(ويكون معطوفا على المفعول وما يكون صفة المرفوع المضمر في النية ويكون معطوفا على المفعول.
وذلك قولك:
إياك أنت نفسك أن تفعل، وإياك نفسك أن تفعل، فإن عنيت الفاعل المضمر في النية قلت: إياك أنت نفسك، كأنك قلت: إياك نحّ أنت نفسك، وحملته على الاسم المضمر في نحّ، فإن قلت: إياك نفسك تريد الاسم المضمر الفاعل فهو قبيح، وهو على قبحه رفع، ويدلك على قبحه أنك لو قلت: اذهب نفسك كان قبيحا حتى تقول أنت نفسك فمن ثمّ كان نصبا لأنك إذا وصفت بنفسك المضمر المنصوب بغير أنت كان حسنا تقول: رأيتك نفسك ولا تقول: انطلقت نفسك).
قال أبو سعيد: قد تقدم في الباب الذي قبله أن قولنا: إياك وما جرى مجراه منصوب بفعل مضمر، وذلك الفعل فعل المخاطب، وله فيه ضمير مرفوع وهو فاعل ذلك الفعل وإياك ضميره- أيضا- وهو منصوب فصار بمنزلة قولك للمخاطب: إياك ضربت، وإياك نفعت، فما صلح أن يكون توكيدا للتاء الفاعلة صلح أن يكون توكيدا للضمير في الفعل المحذوف، وما صلح أن يكون عطفا على التاء صلح أن يكون عطفا على ذلك الضمير المقدر، وكذلك التوكيد المنصوب، فلما لم يحسن أن تقول: قمت نفسك، حتى تقول: قمت أنت نفسك، لم يصلح أن تقول: إياك نفسك فتجعل نفسك توكيدا حتى تقدم قبله أنت.
ولو قلت: رأيتك نفسك، لحسن من غير توكيد، وكذلك لو قلت: إياك نفسك لحسن.
وإنما لم يحسن في المرفوع ألا يتقدمه توكيد قبل النفس؛ لأن المرفوع يكون في النية بغير علامة، والمنصوب لا يكون إلا بعلامة، وقد يقع في المرفوع اللبس في بعض
[ ٢ / ١٧٥ ]
الأحوال، وذلك أنك لو قلت: هند خرجت نفسها، فجعلت في خرجت ضميرها، ثم جعلت النفس توكيدا لضميرها في خرجت لجاز أن يتوهّم أن الفعل للنفس فيصير كقولك: هند خرجت جاريتها، فإذا قلت: خرجت هي نفسها، علم أنها توكيد، والعطف بهذه بمنزلة إذا قلت: إياك وزيدا والأسد، فهو مستحسن لأنك عطفت زيدا على المنصوب وهو:
إياك ولو قلت: إياك وزيد لم يحسن حتى تقول: أنت وزيد، كما لم يحسن: اذهب وزيد، حتى تقول: اذهب أنت وزيد، وإن قلت: رأيتك، قلت: ذاك وزيدا بالنصب أحسن في زيد لأنك تعطفه على الكاف في: رأيتك، ولو رفعته لكنت عاطفا على تاء قلت، وهو ضمير مرفوع فلا يحسن، وأنشد سيبويه لجرير:
وإيّاك أنت وعبد المسي ح أن تقربا قبلة المسجد (١)
فنصب عبد المسيح بالعطف على إياك، وأنشده يونس منصوبا، ولو رفع كان حسنا أيضا؛ لأن أنت تجعل توكيدا للضمير المرفوع المقدر، فيحسن حينئذ العطف عليه، ولا يجوز أن تقول: إياك زيدا، لأن زيدا لا يخلو من أن تجعله عطفا على إياك، فلا يجوز حذف حرف العطف منه، كما لا يجوز أن تقول: رأيت زيدا عمرا، على معنى رأيت زيدا وعمرا، أو على معنى إياك من زيد، أي اتق نفسك من زيد، واحذر نفسك من زيد، فلا يجوز حذف حرف الجر في هذا الموضع، وكذلك لا تقول: رأسك الجدار، حتى تقول: من الجدار ولو جئت بأن، فقلت: إياك من أن تكلم زيدا، لجاز أن تقول:
إياك أن تكلم زيدا، وذلك أن " أن " الخفيفة والمشددة يجوز طرح حروف الجر منها إذا كانت في صلة فعل؛ لأنها وما بعدها بمنزلة المصدر فطالت فحسن حذف حروف الجر لطولها تخفيفا، كما حسن في الذي حذف العائد مع الفعل، ولو جئت بالمصدر لم يحسن حذف حرف الجر، لا تقول: إياك ضرب زيد كما تقول: إياك أن تضرب زيدا، لأنه لم يطل كطول " أن " وأما قوله:
إيّاك إيّاك المراء فإنّه إلى الشّرّ دعّاء وللشّرّ جالب (٢)
فإن سيبويه ذهب إلى أن المراء منصوب بفعل غير الفعل المقدر لإياك، كأنه أضمر
_________________
(١) البيت لجرير ديوانه ٢: ١٠٢٧.
