قال أبو سعيد: هذا الباب يشتمل على شيئين: أحدهما: ما ذهب فاء الفعل منه، ولامه حرف صحيح نحو قولنا: عدة وزنة، وما أشبه ذلك.
والآخر أن تكون لام الفعل منه ياء كقولهم: دبة، وشية. فأما ما كان لام الفعل منه صحيحا فإنه لا يرد إليه الذاهب كقولنا في النسبة إلى عدة: عدي والى زنة: زنيّ، ولم نرد الذاهب لبعده من ياءي النسبة؛ ولأنه لو ظهر ما كان يتغير بدخول ياء النسبة، كما يتغير لام " الفعل " وينكسر من أجل الياء.
ولا يجوز أن تزيد حرفا، في موضع لام الفعل، لم يكن في أصل الكلمة.
ألا ترى أنا لو صغرنا، فاحتجنا إلى حرف آخر، لم نرد إلا الذاهب، فقلنا: وعيدة، ووزينة، ويقوي ذلك أن العرب لم ترد في شيء فاء الفعل، مما ذهبت منه في الجمع بالتاء، وفي التثنية كما ردت فيما ذهبت لامه، فقالوا في عضة، وسنة: عضوات، وسنوات، وفي أخ وأب: أخوان وأبوان.
فهذا يقوي أن الفاء لا ترد، ولا نعلم في ذلك خلافا.
فإن كان لام الفعل ياء، فإن الضرورة توجب رد الذاهب، في النسبة إلى شية، ودية وما أشبه ذلك.
تقول فيه على مذهب سيبويه: وشويّ، وودويّ، وأصله وشية، وودية فألقيت كسرة الواو على ما بعدها، وحذفت؛ لأن الفعل قد اعتل، فحذفت منه الواو، في يعد، ويزن فردوا العلة في المصدر من جهة كسرة الواو، ولو كانت الواو مفتوحة لم تعتل، ألا تراهم قالوا: الوثية، والوجبة، والوحدة، فلما نسبنا إلى شية وقد تحركت الشين، فوجب حذف الهاء للنسبة بقيت الشين والياء، وهما حرفان الثاني من حروف المد واللين،
_________________
(١) البيت في ديوانه ١٩٦، وابن يعيش ٦/ ٨.
[ ٤ / ١٢٠ ]
فوجبت زيادة حرف، فكان أولى ذلك أن يرد ما ذهب منه، وهو الواو مكسورة، فصار:
وشييّ، ففتحنا الشين كما قلنا في عم، وشج: عمويّ، وشجويّ.
وقال أبو الحسن الأخفش: رد الكلمة إلى أصلها، وهي فعلة. فتكون وشية، ثم تنسب إليه، فيصير وشييّ كما لو نسبنا إلى ظبية، وحمية، قلنا: ظبييّ، وحمييّ، وقول سيبويه أولى؛ لأن الشين متحركة، ولم نحتج إلى تغيير البناء،
كما لم نحتج في عدة.
وإنما احتجنا إلى حرف آخر فرددنا الحرف؛ لأن الضرورة لم توجب أكثر من رد الحرف الذاهب وتركنا الباقي على حاله.
ويقوي أن أصله فعلة قولهم: وجهة وجهة في معنى واحد، وكان أبو العباس يذهب إلى مثل قول الأخفش وأن الشيء إذا رد ما ذهب منه وجب أن ينسب إليه على بنائه.
وحكي عن الأخفش غدوي بتسكين الدال لأن الأصل عنده غدو.
وقد اختلفوا في دم فمذهب سيبويه أنه " فعل " بتسكين العين وكذلك مذهب الأخفش.
وكان أبو العباس يذهب إلى أنه " فعل "، ويستدل على ذلك بقولهم: دمي يدمي دما، كما تقول: فرق يفرق فرقا، وحذر يحذر حذرا، وفاعله دم كما يقال: فرق وحذر والذي احتج به أبو العباس لا يلزم؛ لأن الكلام في الدّم المسفوح لا في مصدره، وقد يكون الشيء على وزن، فإذا صرف منه الفعل، كان مصدر ذلك الفعل على غير لفظه، من ذلك قولهم: جنب الرجل يجنب جنبا إذا اشتكى جنبه، فالفعل مأخوذ من الجنب، ومصدره فعل، والجنب فعل، وكذلك بطن يبطن بطنا إذا كان كثير الأكل، والفعل مصرّف من البطن، ومصدره متحرك العين.