" وذلك في الوقف لا في الوصل لأن الوصل في كلامهم كثير معروف، وإذا جاز الشيء في الكلام فهو في الشعر أجوز، وذلك قولك: هذا بكر ومن بكر، ولم يقولوا رأيت البكر لأنه في موضع التنوين، وقد يلحق ما يبين حركته، والمجرور والمرفوع لا يلحقها ذلك في كلامهم، ومن ثم قال الراجز، بعض السعديين:
أنا ابن ماويّة إذا جدّ النقر (٣)
_________________
(١) قائله عبد مناف بن ربع الهذلي ديوان الهذليين ٢/ ٣٩.
(٢) قائله قارب بن سالم المري انظر النوادر ١٦٧ - ١٦٨، المخصص ٤/ ٦٩.
(٣) نسب هذا البيت إلى فدكن بن عبد الله المنقري انظر الخزانة الأدب ٤/ ٥٥٩، والدرر ٢/ ٢٣٤.
[ ٥ / ٤٤ ]
أراد: النقر إذا نقر بالخيل، ولا يقال في الكلام إلا النقر في الرفع وغيره ".
قال أبو سعيد: اعلم أن بعض العرب يكره اجتماع الساكنين في الوقف كما لا يجتمعان في الوصل، فيلقي الحركة التي تكون في الوصل على الساكن الذي قبله إذا كان ضما أو كسرا، ولا يلقيه إذا كان فتحا على ما نشرح لك إن شاء الله تعالى، تقول: هذا بكر، والأصل بكر، فلما وقف عليه بطل التنوين والإعراب ألقى ضمة الإعراب على الكاف، وكذلك أخذته من بكر، فإذا قال: رأيت البكر لم يحرك الكاف ولم يلق فتحة الراء على الكاف، وذلك أن الأصل من قبل دخول الألف واللام أن تقول: رأيت بكرا إذا وقفت فتحرك الراء وتستغني عن إلقاء حركتها على الكاف فلما أدخلت الألف واللام قام الألف واللام مقام التنوين فلم تغير الكاف كما لا تغير في رأيت بكرا حين جعلت الألف بدلا من التنوين. وقال بعض أصحابنا ينبغي على ما حكاه الأخفش من قول من يقول من العرب: رأيت عمرو وضربت زيد فيقف عليه كما يقف على المرفوع، ألا يعوض بأن يقول: رأيت البكر ورأيت عمر، لأنه يلقي حركة الإعراب على الساكن قبله إذ لم يبدل من التنوين ألفا، والنقر هو صويت بصوت بالفرس إذا استدعى ليركب، ومن العرب فيما حكاه سيبويه من يحرك الساكن الأول في الوقف على حركة ما قبله ولا يلقي عليه حركة ما بعده، فيقول: " هذا عدل وفسل فأتبعوها الكسرة الأولى ولم يفعلوا ما فعلوا لأنه ليس في كلامهم فشبهوها بمنتن، وقالوا في البسر ولم يكسروا في الجر لأنه ليس في الأسماء فعل، فأتبعوها الأول وهم الذين يخففون في الصلة البسر وقالوا: رأيت العكم وفي بعض النسخ رأيت العكم، فلم يفتحوا الكاف كما لم يفتحوا كاف البكر، وجعلوا الضمة إذا كانت قبلها بمنزلتها إذا كانت بعدها وهو قولك: رأيت الجحر، وإنما فعلوا ذلك في هذا لأنهم لما جعلوا ما قبل الساكن في الرفع والجر مثله بعده صار في النصب كأنه بعد الساكن ".
قال أبو سعيد: جملة ذلك أنه لا يحرك الساكن الأول بالفتح في حال من الأحوال لا بإلقاء فتحة ما بعده، ولا باتباع فتحة ما قبلة لا تقول رأيت البكر ولا هذا البكر فتتبع الكاف الباء وإنما يحرك الساكن الأول بالضم أو الكسر فإن كان الحرف الأول مفتوحا حركه بحركة ما بعده كقولك: هذا بكر وأخذت من بكر وإن، كان الحرف الأول مضموما أو مكسورا أتبع ما قبله كقولك: هذا عدل وهذا بسر في لغة من يقول هذا بسر بإسكان السين، ومن قال: هذا بسر فلا عمل في لغته وإنما كرهوا إلقاء حركة الأخير في
[ ٥ / ٤٥ ]
قولهم: هذا عدل لأنهم لو ألقوا الضم الذي في اللام على الدال لصار عدل وليس في الكلام فعل فكان الإتباع أولى عندهم، وكذلك لو ألقوا كسرة الحرف الأخير على السين، إذا قلت في البسر البسر صار على فعل وليس في الأسماء فعل فكان الإتباع للأول أولى، ولو قلت: مررت بعدل أو شبل جاز أن تكون كسرة الحرف الثاني للإتباع لما قبل، وجاز أن تكون بإلقاء حركة ما بعده عليه، وتقول: رأيت الجحر والعدل فلا يكون إلا إتباعا، لأن حركة المنصوب لا تلق على ما قبله، وقد ذكرنا ذلك.
قال: " ولا يكون هذا في زيد وعون ونحوهما، لأنهما حرفا مد فهما يحتملان ذلك كما احتملا أشياء في القوافي لم يحتملها غيرهما، وكذلك الألف، ومع هذا كراهية الضم والكسر في الياء والواو، وأنك لو أردت ذلك في الألف قلبت الحرف ".