(٢) البيت سبق تخريجه.
[ ٢ / ١٧٦ ]
بعد إياك: اتق المراء، وقد يجوز أن يكون حمل المراء على أنه تمادى في إسقاط حروف الجر.
وقال الخليل (١) ﵀: لو أن رجلا قال: إياك نفسك لم أعنّفه لأن هذه الكاف مجرورة.
قال سيبويه: (وحدّثني من لا أتهم عن الخليل أنه سمع أعرابيا يقول: " إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيّا الشوابّ ").
قال أبو سعيد: اختلف الناس في إياك وإياه وإياي وتثنية ذلك وجمعه في تأنيثه وتذكيره، فقال الخليل ﵀: ولم يذكر سيبويه خلافا له أن إيا: اسم مضاف إلى ما بعده، وأن ما بعده في موضع خفض.
وجماعة من النحويين يخالفون هذا، وقالوا: لا يجوز أن يكون إيا مضافا لأنه ضمير، والضمير لا يضاف، وما حكاه الخليل شاذ لا يعمل عليه ولا يعرف، وجعلوا الكاف في إياك وسائر ما يقع بعدها من الضمائر لا موضع لها مثل الكاف في ذاك وذاكما، والصحيح عندي ما قاله الخليل ﵀، وذلك إني رأيت ما يقع بعد أي من الضمير هو الضمير الذي كان يقع للمنصوب لو كان متصلا بالفعل؛ لأنك تقول:
ضربتك، ثم تقول: إياك ضربت، وضربتكما، وإياكما ضربت وضربتكم، وإياكم ضربت، وضربتكن وإياكن ضربت، وضربته وإياه ضربت، وضربتهما وإياهما ضربت، وكان حق هذا الضمير أن يكون متصلا بفعل، فلما قدموه لما يستحقه المفعول به من التقديم والتأخير، أتوا ب " إيا " فتوصلوا بها إلى الضمير المتصل، وإيا: هو اسم ظاهر واتصال الأسماء بالأسماء يوجب للثاني منهما الخفض، وجعلوا إيا هو الذي يقع عليه الفعل، وقد رأيناهم فعلوا شبيها بهذا حيث قالوا: يا أيها الرجل، لأنهم أرادوا نداء الرجل، فلم يمكن نداؤه من أجل الألف واللام، فأتوا بأي فجعلوه وصلة إلى الألف واللام، وأوقفوا حرف النداء عليه وأعطوه حقه من لفظ المنادى، وجعلوا المقصود بالنداء نعتا له، كما قالوا: يا زيد العاقل، ولا أبعد أن يكون لفظ " إيا " هو فعلى من أي، وأخذ أحدهما من الآخر
_________________
(١) الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري أبو عبد الرحمن صاحب العربية والعروض وحصر أشعار العرب بها عمل كتاب العين توفي ١٥٧ هـ. الفهرست ٤٢ - معجم الأدباء ١: ٣٤١ وفيات الأعيان ١: ١٧٢.
[ ٢ / ١٧٧ ]
لاشتراكهما في الوصلة.
وما حكاه الخليل شاذ في الظاهر، لأن الظاهر في التقديم والتأخير على حال واحدة.
