" وإنما حذفوا الألف ها هنا بعد الساكن؛ لأن من كلامهم أن يحذف وهو بعد غير ساكن فلما كان ذلك من كلامهم حذفوها ها هنا وجعل التحرك في الساكنة الأولى حيث لم يكن ليلتقي ساكنان وجعلوا هذا سبيلها ليفرقوا بينها وبين الألف المقطوعة، فجملة هذا الباب أن يكون الساكن الأول مكسورا وذلك قولك: اضرب ابنك وأكرم الرجل
واذهب اذهب قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ (١)؛ لأن التنوين ساكن وقع بعده حرف ساكن فصار بمنزلة باء اضرب ونحو ذلك. ومن ذلك: إن الله عافاني فعلت، وعين الرجل وقط الرّجل ولَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ (٢) ونظير الكسر ها هنا قولهم: حذار وبداد ألزموهما الكسر كلامهم، فجعلوا سبيل هذا الكسر في كلامهم، فاستقام هذا الضرب على هذا ما لم يكن اسما نحو حذام لئلا يلتقي ساكنان ونحوه قولهم: جير يا فتى وفاق فاق كسروا هذا إذ كان من كلامهم أن يكسروا إذا التقي ساكنان. وقال الله ﷿: قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ (٣) فضموا الساكن حيث حركوه كما ضموا الألف في الابتداء وكرهوا الكسر ها هنا كما كرهوه في الألف فخالفت سائر السواكن كما خالفت الألف سائر الألفات.
وقد كسر قوم فقالوا: قل انظروا، وأجروه على الباب الأول ولم يجعلوها كالألف ولكنهم جعلوها كآخر جير. وأما الذين يضمون فإنهم يضمون في كل ساكن يكسر في
_________________
(١) سورة الإخلاص، الآية: ١، ٢.
(٢) سورة التوبة، الآية: ٤٢.
(٣) سورة يونس، الآية: ١٠١.
[ ٥ / ٢١ ]
غير الألف المضمومة، فمن ذلك قوله ﷿: وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ (١) وَعَذابٍ * ارْكُضْ (٢)، ومثله أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) وهذا كله عربي قد قرئ به وهي قراءة الحسن. " ومن قال (قل انظروا) كسر جميع هذا ".
قال سيبويه: " واعلم أن العرب قد فتحت الساكن في هذا الباب في حرفين:
أحدهما قوله ﵎: الم اللَّهُ لما كان من كلامهم أن يفتحوا لالتقاء الساكنين فتحوا هذا وفرّقوا بينه وبين ما ليس بهجاء، نظير ذلك قولهم: من الله ومن الرسول ومن المؤمنين لمّا كثرت في كلامهم ولم تكن فعلا وكان الفتح أخف عليهم فتحوا وشبهوها بأين وكيف. وزعموا أن ناسا من العرب يقولون: من الله فيكسرون ويجرونه على القياس. وأمّا (الم) فلا يكسر، لم يجعلوه في ألف الوصل بمنزلة غيره، ولكنهم جعلوه كبعض ما يتحرك لالتقاء الساكنين ونحو ذلك: لم يلده واعلمّن ذلك؛ لأن للهجاء حالا قد تبيّنّ.
وقد اختلف العرب في من إذا كان بعدها ألف وصل غير ألف اللام فكسره قوم على القياس وهي أكثر في كلامهم، وهي الجيدة ولم يكسروا في ألف اللام؛ لأنها مع ألف اللام أكثر؛ لأن الألف واللام كثيرة في الكلام تدخل في كل اسم ففتحوا استخفافا فصار من الله بمنزلة الشاذ، وذلك قولك: من ابنك ومن امرئ، وقد فتح قوم فصحاء فقالوا:
من ابنك فأجروها مجرى من المسلمين ".
قال أبو سعيد: اعلم أن الحرف الساكن إذا لقيه ألف الوصل فهو على ضربين:
أحدهما أن يكون الساكن من حروف المدّ واللين، وهي الألف والياء التي قبلها حرف مكسور والواو التي قبلها حرف مضموم؛ والآخر أن يكون الساكن غير هذه الحروف، فإن كان الساكن من حرف المدّ واللين التي ذكرت لك سقط في اللفظ؛ لأن ألف الوصل تسقط ويلتقي ساكنان فيسقط الأول منهما لاجتماع الساكنين إذ كان من حروف المدّ الذي لا يحرّك. فأما الألف فقولك: رمي الرجل وتحفّي الرجل. وأما الياء فقولك: يرمي الرجل ويقضي الحقّ. وأما الواو فقولك: يغزو القوم ويدعو الرجل، وأما غير هذه الحروف فإنه يحرّك لالتقاء الساكنين، فمنه ما يحرّك بالكسر لا غير، ومنه ما يجوز
_________________
(١) سورة يوسف، الآية: ٣١.
(٢) سورة ص، الآية: ٤٢، ٤١.
(٣) سورة المزمل، الآية: ٣.
