(وذلك قولك: الناس مجزيّون بأعمالهم إن خيرا فخير، وإن شرا فشرّ، والمرء مقتول بما قتل به إن خنجرا فخنجر، وإن سيفا فسيف).
قال أبو سعيد:
اعلم أن هذا الباب تجوز فيه أربعة أوجه:
- الرفع في الشرط والجواب، كقولك: إن خير فخير.
- والنصب فيهما، كقولك: إن خيرا فخيرا.
- والنصب في الأول والرفع في الثاني، كقولك: إن خيرا فخير.
- والرفع في الأول والنصب في الثاني، كقولك: إن خير فخيرا.
أما الأول فالعامل فيه " كان " رفعت أو نصبت، فإذا قلت: الناس مجزيون بأعمالهم إن خيرا، تقديره: إن كان عملهم خيرا، وإذا قلت: إن خير، تقديره: إن كان في عملهم خير.
وأما الجواب فإنه إن كان نصبا، فإضمار كان، وإن كان رفعا، جاز أن يكون بإضمار مبتدإ.
وجاز أن يكون بإضمار فعل.
وأجود هذه الوجوه، نصب الأول ورفع الثاني، وإنما صار كذلك من قبل أنّ " إن "
[ ٢ / ١٥٦ ]
تقتضي الفعل فلا بدّ من إضمار " كان " أو نحوها، فإذا أضمرنا كان ونصبنا، فقد جعلنا اسم كان مع " كان " مضمرا محذوفا، والفعل متى أضمر أضمر معه الفاعل، لأن الفعل والفاعل كشيء واحد، وإذا أضمرنا كان وجعلنا الاسم الذي بعد " إن " مرفوعا فالذي أضمر مع " كان " الخبر الذي هو بمنزلة المفعول، فكأنك أضمرت الفعل مع المفعول، ولا يدل على المفعول كدلالته على الفاعل لأنه لا يستغني عن الفاعل.
وأما رفع الجواب بعد الفاء فإنما صار الاختيار الرفع؛ لأن الفاء جواب الشرط، وإنما أتي بها ليكون ما بعدها مبتدأ وخبرا، وذلك أنّ جواب الشرط إذا كان فعلا لم تحتج إلى فاء، كقولك: إن أكرمني زيد أكرمته، وإن يكرمني أكرمه، ولا يجوز أن تقول: إن تأتني زيد مقيم عندي، حتى تقول: إن تأتني فزيد مقيم عندي، فقد تبين لك أن الفاء إنما أتي بها للاسم، فالاختيار أن يكون المضمر بعدها مبتدأ، فإذا قلت: إن خير فخير، فتقديره: إن كان في عمله خير فالذي يجزى به خير.
وإن قلت: إن خيرا فخيرا، فتقديره: إن كان عمله خيرا فيكون الذي يجزى به خيرا، وإن قلت: إن خيرا فخير فتقديره: إن كان عمله خيرا فالذي يجزى به خير، وإن قلت: إن خير فخيرا، فتقديره: إن كان في عمله خير فيكون الذي يجزى به خيرا.
وقد فسر سيبويه قوله: إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا قال: كأنه قال: إن كان خيرا جزي خيرا، فجاء بفعل ماض ليس فيه فاء على تقدير المعنى لا على تقدير اللفظ، وذلك أنه لا يجوز أن يكون الفعل الماضي في جواب الشرط تدخل عليه الفاء، لا تقول إن تأتني فأكرمتك، إنما تقول كما قال الله ﷿: وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ (١) إلّا أن
يكون دعاء كقولك: إن يأتني زيد فأحسن الله جزاءه، فلما كانت الفاء إنما تدخل على المستقبل وجب أن تقدّر ما بعد الفاء مستقبلا، فقدّره سيبويه على ما يجوز في المعنى لا على حقيقة اللفظ.
وقال: (فإذا أضمرت فأن تضمر الناصب أحسن؛ لأنّك إذا أضمرت الرافع أضمرت أيضا خبرا أو شيئا يكون في موضع خبر، فكلما كثر الإضمار كان أضعف، فإن أضمرت الرافع كما أضمرت الناصب فهو عربي حسن).
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
[ ٢ / ١٥٧ ]
وقد بيّنا اختيار إضمار الناصب في الشرط.