فإن قال قائل فأنت تقول: إياي ضربت، ولا يجوز أن تقول: ضربتني، والفعل لا يقع على المتكلم من نفسه، ولو وقع عليه لكان: بنون وياء كقولك: ظننتني فلم يغير حكمه في إيا، وأنت تزعم أنها وصلة إلى اللفظ كما كان يتصل بالفعل.
قيل له: لما توصلوا بإيا وصار في حكم الظاهر المضاف، وجعلوا ما بعد " إيا " في موضع خفض بطلت النون التي قبل الياء كما بطلت من عصاي وهداي، وصار تعدي الفعل إليه من نفسه كتعديه إلى النفس في قولك: نفس ضربت، فاعرفه إن شاء الله تعالى.
ثم ذكر سيبويه أشياء من كلام العرب وأشعارها حذفوا فيها الفعل، فمن ذلك قول:
العرب: " هذا ولا زعماتك " معناه: أن المخاطب كان يزعم زعمات، فلما ظهر خلاف قوله، قال: هذا الحق ولا زعماتك، ولا أتوهم ما زعمته، ومنه قول ذي الرمة:
ديار ميّة إذ ميّ تساعفنا ولا يرى مثلها عجم ولا عرب (١)
كأنه قال: اذكر ديار مية، ولكنه لا يذكر " اذكر " لكثرته في كلامهم، ولم يذكر: ولا أتوهم زعماتك لكثرة استعمالهم إياه، ولاستدلاله بما ينبئ من حاله ومن أنه ينهاه عن زعمه، وقد يدخل هذا المثل في أن يقال للإنسان إذا زعم شيئا في رأي يراه ومشورة يشير بها أن يقول هذا لرأي آخر أصح من ذاك " هذا ولا زعماتك "، أي: هذا حق صحيح دون ما زعمته.
(ومن ذلك قول العرب: " كليهما وتمرا " (٢) وكثر هذا في كلامهم).
وجرى مثلا، والتقدير: اعطني " كليهما وتمرا، كأن إنسانا خيّر آخر بين شيئين فطلبهما جميعا المخيّر وزيادة عليهما، فقال: أعطنيهما وتمرا، ومنهم من يرفع كليهما وينصب التمر فيقول: كلاهما وتمرا، كأنه قال: كلاهما لي ثابتان وزدني تمرا.
ويقول بعضهم: " كل شيء ولا هذا، وكل شيء ولا شتيمة حر " أي: ائت كل
_________________
(١) البيت سبق تخريجه.
(٢) مجمع الأمثال ٣: ٣٨، جمهرة الأمثال ٢: ١٣٧، خزانة الأدب ٢: ٣٦٥ ديوان عمرو بن حمران الجعدي.
[ ٢ / ١٧٨ ]
هذا، ومنهم من يقول: كل شيء ولا شتيمة حر؛ فيرفع الأول وينصب الثاني، كأنه قال:
كل شيء أمم ولا تشتمنّ حرّا، أي: كل شيء قصد يحتمل: ولا تشتمنّ حرّا.
وقد ذكر في هذا الباب أشياء فيها حذف لأنها أمثال، واعتمد على أنّ ترك الفعل فيها لأنها أمثال.
فإن قال قائل: ما السبب الذي سوغ الحذف في الأمثال؟
قيل له: أصل الأمثال أن يتكلم الإنسان بحضرة قوم، وفي كلامه من الألفاظ ما يستطرفه بعضهم من الألفاظ فيعيد اللفظ المستطرف، فربما أعاد جملة الكلام، وربما كان على سبب لا يعيده ولا يذكره ولا يتم إلا بذلك السبب، ويقع فيه ضمير ليس في الكلام ما يعود إليه، لأنه المتمثّل استطرفه وتمثّله فلا حاجة به إلى ذكر ما حذف من الكلام لأن المتبقي هو المثل، فمن ذلك قول العرب: " كلاهما وتمرا "، أو " كليهما وتمرا "، وذلك في كلامهم أكثر من أن يحصى، ومما لم يذكره قولهم: " أسعد أم سعيد " (١)، وهو مبتدأ لم يذكر خبره، والمتمثل يذكره في غير سعد
وسعيد في الشيء الذي يبدو ولا يدرى ما هو، فيقال: أسعد أم سعيد معناه: أخير أم شر، وكذلك قولهم: " لكن الأثلاث لحم لا يظلّل " (٢)، وقد علمنا أن لكن لا يبتدأ به ولكن ابتدأه قائل هذا على كلام يجري فترك ذكر الكلام، وكذلك " ثكل أرأمها ولدا " في المثل ضمير ليس فيه ما يعود إليه، ومن العرب من يقول: ديار مية وسائر ما يجيء من ذكر الديار في هذا الموضع، كأنه يقول:
تلك ديار مية، وقال الشاعر:
اعتاد قلبك من سلمى عوائده وهاج أهواءك المكنونة الطّلل
ربع قواء أذاع المعصرات به وكلّ حيران سار ماؤه خضل (٣)
كأنه أراد: ذاك ربع.
