قلت: حيثما يكن آته) ومعناهما واحد، وأحدهما استفهام، والآخر جزاء.
قال سيبويه: (وأما الألف فتقديم الاسم فيها قبل الفعل جائز، كما جاز ذلك في " هلا "، وذلك لأنها حرف الاستفهام الذي لا يزول عنه إلى غيره، وليس للاستفهام في الأصل غيره).
قال أبو سعيد: وقد قدمنا قوة الألف في باب الاستفهام على غيره من الحروف، وبينّا حسن إيلاء الاسم إياها لقوتها في بابها، فحسن أن نقول: " أزيد ضربته " لذلك؛ ولم يحسن " هل زيد ضربته "، وشبهه سيبويه " بهلا "، من قبل أنك تقول: " هلا زيدا ضربت "،
[ ١ / ٤٠٨ ]
فيحسن، ولا يحسن " قد زيدا ضربته "، فتشبه " هلا " بالألف في إيلاء الاسم إياها، وبينهما فرق. وذلك أن ألف الاستفهام قد يجوز أن يليها الاسم المبتدأ المرفوع بالابتداء، ولا يجوز أن يلي " هلا "، وذلك لأنها قد جعلت للفعل فقط، ولكن لها قوة، أعني " لهلا " على الحروف التي يليها الفعل، جاز من أجلها تقديم الاسم على الفعل العامل فيه، ومتى رفع الاسم بعد " هلا " فهو بإضمار فعل لا بالابتداء، كقولك: " هلا زيد ضربته "، كأنك قلت:
" هلا ضرب زيد ضربته ".
ومعنى قوله: (لأنها حرف الاستفهام الذي لا يزول عنه).
يعني الألف لا تكون إلا للاستفهام، وإن كانت تكون في معنى التقرير والجحد، كقولك: " ألم آتك "، أي: قد أتيتك، وكقول الله تعالى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ (١) وهو لم يقل. فهذا لفظ الاستفهام، وإن كان قد استعمل في معنى التقرير، وذلك أن المقرر مستدع لاعتراف المقرر، فهو بمنزلة المستفهم المستدعي إخبار المستفهم فهما جميعا من واحد واحد، وكذلك كل ما دخله ألف الاستفهام في معنى جحد أو إيجاب، ففيه استدعاء إقرار المخاطب، ألا ترى أن رجلا لو قال: " زيد قائم "، لم يكن على المخاطب أن يجيبه من هذا بشيء. وإن قال له: " أليس زيد بقائم " على سبيل التقرير، كان عليه أن يقول: " بلى " أو " لا ".
وسائر حروف الاستفهام تكون لها معان غير الاستفهام كما ذكرنا في " من " و" هل ".
قال: (وإنما تركوا الألف في من، ومتى، وهل، ونحوهن حيث أمنوا الالتباس).
قال أبو سعيد: الأصل عند سيبويه في قولك: " من أخوك؟ "، أن تقول: " أمن أخوك؟ " لأن " من " اسم مبتدأ، و" أخوك " خبر، فكأنك قلت: " أزيد أخوك؟ " ولكن لما كانت " من " غير مستعملة في مواضع الأسماء كلها، وإنما تستعمل في الاستفهام والمجازاة، وبمعنى الذي إذا وصلت صلة الذي استغنوا عن الألف فيها؛ لأنها لا تشكل ولا يظن بنزع الألف منها أنها خبر، لأنها لو كانت خبرا لوصلت، وقد يجوز أن تقول: " من عندك أم من جاءك؟ ". فقد دخلت " أم " على " من " وهي نظيرة الألف، فقد علمت بهذا
_________________
(١) سورة المائدة، آية: ١١٦.
[ ١ / ٤٠٩ ]
أن الأصل دخول الألف عليها، وأن أطراحها لعلم المخاطب، فإذا وصلت " من "، فجعلتها بمعنى الذي، جاز أن تدخل عليها ألف الاستفهام، قال الله تعالى: أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ (١) كأنه قال: آالذي يلقي في النار خير أم الذي يأتي آمنا. ونقول: " أم هل " بمعنى قد، وقد ذكرناه.
