اعلم أن كل اسم كان على حرفين فحقرته رددته إلى أصله.
وأصله ثلاثة فردّ الحرف الذاهب إليه أين كان، فإن كان الذاهب من أوله رددته كقولك في (عدة) و(زنة) و(شية) وما أشبه ذلك (وعيدة) و(وزينة) و(وشيّة) ويجوز أن تقلب الواو همزة فتقول: (أشيّة)؛ لأنها مضمومة، وحكي الأخفش عن حماد بن الزبرقان النحوي أنه قال في النسبة إلى (شية): " شيويّ " فرد الذاهب من آخره فقال الأخفش:
_________________
(١) دويبة بيضاء ناعمة.
(٢) الشيخ الكبير
[ ٤ / ١٩٢ ]
كأنهم قلبوا فجعلوا أوله في آخره، وعلى هذا القياس لو صغر لجاز أن نقول: (شويّة) والقول ما ذكرناه أولا. ومما ذهب فاؤه قولهم: (خذ) و(كل) فلو سمي رجل ب (خذ) أو (كل)، ثم صغر لقلت: (أكيل)، و(أخيذ)؛ لأنهما من أخذت وأكلت والألف فاء (فعلت) وما كان الذاهب من وسطه فرجل يسمى ب (مذ) إذا صغرته قلت: (منيذ)؛ لأن أصله (منذ) فرددته في التصغير إلى حاله. ولو سمي رجل ب (سل) من قولنا (اسأل) على تخفيف الهمزة ثم صغرت لقيل: (سؤيل)؛ لأن أصله (اسأل) فالهمزة بين السين واللام.
قال: ومن لم يهمز قال: " سويل "؛ لأن من لم يهمز يجعلها من الواو.
يقال: (سال) (يسال) مثل (خاف) (يخاف) وهما يتساولان.
ويقال: (سلته) فهو (مسول) كما يقال (خفته) فهو مخوف، وهذا الوجه الآخر إذا لم يكن من الهمز، يخالف عندي ما أصّله سيبويه؛ لأن من مذهبه إذا سمي رجل ب (قم) أو (خف) أو (بع) رد إليه في التسمية قبل التصغير ما ذهب منه فيقول في المسمى ب (قم)، هذا (قوم)، وب (خف): هذا (خاف) وب (بع) هذا: (بيع)، فإذا سمي ب (سل) من سال يسال، قيل: (سال)، فإذا صغر قيل (سويل)، فالألف فيه موجودة قبل التصغير.
ومما ذهب أوسطه (سه) وهي الإست يقال: (سه) و(إست) و(ست) وأصل ذلك كله (سته)؛ لأنه يقال في جمعه (أستاه) وفي تصغيره: (ستيهة) فمن قال: (سه) حذف التاء التي هي عين الفعل، ومن قال: (ست) حذف الهاء التي هي لام الفعل.
ومما ذهب فيه لام الفعل أسماء منها ما كان على حرفين وليس أوله ألف وصل، ومنها ما كان في أوله ألف وصل والتصغير يجمعهما على لفظ واحد؛ لأن ألف الوصل تذهب في التصغير، وترد لام الفعل، فمن ذلك قولهم في (دم): (دميّ) وفي (يد): (يديّة)؛ لأن أصله (دمي) و(يدي) وفي (شفة): (شفيهة)؛ لأن هاء التأنيث لا يعتد بها وأصله (شفهة) والهاء لام الفعل.
ألا ترى أنك تقول في الجمع (شفاه) وفي تصريف الفعل (شافهت).
ومن ذلك (حر) تقول فيه: (حريح) وفي الجمع: (أحراح) وإنما استثقلوا حرفين بينهما حرف ساكن، وتقول في (سنة): (سنيّة) على قول من جعل الساقط منها واوا، وقال في تصريف الفعل منها (سانيت) ومن قال (سانهت) قال: (سنيهة).
ومن قال في (عضة): (عضيهة)؛ لأنهم يجمعونها (عضاها).
ومن قال: (عضوات) كما يقال: (سنوات) قال: (عضيّة).
[ ٤ / ١٩٣ ]
وتقول في تصغير (فل) من قول أبي النجم:
في لجّة أمسك فلانا عن فل (١)
(فلين) لأن الذاهب منها نون وأصله (فلان) فخفف عنه.