وقوله فكلما كثر الإضمار كان أضعف يريد أنك إذا أضمرت الرافع أضمرت خبرا وهو منفصل من الرافع كأنك قلت: إن كان في عمله خير، وإن كان معه خنجر، وإن أضمرت الناصب جعلت اسم كان مستكنّا في كان وهو ضمير متصل. ألا ترى أنك تقول: من كذب كان شرا له، فتجعل في كان ضمير الكذب مستكنّا غير منفصل منه، فلذلك صار الضمير المرفوع أكثر، وكان أضعف من المنصوب، وهو مع ضعفه جائز قال هدبة بن خشرم:
فإن تك في أموالنا لا نضق بها ذرعا وإن صبر فنصبر للصّبر (١)
أي وإن وقع فينا صبر، أي وإن وقع صبر، والصبر في هذا الموضع: الأمر الذي يجب الصبر عليه، ويكون كرما وهو فعله، قال وأمّا قوله:
قد قيل ذلك إن حقّا وإن كذبا فما اعتذارك من شيء إذا قيلا (٢)
فالنصب على التفسير الأول، ويجوز إن حقّ وإن كذب على معنى: إن وقع حق وإن وقع كذب، أو على: إن كان فيه حقّ وإن كان فيه كذب.
(ومثل ذلك قول العرب في مثل من أمثالها:
" إن لا حظيّة فلا أليّة " أي إن لا تكن لك في الناس حظيّة فإنّي غير أليّة، كأنها قالت في المعنى: إن كنت ممّن لا يحظى عنده فإنّي غير أليّة، ولو عنت بالحظّية نفسها لم يكن إلّا نصبا إذا جعلت الحظية على التفسير الأول).
أصل هذا أنّ رجلا تزوج امرأة فلم تحظ عنده، ولم تكن بالمقصّرة في الأشياء التي تحظي النّساء عند أزواجهن فقالت: " إن لا حظية فلا ألية " أي: إن لم تكن حظية النساء لأن طبعك لا يلائم طباعهن فإنّي غير مقصّرة فيما يلزمني للزوج. يقال من ذلك: ما
_________________
(١) خزانة الأدب ٩: ٣٣٧؛ تفسير الطبري ١٤: ٨٢؛ مغني اللبيب ٤: ٣٨؛ معاني القرآن ٢: ١٠٥ (بدون نسبة) وروايته: إن العقل في أموالنا لا نضق به ذراعا وإن صبرا فنعرف للصبر
(٢) البيت منسوب إلى (النعمان بن المنذر): خزانة الأدب ٤: ١٠؛ الأغاني ١٥: ٣٦٦؛ شرح المفصل ٢: ٩٧ (وما) بدلا من (فما)؛ شرح ابن عقيل ١: ٢٠٦ (من قول) بدلا من (من شيء).
[ ٢ / ١٥٨ ]
ألوت في كذا أي: قصرت، وما ألو جهدا: أي ما أقصّر، وهو آل وأليّ أي: مقصّر، ولألوت موضع آخر، يقال: ألوت الشيء إذا استطعته، وهي لغة هذيل، قال:
جهراء لا تألو إذا هي أظهرت بصرا ولا من عيلة تغنيني (١)
وقوله: لو عنت بالحظية نفسها لم يكن إلا نصبا. يعني: إن كان التقدير في قوله " إن لا حظيّة " إن لا أكن حظية فالنصب لا غير.
قال: (ومثل ذلك قد مررت برجل إن طويلا وإن قصيرا).
لا يكون في هذا إلا النصب، لأنه لا يجوز أن يحمل الطويل والقصير على غير الأول.
يعني أنك تقدّر إن كان طويلا، وتجعل في كان ضمير الرجل وهو اسم كان فلا بد من أن ينتصب الطويل على الخبر، لا يمكن فيه غير ذلك كما أمكن في: إن حقّ وإن كذب أن تقدّر: إن كان فيه حقّ وإن وقع فيه حقّ، ولا يكون فيه ضمير الأوّل، ولا يحسن في: إن طويل وإن قصير، إن كان فيه طويل أو كان فيه قصير، لأنك لا تقول إن كان في زيد طويل؛ لأن زيدا هو الطويل وإنما تقول: إن كان زيد طويلا.
