قال أبو سعيد: اعلم أن ما كان من ذلك لا هاء في آخرة للتأنيث، فلا خلاف بينهم أن النسب إليه نحو ظبي، ورمي وغرو ونحو، تقول فيه ظبييّ ورمييّ وغرويّ ونحويّ ولا تغير ما كان فيه الياء من ذلك؛ لأن ما قبلها ساكن، وهى تصرف وتجري بوجوه الإعراب قبل النسب، فإذا جاز أن يقال في أميّة: أميّيّ ويجتمع فيه أربع ياءات كان هذا أولى أن يجيء على الأصل، فإذا كان في آخره هاء كرمية وظبية ورمية وغزوة فالخليل يجري ذلك مجرى ما ليس فيه هاء فيقول في ظبية ظبييّ وفي دمية دميي وفى فتية فتيّ وهو القياس عنده. وحكى يونس أن أبا عمرو كان يقول ظبييّ في النسبة إلى ظبية، ويقول في غزوة غزوي وفى عروة عروي، ويقوي ذلك أنهم قالوا في بني جروة جروي، وجروة هذا جروة بن نضله من بنى خميس بن أدّ بن طانجة بكسر الجيم. وفى العرب جروة بضم الجيم، وهو جروة بن أسيد بن عمر بن تميم وجروة بن الحارث من بني عبس. وأما يونس فإنه يغير ما كان فيه
الهاء فيفتح الحرف الساكن وهو الحرف الثاني فيقول في ظبية ظبويّ وفي رمية رمويّ وفى فتية فتويّ.
[ ٤ / ١٠٣ ]
ومثل هذا قولهم في حي من العرب يقال لهم بنوا رنيّة رنوي وفى البعلية بعلوي ويقال في البعلية إنها حي من اليمن، وقال الجرمي هي اسم أرض، وقال يونس أيضا في عروة عروي فسوى بين ذوات الواو وذوات الياء، ولم يحتج يونس لقوله بشيء، وقد أنكر قوله جمهور أصحابنا إلا الزجاج فإنه كان يقويه ويقول: إن التغيير إنما وجب فيه من أجل الهاء؛ لأن ما كان فيه الهاء فهو أولى بالتغيير وأقوى فيه.
وأما الخليل فعذر يونس في ذوات الياء واحتج له واختار القول الذي ذكرته عنه بعد الاحتجاج ليونس بأنه أقيس وأعرب من قول يونس، وهذا من أشكل مواضع الكتاب التي أوردها الخليل بعد الاحتجاج للأول بأنه أقيس وأعرب من قول يونس، وأنا أبينه بما أرجو به انكشافه.
قال سيبويه: وأما يونس فكان يقول في ظبية ظبوي وفى دمية دموي، وفى فتية فتوي، فقال الخليل: كأنهم شبهوها حيث دخلتها الهاء بفعلة؛ لأن اللفظ بفعلة إذا أسكنت العين وفعلة من بنات الواو سواء.
قال أبو سعيد: معنى هذا أن ظبية كأنه ظبية، ودمية، دمية، وفتية كأنه فتية، ثم أسكنوا فقيل ظبية كما يقال في فخذ فخد، وقالوا دمية كما يقال في عصر عصر، كما يقال في إبل إبل، فصار عمية بعد الإسكان لها من عمية في لفظ ما كان على فعلة في الأصل، ودمية إذا أسكنا الميم على لفظ فعلة، في الأصل، وفتية على فعلة في الأصل، فإذا نسبنا إلى ذلك رددناه إلى الأصل؛ لأن بردنا له إلى الأصل فائدة في الخفة؛ لأنّا إذا نسبنا إلى عمية أو دمية أو فتية وثوانيها مكسورة وجب فتحها وقلب الياء واوا في النسبة كما لو نسبنا إلى عمية وجب أن تقول: عموي فيصير في اللفظ أخف من عمييّ إذا بقيناها على التخفيف، وكذلك لو بنيت فعلة من بنات الواو لصارت بهذه المنزلة، تقول في فعلة من الغزو: غزية، ومن الربو ربية، فيصير كذوات الياء ويصير المسكن منها عن الكسرة بمنزلة ما أصله الإسكان.
قال: فلما رأوا آخرها يعني آخر فعلة يشبه آخرها يعني آخر فعلة جعلوا إضافتها يعنى فعلة كإضافتها يعنى فعلة، وجعلوا دمية كفعلة وجعلوا فتية كفعلة. هذا قول الخليل، واحتجاجه ليونس. وكان الزجاج يرد من هذا على الخليل دمية، ويقول ليس في الأسماء فعلة، ورد عليه فتية؛ لأنه ليس في الأسماء فعل إلا إبل.
[ ٤ / ١٠٤ ]
قال أبو سعيد: ولو خففنا نمرا فقلنا نمر، وسمي به رجل ثم نسبنا إليه لم نرده إلى الأصل ونسبنا إليه على التخفيف فقلنا نمري. وإنما قدّر الخليل ردّ ذوات الياء إلى الأصل لأنه مستفاد به خفة لنقل الياء إلى الواو وفي "
نمر " وما أشبهه لو رددناه إلى الأصل لصار فيه زيادة ثقل بالحركة، وكذلك لم يقدر في ذوات الواو إذا سكن ما قبل الواو حركة في الساكن ويردها في النسبة؛ لأن تقدير ذلك ورده لا يفيد خفة؛ لأن الواو حاصلة والسكون قبلها، فلو رددنا لحركنا ما قبل الواو وبقيت الواو بحالها.