قال أبو سعيد: يريد أنك لا تقول: هذا زيد وعون، ولا أخذت من زيد وعون كما قلت هذا بكر وأخذت من بكر، لأن الياء والواو يستثقل فيهما الضم والكسر وهما من حروف المد واللين، فاحتملا اجتماع الساكنين في الوقف أشد من احتمال غيرهما كما اختصا في القوافي بأشياء لم يحتملها غيرهما، وسنقف على ذلك من اختصاصهما في القوافي وغير ذلك، وقد مر بعضه.
قال: " واعلم أن من الحروف حروفا مشربة ضغطت من مواضعها، فإذا وقفت خرج معها من الفم صوبت ونبا اللسان عن موضعه، وهي حروف القلقلة وستبين في الإدغام، وذلك القاف والجيم والطاء والدال والباء، والدليل على ذلك أنك تقول:
الحذق فلا تستطيع أن تقف إلا مع الصويت لشدة ضغط الحرف، وبعض العرب أشد صوتا كأنهم الذين يرومون الحركة ".
قال أبو سعيد: ينبغي إذا أردت امتحان ذلك أن تبتدئ بحرف من الحروف وتثني بأحد هذه الحروف الخمسة فتقف عليه، فإنك تسمع صويتا عند الوقف عليه كقولك:
اق واج واط واد وات، وقد تدخل في ذلك الكاف كقولك اك، وذلك أن هذه الحروف لما انضغط موضعها ولم يكن للصوت منفذ صار الوقف عليه وقطعه بمنزلة قطع شيء شديد التحزيق، والتحزيق الذي يوجب التصويت؛ لأن ما كان منفذا لم يكن له في التصويت من الأثر ما للمحزق.
قال: " ومن المشربة حروف إذا وقفت عندها خرج معها نحو النفخة ولم تضغط ضغط الأول وهي الطاء والذال والضاد والزاي، لأن هذه الحروف إذا خرجت
[ ٥ / ٤٦ ]
بصوت الصدر انسّل آخره وقد فتر من بين الثنايا، لأنه لا يجد منفذا فيسمع نحو النفخة، وبعض العرب أشد صوتا وهم كأنهم الذين يرومون الحركة، والضاد تجد المنفذ من بين الأضراس، وسنبين هذه الحروف في باب الإدغام إن شاء الله تعالى، وذلك قولك: هذا نشز، وهذا خفض " وإذا امتحنته بما ذكرته لك وجدت النفخة التي ذكرها إذا قلت: اظ، اذ، اض، از، ومعنى قوله " انسّل آخره وقد فتر من بين الثنايا لأنه لا يجد منفذا ".
يريد انسّل آخر هذه الحروف من بين الثنايا لأنه لا يجد منفذا غير ذلك، وانسلاله هو النفخ، ومعنى قوله " وقد فتر " يريد إذا ضعف وما يخرج في الظاء والذال والزاي من بين الثنايا يخرج في الضاد من بين الأضراس.
قال: " وأما الحروف المهموسة فكلها تقف عندها مع نفخ، لأنهن يخرجن مع التنفس لا صوت الصدر، وإنما تنسل معه وبعض العرب أشد نفخا كأنهم الذين يرومون الحركة فلابد من النفخ، لأن النفس نسمعه كالنفخ ".
قال أبو سعيد: ذكر الأربعة الظاء والذال والضاد والزاي لأنها من الحروف المجهورة ومثلها في النفخ جميع الحروف المهموسة، فأجملها وهي عشرة أحرف السين والشين والصاد والحاء والخاء والثاء والكاف والفاء والهاء والتاء، وقد ذكر التاء في حروف القلقلة وهي من الحروف المهموسة، وقد ذكر لها نفخا.
قال: ومنها حروف مشربة لا تسمع بعدها في الوقف شيئا مما ذكرنا لأنها لم تضغط ضغط القاف ولا تجد منفذا كما وجد في الحروف الأربعة ".
يعني في الظاء والذال والضاد والزاي، وذلك اللام والنون لأنهما ارتفعا عن الثنايا، فلم يجدا منفذا وكذلك الميم لأنك تضم شفتيك ولا تجافيهما، يعني لا تجافى شفتيك، كما جافيت لسانك في الأربعة حيث وجدنا المنفذ، وكذلك العين والغين والهمزة، لأنك لو أردت النفخ من مواضعها لم يكن كما لا يكون من مواضع اللام والميم، وما ذكرت لك من نحوهما، ولو وضعت لسانك في مواضع الأربعة لاستطعت النفخ، وكان آخر الصوت حين يفتر نفخا والراء نحو الضاد.
قال: " اعلم أن هذه الحروف التي يسمع معها الصويت والنفخة في الوقف لا يكون فيهن في الوصل إذا سكن، لأنك
لا تنتظر أن ينبو لسانك ولا يفتر الصوت حتى تبتدئ صوتا، وكذلك المهموس لأنك لا تدع صوت الفم يطول حتى تبتدئ صوتا
[ ٥ / ٤٧ ]
وذلك قولك: ايقظ عميرا واخرج حاتما واحرز مالا وافرش خالدا وحرك عامرا، وإذا وقفت في المهموس والأربعة ".
يعني الظاء والذال والضاد والزاي قلت افرش واحبس، فمددت وسمعت النفخ فيتفطن لذلك، وكذلك الفظ وخذ فنفخت فتفطن، فإنك تجده إن شاء الله، ولا يكون شيء من هذه الأشياء في الوصل نحو أذهب زيدا وخذهما واحرسهما " وبعض يروي واحرشهما.