كما يجري أجمعون على الاسم، وينصب أيضا بالفعل لأنه مفعول، فالبدل أن تقول: " ضرب عبد الله ظهره وبطنه "، و" ضرب زيد الظهر والبطن ".
يعني أنك تبدل " ظهره وبطنه " من " عبد الله " و" زيد " ويجري عليه في إعرابه؛ لأن الظهر والبطن بعض عبد الله وزيد. قال: " ومطرنا سهلنا وجبلنا "، و" مطرنا السهل والجبل " وإن شئت كان على الاسم بمنزلة أجمعين ".
يريد تبدل السهل والجبل من النون والألف بدل الاشتمال، وإن شئت جعلته تأكيدا لا بدلا، فيكون قولك: " ضرب عبد الله ظهره وبطنه " كقولك: ضرب أعضاؤه كلّها، ويصير الظهر والبطن توكيدا لعبد الله، كما يصير " أجمعون " توكيدا للقوم إذا قلت: " رأيت
[ ٢ / ٢٢ ]
القوم أجمعين " كأنه قال: " ضرب زيد " كلّه "، وقولك: " مطرنا سهلنا وجبلنا " كقولك:
" مطرت بقاعنا كلّها ".
قال: " وإن شئت نصبت فقلت: ضرب زيد ظهره وبطنه، ومطرنا السهل والجبل ".
قال أبو سعيد: فتنصب هذا على أن تجعله مفعولا ثانيا، وإن كان الضرب في الأصل يتعدى إلى مفعول واحد، فتقدر حرف الجر في الأصل، ثم تحذفه، فيصل الفعل، كما قال ﷿: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا (١) أي من قومه، فكأنك قلت:
ضرب زيد على ظهره وبطنه، فحذفت " على ".
ولا يطرد هذا في الأشياء كلها، لا تقول: " ضرب زيد يده ورجله " على ذلك التقدير كما لا يجوز " مررت زيدا " قياسا على قول الشاعر: " أمرتك الخير ".
وكما لا يجوز " أخذت زيدا ثوبا " على معنى: من زيد ثوبا، قياسا على قوله:
" واختار موسى قومه ".
وقد يجوز أن تنصب البطن والظهر على الظرف، وحذف حرف الجر منه، كأنك قلت: ضرب في ظهره وبطنه، ولا يقال ضرب زيد يده ورجله " على الظرف، وإنما خالف الظهر والبطن اليد والرجل؛ لأن الظهر والبطن عامّان في الأشياء، ألا ترى أن لكل شيء بطنا وظهرا، أو لأكثر الأشياء فيما جرت به العادة في كلام الناس، فأشبه الظهر والبطن المبهمات من الظروف لعمومها، وليس اليد والرجل، والسهل والجبل بمنزلة الظهر والبطن؛ لأن المواضع إما أن تكون سهلا أو تكون جبلا، فجعلت ظروفا لهذا الإبهام، ومع هذا التشبيه الذي ذكرنا، فالقياس فيه ألا يكون ظرفا، ألا ترى أنّك لو قلت:
" هذا الشّعر ظهر زيد أو بطن زيد " لم يجز كما تقول: " هذا خلف زيد وأمام زيد "، وصار في الشذوذ بمنزلة " دخلت البيت " و" ذهبت الشّام ".
قال: " ولم يجيزوه في غير السهل والجبل، والظهر والبطن، كما لم يجز دخلت عبد الله، فجاز هذا في ذا وحده، كما لم يجز حذف حرف الجر إلا في الأماكن ".
يعني لم يقولوا: " ضرب زيد اليد والرجل " على الشذوذ كما لم يقولوا دخلت هذا
_________________
(١) سورة الأعراف، آية: ١٥٥.
[ ٢ / ٢٣ ]
الأمر، من حيث قالوا: " دخلت البيت ".
فتركوا القياس في الظهر والبطن، والسهل والجبل خاصة، حين حذفوا حرف الجر، كما تركوا القياس في " دخلت " حين حذفوا " في " من الأماكن، فإذا استعملوا " دخلت " في غير الأماكن عادوا إلى القياس، فقالوا: " دخلت في هذه القصة "، و" دخل زيد في مذهب سوء "، وكذلك إذا استعملوه في غير البطن والظهر فقالوا: " ضرب زيد على اليد والرجل " عادوا إلى القياس ثم ذكر أشياء من الشذوذ، وترك القياس، قد تقدم ذكرنا لها.
قال: " وزعم الخليل أنهم يقولون: مطرنا الزرع والضرع وإن شئت رفعت على وجهين: على البدل وعلى أن تتبعه الاسم ".
قال أبو سعيد: " الزرع والضرع " شبيه بالسهل والجبل؛ لأن أكثر ما يراد به المطر الزرع والمواشي، فجاز النصب على الوجهين اللذين ذكرنا، والرفع أيضا على الوجهين، وكل ذلك مسموع من العرب.