وقال:
(لا تقربنّ الدّهر آل مطرّف إن ظالما أبدا وإن مظلوما) (٢)
فهذا لا يجوز فيه إلا النصب، لأنك إنما تريد إن كنت ظالما وإن كنت مظلوما.
قال:
(فأحضرت عذري عليه الشّهو د إن عاذرا لي وإن تاركا) (٣)
هذا رجل يخاطب أميرا في شيء قذف به عنده وعذره حجّته، وأراد: إن كنت عاذرا لي أيها الأمير وإن كنت تاركا؛ فنصبه لأنه عنى الأمير المخاطب، ولو قال: إن
_________________
(١) ديوان الهذليين ق ٢: ٢٦٣؛ وشرح أشعار الهذليين: ٤١٥؛ تاج العروس (ألو).
(٢) قطر الندى: ١٤١، مغني اللبيب ١: ٣٩١؛ ونسبه بعضهم إلى حميد بن ثور الهلالي، ورواية البيت في ديوان حميد ١٣٠ هكذا: لا تغزون الدهر آل مطرف لا ظالما أبدا ولا مظلوما
(٣) البيت لعبد الله بن همام السلولي: شرح أبيات سيبويه ١: ١٩٨؛ اللسان (شهد).
[ ٢ / ١٥٩ ]
عاذر لي وإن تارك، على معنى: إن كان لي في الناس عاذر أو تارك، ومعنى تارك: غير عاذر جاز.
(قال النابغة:
حدبت عليّ بطون ضنّة كلّها إن ظالما فيهم وإن مظلوما) (١)
فلا يكون هذا إلّا نصبا، لأنه أراد إن كنت فيهم ظالما وإن كنت مظلوما.
قال سيبويه: (ومن ذلك مررت برجل صالح وإن لا صالحا فطالح).
فهذا يشبه إن خيرا فخير على الوجه المختار.
ومن العرب من يقول: إن لا صالحا فطالحا بإضمار فعلين على من قال: إن خيرا فخيرا، كأنه يقول: إن لا يكن صالحا فقد لقيته طالحا.
وزعم يونس أنّ من العرب من يقول: إن لا صالح فطالح، كأنه قال: إن لا أكن مررت بصالح فبطالح.
قال سيبويه: (وهذا ضعيف قبيح لأنك تضمر بعد " إن لا " فعلا آخر غير الذي يضمر بعد " إن لا " في قولك إن لا يكن صالحا فطالح ولا يجوز أن يضمر الجارّ).
فقبّح سيبويه قول يونس من جهتين:
إحداهما: أنك تحتاج إلى إضمار أشياء، وحكم الإضمار أن يكون شيئا واحدا وذلك أنك إذا قلت: مررت برجل إن لا صالح فطالح تقديره: إن لا أكن مررت بصالح، فتضمر " أكن " ومررت والباء، ولا يشبه هذا إن لا صالحا لأنك إذا قلت إن لا صالحا تقديره: إن لا يكن صالحا فتضمر شيئا واحدا.
والجهة الأخرى: أنّ حرف الجر يقبح إضماره إلّا في مواضع قد جعل منه عوض كقولهم:
وبلد عامية أعماؤه كأنّ لون أرضه سماؤه (٢)
_________________
(١) البيت للنابغة الذبياني: ديوانه: ١٠٣.
(٢) ديوان رؤبة ٣؛ الإنصاف ١: ٣٧٧؛ شرح المفصل ٢: ١١٨؛ شذور الذهب ٣٨٨ برواية: (وبلد مغبرة أعماؤه)؛ الصاحبي في فقه اللغة ٢٠٨.
[ ٢ / ١٦٠ ]
في معنى ورب بلد.
ثم قال سيبويه محتجّا لإجازة ما أجازه يونس على قبحه: (ولكنهم لما ذكروه في أول كلامهم شبّهوه بغيره من الفعل وكان هذا عندهم أقوى إذا أضمر رب ونحوها في قوله:
وبلدة ليس بها أنيس)
يعني أنّ الباء الجارّة لمّا ذكروها في أول كلامهم حين قال القائل: " مررت برجل " كان إضمارها بعد ذكرها أقوى من إضمار ربّ ولم يجز لها ذكر.
قال: (ومن ثمّ قال يونس: " امرر على أيّهم أفضل إن زيد وإن عمرو ").
