قال أبو سعيد: أما ما كانت العين فيه ثانية وهي واو فلا تتغير في التحقير، لأنها متحركة، وبعدها ياء التحقير ساكنة كقولك في (لوزة): (لويزة) وفي (جوزة): (جويزة) وإذا كانت العين فيه ثالثة وهي واو، فلا بدّ من وقوع ياء التصغير قبلها وهي ساكنة، فتجتمع الواو والياء والأول منهما ساكن، فتنقلب الواو ياء كما قلبت في (ميّت) و(سيّد)، و(قيّام) و(قيّوم)، والأصل (ميوت)، و(سيود)، و(قيوام) و(قيووم)، وذلك قولك في (أسود): (أسيّد)، وفي (أعور): (أعيّر)، وفي (مزود): (مزيّد) وفي (أحوى) " أحيّ " وفي (مهوي): (مهيّ) وفي (أرويّة) (أريّة) وفي (مروّيّة): (مرّيّة) وفي العرب من يظهر الواو في هذا والشرط فيه أن تكون قبل التصغير ظاهرة متحركة وهي عين الفعل، فإن كانت ساكنة أو في موضع لام الفعل وجب قلبها ياء للياء الساكنة التي قبلها، فيجوز في (أسود):
(أسيّود)، وفي (أعور) (أعيور) وفي (مزّود): (مزيود) وأما (أحويّ) و(مهويّ) فإن الأجود فيه (أحيّ) و(مهيّ)، تقلب الواو ياء لما ذكرنا، وكان الأصل (أحيّوي) و(مهيوي)، فقلبت ياء للياء الساكنة قبلها، فصارت: (أحيّي) بثلاث ياءات فحذفت الياء الطرف، لعلة نذكرها في الباب الذي بعده، ولم يصرف " أحيّى "، لأن الألف الزائدة المانعة من الصرف باقية في أوله، وصرف (مهيّى) لأنه لا مانع له من الصرف.
وأما (أرويّة) فإنها على مذهبين أحدهما أنها (فعليّة)، والآخر أنها (أفعولة). وعلى هذا ذكرها سيبويه؛ لأن الباب باب ما كانت عينه واوا، وإذا جعلناها فعليّة، فالواو لام الفعل، فإذا صغرتها على (فعليّة) لم يجز فيها غير (أربيّة) بتشديد الياء؛ لأن الياء الثانية ياء نسبة فتصير بمنزلة منسوبة إلى (مرو) أو إلى (غزو)، وتقول فيه: (مرويّة)
و(غزويّة)، فإذا صغرنا لم يجز في تصغيرها غير (مريّيّة) و(غزيّيّة) بتشديد الياءين فيهما، وإنما قال: (أريّة) إذا كانت (أفعولة) لأن الأصل فيه (أرويّة)، وأدغمت في الياء وكسرت ما قبلها لتسلم الياء فصارت (أرويّة)، فإذا صغرنا أدخلنا ياء التصغير قبل الواو فصار (أريويّه) فقلبنا الواو ياء صارت (أريّيّة) فحذفت الراء المشددة الأخيرة كما حذفوا الياء الأخيرة في (أحيّى) و(مهيّى).
أما (مرويّة) فهي (مفعولة) من (رويته) بالرّواء أي شددته بالحبل والخبل الرّواء
[ ٤ / ٢٠٧ ]
و(رويت) في معنى (جذبت)، وإذا صغرت فهي مثل (أريّة) في هذا الوجه.
وما كانت الواو فيه قبل آخره متحركة وإن كانت زائدة فهي تجري مجرى (أسود) و(مزود) وذلك نحو (جدول) و(قسور) تقول فيه: (جديول) و(قسيور) كما قلت:
(أسيود) و(أريوية) والباب فيه (جديّل) و(قسيّر).
وقوى سيبويه ظهور الواو في التصغير بظهورها في الجمع وأنشد قول الفرزدق:
إلى هادرات صعاب الرّؤوس قساور للقسور الأصيد (١)
قال أبو سعيد: وليس ظهورها في الجمع بحجة قوية لظهورها في التصغير؛ لأنه يقال في " مقام " و" مقال ": " مقاوم " و" مقاول ".
وقد ذكرنا أن الواو ذا كانت لاما انقلبت كقولك في (غزوة): (غزيّة)، و(رضوى) (رضيّا) وفي (عشواء): (عشيّاء) فهذه الواو لا تثبت كما لا تثبت في: (فيعل) نحو (ميّت) و(سيّد) وهاء التأنيث وألفه وياء النسبة والألف والنون لا يوجب شيء من ذلك إظهار الواو تقول في (غزوان): (غزيّان) كما قلت في (عشواء) (عشيّاء)، وفي (غزويّة) إذا أردت النسب (غزيّيّة) وإنما وجب في اللام القلب لا غير وجاز في العين إقرار الواو على الصفة التي ذكرنا أن العين (أقوى) من اللام، لأنهما إذا اجتمعا ياءين وقيل (أوواوين) أو واوا وياء وإحداهما عين والأخرى لام أعلت اللام دون العين نحو (حوى) (يحوى) و(حيى) (يحيا) و(هوى ونوى) فلما كان الأجود في (أسيّد) قلب الواو ياء وهي عين الفعل لزم في اللام القلب لا غير.
ولهذه العلة نقول: إنه لما كان الأجود في الواو المتحركة قبل التصغير قلبها ياء والمتحركة أقوى من الساكنة لزم في الساكنة القلب لا غير كقولك: (عجوز) و(عجيّز) و(حرور) و(حريّر)، ألا ترى أنهم يقولون: (ثوب) و(ثياب) فيقلبون الواو ياء، لسكونها في الواحد، ويقولون: (طويل) و(طوال)، وهو بناء (ثياب) فيقرونها واوا لحركتها في الواحد.
وإذا صغرت معاوية في قول من يقول: (أسيود) جاز إقرار الواو، فتقول فيه: (معيّية) وإذا كان على قول من يقول: (أسيّد) قلت: (معيّة) لأنك إذا قلبت الواو ياء اجتمع ثلاث
_________________
(١) البيت بديوان الفرزدق ٢٠٤، والمنصف لابن جني ٣/ ٢٤.
[ ٤ / ٢٠٨ ]
ياءات فيحذفون الطرف والعرب قد صغرت (معاوية) على (معيّة) قال الشاعر:
وفاء ما معيّة من أبيه لمن أوفى بعهد أو بعقد (١)
هذا باب تحقير بنات الياء والواو اللاتي لاماتهن ياءات وواوات
اعلم أن ما كان من ذلك على ثلاثة أحرف فإنه تستوي الواو والياء فيه لانقلاب الواو ياء على ما ذكرنا، وذلك قولك في (قفا): (قفىّ) وفي (فتى): (فتيّ) وفي (جرّو):
(جري) وفي (ظبّي): (ظبيّ) فإن زيد قبل آخره ألف ثم صغرت اجتمع ثلاث ياءات فحذفت الأخيرة منها كقولك في (عطاء): (عطي)، وفي (قضاء): (قضيّ) وفي (سقاية):
(سقيّة) وفي (سقاء): (سقيّ) وفي (إداوة): (أديّة)، فهذا لا يجوز غيره، وحذف الياء الأخيرة من ذلك مثل الحذف في (معيّة) وقد ذكرناه. ونقول في (شاوية): (شويّة)، وفي (غاو): (غويّ) على قول من يقول: (أسيّد) ومن قال (أسيود) فإنه يقول: (شويوية) و(عويوي) لأن الواو في (شاوية) عين الفعل وهي متحركة قبل التصغير فلذلك جاز إقرارها ولم تحذف الياء؛ لأنه لم يجتمع ثلاث ياءات، وإذا صغرنا (أحّوي) على قول من يقول: (أسيود) فلا خلاف بينهم أنه (أحيوي يا فتى)، ورأيت (أحيوي يا فتى). واختلفوا على قول من يقول (أسيّد) فكان سيبويه يحذف الياء الأخيرة بمنزلة النقص في (أصمّ) وأصله (أصمم) وبمنزلة (أرأس) إذا خففنا الهمزة فقلنا (ارس) ولم نصرف.
وكان عيسى بن عمر يصرفه وقد رد عليه سيبويه ب (أصمّ) و(أرس)، ورأيت أبا العباس المبرد يبطل رد سيبويه عليه ب (أصم).
قال: لأن (أصم) لم يذهب منه شيء لأن حركة الميم الأولى في (أصم) قد ألقيت على الصاد. وليس هذا بشيء، لأن سيبويه إنما أراد (أن) الخفة (مع ثبوت الزائد) والمانع من الصرف لا توجب صرفه، وأصمّ أخف من (أصمم) الذي هو الأصل ولم يجب صرفه، وكذلك لو سمينا رجلا ب (يضع) و(يعد) لم نصرفه، وإن كان قد سقط حرف من وزن
الفعل.
وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: هذا (أحيّي) وقد رده سيبويه، ويدل على صحة قول سيبويه في (أحيّ) بحذف الياء الأخيرة تصغير العرب (معيّة) والبيت الذي أنشدناه فيه.
_________________
(١) انظر شرح المفصل لابن يعيش ٥/ ١٢٦، وشرح شواهد الشافية ٩٧.
[ ٤ / ٢٠٩ ]
قال سيبويه: واعلم أن كل واو أو ياء أبدل الألف مكانها ولم يكن الحرف الذي الألف بعده واوا ولا ياء فانها ترجع ياء وتحذف الألف.
وذلك قولك في (أعمى) و(ملهى) و(أعشى): (أعم)، (مليه) و(أعيش) وكل ما كان في آخره ألف لغير التأنيث إذا كان على أربعة أحرف أو كان على أكثر يصير على أربعة فتقلب الألف فيه ياء، لأن ياء التصغير تقع ثالثة وينكسر الحرف الذي بعدها، فإذا انكسر انقلبت الألف ياء، فأما ما كان على أربعة أحرف فهو نحو (أعمى) و(ملهى) و(مغزى) وما كان على أكثر فه (مثنّى) و(منتهى) وما أشبه ذلك، فإذا صغرناه حذفنا من (مثنّى) إحدى النونين، وحذفنا تاء (منتهى) فقلنا: (مثين) و(منية) وإن عوضنا قلنا: (مثيني)، و(منيهيّ).
وإذا كانت الواو والياء خامسة، وقبلها حرف لين، فإنها لا يسقط منها شيء كقولك في (مغزو): (مغيزيّ)، وفي (مرميّ): (مريميّ)، وكذلك إن كان الحرف الخامس همزة منقلبة من ياء أو واو وقبلها ألف ثم صغرنا لم يسقط منه شيء كقولك في (غزّاء) (غزيزيّ) وفي (سقّاء): (سقيقيّ) فترجع الهمزة إلى أصلها.
وإذا حقرت (مطايا) اسم رجل قلت: (مطيّ) على قول الخليل ويونس أجمعوا على اللفظ بذلك على تقديرين مختلفين وذلك أن الخليل يرى إذا صغرنا (قبائل) اسم رجل أن نقول: (قبيئل) فتحذف الألف وتبقى الهمزة.