وإنما ذلك في ذوات الياء؛ لأن تحريك الثاني منها يوجب قلب الأخير واوا، فلم يقل الخليل في عروة وغزوة إلا عروي وغزوي؛ لأن ذا لا يشبه آخره آخر فعلة، ولا يكون فعلة، ولا فعلة من بنات الواو هكذا. ولا تقول في عروة إلا عروي؛ لأن فعلة من بنات الواو إذا كانت واحدة فعل لم تكن هكذا، وإنما تكون ياء ولو كانت فعلة ليست على فعل كما أن بسرة على بسر لكان الحرف الذي قبل الواو يلزمه التحريك، ولم يشبه عروة، وكنت إذا أضفت إليه وجعلت مكان الواو ياء فعلت ذلك بعرقوة ثم يكون في الإضافة بمنزلة فعل.
" وإن أسكنت ما قبل الواو في فعلة من بنات الواو التي ليست واحدة فعل فحذفت الهاء لم تغير الواو لأن ما قبلها ساكن "
قال أبو سعيد: أما " غزوة " فلو كانت على " فعلة " لكان حقها أن تكون غزية، ولو كانت " غدوة " على فعلة لكان حقها أن تكون غدية، فلذلك لم يستو للخليل تقديرها على فعلة. ولو كان على فعلة بضم العين على من يدخل هاء التأنيث على فعل وفعل مستعمل بغيرها التأنيث كما يقال بسر وبسرة لوجب أن تقلب الواو ياء؛ وذلك لأنا إذا بنينا من الغزو فعل وجب أن تقول غزي؛ لأنه غزو وتقع الواو طرفا، فتقلب ياء ويكسر ما قبلها، فإذا أدخلنا هاء التأنيث على ما قد لزم فيه هذا التغيير، وجب أن نقول: " غزية ".
ولا تثبت الواو فبطل أن تكون غزوة وغدوة على " فعلة " " وفعلة "، و" فعلة " قد دخلت على فعل، ولو كانت فعلة مبنية في أصل الكلمة على التأنيث واللام واو لوجب أن يقال: غزوة وعدوة كما يقال عرقوة وقلنسوة، وهذا معنى قوله: ولو كانت فعلة ليست على فعل كما أن بسرة على بسر لكان الحرف الذي قبل الواو يلزمه التحريك. يريد أنها إذا كانت مثل بسرة على بسر قلت: غزية وإن خففت قلت: " غزية. وإذا لم تكن فعلة
[ ٤ / ١٠٥ ]
على فعل وجب أن يقال فيه: غزوه وغدوة وعروة، فهذا معنى قوله: لكان الحرف الذي قبل الواو يلزمه التحريك، يعني الضم، ولم يشبه عروة؛ لأن الراء في " عروة " ساكنة لا تضم.
ومعنى قوله: وكنت إذا أضفت إليه جعلت مكان الواو ياء كما فعلت ذلك بعرقوة، يعنى أنك لو بنيت فعلة على التأنيث فقلت عروة، ثم نسبت إليه لقلت: عرييّ ثم تفتح الراء كما تفعل في ميم " نمر " فيصير عرويّ، كما لو أضفت إلى عرقوة حذفت الهاء وقلبت بالواو ياء فنسبت إلى عرقي، فإما قلت: عرقيّ وإما قلت: عرقويّ.
ويقرب صلة ما ذكرناه من قول الخليل: في عروة إنه عرويّ، فنقول: لا يخلو عروة من أن يكون فعلة على التذكير كبسر وبسرة، أو فعلة لو كان في الكلام فعلة. فيلزمه في هذه الوجهين الياء، وليس عروة كذلك؛ لأن فيه الواو. أو يكون على فعلة مبنيا على التأنيث أو على فعلة في الأصل، فإن كان على فعلة في الأصل فلا سبيل إلى تحريك الراء؛ لأنها ساكنة في أصل مبناها وتصير النسبة إليها كالنسبة إلى " جلبة " و" قدرة "، وما إلى ذلك فيقال " قدريّ وجلبيّ. وإن كان على فعلة مبنيا على التأنيث لزم أن تضم الراء، فإن ألزم التخفيف ثم نسب إليه لم يغير، كما أن نمرا إذا خففت ثم نسبت إليه لم يغير، وقد مضى الكلام في هذا.
وقد ذكر أبو بكر مبرمان عن بعض من فسر له أن في الباب وقوع شيء في غير موضعه، وهو قوله لأن اللفظ بفعلة إذا سكنت العين وفعلة من بناء الواو سواء، وأن هذا الكلام وما بعده يحتاج أن يكون بعد قوله: لأن ذا لا يشبه آخره آخر فعلة، فاعرف ذلك إن شاء الله.