يعني إن مررت على زيد أو على عمرو على الوجه الأوّل الذي احتجّ له سيبويه بما ذكرنا. قوله على أيّهم أفضل تقديره على الذي هو أفضل.
قال سيبويه: (وأعلم أنه لا ينتصب شيء بعد " إن " ولا يرتفع إلّا بفعل لأنّ " إن " من الحروف التي يبنى عليها الفعل).
يعني أنّ " إن " التي للمجازاة إنما تدخل على الأفعال؛ لأن الأفعال التي بعدها هي شروط والشروط لا تكون بالأسماء، وذلك أنها بحدوثها توجب المعاني التي ضمّنها الشرط كقولك: " إن تأتني أكرمك " فالإكرام معنى قد ضمّنه الشارط بحدوث الإتيان، فإذا رأيت الاسم بعد " إن " مرفوعا أو منصوبا قضيت على إضمار فعل رافع أو ناصب كما ذكرناه في قوله: " إن خيرا فخير " على تقدير إن يكن فعله خيرا أو إن يكن في فعله خير، وكذلك قال البصريون في قوله ﷿: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ (١). تقديره: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك، فأحد مرفوع باستجارك المضمر، والثاني تفسير له.
وزعم الفرّاء أنّ " أحد " مرفوع بالعائد الذي عاد إليه وهو ضمير الفاعل الذي في استجارك، وهذا لا يصحّ؛ لأنّا إذا رفعناه بما ذكر فقد جعلنا استجارك خبرا لأحد وصار الكلام كالمبتدأ والخبر، ولا يجوز أن يكون بعد " إن " مبتدأ وخبر. ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال: " إن زيد قائم أكرمك "، ولا " إن زيد عندك آتك ".
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ٦.
[ ٢ / ١٦١ ]
فإن قال قائل: فقد رأيناكم تزعمون أنّ " لو " التي لها جواب لا يليها إلا الفعل لأن فيها معنى الشرط، ثم يقولون " لو أن زيدا أتاني لأكرمته " ولا يقولون " أنّ زيدا قائم لأكرمته " ففصلهم بين الخبر إذا كان اسما، وإذا كان فعلا فجعلهم الخبر إذا كان فعلا بمنزلة فعل الشرط فكذلك تقول: إن زيد قام أكرمناه " ويكون زيد مبتدأ وقام خبره، وناب قام عن فعل الشرط فكأنا قلنا " إن قام زيد أكرمناه " في المعنى.
قيل له إنما جاز " لو أنّ زيدا قام " لأنّ " أنّ " قد وقع عليها فعل مضمر بعد " لو " على الأصل الذي قدّمناه والفعل الذي هو خبر " أنّ " تفسير له، كأنا قلنا لو صح أنّ زيدا قام أو لو عرف.
فإن قال قائل: فكيف يكون قام دلالة على صحّ وعرف وليس هو منه.
قيل له: لا فرق بين قام زيد، وبين صحّ قيام زيد، ووقع قيام زيد، فغير مستنكر أن يدل قام على صحّ لأنّ الصحة للقيام، وقد يجوز أيضا أن يكون دلالة عليه من حيث كانا فعلين ماضيين أحدهما ملابس للآخر؛ وأنّ وما اتصل بها بمنزلة المصدر.
فإن قال قائل: فقد رأينا الجواب بالمبتدإ والخبر، فكيف لا يكون الشرط كذلك والجواب مضمون وقوعه لوقوع الشرط؟
قيل له وقوع المبتدإ والخبر في الجواب من أدلّ الأشياء على ما قلنا، وذلك أنك ترى الجواب إذا كان بالفعل مجزوما لم تدخل عليه الفاء كقولك: " إن تأتني أكرمك " فإذا أدخلت الفاء قلت: إن تأتني فأنت مكرم محبوب؛ فصار الموضع الذي ينجزم فيه الفعل لا يقع فيه الاسم، فلمّا كانت " إن " جازمة بطل أن يقع بعدها الاسم البتّة.
ووجه آخر: لو كان الاسم يقع بعد " إن " بلا ضمير فعل لكان متى وقع هذا الموقع يكون مرفوعا، لأن الفعل يرتفع بحلوله محل الاسم، كقولك: " كان زيد يقوم "، و" مررت برجل يقوم ".