قال أبو سعيد: ويجوز أن يكون جعل " ربع قواء " بدلا من الطلل، كأنه قال: أهواك ربع قواء، قال ومثله:
_________________
(١) يقرب في العناية بذي الرحمة جمهرة الأمثال ١: ١٥٥.
(٢) قاله بيهس في قصة إخوته المقتولين الميداني ١: ٢٦٨، ٣: ١٤٦.
(٣) شرح شواهد المغني ٢: ٣٨٥، نسبهما ل (عمر بن أبي ربيعة)؛ الخصائص ١: ٢٩٧، ٣: ٢٢٩.
[ ٢ / ١٧٩ ]
هل تعرف اليوم رسم الدار والطّللا كما عرفت بجفن الصّيقل الخللا
دار لمروة إذ أهلي وأهلهم بالكانسيّة نرعى اللهو والغزلا (١)
ويروى بالكامسية، كأنه قال: " تلك دار لمروة " وهو يقوّي التفسير في " ربع قواء " لأنه يحتمل البدل.
(قال: فإذا رفعت فالذي في نفسك ما أظهرت، وإذا نصبت فالذي في نفسك غير ما أظهرت، يعني: أنك إذا رفعت فالذي حذفت هو الذي ظهر، لأن المحذوف مبتدأ وهذا خبره، والمبتدأ هو الخبر، وإذا نصبت فالذي أضمرت هو الفعل، وهو غير الاسم الظاهر).
قال: (ومما ينتصب في هذا الباب على إضمار الفعل المتروك إظهاره: انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ (٢) و" وراءك أوسع لك "، و" حسبك خيرا لك "، إذا كنت تأمره).
قال أبو سعيد " انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ (٣). وما جرى مجراه فيه ثلاثة أقاويل للنحويين، ونظيره في القرآن: فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ (٤).
قال سيبويه: (إنما نصبت خيرا وأوسع لك، لأنك إذا قلت: انته، فأنت تريد أن تخرجه من أمر وتدخله في آخر).
وقال الخليل: كأنك تحمله على ذلك المعنى، كأنك حين قلت: انته وادخل فيما هو خير لك فنصبته لأنك قد عرفت أنك إذا قلت: " انته " أنك تحمله على أمر آخر، فلذلك انتصب، وحذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إياه في الكلام، ولعلم المخاطب أنه محمول على أمر حين قال: انته، فصار بدلا من قوله: ائت خيرا.
ويقوي قوله الخليل وسيبويه أنك إذا أمرته بالانتهاء، فإنما تأمره بترك شيء، وتارك الشيء آت ضده، فكأنه أمره أن يكفّ عن الشر والباطل ويأتي الخير.
_________________
(١) البيتان لعمر بن أبي ربيعة، الديوان: ٣٢٠.
(٢) سورة النساء، الآية: ١٧١.
(٣) سورة النساء، الآية: ١٧١.
(٤) وليست بنصها في الكتاب الكريم، وتوجد لفظه: (خيرا) في آيتين من سورة آل عمران وهما وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ. وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ. (الآيتان ١١٠، ١٨٠ من سورة آل عمران).
[ ٢ / ١٨٠ ]
وقال الكسائي: معناه انتهوا يكن الانتهاء خيرا لكم، فأنكره الفراء وقال قولا قريبا فيه وفي أمثاله، فقال في قوله تعالى: فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ. أنّ خيرا متصلا بالأمر، واستدل على ذلك أنّا نقول: اتق الله هو خير لك، تريد: الاتقاء خير لك، فإذا حذفنا " هو " الذي يرتفع به خير وصل الفعل إليه فنصبه.