ويونس يرى أن يقول: (قبيئل) بحذف الهمزة فيبقى (قبال) ثم يصغر فيقول:
(قبيّل) بغير همز، فإذا صغر الخليل (مطايا) وهو في الوزن مثل (قبائل) حذف الألف التي قبل الياء فيبقى (مطيا) فيدخل ياء التصغير بعد الطاء فيدغم ويكسر الياء التي بعد ياء التصغير، فتنقلب الألف الأخيرة ياء فيصير (مطيّي) بثلاث ياءات فيحذف الأخير منها فيصير (مطيّ) كما قلنا (عطيّ). وأما يونس فإنه يحذف الياء التي بين الألفين في (مطايا) فيبقي (مطاء) فتدخل ياء التصغير فتنقلب الألف التي بعدها ياء وتنكسر كما تنقلب الألف التي في (حمار) إذا صغرت فقلت: (حميّر) وينكسر فإذا انكسر صارت الألف الأخرى ياء ثم تحذف لما ذكرنا.
ولا يجوز أن تقول في تصغير (مطايا): (مطيء) فإن قال قائل: فلم لا يجوز الهمز على قول الخليل وإنما أصل
(مطايا) إذا جمعنا (مطائي) لوقوع (فعيل) بعد ألف الجمع قيل له هذه الهمزة لم يلفظ بها في الصحيح، فصارت الياء في (مطايا) بمنزلة
[ ٤ / ٢١٠ ]
الياء التي في (مطيّة).
ولو صغّرنا (خطايا) اسم رجل لقلت: (خطيئ) فهمزت لأن الألف الأخيرة في (خطايا) أصلها همزة فتردها في التصغير كما رددت الهمزة في (منسأة) إذا صغرت، وكذلك قياس قول الخليل على هذا التقدير.
واحتج سيبويه لترك الهمز في (مطايا) بأن قال: لما أبطلنا الهمز في الجمع وأبدلنا منها بدلا لازما يعني الياء في (مطايا) وكانت الهمزة في الجمع أقوى منها في التصغير، فإذا أبدلنا الياء في الأقوى كان التصغير أولى بالياء.
ثم قال سيبويه مقويا لذلك: ومع ذا إنك لو قلت (فعائل) من (المطى) لقلت:
(مطاء) ولو كسرته لقلت: (مطايا).
فهذا أيضا بدل لازم.
وتحقير " فعائل " ك (فعائل) من بناء " الياء والواو " ومن غيرهما سواء وهو قول يونس لأنهم (كأنهم) مدوا (فعال) أو (فعيل) أو (فعول) بالألف كما مدوا (عذافرا) والدليل على ذلك أنّا لا نجد (فعائل) إلا مهموزة فهمزة (فعائل) بمنزلتها في (فعائل). وياء (مطايا) بمنزلتهما لو كانت (في) (فعائل). وليست همزة من نفس الحرف فيفعل بها ما يفعل بما هو من نفس الحرف وإنما هي همزة تبدل من واو أو ياء أو ألف، من شيء لا يهمز أبدا إلا بعد ألف كما يفعل ذلك بواو (قائل) فلما صارت بعدها ولم يهمز صارت في أنها لا تهمز بمنزلتها قبل أن تكون بعدها ولم تكن الهمزة (بدلا من شيء من نفس الحرف ولا من نفس الحرف فلم يهمز في التحقير. هذا مع لزوم البدل يقوي وهو قول يونس والخليل.
قال أبو سعيد: فيما سقته من كلام سيبويه إلى هذا الموضع إشكال وخلاف أما الخلاف فإن (فعائلا) مثل (مطاء) وغير ذلك إذا جمع قيل فيه: (مطايا) ولا يهمز في الجمع.
وذكر المازني أنه لا يجوز غير الهمز لأنها همزة في الواحد، ألا ترى أنّا نقول: (جائية) و(جوائي)، ولا تقل (جوايا)، لأن الهمزة كانت في (جائية). وتقول: (مطيّة) و(مطايا) و(رديّة) و(ردايا) والذي قاله المازني صحيح فيما قاله.
وهمزة (فعائل) الذي هو (مطاء) تخالف الذي قال؛ لأنها ليست بهمزة لازمة بدلا وإنما هي همزة بمنزلة همزة (عطاء) وقعت بعد ألف، فإذا جمع أو صغر جرى مجرى ما
[ ٤ / ٢١١ ]
ليس مهموزا، وذلك أن (فعائل) كان أصله (فعال) فمدوا بزيادة ألف قبل هذه الألف فوقعت الألف في (فعال) بعدها فهمزوا لاجتماع الألفين وليست همزة من نفس الحرف ولا بدّ لها من حرف أصلي كالهمزة في (قائل)، وفي (جواء) فإذا جمع (مطاء) وحذفنا المدة في الجمع عاد إلى فعال فصار كأنه (مطاي) فيجمع على مطايا للهمزة العارضة في الجمع.
وينبغي إذا صغّر (مطاء) أن يقال فيه (مطيّ) وهذا قول يونس والخليل ورأيت بعض أصحابنا (يقول) إن هذا قول يونس وأن قول الخليل (مطاء) بالهمز على ما حكيته عن المازني وإن قوله في التصغير: (مطيّئ) بالهمز والذي عندي أن قول يونس والخليل ما ذكرته أولا لقول سيبويه في آخر الفصل. (وهو قول يونس والخليل) وأن الذي جعله قول يونس وحده إنما توهم لذكر " يونس " وحده في أول الفصل.
وإذا حقّرت رجلا اسمه " شهاوى " قلت: (شهيّ)، وإن حذفت الألف أو الواو.
(وإذا) حقرت (عدويّ) اسم رجل أو صفة قلت (عديّي) لا يجوز عنده غير ذلك قال: " ومن قال: (عدويّ) فقد أخطأ.
وذلك أنه يفصل بين التصغير قبل النسبة وبعد النسبة فإذا صغر قبل النسبة لم يجز (إلا) أن يحذف ياء التصغير (في النسبة)، ألا ترى أنّا إذا نسبنا إلى (جهينة) و(خريبة) والياء ياء التصغير قلنا: (جهنيّ)، و(خربيّ) فتحذف ياء التصغير.
لو صغرنا: (جهنيّ) و(خربيّ) لم يكن بد من إثبات الياء كقولك:
(جهينيّ) و(خريبيّ).
وإذا نسبت إلى (أمية)، وهي مصغرة حذفت ياء التصغير وهي الياء الأولى، وتقلب الثانية واوا فتقول: (أمويّ) فإذا صغرت (أمويّ) لم يكن بد من ياء التصغير فتقول:
(أميّي)، ولا يجوز في تصغير (عدويّ): (عديوي) فيمن يقول: (أسيود)، لأن الواو لام الفعل، وياء النسبة بمنزلة الهاء، فلا بدّ من قلب الواو ياء، ومما يدل على أن الياء لا بدّ من الإتيان بها أن قصد المصغّر إنما هو إلى إبانة تصغير المصغر فلا بدّ أن يأتي بالحرف الذي يدل على ما يريده فيحذيه في الاسم، وإذا نسبت إليه وهو مصغر فإنما تريد أن تنسب إليه ولا تبالي ما كان حاله قبل التسمية فيأتي بياء النسبة التي قصده إليها.
وإذا حقرت (ملهويّ) أو (حبلويّ) قلت: (مليهيّ) و(حبيليّ)، لأنه لا بدّ من كسر الحرف الذي بعد ياء التصغير، فإذا كسرته انقلبت الواو ياء وقبل الياء كسرة فتسكن الياء وبعدها ياء النسب فتسقط لاجتماع الساكنين.
[ ٤ / ٢١٢ ]
فإن قال قائل: " فأنت إذا صغرت (حبلى) قلت: (حبيلى) ولم تكسر الحرف الذي بعد ياء التصغير.
قيل له: قد تقدم القوم: أن ما كان في آخره علامة التأنيث إذا صغرناه (إنما) يقدر تصغير الصدر منه ثم تلحق علامة التأنيث، وإذا قلنا (حبلويّ) فليست الآن الواو للتأنيث، وقد تنقلب ألف التأنيث إلى غير التأنيث، ألا ترى أنّا نقول: (حبلى) و(حبالى) و(صحراء وصحاري وصحاريّ) فيتغير حكم الألف التي كانت في (حبلى) و(صحراء) وقد مضى نحو هذا.
هذا باب تحقير كل اسم كان من شيئين صغر أحدهما إلى الآخر، فجعلا بمنزلة اسم واحد
والباب فيه أن تصغر الصدر وتلحق به الاسم الثاني فيجري على ما كان قبل التصغير.
قال سيبويه: وذلك قولك في (حضر موت): (حضير موت)، وفي (بعلبكّ):
(بعيلبكّ) وفي (خمسة عشر): (خميسة عشر) وكذلك جميع ما أشبه هذا كأنك حقرت (عبد عمرو) و(طلحة زيد).
وإذا حقرت (اثنى عشر) قلت: (ثنيّا عشر)، وفي المؤنث (ثنّيتا عشرة) كأنك حقرت (اثنين) و(اثنتين) و(عشر) و(عشرة) بمنزلة النون كما صارت (موت) من (حضر موت) بمنزلة (ريس) في (عنتريس). يعني أن " ريس " من تمام (عنتريس) و" عنتريس " اسم واحد و(موت) قد ضم إلى " حضر " فصار معه وهما اسمان بمنزلة اسم واحد وهو (عنتريس).
هذا باب الترخيم
اعلم أن هذا الباب إنما هو في تصغير ما كان فيه زائد أو أكثر من الأسماء. فمن العرب من يحذف الزائد كله ويرد الاسم إلى أصله فيقول في (أزهر): (زهير) وفي (أحمد): (حميد)، وفي (فاطمة): (فطيمة)، وفي (حارث): (حريث) وفي (أسود):
(سويد)، وفي (غلاب): (غليبة).
وزعم الخليل انه يجوز في (ضفندد) (ضفيد) وفي (خفيدد): (خفيد) وفي (مقعنسس): (قعيس)، لأن النون وإحدى الدالين في (ضفندد) زائدتان، والياء وإحدى الدالين في (خفيدد) كذلك، والميم والنون وإحدى السينين في (مقعنسس) زوائد.
[ ٤ / ٢١٣ ]
وقال الفراء في هذا الضرب من التصغير: إن العرب إنما تفعل ذلك في الأسماء الأعلام مثل رجل اسمه (حارث) أو (أسود) أو امرأة اسمها (غلاب) أو (فاطمة)، ولو صغروا " فاطمة " نعتا من قولنا: فطمت المرأة صبيتها فهي فاطمة.
أو صغروا (حارثا) من (حرث يحرث)، وليس باسم رجل أو (أسود) من (فيه سواد) وليس باسم له لم يحذفوا
وقالوا: (حويرث) و(أسيّد) (فويطمة) ولم يفرق أصحابنا بين هذين.
وقد ذكر في بعض الأمثال: (عرف حميق جمله) (١)، وهو تصغير (أحمق)، وليس باسم له، وإذا كان الاسم على أكثر من ثلاثة وفيه زائد حذفت الزائد فقط دون الحروف الأصلية كرجل اسمه (مدحرج) أو (حبركي) أو (جمهور) تقول فيه: (دحيرج) فتحذف الميم فقط. وفي (جمهور) " جميهر " وذكر أنه سمع من العرب في تصغير (إبراهيم) و(إسماعيل): (بريه) و(سميع) وهذا شاذ لا يقاس عليه لأنه قد حذف منه حروف أصلية.
