اعلم أن القياس في هذا الباب أن يضاف إلى الاسم الأول منهما. لأن الاسم الثاني بمنزلة تمام الأول وواقع موقع التنوين منه، ولا تجوز النسبة إليهما جميعا فتلحق علامة النسبة الاسم الثاني والأول مضاف إليه؛ لأنه إذا فعل ذلك بقينا الإضافة على حالها وأعربنا الاسم الأول بما يستحقه من الإعراب، وخفضنا الثاني على كل حال بإضافة الأول إليه، فكان يلزمنا إذا نسبنا إلى رجل يقال: له غلام زيد: هذا غلام زيدي ورأيت غلام زيدي، ومررت بغلام زيدى.
فيصير كأنا نسبنا إلى زيد وحده ثم أضفنا غلاما إليه كما يضيف غلاما إلى بصرى فيقول: هذا غلام بصري ورأيت غلام بصري، وليس ذلك القصد في النسبة إلى المضاف، لأن هذا نسبة إلى المضاف إليه، وإنما قصدنا النسبة إلى المضاف والمضاف إليه بعضه،
[ ٤ / ١٢٥ ]
وأيضا فلو نسبنا إلى الثاني وأدخلنا الإعراب عليه لوجد في الاسم إعرابان إذا قلنا: هذا غلام زيدي؛ لأن الغلام في حال الإضافة عامل فيما بعده ويعمل فيه ما قبله فيستحيل أيضا ذلك؛ لأن إضافته إلى ما بعده توجب إعرابه بالعوامل التي تدخل عليه وتوجب خفض ما بعده بإضافته إليه وكان الذي يستحق الخفض منهما بالإضافة يعرب بالرفع، والنصب ولو نسبنا إلى الأول، ثم أضفناه لتغير المعنى؛ لأنّا لو قلنا غلامي زيد ونحن نريد الإضافة إلى غلام زيد فقلنا: غلام فقد نسبنا إلى الغلام وأضفنا المنسوب إلى زيد، والمنسوب إلى الغلام، غير الغلام، فأضفنا غير الغلام إلى زيد وليس ذلك معنى الكلام، فوجب إضافته إلى الأول على كل حال فيما أوجه القياس، إلا أن الغرض ليس يوجب الإضافة إلى الثاني لطلب البيان.
فمما أضيف إلى الأول، قولهم في عبد القيس: عبدي وفي امرئ القيس مريّ.
ومما أضيف إلى الثاني من أجل اللبس ما كان يعرف من الأسماء بأبي فلان، وابن فلان.
فأما ابن فلان فقولك في النسب إلى ابن كراع: كراعي، وإلى ابن الزبير: زبيريّ وإلى أبي مسلم: مسلميّ. وقالوا في النسب إلى أبي بكر بن كلاب: بكرىّ.
وقالوا في ابن دعلج: دعلجيّ.
وإنما صار كذلك في ابن فلان وأبي فلان؛ لأن الكنى كلها متشابهة في الاسم المضاف ومختلفة في المضاف إليه وباختلاف المضاف إليه يتميز بعض من بعض كقولنا:
أبو زيد وأبو جعفر وأبو مسلم، وما جري مجراه.
فلو أضفنا إلى الأول لصارت النسبة فيه كله أبوي، ولم يعرف بعض من بعض وكذلك في الابن، ولو نسبنا إلى الأول فقلنا: ابني وقع اللبس فعدلوا إلى الثاني من أجل ذلك.
وكان أبو العباس المبرد يقول: إن ما كان من المضاف يعرف أول الاسمين منه بالثاني وكان الثاني معروفا فالقياس إضافته إلى الثاني نحو ابن الزبير وابن كراع.
وما كان الثاني منه غير معروف فالقياس الإضافة إلى الأول، مثل عبد القيس وامرئ القيس؛ لأن القيس ليس بشيء معروف معين، يضاف عبد وامرؤ إليه.
قال أبو سعيد: ويلزم المبرد في الكنى أن يضيف إلى الأول؛ لأن الثاني غير معروف
[ ٤ / ١٢٦ ]
معين كأبي مسلم وأبي بكر وأبي جعفر، وليست الأسماء المضاف إليها أبو بأسماء معروفة مقصود إليها ولا كنى الناس موضوعة على ذلك؛ لأن الإنسان قد يكنّى ولا ولد له، ولو أضافوا إلى الأول لوقع اللبس على ما ذكرت لك، فالأصل أن يضاف إلى الأول فيه كله.
وما أضيف إلى الثاني منه فليس الواقع.
وربما ركبوا من حروف المضاف والمضاف إليه ما ينسبون إليه كقولهم عبشميّ وهذا ليس بقياس.
واحتج سيبويه للإضافة إلى الثاني بعد أن قدم أن القياس الإضافة إلى الأول.
فقال: وأما ما يحذف منه الأول فنحو ابن كراع وابن الزبير.
تقول: زبيريّ وكراعيّ تجعل ياءي الإضافة في الاسم الذي صار به الأول معرفة فهو أبين وأشهر ولا يخرج الأول من أن يكون المضافون أضيفوا إليه.
وأما قولهم في النسب إلى عبد مناف: (منافيّ) فهو على مذهب ابن فلان وأبي فلان لما كثر (عبد) مضافا إلى ما بعده كعبد القيس وعبد مناف وعبد الدار وغير ذلك. أضافوا إلى الثاني؛ لأنه أبعد من اللبس.