ويكشف قول الفراء أنا نقدر " خير " تقدير مصدر فعل الأمر الذي هو في الكلام، كأنه قال: انتهوا انتهاء خيرا لكم، وآمنوا إيمانا خيرا لكم، واتق الله اتقاء خيرا لك.
قال: ولا يجوز أن تقول: " اتق الله محسنا " ونحن نريد أن: " اتق الله تكن محسنا "، ولا تقول: " انصرنا أخانا "، ونحن نريد: تكن أخانا، وهذا رد صحيح، وذكر أن هذا الحرف لم يأت إلا فيما كان على باب أفعل، نحو: خير لك.
وأفعل وما أشبهه، وقول الخليل أقوى لأنه قد جاء هذا فيما ليس بمصدر، وهو قولهم:
وراءك أوسع لك، وأوسع مكان.
وأنشد سيبويه في نحو ذلك قول عمر بن أبي ربيعة:
فواعديه سرحتي مالك أو الرّبا بينهما أسهلا (١)
قدّر أنه: أراد: ائت أسهل، لأنه لما قال: واعديه، دلّ على أنها تقول: ائت مكان كذا وكذا.
وأسهل على وجهين:
أحدهما: مكانا سهلا ليس فيه رمل ليس بخشن، ونحو ذلك.
والآخر: أن يكون أسهل مكانا يعنيه بين سرحتي مالك والربا.
قال سيبويه: (فإنما ذكرت لك ذلك لأمثّل الأول به، لأنه قد كثر في كلامهم حتى صار بمنزلة المثل، فحذف كحذفهم: " ما رأيت كاليوم رجلا ").
_________________
(١) بيت لعمر بن أبي ربيعة: ديوانه: ٤٧٤، وروايته: وواعديه أو الربى دونهما منزلا وفي رواية الأغاني: سلمي عديه دونهما منزلا خزانة الأدب ١: ٢٨٠، ٢: ١٢٠.
[ ٢ / ١٨١ ]
قال أبو سعيد: يريد: أي ذكرت هذا المحذوف منه الفعل المذكور خيرا وهو من قولك:
" هذا ولا زعماتك "، إلى الموضع الذي انتهينا إليه ليمثل باب إياك وما اتصل به، وقولهم: ما رأيت كاليوم رجلا، تقديره: ما رأيت كرجل أراه اليوم رجلا.
قال: ومثل ذلك قول القطامي:
فكرّت تبتغيه فصادفته على دمه ومصرعه السّباعا (١)
ومثله أيضا:
لن تراها ولو تأمّلت إلّا ولها في مفارق الرّأس طيبا (٢)
وإنما نصب هذا لأنه حين قال:
فصادفته، وقال: لن تراها فقد علم أنّ السباع والطّيب قد دخلا في الرؤية والمصادفة، وأنهما قد اشتملا على ما بعدهما في المعنى، ومثل ذلك قول عمرو بن قميئة:
تذكّرت أرضا بها أهلها أخوالها فيها وأعمامها
لمّا رأت ساتيدما استعبرت لله درّ- اليوم- من لامها (٣)
وقال: إن الأخوال والأعمام قد دخلوا في التذكر، قال: ومثل ذلك فيما زعم الخليل:
إذا تغنّى الحمام الورق هيّجني ولو تغرّبت عنها أمّ عمّار (٤)
قال الخليل: لما قال: هيجني، عرف أنه قد كان تذكر لتذكره الحمام وتهيجه إياه،
_________________
(١) البيت للقطامي: ديوانه ٨١، وروايته: فكرت بعد فيقتها إليه فألقت عند مربضه السباعا الخصائص ٢: ٤٢٨ (بلا نسبة).
(٢) البيت ينسب لعبيد الله بن قيس الرقيات ملحق ديوانه ١٧٦؛ الخصائص ٢: ٤٣١؛ شرح المفصل ١: ١٢٥؛ مغني اللبيب ١: ٣٦٤؛ المقتضب ٣: ٢٨٤.