وقد ذكرنا فيما تقدم من الأبواب أن الهمزة في " إبراهيم " و" إسماعيل " أصلية على مذهب أبي العباس المبرد. وكذلك الميم واللام في آخر (إبراهيم) و(إسماعيل).
ومذهب سيبويه في تصغيرهما ومذهبه.
وقولهم (بريه) و(سميع) أن العرب لما سمعت ب (إبراهيم) و(إسماعيل) وليسا من كلامهم وكانت الميم واللام تزادان في كلام العرب ذهبوا بهما مذهب الزيادة وحذفوهما لطول الاسم وأنهما آخرتان، حذفوا الهمزة لأنهم إذا جعلوا الآخر زائدا، وكانت الياء أيضا زائدة لزيادة نظيرها في كلامهم حكم على الهمزة بالزيادة؛ لأنها أول وبعدها ثلاثة أحرف أصول.
هذا باب ما يجري في كلام العرب مصغرا وترك تكبيره لأنه عندهم مستصغر فاستغني بتصغيره عن تكبيره
قال سيبويه: وذلك قولهم: " جميل " و" كعيت " وهو البلبل.
وحكي عن أبي العباس المبرد أنه يشبه البلبل وليس بالبلبل ولكن يقاربه، وقد
_________________
(١) انظر الأمثال للميداني ١/ ٦٣٤، والمستقصي في أمثال العرب ٢/ ١٦، وشرح الشافية للرضي ١/ ٢٨٣.
[ ٤ / ٢١٤ ]
يصغر الشيء بمقارنة الشيء كقولهم: (درين ذاك) و(فويقه)، وسنقف على ذلك، ويقولون في جمعه: (كعتان) و(جملان) لأن تقدير مكبره أن يكون على (جمل) و(كعت) كقولك (صرد) و(صردان)، (جعل)، و(جعلان) ولا يكبر الاسم المصغر، ولا يجمع إلا بالألف والتاء لأن التصغير مضارع للجمع بما يزاد فيهما من الزوائد، ولأن ألف الجمع تقع ثالثة كما أن ياء التصغير تقع ثالثة، كقولك: (دراهم) و(دريهم) وإن شئت قلت: لأن الجمع تكثير والتصغير تقليل، ولا يجمع إلا جمع السلامة الذي بالواو والنون أو الألف والتاء كقولنا (ضارب) و(ضويرب) و(ضويربون) و(رجيل) و(رجيلون) و(درهم) و(دريهمات) لأن جمع السلامة كالواحد لسلامة لفظ الواحد فيه،
فلذلك قالوا: (كتعان) و(جملان) فردوهما إلى (كعت) و(جمل).
وأما قولهم: (كميت) فهو تصغير (أكمت) لأن (الكمّتة) لون (يقصر) عن سواد الأدهم و(يزيد) على حمرة الأشقر، وهو بين الحمرة والسواد فإذا جمعوا وقد صغر على حذف الزوائد، وهو للذكر والأنثى يجمع على (كمت) كما يقال: (شقر) و(دهم) جمع (أشقر) و(شقراء) ويقال لما يجئ آخر الخيل: (سكّيت) و(سكيت)، فأما (سكّيت) فهو (فعّيل) مثل (جمّيز) و(علّيق) (١) وليس بتصغير وأما (سكيت) المخفف فهو تصغير (سكّيت) على الترخيم؛ لأن الياء وإحدى الكافين في (سكّيت) زائدتان فحذفوهما فبقي (سكت) فصغر: سكيت. ولو صغرت (مبيطرا) (٢) و(مسيطرا) لقلت: (مبيطر) و(مسيطر) على لفظ مكبره، لأن فيهما زائدين الميم والياء وهما على خمسة أحرف، ولا بدّ من حذف أحد الزائدين وأولاهما بالحذف الياء على ما تقدم.
فإذا صغرنا جئنا بياء التصغير فوقعت ثالثة في موضع الياء التي كانت فيه وهي غير تلك الياء واللفظ بهما واحد ولو صغرتهما تصغير الترخيم لقلت: (بطير) و(سطير)؛ لأنك تحذف الميم والياء جميعا.
هذا باب ما يحقر لدنوّه من الشيء وليس مثله
قال سيبويه: وذلك قولك: " هو أصيغر منك إذا أردت أن تقلل الذي بينهما، ومن ذلك قولك (هو دوين ذلك) قولك: (هو دوين ذاك)، و(فويق ذلك)، وهو (أسيّد) في تصغير (أسود).
_________________
(١) نبات معروف يتعلق بالشجر ويلتوي عليه، انظر اللسان (علق).
(٢) المبيطر: معالج الدواب. انظر اللسان (بطر).
[ ٤ / ٢١٥ ]
قال أبو سعيد: اعلم أن التصغير في الجملة إنما هو تقليل شيء وتحقيره، وهو يتصرف على وجوه منها أن تصغر الاسم العلم فيكون ذلك دلالة على تصغير مبهم فيه لا يعرف ذلك المعنى الذي ذلك التحقير فيه، كقولك: (زييد) و(عمير) و(بكير) في تصغير (زيد) و(عمرو) و(بكر).
ومنها أن تصغر صفة قد استحقها لمعنى فيدل ذلك على تقليل ذلك المعنى وتحقيره كقولك في تصغير (بزّاز) و(عطّار): (بزيزيز) و(عطيطير) فيكون تقليلا لصنعتهما في (البزّ) و(العطر) أي ليسا بكاملين في الصنعتين وإن كانا فاضلين في أشياء غير ذلك.
وفي (أصفر) و(أحمر) و(أسود): (أصيفر) و(أحيمر)، و(أسيّد) أي ليست هذه الألوان بالتامة فيهم، كأنه قد قارب
السواد والحمرة والصفرة وليس بالكامل.
ومنها أن يكون اسم مكان يقع على ما لا نهاية له فيكون التصغير فيه يقربه مما يضاف إليه كقولك: (زيد فوق عمرو ودون عمرو وقبل عمرو وبعد عمرو) ويجوز أن يكون ذلك تكثيرا ويجوز أن يكون تقليلا فإذا صغرت صار تقليلا ألا ترى أن قائلا لو قال: آتيك بعد الأضحى، فأتاه بعد شهرين وثلاثة وسنة وسنين لم يكن مخلفا لوعده. فإذا قال: آتيك بعيد الأضحى وتركه سنة لكان مخلفا. ولو قال السّماء فوقنا كان صادقا، ولو قال: السّماء فويقنا كان كاذبا ولا يكون هذا إلا لما قرب.
وتصغر (مثل) تقول: هذا (مثيل) هذا أي المماثلة بينهما قليلة وقالت العرب: (ما أميلح زيدا).
كقول الشاعر:
يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنا من هؤليّائكنّ تكنّ الضّال والسّمر (١)
فصغروا الفعل، لأن قولك: ما أملح زيدا " أملح " فعل " و" زيدا " مفعول به ولا خلاف بين النحويين أن الفعل في غير التعجب لا يصغر ومما يبعد تصغير الفعل أن اسم الفاعل إذا صغرناه بطل أن يعمل فيما بعده.
تقول: (هذا ضارب زيدا) فإذا صغرت (ضاربا) لم تقل هذا (ضويرب) زيدا، لأن التصغير يخرجه عن مذهب الفعل فلا يعمل. فتصغير " أميلح " وهو فعل شاذ خارج عن القياس وفي جوازه ثلاثة أوجه أحدها أن التصغير كان حقه أن يكون لاحقا لفاعل أملح
_________________
(١) البيت في ابن يعيش ١/ ٦١، والمخصص ١٤/ ١٠١، ومغني اللبيب ٦٨٣.
[ ٤ / ٢١٦ ]
وهو " ما " و" ما " لا تصغر فجعلوه واقعا على الفعل لأنهم لو عدلوا عن " ما " إلى لفظ آخر لبطل معنى التعجب.
والوجه الثاني قد خولف به مذهب الأفعال فصححوه كما يصح هو أفعل منك، وهما يتساويان في معنى التفضيل وفي وزن الفعل وتصحيحه حيث قالوا: (ما أقوم زيدا) كما قالوا: (وهذا أقوم منك) وهم يقولون في غير هذا: أقام يقيم.
والوجه الثالث أن قولهم: (ما أميلح زيدا) إنما يريدون الملاحة ونقصانه عما هو أفضل منه، وذلك لا يتبين إلا في لفظ (أملح)، لأنهم لو صغروا (زيدا) جاز أن يكون محقرا في معنى غير الملاحة فجعلوه في لفظ (أملح) وصار بمنزلة قولك (زيد مليّح).
قال سيبويه: حقروا هذا اللفظ يعني (أميلح زيدا) وإنما يعنون الذي نصفه بالملح، كأنك قلت: (مليّح) شبهوه بالشيء
الذي تلفظ به وأنت تعني شيئا آخر نحو قولك بنو فلان يطؤهم الطريق وصيد عليه يومان.
ومعنى تطؤهم الطريق يريدون يطؤهم أهل الطريق الذي يمرون فيه فحذف " أهلا " وأقام الطريق مقامهم. ومعنى يطؤهم الطريق يريد أن بيوتهم على الطريق فمن جاز فيه رآهم وصيد عليه يومان إنما معناه صيد عليه الصيد في يومين وحذف الصيد وأقام " اليومين " مقامه.
قال: ولا تصغر علامات الإصغار نحو (هو) و(أنا) و(نحن) من جهتين: أحدهما أن الإضمار يجري مجرى الحروف ولا تحقر الحروف. والأخرى أن أكثر الضمائر على حرف واحد أو حرفين. وليست بثابتة أسماء للشيء الذي أضمر.
فإن قال قائل: فقد حقروا المبهمات وهي مبنيات، تجري مجرى الحروف، وفيها ما هو على حرفين، وكذلك (الذي) وتثنيتها وجمعها.
فالجواب أن المبهم قد يجوز أن يبتدأ به كقولك: (هذا زيد)، وما أشبه ذلك، وليس فيه شيء يتصل بالفعل، ولا يجوز فصله، كالكاف في (ضربتك) والتاء في (قمت) و(قمتما)، وما أشبه ذلك، فأشبه المبهم الظاهر، لقيامه بنفسه ولا تصغّر (غير) و(سوى) و(سواء) اللذين في معنى (غير) ولسن بمنزلة (مثل) لأن (مثلا) إذا صغرته قلت المماثلة، والمماثلة تقل وتكثر، فتفيد بالتصغير معنى يتفاضل، و(غير) هو اسم لكل ما لم يكن المضاف إليه وإذا كان شيء غير شيء فليس في كونه غيره معنى يكون أنقص من معنى كما كان في (المماثلة) ألا ترى أنه يجوز أن تقول: هذا أكثر (مماثلة) لذا من (غيره) وهذا
[ ٤ / ٢١٧ ]
أقل (مماثلة)، ولا تقل: (هذا أكثر مغايرة).
وقد احتج له سيبويه فقال:
" غير ليس باسم متمكن، ألا ترى أنها لا تكون إلا نكرة ولا تجمع ولا يدخلها ألف ولام ".