وأمّا قوله: فإن تأتني فأنت مكرم محبّ فهو محمول على المعنى كأنه قال تصادف كرامة وحبّا، ومثله قوله ﷿: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١).
وليس ذلك معنى يحدث عند عزمهم الطلاق؛ لأن الله ﵎ لم يزل سميعا
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٢٧.
[ ٢ / ١٦٢ ]
عليما وإنما معناه تجدوا الله سميعا عليما، كما قال تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١).
وإن كان غفورا رحيما قبل استغفار هذا المستغفر له.
قال سيبويه: (ولو قلت: عندنا أيّهم أفضل، أو عندنا رجل، ثم قلت: إن زيدا وإن عمرا، كان نصبه على كان، وإن رفعته كان رفعه على كان، ولا يكون رفعه على عندنا).
يعني أنك إذا قلت: إن زيد وإن عمرو فتقديره: إن كان عندنا زيد؛ فيرتفع زيد بكان المضمرة، ولا يجوز أن يكون تقديره: إن عندنا زيد، لأنك إذا قلت: عندنا زيد أو في الدار زيد فإنما يرتفع زيد عند سيبويه بالابتداء، وعندنا خبر مقدّم، و" إن " لا بدّ لها من فعل يليها على ما بيّناه فأضمرت " كان " لذلك.
قال: (فلا يجوز بعد " إن " أن تبنى عندنا على الأسماء ولا الأسماء تبنى على عند كما لم يجز أن تبنى بعد " إن " الأسماء على الأسماء).
يعني لا تجعل عندنا خبرا للاسم إذا جئت " بإن " لأنّ " إن " لا يليها إلّا الفعل، ولا يجعل الاسم مرفوعا بعند لأنه ليس بفعل.
قال: (ولا يجوز أن تقول " عبد الله المقتول " وأنت تريد كن عبد الله المقتول).
لأنه ليس قبله، ولا في الحال دلالة عليه إذ كان يجوز أن يكون على معنى: " تولّ عبد الله المقتول وأجبه " وما أشبه ذلك وإنما يضمرون ما عليه الدلالة من الكلام أو شاهد من الحال.
قال: (ومن ذلك قوله:
من لد شولا فإلى إتلائها (٢)
نصب لأنّه أراد زمانا، والشول لا يكون زمانا ولا مكانا).
والمعنى: أنّ لد إنما يضاف إلى ما بعده من زمان تتصل به أو مكان إذا اقترنت بها إلى؛ كقولك: جلست من لد صلاة العصر إلى وقت المغرب، وزرعت من لد الحائط إلى
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١١٠.
(٢) رواه أحمد والحاكم عن خالد بن عرفطة في مسلم عن حذيفة: الرافعي ٤: ٨٤.
[ ٢ / ١٦٣ ]
الأسطوانة، فلمّا كان الشول جمعا للناقة الشائل لم تصلح أن تكون زمانا ولا مكانا.
والإتلاء: أن تلد فيتبعها ولدها ويتلوها، ولم يجز أن تقول من لد زيد إلى دخول الدار لأنه ليس بزمان ولا مكان؛
فأضمر ما يصلح أن يقدّر زمانا، فكأنه من لد أن كانت شولا ومن لد كونها شولا إلى إتلائها، وإن كانت بمعنى كونها وهو مصدر والمصادر تستعمل في معنى الأزمنة، كقولك: جئتك مقدم الحاجّ، وخلافة المقتدر، وصلاة العصر، على معنى أوقات هذه الأشياء.
قال: (وقد جرّه قوم على سعة الكلام، وجعلوه بمنزلة المصدر).
يعني من لد شول إلى إتلائها.
قال أبو سعيد: والجر يحتمل وجهين:
أحدهما: أن تجعل شولا مصدرا صحيحا، كقولك: شالت الناقة شولا إذا ارتفع لبنها، فإذا جعلته مصدرا صحيحا جاز أن يجعل وقتا، ويجوز أن يكون قد حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فيكون التقدير: من لد كون شول، ثمّ يحذف كون، كما قال ﷿: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (١)، أراد أهل القرية.