(٣) البيتان لعمرو بن قميئة: خزانة الأدب ٢: ١٤٧، ٤: ٤٠٦؛ الخصائص ٢: ٤٢٩ (بلا نسبة)؛ معجم البلدان ٣: ٦ (ترجمة: ساتيدما).
(٤) البيت للنابغة الذبياني: ديوانه: ٢٠٣؛ جمهرة أشعار العرب ١٨٩.
[ ٢ / ١٨٢ ]
فألقى ذلك الذي عرف منه على أم عمار، كأنه قال: هيجني فذكرني أم عمار).
قال أبو سعيد ﵀:
وقد ردّ بعض هذه الأبيات أبو العباس المبرد، وذكر في قوله: في مفارق الرأس طيبا، وإضمار رأيت إنما هو محمول على تراها.
قال: فلما لم يتم الكلام لم يحمل على معناه، وكذلك قوله:
فكرّت تبتغيه فصادفته
لم يتم ما قصده لأنه أراد: فصادفته على حال ما.
فتمام الكلام المقصود ذكر الحال، فلم يجز أن يحمل النصب على إضمار معنى اللفظ الأول.
وقد ردّ هذا الزجاج وذكر أن القصد في قوله: فصادفته، إنما هو إلى الولد؛ لأن الوحشية طلبت ولدها، فصادفته وصادفت على دمه السباع، فلما كان المعنى يدل على هذا واحتاج الشاعر إلى إيقاع المصادفة على الولد المطلوب، أضمر للسباع الفعل الذي دل عليه أول الكلام، كأنه قال: فصادفته، صادفت السّباع على دمه ومصرعه، وقوله:
" لن تراها ولو تأملت "، إنما يصفها بأن الطيب لا يفارقها، وقد علم ذلك من مقصده فجاز استغناؤه باللفظ الأول عن إعادة الفعل، فأضمر: إلا رأيت لها، وأنشد البيت الأول على ما يقع فيه خلاف، وهو:
فكرّت تبتغيه فوافقته على دمه ومصرعه السّباعا
وأما ما ذكره أبو العباس من عطف الشيء على المعنى بعد تمام الأول، فله مواضع تختلف. ألا ترى أن قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ (١).
جمع على معنى (من)، ولم يتم الكلام، وكذلك: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحًا (٢).
أتت على المعنى، وللكلام في هذا مواضع أخر.
(ومن الباب قول الخليل، وهو قول أبي عمرو (٣):
_________________
(١) سورة يونس، الآية: ٤٢.
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٣١.
(٣) زبان بن العلاء بن عمار أبو عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة خزاعي من مازن ولد بالحجاز سكن البصرة توفي ١٥٤ هـ. الفهرست ٢٨، طبقات القراء ١: ٢٨٨.
[ ٢ / ١٨٣ ]
ألا رجل إمّا زيدا وإمّا عمرا.
لأنه حين قال: ألا رجل فهو متمن شيئا ليسأله ويريده، فكأنه قال:
اللهم اجعله زيدا أو عمرا، وإن شاء أظهره فيه، ومثله:
قد سالم الحيات منه القدما الأفعوان والشّجاع الشّجعما
وذات قرنين ضموزا ضرزما) (١)
قال أبو سعيد: ضموز: ساكنة، الضّرزم: المسنّة، وذلك أخبث الحيات، والأفعوان وما بعده حيات.
والحيات الأولى مرفوعة، وإنما حمل الأفعوان على المعنى، وذلك أنه يصف رجلا بخشونة قدميه وصلابتهما، وأن الحيات لا يعملن فيهما وأنها قد سالمتها، وإذا سالمت الحيات القدم، فالقدم- أيضا- قد سالمت الحيات، فكأنه قال: سالمت القدم الأفعوان.
وحكي عن الفراء أنه قال: القدما: بمعنى القدمان، وهي رفع وروى: " قد سالم الحيات- بكسر التاء- منه القدما ".
(وحذف النون من القدمان، كما قال:
هما خطتا إما إسار ومنّة)
قال المفسر: ويروى:
هما خطتا إما إسار ومنة
وإذا روى كذلك فليس للفراء فيه حجة، لأنه قد أضاف خطتا إلى إسار ومنة، كأنه قال:
هما خطّتا إسار ومنّة وإما دم والقتل بالحرّ أجدر (٢)
_________________
(١) البيت للعجاج ديوانه: ٨٩، خزانة الأدب ١٠: ٢٤٠، ١١: ٤١١.
