قال أبو سعيد: واعلم أن هذا الباب يشبه ما كان على حرفين مما حذف آخره، ولم يرجع في التثنية، ولا في الجمع بالألف والتاء وذلك نحو ابن، واسم، واست، واثنان، وابنة فإن تركته على حاله قلت: اسمي، واستي، واثني في اثنين، واثنتين، وإن شئت حذفت الزوائد التي في الاسم، ورددته إلى أصله.
والزوائد هي ألفات الوصل التي في أول الاسم فقلت: بنوي، وستهيّ، وسمويّ وفي كتابي الذي منه قرأت: أو
سموي؛ لأنه يقال: سم وسم.
فهذه الأسماء جعلت زيادة الألف في أولها عوضا من المحذوف، فإذا أقررتها لم ترد شيئا؛ لأن الذاهب عوضه باق وإذا حذفت الزوائد رددت ما كان ذاهبا.
_________________
(١) ابن يعيش: ٥/ ٣٨، واللسان: (عضه).
[ ٤ / ١١٤ ]
وإنما جئت بالهاء في ستهي؛ لأن لامها هاء، ألا ترى أنك تقول: الأستاء وستيهة في التحقير وتفتح الحرف الذي قبل آخره؛ لأن الحركة كانت تقع عليه وقد مضى الكلام في هذا.
قال سيبويه: وتصديق ذلك أن أبا الخطاب كان يقول: إن بعضهم إذا أضاف إلى أبناء فارس قال: بنويّ.
وزعم يونس أن أبا عمرو زعم أنهم يقولون ابنيّ فترك على حاله كما ترك دم.
وأما الذين حذفوا الزوائد وردوا فإنهم جعلوا الإضافة تقوى على حذف الزوائد كقوتها على الرد وقد ذكرت العلة في هذا.
قال: " وسألت الخليل عن الإضافة إلى ابنم فقال: إن شئت حذفت الزوائد فقلت:
بنويّ، كأنك أضفت إلى ابن.
وإن شئت تركته على حالة فقلت: ابنميّ كما قلت: ابني، واستي.
وهذا قياس من الخليل لم تتكلم به العرب.
قال: " وأما بنت فإنك تقول: بنويّ، من قبل أن هذه التاء التي هي للتأنيث لا تثبت في الإضافة، كما لا تثبت في الجمع بالتاء؛ وذلك لأنهم شبهوها بهاء التأنيث، فلما حذفوا، وكانت زيادة في الاسم، كتاء سنبتة وتاء عفريت، ولم تكن مضمومة إلى الاسم كالهاء، يدلك على ذلك سكون ما قبلها، جعلناها بمنزلة ابن.
فإن قلت: بني جائز كما قلت: بنات فإنه ينبغي لك أن تقول: بني في ابن كما قلت: بنون.
فإنما ألزموا هذا الرد في الإضافة لقوتها على الرد؛ ولأنها قد ترد، ولا حذف.
فالتاء يعوض منها كما يعوض من غيرها وكذلك كلتا وثنتان، تقول: كلويّ وثنويّ وفي بنتان بنويّ "
قال أبو سعيد: اعلم أن تاء التأنيث قد دخلت على أسماء مؤنثة، فجعلت عوضا من المحذوفات في أواخر تلك الأسماء، فأجريت مجرى الحرف الأصلي وسكن ما قبلها، وخولف بها مذهب هاء التأنيث.
إذ كان هاء التأنيث بفتح ما قبلها وهذه الأسماء يكون ما قبل التاء فيها ساكنا، وذلك قولهم: بنت، وأخت، وهنت،
وذيت، وجعلت أخت بمنزلة قفل، وبنت بمنزلة
[ ٤ / ١١٥ ]
جذع، وهنت، وذيت بمنزلة فلس، فصار التأنيث في هذه الأسماء مذهبان:
مذهب الحروف الأصلية لسكون ما قبلها.
ومذهب هاء التأنيث؛ لأنها لم تقع إلا على مؤنث ومذكرها، بخلاف لفظها، كأخ، وابن، وهن، فجمعتها العرب، وصغرتها بالرد إلى الأصل، وترك الاعتداد بالتاء، فقالوا:
أخوات وبنات، وهنات وقالوا في التصغير أخيّة، وبنيّة، وهنية، أو هنيهة، فاختار النحويون ردها إلى الأصل في النسبة، كما ردتها العرب في التصغير والجمع إلى ذلك حين قالوا:
أخية، وأخوات وإذا ردوها إلى الأصل وجب أن يقال: بنوي في بنت، وأخوي في أخت، وفتحت الياء؛ لأن الجمع قد دلّ على فتح الياء في الأصل حين قالوا بنات وأخوات. فإن قال قائل: فهلا أجزتم في النسبة إلى بنت: بنيّ، من حيث قالوا: بنات كما قلتم: أخويّ من حيث قالوا أخوات، فإن الجواب عن ذلك أنهم قالوا في المذكر: بنويّ ولم يقولوا فيه:
بنيّ إنما قالوا: بنوي، أو ابنيّ، فلم يحملوا على الحذف إذ كانت الإضافة قوية على الحذف.