قال: فإن قلت: " ضرب زيد اليد والرجل " فيجوز على بدل البعض من الكل، ولا يجوز فيه النصب على ما ذكرنا».
قال: «وقد سمعناهم يقولون: مطرتهم- يعني السماء- ظهرا وبطنا».
فنصبه على الظرف والمفعول الثاني، وعلى البدل أيضا.
قال: " وتقول: مطر قومك الليل والنهار " فيجوز نصب الليل والنهار على الظرف، وعلى أنه مفعول على سعة الكلام، ويجوز رفعه على البدل، كأنك قلت: مطر الليل والنهار، كما تقول: صيد عليه الليل والنهار، فيكون على وجهين: أحدهما: مطر أصحاب الليل وأصحاب النهار، فتحذف المضاف، وتقيم المضاف إليه مقامه.
والآخر: أن تجعل الليل والنهار ممطورين على المجاز، وقد مضى نحو هذا، وقال الشاعر في البدل:
وكأنه لهق السّراة كأنه ما حاجبيه معيّن بسواد (١)
والشاهد فيه: بدل (الحاجبين) من الهاء التي في " كأنه " و" ما " زائدة، والبيت الذي يتلوه:
_________________
(١) الخزانة ٢/ ٣٧٢، ابن يعيش ٣/ ٦٧، اللسان ١٧/ ١٧٧.
[ ٢ / ٢٤ ]
ملك الخورنق والسدير ودانه ما بين حمير أهلها وأوال (١)
فأبدل " أهلها " من " حمير " وجعل " حمير " مكانا، و" حمير " في الأصل للقبيلة، ولكنهم لما سكنوا اليمن جعل " حمير " عبارة عن بلادها، كأنه قال: ما بين أهل اليمن وأوال، و" ودانه " في معنى أطاعه.
قال: (فأما قوله:
مشق الهواجر لحمهن مع السّرى حتى ذهبن كلاكلا وصدورا) (٢)
نصب " كلاكل " و" صدور " عند سيبويه على الحال، وجعل كلاكلا وصدورا في معنى ناحلات، كما قال ذو الرمة:
فلم تبلغ ديار الحي حتى طرحن سخالهن وإضن آلا (٣)
فجعل " الآل " بمعنى الناحلات، وكان المبرد يقول: نصبها على التمييز، لأن الكلاكل والصدور أسماء ليس فيها معنى الفعل.
قال: ومثل ذلك " ذهب زيد قدما "، و" ذهب أخرا "
فجعل " قدما " في معنى متقدما، و" أخرا " في معنى متأخرا، والقدم والأخر اسمان، ألا ترى قول الشاعر:
وعين لها حدرة بدرة شقّت مآقيهما من أخر (٤)
وقال الشاعر:
طويل متلّ العنق أشرف كاهلا أشقّ رحيب الجوف معتدل الجرم (٥)
فجعل كاهلا حالا في معنى عاليا، والكاهل اسم أصل العنق ولكنه من أعاليه، فجعله نائبا عن قولك عاليا وصاعدا قال: وكأنه قال " ذهب صعدا " في معنى صاعدا، ومثله قوله ويقال: إنه للعمانّي الراجز:
إذا أكلت سمكا وفرضا ذهبت طولا وذهبت عرضا
_________________
(١) سيبويه ١/ ٨١، واللسان (أول) ١٣/ ٤١ ونسبه إلى النابغة الجعدي.
(٢) ديوان جرير ٢٩٠ قصيدة يهجو بها الأخطل.
(٣) الخزانة ٤/ ٥٠، ديوان ذي الرمة ٤٣٩.
(٤) البيت لامريء القيس في ديوانه ١٦٦. الخزانة ٣/ ٢٣٨.
(٥) نسبه سيبويه إلى عمرو بن عمار النهدي ١/ ٨١.
[ ٢ / ٢٥ ]
فجعل طولا وعرضا في معنى ذاهبا في الطول وذاهبا في العرض، وأبو العباس يجعل ذلك كلّه على التمييز.
وقوله: " ذهبت طولا وذهبت عرضا " خلاف الأبيات التي تقدمت؛ لأن الطول والعرض مصدران، والمصادر تستعمل أحوالا، والأبيات التي تقدمت فيها أسماء جعلت أحوالا.
قال: " فإنما شبهه بهذا الضرب من المصادر " يعني شبه الاسم الذي جعله حالا بالمصدر.
وليس هو كقول الشاعر، وهو عامر بن الطفيل:
فلأبغينكم قنا وعوارضا ولأقبلنّ الخيل لابة ضرغد
لأن " قنا وعوارضا " مكانان، وإنما يريد بقنا وعوارض قال أبو سعيد: حذف حرف الجر، وشبهه بدخلت البيت، والمعنى فلأطلبنكم بهذين المكانين، وإنما ذكر هذه الأبيات التي جعل فيها الأسماء أحوالا، ليريك أنها مخالفة لمطرنا السهل والجبل، وأنها على معنى الحال.