[ ٥ / ٢٢ ]
تحريكه بغير الكسر وفي بعض ذلك، فأما ما لا يجوز فيه غير الكسر فأن يكون الساكن غير واو مفتوح ما قبلها وتكون ألف الوصل التي أسقطت غير مضمومة فإن ذلك كله مكسور لا غير كقولك: اضرب الرجل واضرب ابنك واذهب اذهب وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ- ١ اللَّهُ الصَّمَدُ- ٢ وزيد العاقل وزيد اضربه وما أشبه ذلك. وقد شذ من ذلك حرفان ففتحا وذلك قولهم: من الله ومن الرسول ومن المؤمنين والآخر (الم الله). فأما قولهم من الله فبعض العرب يقول: من الله فيكسر. وإنما فتح من الله وخرج عن قياس نظيره؛ لأنه كثر في كلامهم هذا الحرف وكان الألف واللام كثيرا في كلامهم؛ لأنه يدخل على كل منكور والميم مكسورة فكرهوا توالي الكسرتين مع الكثرة فعدلوا إلى أخف الحركات وكسروا ما لم يكثر مما هو على صورته كقولك: إن الله أمكنني فعلت وكقولك: زن الدرهم وعد الرجل وصل ابنك وما أشبه ذلك.
وكان الكسائي يقول: إنّ من فتحت النون فيها؛ لأن الأصل منا ولم يأت في ذلك بحجة مقنعة. وقد قال: إن كم أصلها كما وخلاف بينهم أنه يقال كم الغلمان وكم الثياب فيكسرون، وروي عن الكسائي أنه فتح الميم في كم. وإذا كان ألف الوصل بعد من مع غير لام التعريف فإن الكسر عند سيبويه أكثر في النون، كقولك: من ابنك؛ لأن ألف الوصل في غير لام التعريف لم يكثر، وأما (الم الله) فكان الأخفش يجيز فيها الكسر (الم الله)، وقد منع سيبويه
ذلك، وفي فتح الميم منها وجهان: أحدهما أنه لالتقاء الساكنين الميم واللام الأولى من الله ولم يكسروا؛ لأن قبل الميم ياء وقبل الياء كسرة، فكرهوا الكسر فيها كما كرهوا الكسر في أين وكيف، والميم أثقل؛ لأن قبل الياء منها كسرة.
والوجه الثاني أنه ألقى فتحة الألف من قولنا: ألله على الميم؛ لأن هذه الميم موقوفة حقها أن تبتدأ الألف بعدها مفتوحة؛ فلما وصلت جعلت الهمزة وهي الألف مخفّفة فألقي حركتها على الميم كما يفعل في تخفيف الهمزة، وإذا كانت ألف الوصل المحذوفة مضمومة جاز الكسر والضم. فأما الكسر فعلى قياس ما يوجبه التقاء الساكنين من الكسر. وأما من ضم فإنه يقيم الحرف الساكن مقام ألف الوصل المحذوفة والضم في بعض ذلك أحسن من بعض؛ وذلك قولك: قل انظر؛ لأن الأصل قل أنظر فحذفت ألف الوصل المضمومة وأقمت اللام مقامها في التحريك؛ وكذلك: (أو انقص منه قليلا). وكان أبو العباس المبرد لا يستحسن في عذاب اركض ما يستحسنه في قل انظر، لأن قوله: عذاب اركض يخرج من كسرة إلى ضمة وذلك مستثقل معدوم في أصل " الأبنية " وإذا كسرت " قل انظروا " " وعذاب اركض " و" قالت اخرج عليهن " فهو على أصل القياس ويشبّه سيبويه
[ ٥ / ٢٣ ]
الكسر كسر الساكن الذي بعده ألف الوصل بحذار وبداد ونظار؛ لأنه كان عنده أن نظار وحذار آخرهما ساكن وأنه اجتمع ساكنان في ذلك فكسر آخره لاجتماع الساكنين، ولم يكن ذلك في حذام، اسم امرأة، لأن العرب تختلف في كسر حذام ولم تختلف في نظار وحذار، وذلك مذكور في موضعه، ومثل الكسر قولهم جير ومعناه نعم قال الشاعر:
متى تنأى ببيتك في معد تقل تصديقك العلماء جير (١)
وهو حرف، وجعل نظير ما فتح من الساكن قبل ألف الوصل قولهم:
لم يلده واعلمن ذاك. فأما لم يلده فأصله يلده وحذفوا الكسرة من اللام ثم حركوا الدال لاجتماع الساكنين وفتحوه اتباعا لفتحة الياء، وكرهوا الكسرة في الدال لأنهم هربوا من الكسر فكرهوا العود إلى ما هربوا منه. وأما قولهم: اعلمن ذاك فلان الفتح أخف الحركات ولأنهم أرادوا أيضا الفرق بين المؤنث والمذكر والواحد والجمع، لأنهم يقولون للمؤنث اعلمن ذاك وللجميع اعلمن ذاك.