قال: (واعلم أنه ليس كل حرف يظهر بعده الفعل يحذف منه الفعل، ولكنك تضمر فيما أضمروا وتظهر فيما أظهروا، كما تحذف ما حذفوا وتبقي ما أبقوا، نحو:
لم يكن ويك، ولم أتل وأتال).
ولا يجوز أن تقول: لم أصن في معنى: لم أصن، وقالوا: خذ وكل فاستعملوا بالحذف، ولا يجوز في الكلام أوكل وأوخذ، وإن كانا هما الأصل، ولا يقولون: جد ومر، وقالوا في الأمر: أومر ومر، فاستعملوا فيه الوجهين جميعا، وليس ذلك في غيره، وقد بيّنا ما يقتضيه هذا الفصل من الشرح التامّ فيما مضى.
قال: (وأما قول الشاعر:
لقد كذبتك نفسك فاكذبنها فإن جزعا وإن إجمال صبر (٢)
_________________
(١) سورة يوسف، الآية: ٨٢.
(٢) البيت لدريد بن الصمة: خزانة الأدب ٤: ٤٤٢؛ المقتضب ٣: ٢٨؛ شرح المفصل ٨: ١٠١، ١٠٤.
[ ٢ / ١٦٤ ]
فهذا على معنى " إمّا " ولا يكون على إن الجزاء) كما مرّ في الباب.
قال أبو سعيد: وذلك من قبل أنّا لو جعلنا " إن " ههنا للجزاء لاحتجنا إلى جواب، وذلك أنّ جواب " إن " في ما بعدها، وقد يكون ما قبلها مغنيا عن الجواب إذا لم يدخل عليها شيء من حروف العطف، كقولك: " أكرمك إن جئتني " فإن
أدخلت عليها فاء أو ثمّ بطل أن يكون ما قبلها مغنيا عن الجواب، لا يجوز أن تقول: " أكرمك فإن جئتني " ولا " أكرمك ثم إن جئتني " حتى تأتي بالجواب فتقول: " أكرمك فإن جئتني زدت في الإكرام " فلذلك بطل أن يكون " فإن جزعا " على معنى المجازاة وصارت بمعنى " ألّا " لأنّها تحسن في هذا الموضع، وحذف " ما " للضرورة قال الله ﷿: حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً (١). فلم يأت بجواب بعد " إما ".
(ولو قال: " فإن جزع وإن إجمال صبر " كان جائزا كأنك قلت: أمري جزع وإما إجمال صبر ولا يجوز طرح " ما " من " إمّا " إلّا في الشعر قال النمر بن تولب: (٢)
سقته الرّواعد من صيّف وإن من خريف فلن يعدما (٣)
فإنما يريد: وإمّا من خريف).
وقد أنكر الأصمعيّ (٤) هذا، وزعم أنّ " إن " في بيت النمر بن تولب هي للجزاء، وإنما أراد وإن سقته من خريف فلن يعدم الرّيّ، ولم يحتج إلى ذكر سقته لذكره في أول البيت وإنّما يصف وعلا، وابتداؤه:
فلو كان من حتفه ناجيا لكان هو الصدع الأعصما (٥)
يصف أنه وإن كان في الجبل لا يعدم معاشا به.
والوجه قول سيبويه في بيت النمر، وذلك أنه لا ذكر للرّيّ، وإنما المعنى: سقته
_________________
(١) سورة محمد، الآية: ٤.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) شرح المفصل ٨: ١٠٢؛ خزانة الأدب ٩: ٢٥؛ الخصائص ٢: ٤٤٣؛ المنصف ٣: ١١٥؛ منتهى الطلب ١: ١٤٦.
(٤) هو عبد الملك بن قريب بن أصمع بن مظهر أبو سعيد الباهلي الأصمعي إمام في النحو واللغة ولد ١٢٥ هـ. توفي ٢١٠ هـ، الفهرست: ٥٥، تاريخ الأدب العربي لبروكلمان ٢: ١٤٧.
(٥) خزانة الأدب ٤: ٤٣٤؛ الخصائص ٢: ٤٤٣ (هامش ٤)؛ منتهى الطلب ١: ١٤٥.
[ ٢ / ١٦٥ ]
الرواعد في الصيف وأمّا في الخريف فلن يعدم السّقي- أيضا- أي: هو يسقى من الصيف ومن الخريف، والبيت الأول قد دلّ دلالة واضحة على أن معنى " إن " معنى " أمّا " وأنه لا يجوز أن تكون معنى التي للجزاء، ومع ذلك فلا تحذف " ما " من إمّا إلّا في الشعر.