قال: (وهي ها هنا بمنزلة " إن " في باب الجزاء).
يعني: ألف الاستفهام من بين حروف الاستفهام في القوة بمنزلة " إن " من بين حروف المجازاة في القوة، يحسن في " إن " خاصة تقديم الأسماء كما قال الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ (٢) فأولى " إن " الاسم، ورفعه عند البصريين بإضمار فعل، فكأنه قال: " وإن استجارك أحد من المشركين استجارك " ولا يجوز غير ذلك عند البصريين.
وكان الفراء يزعم أن رفع " أحد " بالضمير الذي يعود إليه من استجارك، كقولك " زيد استجارك "، وهذا يستقصى في موضعه إن شاء الله.
قال: (ويختار فيه النصب؛ لأنك تضمر الفعل فيها؛ لأن الفعل أولى إذا اجتمع هو والاسم، وكذلك كنت فاعلا في باب " إن "، لأنها إنما هي للفعل، وسترى بيان ذلك) إن شاء الله.
يعني: أن ألف الاستفهام وإن كان إيلاء الاسم إياها جائزا فإن الاختيار أن يليها الفعل إذا اجتمع الفعل والاسم، وقد ذكرنا هذا، وكذلك يجب في باب " إن ".
قال: (والألف إذا كان معها فعل بمنزلة لولا، وهلا، إلا أنك إن شئت رفعت فيها).
يعني: أن ألف الاستفهام أولى بالفعل، وحكم الفعل أن يليها كما يلي " لولا، وهلا "، إلا أنه يجوز أن ترفع في الألف،
يعني: ترفع الاسم بالابتداء بعد الألف.
قال: (وهو في الألف أمثل منه في " متى " ونحوها).
يعني: رفع الاسم بعد الألف أقوى منه بعد متى.
_________________
(١) سورة فصلت، آية: ٤٠.
(٢) سورة التوبة، آية: ٦.
[ ١ / ٤١٠ ]
قال: (لأنه قد صار فيها، مع أنك تبتدئ بعدها الأسماء، أنك تقدم الاسم قبل الفعل).
يعني أن الألف قد اجتمع فيها أنه يليها الابتداء، كقولك: " أزيد ضربته ". ويليها الاسم المنصوب الذي يعمل فيه الفعل الذي بعده، كقولك: " أزيدا ضربت "، وهو حسن جيد، ألا ترى أنك تقول: " أزيدا ضربت أم عمرا؟ "، وهو الاختيار قال: (والرفع فيه على الجواز).
يعني: أن الرفع في الألف على الجواز، لا على الاختيار.
(ولا يجوز ذلك في " هلا " و" لولا "؛ لأنه لا يبتدأ بعدها الأسماء).
لا يجوز أن تقول: " هلا زيد قائم "، ولكن يجوز أن تقول: " هلا زيد ضربته "، على معنى " هلا ضرب زيد ضربته ".
قال: (وليس جواز الرفع في الألف، مثل جواز الرفع في " ضربت عمرا "، و" زيدا كلمته ").
قال أبو سعيد: وقد قدمنا أن الاختيار " ضربت زيدا، وعمرا كلمته " ويجوز و" عمرو كلمته "، والاختيار " أزيدا ضربته " ويجوز " أزيد ضربته ". غير أن الرفع في قولك:
" وعمرو كلمته " أحسن؛ لأن الألف بالفعل أولى مثل المجازاة والأمر والأشياء التي هي بالفعل أولى، و" عمرا كلمته "، إنما يختار فيه النصب طلبا للمشاكلة، وحملا للجملة الثانية على ما يجاورها من الجملة الأولى، وليس فيها حرف هو بالفعل أولى فاعرف ذلك إن شاء الله.