" أما كل اسم منون فإنه يلحقه في حال النصب في الوقف الألف كراهية أن يكون التنوين بمنزلة النون اللازمة للحرف منه أو زائدة فيه لم تجئ علامة للمنصرف،
[ ٥ / ٣٧ ]
فأرادوا أن يفرقوا بين التنوين والنون ".
قال أبو سعيد: اعلم أن العرب لا تقف على تنوين، لأنه زائد دخل للفرق بين ما ينصرف وما لا ينصرف، وهو كالإعراب لأنه يتبع الإعراب ولأنه لا يوقف على الإعراب كما لا يوقف عليه، ومع أنهم أرادوا الفرق بين النون الأصلية وما جرى مجرى الأصلية وبين هذا التنوين في الوقف فأما الأصلية فنحو حسن، وما جرى مجرى الأصلية فنحو رعشن وخلبن، فلو قالوا زيدا لأشبه رعشن في الوقف، ويقلبون من التنوين إذا كان بعد فتحة النصب ألفا في الوقف، فيقولون رأيت زيدا، وعلى هذا كل العرب إلا ما حكى الأخفش عن قوم منهم أنهم يقولون: رأيت زيد بلا ألف.
قال أبو العباس محمد بن زيد: من قال رأيت زيد بغير ألف يلزمه أن يقول في جمل جمل، يريد أنه إذا وقف على المنصوب بلا ألف فأجراه مجرى المخفوض والمرفوع، وسوى بين ذلك لزمه أن يسوي بين الفتح والضم والكسر، فيخفف الفتحة في جمل كما يخفف الضمة في عضد، فيقول: عضد والكسرة في فخذ فيقول: فخذ وإنما أبدل من التنوين ألفا إذا كان قبلها فتحة النصب، لأن الألف والفتحة خفيفتان، وقد بين ذلك وتبين بما يزيدك إيضاحا إن شاء الله.
قال: " ومثل هذا في الاختلاف الحرف الذي فيه هاء التأنيث، فعلامة التأنيث إذا وصلته التاء، وإذا وقفت ألحقت الهاء، أرادوا أن يفرقوا بين هذه التاء والتاء التي من نفس الحرف من نحو تاء ألقت وما هو بمنزلة ما هو من نفس الحرف نحو تاء سنبته وتاء عفريت؛ لأنهم أرادوا أن يلحقوهما ببناء قحطبة وقنديل، وكذلك التاء في بنت وأخت، لأن الاسمين ألحقا بالتاء ببناء عمر وعدل.
قال أبو سعيد: يريد أنهم فصلوا في الوقف بين النون الأصلية والملحقة بالأصلية في حسن ورعشن وبين التنوين في زيد وعمرو، كما فصلوا بين علامة التأنيث التي هي التاء وبين ما التاء فيه أصلية أو ملحقة بالأصلية، فقالوا في علامة التأنيث: هذه تمرة وطلحة وما أشبه ذلك، ووقفوا عليها بالهاء، فإذا وصلوا قالوا: تمرتك وطلحتك وقالوا في الأصلية:
قت في الوقف وقتّ في الوصل، فهي تاء في الحالين والملحق به التاء في سنبت وتاء عفريت والتاء في بنت وأخت.
قال أبو سعيد: وفي كلام سيبويه سهو لأنه مثل بتاء سنبته ولا يقع عليها وقف وإنما ينبغي أن تكون تاء سنبت أو ما أشبهه مما يوقف على التاء فيه.
[ ٥ / ٣٨ ]
قال: " وفرقوا بينها وبين تاء منطلقات، لأنها كأنها منفصلة من الأول، كما أن موت منفصل من حضر في حضر موت، وتاء الجميع أقرب إلى التاء التي هي بمنزلة ما هو من نفس الحرف من تاء طلحة لأن تاء طلحة كأنها منفصلة ".
قال أبو سعيد: الوقف على تاء الجميع بالتاء وتاء التأنيث للواحدة بالهاء، لأنها إذا كانت مع الألف فهي والألف علامة الجمع والتأنيث فكأنها دخلت على الألف لا على الاسم، وإذا كانت وحدها فقد ضمت إلى الاسم، فهي منفصلة مما قبلها وفي الجمع ليست منفصلة من الألف، فهي إلى تاء الإلحاق أقرب، فلذلك جعلوها تاء في الوصل والوقف.
قال: " وزعم أبو الخطاب أن ناسا من العرب يقولون طلحت في الوقف كما قالوا في تاء الجميع قولا واحدا في الوقف والوصل ".
قال: " وإنما ابتدأت في ذكر هذا لأبين لك المنصرف ".
يعني ما فيه التنوين لنبين لك كيف حاله في الوقف وما يبدل من تنوينه وما ليس بمنصرف لا يدخل في ذلك، وقد ذكر لك حال المنصوب المنصرف في الوقف.
قال: " وأما في حال الجر والرفع فإنهم يحذفون الياء والواو، لأن الياء والواو أثقل عليهم من الألف، فإذا كان قبل الياء كسرة وقبل الواو ضمة، كانا أثقل وقد يحذفون في الوقف الياء التي قبلها كسرة وهي من نفس الحرف نحو القاض، فإذا كانت الياء هكذا فالواو بعد الضمة أثقل عليهم من الكسرة لأن الياء أخف عليهم من الواو، فلما كان في كلامهم أن يحذفوها وهي من نفس الحرف كانت ها هنا يلزمها الحذف إذ لم تكن من نفس الحرف ولا بمنزلة ما هو من نفس الحرف نحو ياء محبنطي ومجعبي.
قال أبو سعيد: يريد أنهم لا يقولون مررت بزيدي ولا جاءني زيدو في الوقف، ولا يبدلون من التنوين واوا في المرفوع ولا ياء في المخفوض، لأن الياء والواو يثقلان، وقد حذفوا الياء الأصلية في قولهم القاض والضمة في عضد والكسرة في فخذ، فقالوا: القاض وفخذ وعضد. فإذا حذفوا ما هو من نفس الحرف استثقالا كان حذف الزائد أولى والياء في محبنطي ومجعبي للإلحاق، فهي بمنزلة ما هو من نفس الحرف، ومعنى مجعبي مصارع، يقال: جعبه وجعباه إذا صرعه.
قال: " فأما الألف فليست كذلك لأنها أخف عليهم، ألا تراهم يفرون إليها في مثنى
[ ٥ / ٣٩ ]
ونحوه ولا يحذفونها في وقف، ويقولون في فخذ فخذ، وفي رسل رسل، ولا يقولون في جمل جمل ولا يخففون، لأن الفتحة أخف عليهم من الضمة والكسرة كما أن الألف أخف من الياء والواو، وسترى بيان ذلك إن شاء الله.
وزعم أبو الخطاب أن أزد السراة يقولون: هذا زيدو، وهذا عمرو، ومررت بزيدي وعمري، جعلوه قياسا واحدا فأثبتوا الياء والواو كما أثبتوا الألف.