وكان يونس يجيز بنتيّ، وأختيّ على ما ذكرناه من إلحاقهما بجذع، وقفل، وإجراء الملحق بمنزلة الأصل ولم يكن يقول: في هنت، ومنت: هنتيّ ومنتيّ.
فقال الخليل: من قال بنتيّ قال: هنتيّ يعني يجب عليه أن يقول هذا.
قال: وهذا لا يقوله أحد.
واستدل سيبويه على أن أصل " ابن " و" بنت " فعل (كما) أن أختا أيضا فعل بقولهم:
أخوك وأخاك، وأخيك، فاستدل بفتح أوله، وبقولهم " آخاء " في الجمع فيما حكاه يونس عن بعض العرب.
قال:
وأي بنو الآخاء تنبو مناسبه (١)
وقد ذكرت هذا في غير هذا الموضع.
وإنما قالوا في النسبة إلى الاثنين: ثنويّ؛ لأن أصله فعل، وقول العرب ثنتان لا يبطل ذلك، كما أن كسر الباء في بنت لا يبطل أن يكون أصل بنيتها فعلا ويقوي ذلك أيضا
_________________
(١) في اللسان: (أخا).
[ ٤ / ١١٦ ]
أنهم يقولون في الاثنين: أثناء كما قالوا: أبناء.
وإذا نسبت إلى ذيت قلت ذيويّ؛ لأن هذه التاء بمنزلة التاء في بنت فيلزم حذفها ورد الكلمة إلى أصلها، والأصل ذيّة، فإذا نسبنا إليها قلنا: ذيوي، كما تقول في حيّة:
حيويّ.
وأما كلتا فإن سيبويه ذكرها بعد بنت، وقد ذكر أن التاء في بنت للتأنيث، وأنهم شبهوها بهاء التأنيث في إسقاطها من النسب فقال على سياق كلامه: كلتا، وثنتان، يقال:
كلويّ، وثنويّ.
وفي بنتان: " بنويّ " فأوجب ظاهر هذا الكلام أن التاء في كلتا كالتاء في بنت، فإن سمي بها شيئا لم يصرفه في معرفة، ولا نكرة.
وهذه التاء بمنزلة التاء في بنت، غير أنها لما صارت للإلحاق جاز أن تلحقها ألف التأنيث فمن حيث وجب رد بنت في النسبة إلى الأصل، وحذف التاء منها وجب رد كلتا إلى الأصل، وحذف التاء منها ثم تحذف ألف التأنيث فيقال: كلويّ، واللام محركة؛ لأنه قد صح تحريكها في كلا فيقال كلويّ من أجل ذلك.
ومن فسر من أصحابنا أن التاء في كلتا عوض من الواو فغير خارج عما قلنا؛ لأنّا نقول إن الألف في اسم عوض مما حذف، وكذلك في ابن وما جرى مجراه، ولا يمنع ذلك من رده إلى الأصل في النسبة. ومن قال إن التاء بدل من الواو، كما يبدل الحرف مكان الحرف، في نحو قوله: ستّة وأصلها سدسة لزمه أن يقول: كلتيّ.
وكان الجرمي يقول: كلتا فعتل والتاء زائدة، والألف من الأصل، والنسبة إليها كلتويّ كما يقال في ملهى: ملهوي، وليس ذلك بقول مختار.
لأن زيادة التاء في مثل هذا الموضع غير موجود؛ لأنها زيادة تاء قبل لام " الفعل " ولا أعلم له في الكلام نظيرا، وإذا نسبت إلى " فم " وأصله فوه؛ لأن جمعه أفواه فإن سيبويه أجاز فيه " فميّ " و" فمويّ ".
وقال: ومن قال في التثنية فمان جاز أن يقول: فميّ، وفمويّ كما يقال في دم:
دميّ ودمويّ.
ومن قال: فموان، فلا يجوز إلا فمويّ، كما يقول في أخ: أخويّ من حيث قال أخوان. وكان أبو العباس المبرد يقول: من لم يقل فميّ فحقه أن يرده إلى الأصل، والأصل
[ ٤ / ١١٧ ]
فوه، فيقولون: فوهيّ. وإنما ذهب سيبويه في فمويّ إلى قول الشاعر.
هما نفثا في فيّ من فمويهما على النّابح العاوى أشدّ رجام (١)
فلما رد الواو في التثنية وجب ردها النسبة.
فإن قال قائل: ولم رد الشاعر الواو في التثنية، والميم بدل منها، وإنما يرد ما ذهب والواو كأنها موجودة في الكلمة لوجود بدلها.
قيل له لا ينكر في الضرورة مثل ذلك؛ لأنه ربما زيد على الكلمة حرف من لفظ ما هو موجود فيه كقولهم: قطنّ، وخينّ فكيف من لفظ ما قد غيّر.