قال سيبويه: (ومما ينتصب على إضمار الفعل المستعمل إظهاره قولك: هلّا خيرا من ذلك، وإلّا خيرا من ذلك، أو
غير ذلك، كأنك قلت: " ألّا تفعل خيرا من ذلك "، أو " ألّا تفعل غير ذلك " و" هلّا تأتي خيرا من ذلك ").
قال: (وربما عرضت هذا على نفسك وكنت فيه كالمخاطب).
قال أبو سعيد اعلم أنّ هلّا، وألّا، ولولا، ولو ما، يجرين مجرى واحدا، ويقعن على الفعل الماضي والمستقبل، فإذا وقعن للماضي فهو لتنديم المخاطب على ما فاته، أو لومه على ما فرّط فيه.
وإن كان للمستقبل فهو للحضّ على إتيانه.
وأهل البصرة يسمونها حروف التحضيض، ومن الناس من يقول إنها استفهام فإذا قلت هلّا فعلت كذا وكذا فكأنك قلت: لم لم تفعل؟ وإذا قلت: هلّا تفعل كذا فمعناه:
لم لا تفعل كذا، وهذا الذي ذكروا غير خارج عمّا ذكرنا، لأنّا متى جعلنا هذه الحروف استفهاما على ما ذكره هذا القائل فإن جعلناها بمعنى لم فهي خارجة عن معنى الاستفهام، وذلك أنّ " لم " وقعت هنا لمّا كان معناها الاستفهام على الحقيقة؛ ولأن القائل لم يرد أن يستفهم، إنما استبطأ المخاطب الفاعل على فعل فرّط فيه فحثه عليه في المستقبل، أو فعل كان ينبغي أن يفعله فقصر فيه حتى فاته.
فإن قال قائل: قد نرى " هل " دخلت على " لا " وهي من حروف الاستفهام فصار قولك هلّا بمنزلة قولك لم لا.
قيل له: هذا الذي ذكرته لا يدلّ على ما أردته؛ وذلك أن الحروف قد تركّب فيزول معناها الأول، نحو قولنا: لو جئتني أكرمتك، ومعناه: أنّ الإكرام لم يقع لعدم المجيء، فإذا قلت: لولا عبد الله لأكرمتك لزال ذلك المعنى بضمّ " لا " إلى " لو "، وكذلك يزول معنى هل لضمّ لا إليها.
ومن الدليل على ما قلناه أن " لوما " و" لولا " و" إلّا " ليست من حروف الاستفهام،
[ ٢ / ١٦٦ ]
وقد جعلن في معنى " هلّا " فصحّ ما ذكرناه من موضوع هذه الحروف.
فإن قال قائل: هذه حروف وضعن للأفعال لما فيها من معنى التحضيض فكيف حسن أن تخزل أفعالها ويليها الاسم، ولا يجوز ذلك في قد وسوف وسائر الحروف الموضوعة للفعل، لأنك لا تقول قد زيدا، ولا سوف زيدا بمعنى: قد ضربت زيدا وسوف أضرب زيدا.
قيل له: هذه الحروف الأربعة لما كانت في معنى التحضيض نابت عمّا بعدها من الفعل واستغني عنه، وأمّا قد وسوف فإنهما يغيّر ان معنى الفعل المطلق ويقصرانه على معنى بعينه، لأنّ سوف تقصر الفعل على المستقبل وتخرجه عن الحال، و" قد " لما يتوقع من الفعل فصار بمنزلة الألف واللام للتعريف، فكما أنّ الألف واللام لا يفارقان ما دخلتا عليه ولا يحذف ما بعدهما، كذلك قد وسوف وسائر الحروف الداخلة على الفعل من عوامله فهي
تضعف عن حذف ما بعدها، لأن الحذف دلالة على قوة العامل، وقد مضى نحوه.
قال سيبويه: (وإن شئت رفعت فقد سمعنا رفع بعضه).
يعني أنه " يجوز هلّا خير من ذلك " على إضمار شيء يرفع، كأنك قلت: " هلا كان منك خير من ذلك " أو " هلّا فعل خير من ذلك ".