فهذه أيضا فروق بينها وبين مثل، ولا تصغر " أين " ولا " متى " ولا " من " ولا " ما " ولا " أيّهم " لأن هذه أسماء يستفهم بها عن مبهمات لا تعرفها، ويجوز أن يكون ذلك الشيء الذي يستفهم عنه قليلا أو كثيرا، يلزمك أن تبهم ليرد الجواب عنه على ما عند المسئول فيه.
ولا تصغر (حيث) ولا (إذ) لأنهما غير متمكنين ويحتاجان إلى إيضاح إنما (حيث) اسم مكان يوضح بما وقع فيه ولا ينفرد، و(إذ) اسم زمان يوضح بما وقع فيه ولا ينفرد وليس الغرض ذكر حال فيهما ويختص بهما فإن قال قائل: فقد صغرتم (الذي) وهي محتاجة إلى إيضاح فهلا صغرتم (إذ) و(حيث) و(من) و(ما) و(أيّهم) إذا كن بمعنى
(الذي)؟
قيل له ال (الذي) مزية عليهن؛ لأنها تكون وصفا، وتكون موصوفة كقولك:
(مررت بالرجل الذي كلمك) و(مررت بالذي كلمك الفاضل)، ويثنى ويجمع ويؤنث، وليس ذلك في شيء مما ذكرناه فتمكنت " الذي " في التصغير.
ولا تصغر " عند "؛ لأن تصغيرها إنما هو تقريب كما تقرب (فويق) و(تحيت) وهي في نهاية التقريب لأن عند (زيد) لا يكون شيء أقرب إليه مما عنده، فلما كانت موضوعة لما يوجبه التصغير في غيرها من الظروف إذا صغرنا لم تصغر.
وقال سيبويه: " اعلم أن اليوم، والشّهر، والسّنة، والسّاعة، واللّيلة يحقّرن وأما أمس وغد فلا يحقران؛ لأنهما ليسا اسمين لليومين بمنزلة (زيد) وإنما هما لليوم الذي قبل يومك، واليوم الذي بعد يومك، ولم يتمكنا ك (زيد) و(اليوم) و(الساعة) وأشباههن، ألا ترى أنك تقول هذا (اليوم) وهذه (الليلة) فيكون لما أنت فيه ولما لم يأت، ولما مضى. وتقول: هذا (زيد) و(ذاك) (زيد) فهم اسم ما يكون معك وما يتراخى عنك (وأمس) و(غد) لم يتمكنا تمكن هذه الأسماء فكرهوا أن يحقروهما كما كرهوا تحقير " أين " واستغنوا بالذي هو أشد تمكنا وهو (اليوم) و(الليلة) و(الساعة) وأول من (أمس) ك (أمس) في أنه لا يحقر ".
[ ٤ / ٢١٨ ]
قال أبو سعيد: أما اليوم والشّهر والساعة والسنة والليلة فأسماء وضعن لمقادير من الزمان في أول الوضع وتصغيرهن على وجهين: أنك إذا صغرت اليوم فقد يكون التصغير له تقليلا ونقصانا عما هو أطول منه، لأنه قد يكون يوم طويل ويوم قصير، وكذلك الساعة تكون ساعة طويلة وساعة قصيرة.
والوجه الآخر: أنه قد يقل انتفاع المصغر بشيء في يوم أو في ليلة أو في شهر أو في سنة أو في ساعة، فتحقره من أجل قلة انتفاعه.
فإن قال قائل: فلا يكون شهر أطول من شهر ولا سنة أطول من سنة، لأن ما ينقص من أيام الشهر يزيد في لياليه. وما ينقص من لياليه يزيد في أيامه حتى تتعادل الشهور كلها.
قيل له: قد يكون التحقير على الوجه الآخر الذي هو قلة الانتفاع وقد قال بعض النحويين: المعتمد على أيام الشهر لا على الليالي، لأن التصرف في الأيام يقع، وأما (أمس) و(غد) فلما كانا متعلقين باليوم الذي أنت فيه صارا بمنزلة الضمير لاحتياجهما إلى حضور اليوم كما أن المضمر يحتاج إلى ذكر يجري للمضمر أو يكون المضمر المتكلم أو المخاطب.
وقال بعض النحويين: أما (غد) فإنه لا يصغر؛ لأنه لم يوجد بعد فيستحق التصغير.
وأما (أمس) ما كان فيه مما يوجب التصغير فقد عرفه المتكلم والمخاطب فيه قبل أن يصغر (أمس).
فإذا ذكروا (أمس) فإنما يذكرونه على ما قد عرفوه في حال وجوده بما يستحقه من التصغير فلا وجه لتصغيره.
قال سيبويه: والثّلاثاء والأربعاء والبارحة وأشباههن لا يحقرن، وكذلك أسماء الشهور نحو المحرم وصفر إلى آخر الشهور.
وذلك أنها أسماء أعلام تتكرر على هذه الأيام فلم تتمكن وهي معارف كتمكن (زيد) و(عمرو) وسائر الأسماء الأعلام؛ لأن الاسم العلم إنما وضع للشيء على أنه لا شريك له فيه وهذه الأسماء وضعت على الأسبوع وعلى الشهور ليسلم أنه اليوم الأول من الأسبوع أو الثاني أو الشهر الأول من السنة أو الثاني وليس منها شيء يختص فيتغير به وقت يلزمه التصغير.
[ ٤ / ٢١٩ ]
وكان الكوفيون يرون تصغيرها وأبو عثمان المازني، وقد حكي عن الجرمي أنه كان يرى تصغير ذلك.
وكان أبو الحسن بن كيسان يختار مذهب سيبويه وذلك للعلة التي ذكرنا.
وكان بعض النحويين يفرق بين أن يقول: (اليوم الجمعة) و(اليوم السبت) فينصب اليوم. وبين أن يقول: (اليوم الجمعة) و(اليوم السبت) فيرفع اليوم فلا يجيز تصغير الجمعة في النصب ولا تصغير السبت.
قال: لأن (السبت والجمعة) في النصب إنما هما لمصدرين: الاجتماع، والراحة وليس الغرض تصغير هذين المصدرين ولا أحد يقصد إليهما في التصغير، ويجيز إذا رفع اليومان لأن (الجمعة) و(السبت) يصيران اسمين لليومين ولا يجيز في النصب تصغير اليوم؛ لأن الاعتماد في الخبر على (وقع ويقع) وهما لا يصغران ولا يقصد إليهما بالتصغير.
وقد حكي عن بعض النحويين أنه أجاز التصغير في النصب وأبطل في الرفع وكان المازني يجيزه في ذلك كله.
واعلم أنك لا تحقر الاسم إذا كان بمنزلة الفعل، ألا ترى أنه (قبيح): هو (ضويرب) (زيد) و(ضويرب زيدا) إذا أردت ب (ضارب زيد) التنوين، وإن كان (ضارب زيد) لما مضى فتصغيره جيد.
لأن " ضارب " إذا نوناه ونصبنا ما بعده فمذهبه مذهب الفعل وليس التصغير مما يلحق الفعل إلا في التعجب وقد ذكرناه.
وإذا كان فيما مضى فليس يجوز تنوينه ونصب ما بعده مجراه مجرى غلام (زيد) فلما جاز تصغير غلام (زيد) جاز تصغير (ضارب زيد) فيما مضى، فاعرفه إن شاء الله تعالى.
هذا باب تحقير كل اسم كان ثانيه ياء تثبت في التحقير
قال سيبويه: " وذلك قولك: (بيت) و(شيخ) و(سيد) فأحسنه أن تقول: (بييت) و(شييخ) و(سييد) فتضم لأن التحقير يضم أوائل الأسماء وهو له لازم كما أن الياء لازمه ومن العرب من يقول: (شييخ) و(سييد) و(بييت) كراهة الياء بعد الضّمة "
فهذان وجهان قد ذكرهما سيبويه وقد ذكر غيره وجها آخر وهو قلب الياء واوا فيقولون: (شويخ) و(بويب) و(شوئ) في تصغير (شيء) وهو أضعف الوجوه، وإنما قلب الواو ياء لانضمام ما قبلها كما قال في (ضارب): (ضويرب).
[ ٤ / ٢٢٠ ]
هذا باب تحقير المؤنث
اعلم أن ما كان على ثلاثة أحرف من المؤنث إذا صغرته زدت فيه هاء إلا أحرفا شذت، وذلك قولك في (قدم): (قديمة) وفي (يد): (يديّة) وفي (فهر): (فهيرة) وفي (رجل): (رجيلة) وهو أكثر من أن يحصى، وإذا صغروا المؤنث ما كان على أكثر من ثلاثة أحرف مما ليس فيه هاء التأنيث لم يدخلوا الهاء كقولك في تصغير (عناق): (عنيّق) وفي (عقاب): (عقيّب) وفي (عقرب): (عقيرب)، وإنما أدخلوا الهاء في المؤنث إذا كان على ثلاثة أحرف؛ لأن أصل التأنيث أن يكون بعلامة، وقد يرد التصغير الشيء إلى أصله، فزادوا فيه- لما صغروه- الهاء وردوها للتصغير ولم يفعلوا ذلك في بنات الأربعة؛ لأنها أثقل فصار الحرف الرابع منها كهاء التأنيث فيصير (عنيّق) و(عقيرب) بغير هاء ك (عدّة) (قديمة) و(رجيلة) بالهاء فاجتمع للثلاثة الخفة، وأن أصل التأنيث بالعلامة وإن كان في الرباعي المؤنث ما يوجب التصغير حذف حرف منه، حتى يصير على لفظ الثلاثي وجب رد الهاء كقولك في تصغير (سماء): (سميّة) لأنه كان الأصل (سميّي) بثلاث ياءات فحذفت واحدة منها، كما قالوا في تصغير (عطاء): (عطيّ) بحذف ياء، فلما صار ثلاثي الحروف زادوا الهاء، وكذلك لو صغرنا (عقابا)، و(عناقا) و(سعادا) اسم امرأة و(زينب) على ترخيم التصغير فحذفنا الزائد من (سعاد) وهو الألف ومن (زينب) وهو الياء وقلنا (سعيدة) و(زنيبة) ولو حقرت (امرأة) اسمها (سقّا) قلت: (سقيق) ولم تدخل الهاء؛ لأنه لم يرجع في التصغير إلى مثل عدة ما كان على ثلاثة أحرف، وقالوا في تصغير (حبارى) ثلاثة أقوال، منهم من حذف التأنيث فقال: (حبيّر)، لأنه يبقي (حبار) مثل (عقاب) وتصغيره (حبيّر) مثل (عقيّب).
ومنهم من حذف الألف الثالثة فيبقى (حبرى) مثل (حبلى) تقول: (حبيرى) مثل (حبيلى).
ومنهم من إذا حذف علامة التأنيث وصغر عوض ها التأنيث من ألف التأنيث فيقول: (حبيّرة).
ولا يقولون: (عنيّقة) لأنه لم يكن في (عناق) و(عقاب) علامة التأنيث فإن قال قائل:
فلم كانت الهاء تثبت في التصغير ولا يعتد بها والألف المقصورة يعتد بها فيحذفونها من ذوات الخمسة فقد تقدم الجواب عن هذا.