ويجوز أن يكون لمّا كان الساقط من بنات الحرفين إذا كان أخيرا فالأغلب أن يكون واوا ردّ واوا؛ لأنه رأى فما على حرفين.
وقال بعضهم إن الميم بدل من الهاء وإن الساقط من فم هو الواو فلذلك ردها.
وإذا نسبت إلى رجل اسمه ذو مال قلت: ذوويّ.
ترد الذاهب، لأن " ذو " اسم على حرفين، الثاني من حروف المد واللين، ولا يقوم بنفسه مفردا، فرددنا الذاهب، وعين الفعل منه واو مفتوحة، فتقول: ذوو، ووزنه فعل والدليل على ذلك قوله: " ذواتا أفنان ".
وكذلك إذا نسبت إلى ذات مال، لأنك تحذف تاء التأنيث فيستوي الذكر والأنثى، وإذا أضفت إلى رجل اسمه " فوزيد، فكأنك إنما تضيف إلى فم فتكون نسبته، كالنسبة إلى " فم " وقد مضى نحو ذلك.
قال: (وأما الإضافة إلى شاء فشاويّ، كذلك يتكلمون به.
قال الشاعر:
فلست بشاويّ عليه دمامة إذا ما غدا يغدو بقوس وأسهم (٢)
وإن سميت به رجلا أجريته " على القياس "
يعني: إذا قلنا: شاو يريد به صاحب شاء، فليس إلا الواو؛ لأن العرب هكذا نسبت في ذا المعنى، كما نسبت إلى الجمّة: جمّانيّ، إذا كان صاحب جمّة.
_________________
(١) المقتضب: ٣/ ١٥٨، والخزانة ٢/ ٢٦٩ - ٢٧٢، ٢/ ٣٤٦، واللسان: (فوه).
(٢) شواهد سيبويه: ٣/ ٣٦٧، واللسان: " قرش ".
[ ٤ / ١١٨ ]
فإن كان رجل اسمه شاء، ثم نسبت إليه، كان الأجود، " شائي " ويجوز شاويّ. على قياس ما مر. كما أن رجلا لو كان اسمه جمّة ثم نسبنا إليه لقلنا جمّيّ.
وإذا أضفت إلى شاة قلت: شاهيّ؛ لأن الذاهب منه هاء، ألا ترى أنك تقول:
شويهة في التصغير وشياه في الجمع.
قال: (وأما الإضافة إلى لات من اللات، والعزّى فإنك تمدها، كما تمد لا ).
يعني تقول: لائي، وذلك لأنك تحذف التاء؛ لأن من الناس من يقف عليه، فيقول:
لاه، ويصلها بالتاء فصار كهاء التأنيث، ويحذف في النسبة فيبقى لا، ولا يبدي ما الذاهب منه على قوله، فزيد حرف آخر من جنس الحرف الثاني منه، وهو الألف كما يقال في " لو " و" كي " و" لا ": " لوّ "، و" كيّ "، و" لاء ".
ومن الناس من يقول: إن الذاهب منه هاء، وإن أصله لاهة؛ لأن القوم الذين سموه بذلك هم الذين اتخذوها إلهة، وعبدوها، ولا أحب الخوض في هذا، والنسبة إليه.
وأم الإضافة إلى ماء، فمائي. ومن قال: عطاويّ. قال: ماويّ.
قال: " وأما الإضافة إلى " امرئ "، فعلى القياس، تقول: امرئيّ وتقديرها " أمرعيّ "، لأنه ليس من بنات الحرفين، وليس الألف هاهنا بعوض فهو كالانطلاق اسم رجل، ولم يخير سيبويه فيه كما خير في اسم، وابن فأجاز فيه بنويّ وابنيّ، وكذلك ما يشبه الابن مما بعد ألف وصله حرفان، وجعل القياس في امرئ: امرئيّ وفرق بينهما؛ لأن ابنا واسما، واستا، قد حذفت أواخرها فصارت كذوات الحرفين نحو دم ويد وامرؤ لم يذهب من حروف أصله شيء، فكانت ألف الوصل فيه، كألف الوصل في انطلاق.
وأنت إذا نسبت إلى الانطلاق، لم تحذف منه شيئا وكسرت الراء في " امرئ " على كل حال؛ لأن الهمزة مكسورة، لأجل ياء النسب، فتبعتها الراء.
قال: وقد قالوا: مرئيّ في النسبة إلى امرئ القيس.
وهذا عنده من الشاذ الخارج عن القياس فهذا قول سيبويه ولا يعرف " امرئيّ " ولكنه أتي به على القياس. والمعروف في كلام العرب مرئيّ.
[ ٤ / ١١٩ ]
قال ذو الرمة:
ويذهب بينها المرئيّ لغوا كما ألغيت في الدّبة الحوارا (١)
وقال محمد بن حبيب: كل من اسمه امرؤ القيس من العرب، فالنسبة إليه مرئي إلا امرأ القيس في كنده، فإنه يقال:
مرئيّ ".