(٢) البيت لتأبط شرا: ديوانه ٨٩؛ الخصائص ٢: ٤٠٧؛ خزانة الأدب ٧: ٤٩٩؛ مغني اللبيب ٦: ٥٠١، ٧٢٧.
[ ٢ / ١٨٤ ]
وأنشد سيبويه لأوس:
تواهق رجلاها يداها ورأسه لها قتب خلف الحقيبة رادف (١)
وكان وجه الكلام: تواهق رجلاها يديها.
فحمله على المعنى لأنه إذا واهقت الرجلان اليدين، فقد واهقت اليدان الرجلين على مثل ما مر البيت الأول، وأنشد:
ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط ممّا تطيح الطوائح (٢)
رفع يزيد بما لم يسمّ فاعله، ثم جاء بالفاعل وهو ضارع، فرفعه؛ لأن الفعل الذي لم يسم فاعله يدل على أنّ له فاعلا، قال: ليبكه ضارع.
ومن الناس من يروي: ليبك يزيد ضارع، فيجعل يزيد منصوبا، وضارع فاعل يبك على ما سمي فاعله، وذكر بعض أصحابنا أن الرواية هي الأولى وأن هذا تغيير النحويين.
وقال: ومثل ليبك يزيد قراءة بعضهم وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ (٣).
قال سيبويه: (رفع شركاؤهم على ما رفع عليه ضارع، كأنه قال: زينه شركاؤهم، وهي الشياطين الدعاة لهم إلى ذلك، وأنشد:
وجدنا الصّالحين لهم جزاء وجنّات وعينا سلسبيلا (٤)
لأن الوجدان مشتمل في المعنى على الجزاء.
فحمل الآخر على المعنى، ولو نصب الجزاء كما نصب السباع لجاز).
وإذا رفع الجزاء فهو مرفوع بالابتداء، ولهم: خبره، والجملة في موضع الحال من وجدنا.
_________________
(١) البيت لأوس بن حجر: الديوان: ٧٣، وروايته: تواهق رجلاها يديه؛ الخصائص ٢: ٤٢٧ (بلا نسبة)؛ شرح أبيات سيبويه ١: ١٨٢.
(٢) سبق تخريجه، وهو منسوب ل (نهشل بن حري بن حمزة النهشلي).
(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٣٧.
(٤) ينسب إلى: عبد العزيز بن زرارة الكلابي: المقتضب ٣: ٢٨٤؛ شواهد القرطبي ٣: ٩٢.
[ ٢ / ١٨٥ ]
ويحتمل أن يكون في موضع المفعول الثاني، ولكن كلام سيبويه وقوله: (ولأن الوجدان ) دليل على أن وجدنا بمعنى أصبنا، وهو يتعدى إلى مفعول واحد، وقد دخل الجزاء وإن كان مبتدأ في معنى الوجدان، فأضمر وجدنا بعد ذلك، ونصب جنات لأنه في المعنى عطف على جزاء، كأنه قال: وجدنا لهم جنات، وإن نصبت جزاء فتقديره: وجدنا لهم جزاء وجنات، وقال الشاعر:
أسقى الإله عدوات الوادي وجوفه كلّ ملث غادي
كلّ أجشّ حالك السّواد (١)
رفع كلّ الأخير، ونصب الذي قبله لأنه حمله على سقاها كل أجش، لأن في قوله:
أسقى الإله كل ملث غاد دليلا على سقاها كل أجش، لأنه إذا أسقاها الله السحاب، سقاها السحاب، وكل أجش من صفة السحاب، وهو شبيه ب " ليبك يزيد ضارع ".
قال: (ولا يجوز أن تقول: ينتهي خيرا له، ولا انتهى خيرا له).
وإنما يجوز هذا في الأمر، لأن الآمر إنما يسوق المأمور إلى أمر يحدثه، فله قوة في الإضمار وحكم ليس لغيره (وقد يجوز أن تقول: ألا رجل إما زيد وإما عمرو، كأنه قيل له: من هذا المتمنّى؟ فقال: زيد أو عمرو).