وألف التأنيث المقصورة كحرف من حروف الاسم ألا ترى أنها قد تعود في الجمع كقولك: (حبلى) و(حبالى) و(سكرى) و(سكارى)، فمن أجل ذلك لم يقل: (حبيّرا) إذ كانوا لا يصغرون ما كان على خمسة أحرف من مثل هذا البناء إلا بحذف فمن قال في
[ ٤ / ٢٢١ ]
(حبارى): (حبيّرة) فعوض هاء من الألف قال في (لغّيزى): (لغيغزة) لأن الهاء قد تلحق مثل هذا البناء في التصغير، ألا ترى أنا لو صغرنا (كرباسة) و(هلباجة) لقلنا: (كريبسة)، و(هليبجة).
واعلم أن المؤنث قد يوصف بصفة المذكر فإذا صغرت الصفة جرى مجرى المذكر في التصغير: وإن كانت صبغة للمؤنث، كقولك: (هذه امرأة رضي) و(عدل) و(ناقة ضامر) تقول في تصغير (رضي): هذه امرأة (رضيّ) وهذه امرأة (عديل) وهذه ناقة (ضويمر).
وإن صغرتها تصغير الترخيم قلت: هذه ناقة (ضمير) ولم تقل (ضميرة).
وقد حكى الخليل ما يصدق ذلك من قول العرب، قالت في (الخلق) (خليق) وإن عنوا المؤنث قالوا: (ملحفة خليق) كما يقولون: هذا (خلق)، و(خلق) مذكر يوصف به المذكر والمؤنث.
وقد شذت أسماء ثلاثية فصغروها بغيرها منها ثلاثة أسماء ذكرها سيبويه وهي: النّاب المسنة من الإبل يقال في تصغيرها: (نبيب) وفي الحرب (حريب) وفي فرس: (فريس) وهي تقع على المؤنث والمذكر.
فأما النّاب من الإبل فإنما قالوا لها: (نييب) لأن النّاب من الأسنان مذكر والسنة من الإبل إنما يقال لها: (ناب) لطول نابها. فكأنهم جعلوها الناب من الأسنان أي هو أعظم ما فيها كما يقال للمرأة: أنت (بطين) إذا كبر بطنها وتقول للرجل: أنت (عين) القوم والعين مؤنث فقد خبّر عن المذكر بالمؤنث وعن المؤنث بالمذكر.
وأما (الحرب) فهو مصدر جعل نعتا مثل (العدل) وكان الأصل هذه مقاتلة (حرب) أي حاربة تحرب المال والنفس كما تقول: (عدل) على معنى (عادلة)، وأجريت مجرى الاسم وأسقطوا المنعوت كما قالوا: (الأبطح)، و(الأبرق) و(الأجدل).
وأما (الفرس) فهو في الأصل اسم مذكر يقع للذكر والأنثى كما وقع إنسان للرجل والمرأة فصغر على التذكير
الذي له في الأصل.
وما كان من صفات المؤنث بغير هاء فهو يجري هذا المجرى كقولنا: امرأة (حائض) و(طامث) و(عازب) و(مرض)، و(وجل).
ولو صغرنا شيئا من ذلك تصغير الترخيم لقلنا: (حييض) و(طميث) ونحو ذلك، وقد ذكر غير سيبويه من الأسماء الثلاثية- وهو أبو عمر الجزمي-: درع الحديد و(العرس) و(القوس): إنها تصغر بغير هاء وهي أسماء مؤنثات.
[ ٤ / ٢٢٢ ]
قال الشاعر:
إنّا وجدنا عرس الحنّاط لئيمة مذمومة الحوّاط (١)
والمذهب فيهن كالمذهب فيما ذكرنا من المصدر، فإن قال قائل: أنت إذا سميت امرأة ب (حجر) أو (جبل) أو (جمل) أو ما أشبه ذلك من المذكر ثم صغرته أدخلت الهاء فقلت: (حجيرة) و(جبيلة) فهلا فعلت ذلك بالنعوت؟
قيل له: الأسماء لا يراد بها حقائق الأشياء فيما يسمى بها، والصفات والأخبار يراد بها حقائق الأشياء، والتشبيه بحقائق الأشياء، ألا ترى أنا إذا سمينا امرأة ب (حجر) أو رجلا سميناه ب (حجر)، فليس الغرض أن نجعله (حجرا)، وإنما أردنا إبانته كما سميناه ب (إبراهيم)، و(إسماعيل)، و(نوح) وما أشبه ذلك.
وإذا وصفناه به أو أخبرنا به عنه، فإنما نريد الشيء بعينه، أو نريد التشبيه، فصار كأن المذكر لم يزل. ألا ترى أنّا إذا قلنا: مررت بامرأة (عدل) ففيها عدالة فإذا قلنا للمرأة: ما أنت إلّا (رجل) فإنما نريد مثل (رجل) وكذلك نقول: أنت (حجر) إذا لم يكن اسما لها تريد مثل حجر في الصلابة والشدة.
وإن سميت رجلا باسم مؤنث على ثلاثة أحرف وليس في آخره هاء التأنيث، ثم صغرته لم تلحق الهاء كرجل سميته ب (أذن) أو (عين) أو (رجل) ثم صغرته تقول: (أذين) و(عيين) و(رجيل) هذا قول سيبويه وعامة النحويين البصريين. ويونس يدخل الهاء ويحتج ب (أذينة) اسم رجل، وهذا عند النحويين إنما سمي بالمصغر وكذلك (عيينة) كأنهم سموه باسم مصغر ولم يسموه باسم مكبر ثم يصغر.
ولو سميت امرأة باسم ثلاثي مما ذكرنا أنه لا يدخل في تصغير الهاء ك (حرب) و(ناب) ثم صغرته لأدخلت فيه الهاء فقلت: (حريبة) و(نبيبة) لأنه قد صار اسما لها ك (حجر) إذا صغرته قلت: (حجيرة).
وقد جاء من المؤنث ما هو على أكثر من ثلاثة أحرف، وقد ألحقت الهاء به في التصغير كقولك: (زيد قديديمة عمرو ووريّئة) وهو تصغير (قدّام) و(وراء).
وإنما لحقتها الهاء وهي أكثر من ثلاثة أحرف لأن قدّاما و(وراء) لا يخبر عنهما بفعل يتبين تأنيثهما فيه لأنهما
ظرفان ك (خلف).
_________________
(١) البيتان من الرجز المشطور، وقائلهما دكين في المخصص ١٧/ ٩٢، وشرح الشافية ١/ ٢٤٢.
[ ٤ / ٢٢٣ ]
وإنما يتبين تأنيث المؤنث الذي لا علامة فيه بما يخبر عنه من الفعل كقولك: (لسبته العقرب) وهذه (العقرب) و(العقرب رأيتها) وما أشبه ذلك من الضمائر التي تدل على المؤنث، فلما لم يخبر عن قدّام و" وراء " بما يدل ضميرهما عليه من التأنيث جعلوا علامة التأنيث في التصغير.
هذا باب ما يحقر على غير بناء مكبره والمستعمل في الكلام
قال سيبويه: فمن ذلك قول العرب في (مغرب) الشمس: (مغيربان) الشمس، وفي (العشيّ): أتيتك (عشيّانا) وسمعنا من العرب من يقول في (عشيّة): (عشيشية) كأنهم حقروا (مغربان) و(عشيان) و(عشّاة) لأن (عشيّان) تصغير (عشيان) كما تقول (سعدان) و(سعيدان) و(عشيشية) تصغير (عشّاة) لأن فيها شينين تفصل بينهما ياء التصغير.
وقال: وسألت الخليل عن قولك: أتيتك (أصيلالا) فقال: إنما هو (أصيلان) وتصديق ذلك قول العرب: أتيتك (أصيلانا)، وسألته عن قول (بعض) العرب: آتيك (عشيّانات) و(مغيربانات) فقال: جعل ذلك الحين أجزاء؛ لأنه حين كلّما تصوبت فيه الشمس ذهب منه جزء فقال: (عشيّانات) كأنهم سموا كل جزء " عشيّة "
قال أبو سعيد: هذا الباب من نوادر التصغير وشواذه، وشذوذه من غير وجه فمنه ما هو على غير حروف مكبرة، ومنه ما يصغر على لفظ الجمع ومكبره واحد. ومنه ما يصغر على جمع لا يصغر على ذلك الجمع مثله.
ومن طريف هذا الباب أن جميع ما وقع فيه هذا الشذوذ من أسماء (العشايا) فقط فأما تغيير البناء فقال فيه بعض النحويين أنه لما خالف معنى التصغير فيه معنى التصغير في غيره من الأيام خولف بلفظه كما فعل ذلك في ياء النسبة، ومخالفة معناه لغيره أن تصغير اليوم فيما ذكرنا يقع لأحد أمرين:
إذا قلنا: (يويم) وإذا قلنا: (عويم) أو (سويعة) لتصغير (عام) أو (ساعة) أو (سنيّة) لتصغير (سنة) إنما هو أن تريد ب (يويم) قصيره أو قلة الانتفاع فيه، وقد ذكرنا هذا في ما مضى مشروحا وقولهم: (مغيربان) الشمس إنما تصغيره للدلالة على قرب باقي النهار من الليل.
كما أنك لو نسبت إلى رجل اسمه (جمّة) أو (لحية) أو (رقبة) لقلت: (جمّيّ) و(لحّييّ) و(رقبيّ)، فإن كان رجل طويل
(الجمّة أو اللّحية) أو (غليظ) الرّقبة وأردت
[ ٤ / ٢٢٤ ]
العبارة عن ذلك بلفظ النسبة قلت: (جمّانيّ) و(لحيانيّ) و(رقبانيّ) ففصلوا بين لفظي النسبة لاختلاف المعنيين وكذلك في التصغير وأما جميع ذلك فكما ذكره سيبويه من جعلهم إياه أجزاء كأنهم جعلوا كل جزء منه (عشيّة) إذا كان أجزاؤها تتقضى أولا فأولا، فيكون الباقي منها على غير حكم الأول، ثم يشبه ذلك بأشياء مما جمع فيه الواحد كقولهم: (فّلان شابت مفارقه) وإنما له (مفرق) واحد.
وكما قالوا: (جمل ذو عثانين) كأنه جعل كل جزء (عثنونا) فجمعه وأنشدوا قول جرير:
قال العواذل ما لجهلك بعد ما شاب المفارق واكتسين قتيرا (١)
وأما قولهم: (أصيلال) ففيه شذوذ من ثلاثة أوجه أحدها أنه أبدل اللام من النون في (أصيلان) و" أصيلان " تصغير (أصلان) و(أصلان) جمع (أصيل). كما تقول: (رغيف) و(رغفان) و(قفيز) و(قفزان) و(فعلان) من أبنية الجمع الكثير الذي لا يصغر لفظه وإنما يرده إلى واحده، ألا ترى أنا لو صغرنا (سودانا) و(حمرانا) و(قضبانا) لو يجز أن تقول:
(قضيبان) فنرده إلى واحده وهو (قضيب)، فتصغره (قضيّب) ثم تدخل عليه الألف والتاء للجمع، وكان حق (أصيل) إذا صغر أن يقال: (أصيّل) على لفظ الواحد فصار فيه من الشذوذ ثقل لفظ الواحد إلى الجمع وتصغير الجمع الذي لا يصغر مثله وإبدال اللام.