ولو حقرت: (رب) اسم رجل قلت: (ربيب)؛ لأنه مخفف من (ربّ)، وكذلك (بخ) (٢) المخففة تقول: (بخيخ) وأصله التشديد.
قال العجاج:
في حسب بخّ وعزّ أقعسا (٣)
فردّ (بخ) المخففة إلى أصله في التشديد.
كما قال:
فهي تنوش الحوض نوشا من علا (٤)
وإنما المستعمل من (عل) ومن (عل) فرده إلى أصله؛ لأن أصله (علو) فقلبت الواو ألفا لانفتاح ما قبلها.
قال سيبويه: وأظن (قط) كذلك.
يعني (قط) المخففة التي في معنى (حسب) إذا سميت بها رجلا، ثم صغرت قلت:
(قطيط) فترد طاء أخرى؛ لأنك تعني به انقطاع الأمر.
والقط: قطع فكأنها من التضعيف. وتقول في تصغير (فم): (فويه)؛ لأنك تقول في جمعه (أفواه) وأصله (فوه) والهاء ذاهبة كما ذهبت من (شفه) وأبدلت الواو ميما؛ لأنها من مخرجها، فلما جمعوه وصغروه ردوه إلى الأصل، كما قالوا في جمع (ماء): (أمواه) و(مياه)، وفي تصغيره: (مويه)؛ لأن الهمزة في (ماء) منقلبة من هاء فأصله (موه).
ولو صغرت " ذه " من قولنا: (هذه) المرأة وقد جعلته هاهنا اسما لامرأة لقلت:
(ذييّه)؛ لأن هذه الهاء بدل من ياء، يقال (ذي) في معنى (ذه)، و(هذي) في معنى (هذه)، والهاء بدل وأصله ياء، ألا ترى أنّا نقول في تصغير (ذا) للمذكر (ذيّا) ولا هاء فيه.
_________________
(١) البيت من شواهد سيبويه: ٣/ ٤٥٢، والمقتضب: ٢/ ٢٣٨، والخزانة: ٢/ ٣٨٩.
(٢) كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء، وتكرر للمبالغة.
(٣) انظر المقتضب: ١/ ٢٣٤، وابن يعيش: ٤/ ٧٨، وآمالي الشجري: ١/ ٣٩.
(٤) انظر الخزانة: ٤/ ٢٢٥ - ٢٦١، والكتاب: ٣/ ٤٥٢.
[ ٤ / ١٩٤ ]
ولو جاز أن تبقى الهاء في التصغير لثبتت الميم في تصغير (فم) وجمعه.
وإذا خففت " أنّ " ثم سميت بها ثم حقرتها رددتها إلى التضعيف وكذلك المشددة إذا خففتها وسميت بها ثم حقرتها فقلت فيها (أنين).
قال الأعشى:
في فتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كلّ من يحفى وينتعل (١)
وإنما تقديره أنّه هالك.
وقال الله ﷿: إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (٢).
معناه إنه كان وعد ربّنا. وكذلك إن زيد لمنطلق، وأصله (إنّ) زيدا منطلق فخففت كما خففت (لكن)، وأصلها (لكنّ). وأما " إن " التي للجزاء و" إن " التي تلغي في قوله: ما (إن) يقوم، و(إن) التي في معنى (ما) فهي كلها إذا صغرتها بعد أن جعلتها أسماء. زدت فيها ياء فقلت: (أنيّ) كما تقول في (عن): (عنيّ) وفي (من): (منيّ)، وكذلك ما
كان على حرفين إذا كان أصله حرفين ولا تعرف الذاهب منه زدت فيه ياء؛ لأن أكثر المحذوفات كذلك نحو (ابن) و(اسم) و(يد).
قال أبو سعيد: وكذلك (أن) التي تنصب الأفعال و(أن) الزائدة في قوله: ولمّا (أن) جاءَتْ رُسُلُنا (٣)، و(أن) التي في معنى الأمر في قوله تعالى: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ (أَنِ) امْشُوا (٤) كل ذلك يقال فيه (أنّى)، وما كان في أوله ألف وصل كقولك (سميّ)، و(بنيّ)، و(ستيهه)؛ لأن ألف الوصل تذهب على ما تقدم من علة ذلك.