قال: ومن ذلك قولك: (" أو فرقا خيرا من حبّ " وإنما حمله على الفعل لأنه سئل عن فعله فأجابه على الفعل الذي هو عليه، ولو رفع جاز كأنه قال: أو أمري فرق خير من حب، وإنما انتصب نحو هذا على أنه يكون الرجل في فعل فيريد أن ينقله أو ينتقل إلى فعل آخر، فمن ثمّ نصب " أو فرقا " لأنه أجاب على أفرق وترك الحبّ).
وإنما هذا كلام تكلم به رجل عند الحجّاج، وذلك أنه كان قد فعل له فعلا فاستجاده فقال الحجاج: " أكلّ هذا حبا " أي فعلت كلّ هذا حبّا لي؟ فقال الرجل مجيبا له: " أو فرقا خيرا من حبّ " أي: أو فعلت هذا فرقا؛ فهو أنبل لك وأجلّ.
ثم ذكر أشياء منصوبة بأفعال مضمرة، وقد يجوز رفعها بإضمار ما يرفع، وبعضه مجرور بإضمار ما يجرّ على ما تقدّم تفسيره من هذا الباب، فمن ذلك: أن يقدم رجل من سفر فتقول: خير مقدم؛ على معنى: قدمت خير مقدم، ويجوز أن تقول: خير مقدم؛ على معنى: قدومك خير مقدم.
[ ٢ / ١٦٧ ]
وإذا خرج قلت: مصاحب معان، ومثله: مبرور مأجور، فإذا رفعت هذه الأشياء فالذي في نفسك ما أظهرت، وإذا نصبتها فالذي في نفسك غير ما أظهرت.
يعني: أنك إذا رفعت فالذي أضمرت مبتدأ، والذي ظهر هو خبره، والمبتدأ هو الخبر.
وإذا نصبت فالذي أضمرت فعلا، والفعل غير الاسم؛ لأنك إذا قلت: مصاحبا معانا فتقديره: اذهب مصاحبا معانا.
قال: (ومن ذلك أن ترى رجلا قد أوقع أمرا أو تعرّض له فتقول: " متعرضا لعنن لم يعنه ") كأنه قال: فعل هذا متعرضا، والعنن: ما عنّ لك، أي عرض لك، أي دخل في شيء لا يعنيه ولا ينبغي له التشاغل به.
(ومثله: " مواعيد عرقوب أخاه بيثرب " (١) كأنه قال وعدتني مواعيد عرقوب) وهو رجل وعد وعدا فأخلف وله قصة طويلة.
وقال أبو عبيدة: (٢) " مواعيد عرقوب أخاه بيثرب " لأنّ عرقوبا رجل من العماليق، وكانوا بالبعد من يثرب، ويثرب بالثاء وفتح الراء: موضع عندهم.
قال: (ومن العرب من يقول: " متعرّض " على معنى: هو متعرض، ومثله " غضب الخيل على اللّجم "، وذلك إذا رأيت رجلا غضب غضبا لا يضير، أي غضبت كغضب الخيل على اللّجم).
قال: (ومن العرب من يرفع فيقول غضب الخيل على اللّجم كما رفع بعضهم " الظباء على البقر ") إذا قال غضب الخيل على اللّجم.
فإذا قال الظباء على البقر فتقديره: الظباء متروكة على البقر، وإذا نصب فقال:
" الظباء على البقر " فكأنّه قال: اترك الظباء على البقر، وإنما يعني بقر الوحش لأنها ترعى مع الظباء في موضع، وبعضها أولى ببعض قال:
_________________
(١) هو عجز بيت لجبيهاء الأشجعي صدره: وعدت وكان الخلف منك سجية جمهرة الأمثال ١: ٤٣٣.
(٢) هو معمر بن المثنى، أبو عبيدة التميمي البصري النحوي اللغوي توفي ٢٠٨ هـ وفيات الأعيان ٢: ١٠٥، الفهرست: ٥٣، المعارف: ٢٣٦.
[ ٢ / ١٦٨ ]
ولقد ذعرت بنات عم م المرشقات لها بصابص (١)
أراد البقر وجعلها بنات عمّ الظباء وهي المرشقات، وإنما يقول القائل هذا إذا نهى صاحبه عن الدخول بين أقوام بعضهم أولى ببعض.