ثم ذكر سيبويه (غدوة) و(سحر) و(ضحى) وتصغيرهن على ما يوجبه القياس ليريك أنهن من غير باب (مغيربان) و(عشيّان) فقال: " تحقيرها (غديّة) و(سحير) و(ضحيّا).
وأنشد قول النابغة الجعدي:
كأنّ الغبار الّذي غادرت ضحيّا دواخن من تنضب (٢)
وبيّن أن تصغير هذه (الأحيان) و(الساعات) ليست تريد بها تحقيرها في نفسها وإنما تريد أن تقرب (حينا) من (حين) وتقلل الذي بينهما كما فعلت ذلك في الأماكن حين قلت: (دوين ذلك) و(فويق ذلك) وقد مضى هذا. ومضى الكلام في (قبيل) و(بعيد) ونحو ذلك.
_________________
(١) البيت في ديوانه ٢٧٩، ومعجم الشواهد ١٤٥، والمقتضب ٣/ ٢٨٤.
(٢) البيت في ديوانه ١٦، واللسان (دخن)
[ ٤ / ٢٢٥ ]
ومما يحقر على غير بناء مكبره المستعمل في الكلام إنسان تقول فيه (أنيسيان) وفي (بنون): (أبينون) وفي ليلة: (لييلية) كما قالوا: (ليال) وقولهم في " رجل ": (رويجل).
أما (أبينون) فقد تقدم الكلام فيه (قبل هذا الباب).
وأما (أنيسيان)، فكأن الأصل (إنسيان) على (فعليان) وتصغيره (أنيسيان) (ولييلية) تقديره (ليلاه) والألف زائدة فإذا جمعت قلت: (ليالي)، وإذا صغرت قلت: (لييلية) كما تقول في (سعلاة): (سعالي) و(سعيلية) وقولهم في (رجل): (رويجل) أرادوا (راجلا) لأنه يقال للرّجل (راجل).
قال الشاعر:
ألا أقاتل عن ديني على فرسي ولا كذا رجلا إلّا بأصحاب (١)
أراد (راجلا) وقد مضى نحوه
وإذا سميت رجلا أو امرأة بشيء من ذلك ثم صغرته جرى على القياس فقلت في (إنسان) " أنيسان " وفي (ليلة) " لييلة " وفي (رجل) " رجيل ".
ومن الشذوذ قولهم في (صبية): (أصيبية) وفي (غلمة): (أغيلمة) كأنهم حقروا (أغلمة) و(أصبية) لأن " غلاما " (فعال) مثل (غراب) و(صبيّ) فعيل (مثل) " قفيز " وبابهما في أدنى العدد (أفعلة) ك (أغربة) و(أقفزة) فردوه في التصغير إلى الباب.
ومن العرب من يجيء به على القياس فيقول: (صبيّة) و(غليمة) قال الراجز:
صبيّة على الدّخان رمكا ما إن عدا أصغرهم أن كّا (٢)
وقال أبو العباس المبرد إنما هو لما عدا أكبرهم كأن المعنى يوجب ذلك؛ لأنه أراد تصغيرهم فإذا كان أكبرهم بلغ إلى الزكيك من المشي فمن دونه لا يقدر على ذلك، فاعرفه إن شاء الله تعالى.
هذا باب تحقير الأسماء المبهمة
قال سيبويه: " اعلم أن التحقير يضمّ أوائل الأسماء إلا هذه الأسماء، فإنها يترك
_________________
(١) البيت ليحيى بن وائل في ابن يعيش ٥/ ١٣٣، وشرح شواهد الشافية ١٠٣، ١٠٦.
(٢) البيتان من الرجز المشطور قائلهما رؤبة في ديوانه ١٢٠، وشرح الشواهد للأعلم ٢/ ١٣٩، والمقتضب ٢/ ٢١٢، والعيني ٤/ ٥٣٦.
[ ٤ / ٢٢٦ ]
أوائلها على حالها قبل أن تحقر وذلك أن لها نحوا في الكلام ليس لغيرها- وقد بينا ذلك. فأرادوا أن يكون تحقيرها على غير تحقير ما سواها وذلك قولك في (هذا):
(هذيّا) وفي (ذاك): (ذيّاك ") وفي (ألا): (أليّا) "
قال أبو سعيد: خالفوا بين تصغير المبهم وغيره بأن تركوا أوله على لفظه، وزادوا في آخره ألفا عوضا من الضم الذي هو علامة التصغير في أوله وقوله: " ذيّا " وهو تصغير " ذا " ياء التصغير منه ثانية وحق ياء التصغير أن تكون ثالثة وإنما ذلك لأن " ذا " على حرفين فلما صغروا احتاجوا إلى حرف ثالث فأتوا بياء أخرى لتمام حروف المصغر، ثم أدخلوا ياء التصغير ثالثة فصار: " ذييّ " ثم زادوا الألف التي تزاد في المبهم المصغر، فصار (ذييّا) فاجتمع ثلاث ياءات وذلك مستثقل، فحذفوا واحدة منها، فلم يكن سبيل إلى حذف ياء التصغير لأنها علامته، ولا إلى حذف الياء التي بعد ياء التصغير؛ لأن بعدها ألفا ولا يكون ما قبل الألف إلا متحركا، فلو حذفوها حركوا ياء التصغير، وهي لا تحرك فحذفوا الياء الأولى فبقي " ذيّا " ويقال في المؤنث " تيّا " على لغة من قال (هذه) و(هذي) و(تا) و(تي) يرجعن في التصغير إلى التاء لئلا يقع لبس بين المذكر والمؤنث.
وإذا قلنا: (هاذيّا) أو (هاتيّا) للمؤنث ف (ها) للتنبيه والتصغير واقع ب (ذيّا) و(تيّا) وكذلك إذا قلنا: (ذيّالك و(ذيّاك) و(تيّاك) في تصغير (ذاك) و(تلك) فإنما الكاف علامة المخاطب ولا يغير حكم المصغر وإذا صغرت " أولاء " فيمن مد قلت: (أليّاء)
قال الشاعر:
من هؤليّائكنّ الضّال والسّمر (١)
(ها) للتنبيه (وكنّ) لمخاطبة جمع الإناث والمصغر (أليّاء).
وقد اختلف أبو العباس المبرد وأبو إسحاق الزجاج في تقدير ذلك، فقال أبو العباس: أدخلوا الألف التي تزاد في تصغير المبهم قبل آخره ضرورة وذلك أنهم لو أدخلوها في آخر المصغر لوقع اللبس بين " ألى " المقصور الذي تقديره " هدى " وتصغيره " أليّا " يا فتى، وذلك أنهم إذا صغروا الممدود لزمهم أن يدخلوا ياء التصغير بعد اللام ويقلبوا الألف التي قبل الهمزة ويكسروها فتنقلب الهمزة ياء فيصير (أليّي) كما تقول في (غراب): (غريّب) ثم تحذف إحدى الياءات كما حذف من تصغير (عطاء) ثم تدخل
_________________
(١) البيت للعرجي في ديوانه ١٨٣، وشواهد التبصرة ١/ ٢٧٢، وابن يعيش ١/ ٦١، والخزانة ١/ ٤٥.
[ ٤ / ٢٢٧ ]
الألف فتصير " أليّا " على لفظ المقصور فترك هذا وأدخل الألف قبل آخره بين الياء المشددة والياء المنقلبة من الهمزة فصار (أليّاي).
وقلبت الياء في همزة، لأن قبلها ألفا ومما يحتج في ذلك أيضا أن (أولاء) وزنه (فعال) فإذا أدخلنا الألف التي تدخل في المبهم طرفا صارت " فعالا " وإذا صغرنا سقطت الألف لأنها خامسة كما تسقط في " حبارى " وإذا قدمنا صارت رابعة فلم تسقط؛ لأن ما كان على خمسة أحرف إذا كان رابعه من حروف المد واللين لم تسقط، ومما يحتج به لأبي العباس أنه إذا دخلت الألف قبل آخره صار بمنزل (حمراء) لأن الألف تدخل بعد ثلاثة أحرف قبل الهمزة للطرف و(حمراء) إذا صغر لم يحذف منه شيء.
وأما أبو إسحاق فإنه يقدر أن الهمزة في " أولاء " ألف في الأصل وأنه إذا صغر أدخل ياء التصغير بعد اللام (وقبل) المزيدة، وأدخل الألف للتصغير بعد الألفين فتصير ياء التصغير بعدها ألف، فتنقلب ياء كما تنقلب الألف في (عناق) و(حمار) إذا صغرنا ياء، كقولنا: (عنيّق) و(حميّر) وبقي بعدهما ألفان أحدهما يتصل بالياء فتصير الياء مفتوحة وتنقلب الأخرى همزة لأنه لا يجتمع ألفان في اللفظ ومتى اجتمعا في التقدير قلبت الثانية منهما ياء كقولنا: (حمراء) و(صفراء) وما أشبه ذلك.
وما تدخل عليه من هاء التنبيه أو كاف المخاطبة مثل قولك: (هؤلاء) و(أولاك) و(أولئك) لا يعتد به.
وتقول في تصغير (الذي) و(التي): (اللّذيّا) و(الّلتيّا) وإذا ثنّيت قلت: (الّلذيّان) و(الّلتيّان) في الرفع و(الّلذيّين) و(الّلتيّيّن) في النصب والجر.
وقد اختلف مذهب سيبويه والأخفش في ذلك. فأما سيبويه فإنه يحذف الألف المزيدة لتصغير المبهم ولا يقدرها.
وأما الأخفش فإنه يقدرها ويحذف لاجتماع الساكنين، ولا يتغير اللفظ في التثنية، فإذا جمع تبين الخلاف بينهما.
يقول سيبويه في جمع (الّلذيّا): (الّلذيّون) و(الّلذيّين) بضم الياء قبل الواو وكسرها قبل الياء.
وعلى مذهب الأخفش (الّلذيّون) و(الّلذيّين) بفتح الياء وعلى مذهبه يكون لفظ الجمع كلفظ التثنية لأنه يحذف الألف التي في (الّلذيّا) لاجتماع الساكنين وهما الألف في (الّلذيّا) وياء الجمع كما تقول في (المصطفين) و(الأعلين).
وفي مذهب سيبويه أنه لا يقدرها ويدخل علامة الجمع على الياء من غير تقدير
[ ٤ / ٢٢٨ ]
حرف بين الياء وبين علامة الجمع.
وإلى مذهب الأخفش يذهب أبو العباس المبرد والذي يحتج لسيبويه يقول: إن هذه الألف تعاقب ما يزاد بعدها،
فتسقط لأجل هذه المعاقبة، وقد رأينا مثل هذا مما لا يجتمع فيه الزيادتان، فتحذف إحداهما كأنهما لم تكن قط في الكلام كقولك: (وا غلام زيداه)، فتحذف التنوين من (زيد) كأنه لم يكن قط في (زيد) ولو حذفناه لاجتماع الساكنين لجاز أن تقول (وا غلام زيدناه) ولهذا نظائر كرهنا الإطالة بها.
وقد مر الكلام في ترك التصغير في " من " وأي " وإن صارا بمعنى (الذّي) لأنهما من حروف الاستفهام بما أغنى عن إعادته.
قال سيبويه: اللّاتي لا يحقر استغنوا بجمع الواحد.
يعني أنهم استغنوا بجمع الواحد المحقر السالم إذا قلت (الّلتيّات) وقول سيبويه يدل أن العرب تمتنع من ذلك وقد صغر الأخفش (اللّاتي) و(اللّائي) فقال في تصغير (الّلاتي):
" اللّوتيا " و(الّلائي): " الّلويّا " وقد حذف منه حرفا، لأنه لو صغر على التمام لصار المصغر بزيادة الألف في آخره على خمسة أحرف سوى ياء التصغير، وهذا لا يكون في المصغر فحذف حرفا منه، وكان الأصل لو جاء به على التمام: (اللّويتيا)، و(الّلويئيا) وجعل الحرف المسقط الياء التي في الطرف قبل الألف.
وقال المازني لو كنا محتاجين إلى حذف حرف من أجل الألف الداخلة للإبهام فحذف الحرف الزائد أولى وهو الألف التي بعد اللام من (الّلاتي) و(الّلائي)؛ لأنه في تقدير ألف فاعل فيصير على مذهبه (الّلتيّا) وقد حكوا أنه يقال في (الّلتيّا) و(الّلذيّا):
(الّلتيّا) و(الّلذيّا) بالضم والقياس ما ذكرناه أولا.
واستشهد سيبويه في استغنائهم ب (اللّتيّات) عن تصغير (الّلاتي) باستغنائهم بقولهم:
(أتانا عشيّانا) عن تحقير العصر في قولهم: " أتانا عصرا " وهو العشيّ.
هذا باب تحقير ما كسر عليه الواحد للجمع
وسأبين لك تحقير ذلك إن شاء الله تعالى.
قال أبو سعيد: اعلم أن الجمع المكسر على ضربين أحدهما جمع قليل، والآخر جمع كثير، وأبنية الجمع القليل أربعة، وهي (أفعل) كقولك: (أفلس) و(أكلب) و(أفعال) كقولك: (أجمال) و(أرباع) و(أفعلة) كقولك:
(أجربة) و(أحمرة) و(فعلة) كقولك: (صبية) و(فتية).
[ ٤ / ٢٢٩ ]
فإذا صغرت بناء من هذه الأبنية لم تجاوز لفظه وقلت في (أفعل): (أفيعل) كقولك:
(أفيلس) وفي (أفعال): (أفيعال) كقولك: (أجيمال) وفي (أفعلة): (أفيعلة) كقولك:
(أحيمرة) و(أجيرية) وفي (فعلة): (فعيلة) كقولك في (فتية): (فتيّة) وفي (صبية): (صبيّة) وفي (غلمة): (غليمة) وفي (ولدة): (وليدة) فإذا كان الجمع المكسر على غير هذه (الأبنية) فإنك تنظر.
فإن كان له بناء آخر من الجمع القليل رددته إلى ذلك البناء ثم حقرته وإن لم يكن لذلك الجمع بناء من أبنية العدد رددته إلى واحد فصغرته ثم جمعته بالواو والنون إن كان من مذكر ما يعقل وبالألف والتاء إن كان من المؤنث أو مما لا يعقل مذكرا كان أو مؤنثا.
وإن كان الجمع الذي تريد تصغيره له جمع آخر من أبنية أدنى العدد فأنت مخير إن شئت رددته إلى جمعه القليل وإن شئت رددته إلى واحده فصغرته وجمعته على ما ذكرت لك ..
فمن الباب الأول تصغير (الدّراهم) و(الدّنانير) و(المرابد) و(المفاتيح) و(الخنادق) و(القناديل) تقول في تصغيرها: (دريهمات) و(دنينيرات) و(مريّبدات) و(مفيتيحات) و(خنيدقات) و(قنيديلات) لأنك رددت ذلك إلى الواحد، وهو (درهم) و(دينار) و" (مربد) و(مفتاح) و(خندق) و(قنديل) فصغرته ثم أدخلت فيه الألف والتاء، لأنه مما لا يعقل.
وإذا صغرت (فقراء) و(رجالا) قلت: (فقيّرون) و(رجيلون) لأنك رددتها إلى (فقير) و(رجل) فجمعته على ذلك.
ولو صغرت " حمقى " و" هلكى " و" سكرى " و" جرحى " لقلت: " أحيمقون " و" هويلكون " و" سكيرانون " و" جريحون "، لأنك رددتهم إلى الواحد وواحد (حمقى):
(أحمق) فقلت: (أحيمق) ثم جمعته بالواو والنون ورددت (هلكى) إلى (هالك)، فقلت:
(هويلك) و(سكرن) إلى (سكران) وجرحى إلى: (جريح) ولو أردت ب (حمقى) جمع (حمقاء) وأردت بهن جمع المؤنث؛ لأنهن يصلحن لجمع المذكر والمؤنث لقلت:
(حميقاوات)؛ لأنك رددتها إلى (حمقاء) وتقول: (هويلكات) و(سكيريات)؛ لأنك رددتها إلى (هالكة) و(سكرى).
وفي (جرحى) إذا أردت به جمع المؤنث: (جريّحات) وإذا صغرت " الشّموع " رددتها إلى (شمع) فقلت: " شميعات.
[ ٤ / ٢٣٠ ]
وأما ما له جمع قليل فهو أن يقال: صغر (كلابا) أو (فلوسا) فأنت مخير إن شئت قلت: (كليبات) و(فليسات) بأن تردهما إلى (كلب) و(فلس)، وإن شئت قلت: (أكيلب) و(أفيلس) بأن تردهما إلى (أكلب) و(أفلس).
وقد يجيء في الجموع في معنى واحد (أفعلاء) و(أفعلة) فإذا أردت تصغير ذلك صغرت أفعلة لأنه جمع قليل ولم تصغر (أفعلاء) نحو قولهم في جمع (ذليل) و(جليل) و(نصيب): " أذلّة " و" أذلّاء " و" أجلّة " و" أجلّاء " و" أنصبة "
و" أنصباء " والمصغر من ذلك كله (أفعلة) لأنه بمنزلة (أحمرة) وإنما صغرت العرب الجمع القليل وردت الكثير إلى الواحد فصغرته ثم جمعته بالواو والنون والألف والتاء، لأن تصغير الجمع إنما هو تقليل للعدد، فاختاروا له الجمع الموضوع للقلة؛ لأن غيره من الجموع جعل للتكثير. فإذا صغروا فقد أرادوا تقليله، فلم يجمع بين التقليل بالتصغير والتكثير بلفظ الجمع الكثير، لأن ذلك يتناقض والواو والنون والألف والتاء أصله للقليل وذلك أنك تقول في التثنية:
" مسلمان " والاثنان أقل الجمع والذي يلي الاثنين ثلاثة يقال فيهم: " مسلمون " وقد وافق (مسلمون) " مسلمين " بسلامة لفظ الواحد فلما كان ثلاثة وأربعة، وما قرب من هذه الأعداد القليلة أقرب إلى الاثنين مما كثر وبعد عن الاثنين صار الواو والنون هو الأصل في الجمع القليل، ولهذا قال سيبويه: " وإنما صارت الياء والواو والنون لتثليث أقل العدد إلى تعشيره. "
وهو الواحد كما صارت الألف والنون للتثنية ومثناه أقل من مثلثه " ثم جمع بين الاثنين والجمع السالم بأن قال: " ألا ترى أن جرّ التاء ونصبها سواء. "
يعني فيما جمع بالألف والتاء " وجر الاثنين والثلاثة الذين هم على حد التثنية ".
ونصبهم سواء فهذا يقرب أن التاء والواو والنون للأدنى؛ لأنه وافق المثنى.
واعلم أن في الجمع ما كان اسما للجمع على غير تكسير فإذا صغرته لم تجاوز لفظه كقولك (راكب) و(ركب) و(راجل) و(رجل) فإذا صغرت قلت: (ركيب) و(رجيل) وكذلك لو صغرت " شربا " الذي هو جمع (شارب) لقلت: (شريب) وقد أحكمنا هذا في باب الجمع وأنشد الأصمعي لأحيحة بن الجلاح:
بنيته بعصبة من ماليا
[ ٤ / ٢٣١ ]
أخشى ركيبا أو رجيلا غاديا (١)
يريد تصغير (رجل) وهو جمع (راجل) و(ركب) وهو جمع (راكب) وما كان من الجموع لم يستعمل فيه إلا لفظ الجمع القليل وإن أريد به الكثير كالأرجل والأقدام والأكتاف وما أشبه ذلك إذا صغرته صغرت لفظه ولم تجاوزه إلى غيره؛ لأن ياء التصغير تعلم أنك تعني القليل فتقول: (أريجل) و(أقيدام) ولم تصغر من الجموع الكثيرة على لفظه إلا (أصلان) الذي هو جمع (أصيل) حين قيل منه (أصيلان) و(أصيلال) وقد ذكرناه.
وإذا أردت أن تجمع مصغرا لم تكسره وجمعته جمع السلامة فقلت في جميع (رّجيل) و(صبيّ): " رجيلون " و" صبيوّن " وفي جمع (كليب) و(فليس): " كليبات " و" فليسات ".
هذا باب ما كسر على غير واحده المستعمل في الكلام
قال سيبويه: فإذا أردت أن تحقره حقرته على واحده المستعمل في الكلام الذي هو من لفظه وذلك قولك في (الظروف): (ظريّفون) وفي (السّمحاء) (سميحون) وفي (الشّعراء): (شويعرون) وإذا جاء الجمع ليس له واحد مستعمل في الكلام من لفظه يكون تكسيره عليه قياسا ولا غير ذلك، فتحقيره على واحد هو بناؤه إذا جمع في القياس وذلك نحو (عباديد) فإذا حقرتها قلت: (عبيديدون) لأن (فعاليل) إنما هو جمع (فعلول) أو (فعليل) أو (فعلال) فإذا قلت: (عبيديدات) فأيّا ما كان واحدها فهذا تحقيره.
وزعم يونس أن من العرب من يقول في " سراويل ": " سريّيلات " وذلك أنهم جعلوه جمعا بمنزلة (دخاريص) وواحدها: (دخرصة) وهذا يقوي ذلك، ولأنهم إذا أرادوا بها الجمع فليس له واحد في الكلام كسر عليه ولا غير ذلك.
وإذا أردت تحقير (الجلوس) و(القعود) قلت: (قويعدون) و(جويلسون) فإنما (جلوس) ها هنا حين أردت الجمع بمنزلة (ظروف) وبمنزلة (الشّهود) و(البكيّ) وإنما واحد الشهود: (الشّاهد) وواحد (البكيّ): (الباكي) هذان المستعملان في الكلام ولم يكسر الشّهود و(البكيّ) عليهما وكذلك (الجلوس).
قال أبو سعيد: أما (ظروف) في جمع (ظريف) فإنه شاذ ومع شذوذه فإنه من الجموع المكسرة ولا يكاد يجئ مثله، لأن فعيلا لا يجمع على (فعول) وقد جمع " فاعل "
_________________
(١) البيتان من الرجز المشطور وهما في شرح الشافية ١/ ٢٦٦، وابن يعيش ٥/ ٧٧.
[ ٤ / ٢٣٢ ]
على (فعول)، وهو غير كثير ليس بمطرد: كاطراد غيره، كقولك: (جالس): و(جلوس) و(شاهد)، (شهود)، (قاعد) و(قعود) و(باكي) و(بكيّ) وأصله (بكوى) وقد أدخله سيبويه أيضا في هذا الباب، لأنه لا يطرد كإطراد غيره وكثرته ألا ترى أنك لا تقول (كاتب وكتوب) و(ذاهب وذهوب) وإنما يطرد (فعول) في جمع " فعل " وغيره من الثلاثي كقولك: (فلوس) و(جذوع) وإنما شبهوا ظريفا بفاعل؛ لأن فعيلا وفاعلا قد يشتركان كقولك: (عالم) و(عليم) و(قادر) و(قدير) وقال بعض أصحابنا ردوا (ظريفا) إلى (ظرف) فجمعوه بحذف الزائد الذي فيه، والأول أعجب ولم أر أحدا ذكره، وأما (السّمحاء) في جمع (سمح) فليس بمطرد؛ لأن (فعلا) لا يجمع على (فعلاء) ولكن (فعلا) و(فعيلا) قد يشتركان كقولك: (سمح) و(سميح)، فحمل على (فعيل) كقولنا: (كريم) و(كرماء) و(نبيل) و(نبلاء). وأما الشعراء فهو أيضا جمع " فعيل المطرد " وجمعهم لشاعر على شعراء شاذ إلا أن (فاعلا) و(فعيلا)
يشتركان في اسم الفاعل مثل " عالم وعليم " فجعل شعراء كأنه جمع (فعيل) في معنى (فاعل) وإن لم يستعمل.
وأما (عباديد) وما جرى مجراه من الألفاظ التي لا تكون إلا للجموع فإنا نردها إلى ما يجوز أن يكون واحدا لها؛ إذ قد أحاط العلم بأنها جمع والواحد هو ما قاله سيبويه: أنه (فعلول) أو (فعليل) أو (فعلال) ويمكن أن يكون (فعلول) مثل (برذون) ونحو ذلك مما جاء يمكن أن يكون واحدا له.
وأما " سراويل " فإن يونس ذكر أن من العرب من يقول في تصغيرها: " سريّيلات " لأن لفظها لا يكون إلا للجمع فكأنهم جعلوا كل قطعة منها واحدا كما أن (دخاريص) جعلوها قطعا وكل قطعة منها (دخرصة) وكذلك جعلوا كل قطعة من (السّراويل) " سروالة " وعلى ذلك أنشد أبو العباس:
عليه من اللّؤم سروالة (١)
ومن لم يجعلها جمعا أسقط الألف التي بعد الراء فصغرها على (سريويل)، و(سربّيل) وقد مضى الكلام في هذا.
وهذا الباب في رد الجمع فيه إلى الواحد بمنزلة الجموع التي ليست بأدنى الجمع إذا رددناها إلى الواحد غير أن هذا الباب الجموع فيه شاذة وفي غيره مطردة، وليست
_________________
(١) هذا صدر بيت عجزه: فليس يرق لمستعطف انظر ابن يعيش ١/ ٦٤، والخزانة ١/ ٢٣٣، وشرح شواهد الشافية ١٠٠.
[ ٤ / ٢٣٣ ]
الجموع في هذا الباب وإن كانت شاذة كالجمع الذي يجري مجرى الواحد كقولنا:
(راكب) و(ركب) و(مسافر) و(سفر) لأن هذا اسم واحد سمي به الجمع فجرى مجرى أسماء الجنس كقولنا: (خيل) و" جامل " و" باقر " وهي آحاد وضعت لجمع أسماء.
و(ظروف) و(سمحاء) و(شعراء) و(جلوس) و" قعود " تقع أبنيتها جموع مكسرة، في غير هذه الآحاد كقولنا: (فلس) و(فلوس) و(درب) و(دروب) و(كريم) و(كرماء) و(ظريف) و(ظرفاء).
هذا باب تحقير ما لم يكسر عليه واحد ولكنه شيء واحد يقع للجمع
وقد مضى نحوه وهو يجري مجرى الواحد كقولك في (قوم): (قويم)، وفي (رجل):
(رجيل) وفي (نفر): (نفير) وفي (رهط): (رهيط) وفي (نسوة): (نسيّة).
وليست (نسوة) بجمع مكسر، ك (فتى) و(فتية)، و(صبيّ) و(صبية) لأنه لا واحد لها من لظفها ومثل ذلك (الرّجلة) و(الصّحبة) وأن كانت (الرّجلة) تستعمل في أدنى العدد وقد ذكرنا ذلك في باب الجمع، وليس تصغير شيء من ذلك إلا على لفظه فإن جمع شيء من هذا كقولنا: (أقوام) و(أنفار) فصغرته فقلت: (أقيّام) و(أنيفار) لانهما من لفظ أدنى العدد وإذا حقرت " ألاراهط " الذي هو جمع (رهط) قلت: (رهيطون) فترده إلى " رهط " فتصغره وتدخل فيه الواو والنون، على قياس ما مضى يجوز عندي ولم يذكر سيبويه أن تقول: " أريهط " لأن " رهطا " أيضا يجمع على " أرهط " كقول الشاعر:
وفاضح مفتضح في أرهطه (١)
وإن حقرت (الخباث) جمع " خبيث " قلت: (خبيثّون) وقد صغروا أشياء من جمع ما لا يعقل فأدخلوا على تصغير الواحد منها علامة جمع ما يعقل وذلك شاذ كقول الشاعر:
قد شربت إلّا دهيدهينا قليّصات وأبيكرينا (٢)
والدّهداه حاشية الإبل ورذالها وجمع الدهداه في القياس دهاده فكأنه صغر (دهاده) فردها إلى الواحد وهو (دهداه) وتصغيره (دهيديه) ويجوز إسقاط الياء بعد التصغير فيقال: (دهيده) ثم جمع بالياء والنون، وكان حقه أن يكون بالألف والتاء: (دهيدهات) و(دهيديهات) فجعل مكان الألف والتاء الياء والنون، كما قالوا في جمع (أرض):
_________________
(١) البيت من الرجز المشطور. انظر ابن يعيش ٥/ ١٣٣.
(٢) البيتان من الرجز المشطور، وهما بلا نسبة في الخزانة ٨/ ٣٣، وشواهد سيبويه ٣/ ٤٩٤.
[ ٤ / ٢٣٤ ]
(أرضون) والقياس (أرضات) في الجمع السالم منها.
وأما " أبيكرين " فالواحد منها (بكر) ثم يجمع في أقل العدد " أبكر " كما تقول:
(فلس) و(أفلس) ثم جمع " أبكرا " فصار (أباكر) كما قالوا: (أراهط) فلما صغر " أباكر " إلى الجمع الذي أقامه مقام الواحد فجمعه ثم صغره وكان القياس أن يقول " أبيكرات " فجعل مكان الألف والتاء الياء والنون كما فعل ب (دهيدهين) وقوله: " وإذا حقرت (السّنين) لم تقل إلا (سنيّات).
يعني أن (السنين) قد جمع بالواو والنون قبل التحقير.
فإذا حقرت لم يجز الجمع إلا بالألف والتاء وذلك أن (سنين) جمع (سنة) وإنما جمع على (سنون) و(سنين) بالواو
والنون؛ لأن هذا الجمع له فضل ومزية فجعل عوضا من الذاهب في (سنة) والذاهب منها لام الفعل، فإذا صغرنا وجب رد الذاهب فبطل التعويض، وجمع على ما يوجبه القياس كقولنا: (قصيعة) و(قصيعات) و(صحيفة) و(صحيفات)، وكذلك (أرضون) يقال: (أريضات) لا غير. ألا ترى أنا لو صغرنا (سنة) لم يجز في تصغيرها إلا (سنيّة) برد الذاهب.
ولو صغرنا (أرضا) لم يجز فيها إلا (أريضة) بالهاء فصار جمع المصغر: (أريضة) و(سنيّة) فلم يجز فيها إلا الألف والتاء وقد يجوز في " سنين " إعراب النون كقولك: هذه (سنين) ورأيت (سنينا) ومررت ب (سنين) فإذا صغرت على هذا فإن الزجاج يقول:
بردها إلى الأصل فيقول: (سنيّات) وغيره قال: (سنيّن).
وإذا سميت رجلا أو امرأة ب (أرضين) وجعلتها في الرفع بالواو وفي الجر والنصب بالياء ثم صغرت لم تردها إلى الأصل، وقلت: (أريضون)؛ لأنك لست تريد به الجمع ولا ترده إلى الواحد، فصغرت اللفظ، ألا ترى أنا لو صغرنا (مساجد) من غير أن نسمي به رجلا أو امرأة رددناها إلى الواحد ثم جمعنا المصغر فقلنا: (مسيجدات). ولو سمينا بها رجلا لقلنا: " مسيجد "، وقد ذكرنا قول سيبويه في رجل اسمه (جريبان) أنا نقول في تصغيرها (جريبان) كما تقول في (خراسان): " خريسان " فإن جعلت (سنين) اسم امرأة أو رجل على قول من يقول: " سنون " في الرفع قلت (سنيّون) برد الحرف الذاهب؛ لأن الواو والنون يقدر دخولهما على شيء يجوز أن يقوم بنفسه ولا يكون مصغرا على أقل من ثلاثة أحرف سوى ياء التصغير وكأنك قدرت أن الاسم " سن " فصغرت على (سنيّ) ثم جمعت جمع السلامة بالواو والنون.
وإذا كانت التسمية " سنين " التي الإعراب في نونها قلت في الرجل: (سنيّن) مصروفا
[ ٤ / ٢٣٥ ]
وفي المرأة: (هذه سنيّن) غير مصروفة. ولم ترد ياء التصغير شيئا؛ لأن (سنين) ثلاثة أحرف فهو بمنزلة رجل اسمه (يضع) تقول في تصغيره (يضيع) ولا تقول: (يويضع) فترد الواو التي في أصل (وضع) وقد تقدم الكلام في تصغير ما قد حذف منه شيء لا يرده التصغير بما أغنى عن أكثر من هذا.
وإذا حقرت " أفعالا " اسم رجل قلت (أفيعال) وكذلك تحقيره قبل أن تسمى به كقولك: (أجيمال) و(أحيجار).
وفرقوا بين تصغير (أفعال) و(إفعال) فقالوا في " إفعال " (أفيعيل)، وفي (أفعال):
(أفيعال)؛ لأن " أفعالا " لم يقع إلا جمعا فكرهوا إبطال علامة الجمع منه إلا أن يجمع مرة أخرى فيكون ك (أنعام) و(أناعيم) وإذا صغروا لم ينسب التصغير عن الجمع فتقوى علامة الجمع، واستعملوا علامة التصغير.
فإن قال قائل: قد اعتبرتم في تصغير ما كان في آخره ألف ونون الجمع فقلتم: إن ما كان من ذلك ينقلب في الجمع، قلبتموه في التصغير كقولنا: (سرحان) و(سريحين) و(سلطان) و(سليطين) لأنا نقول: (سراحين) و(سلاطين) وقلتم في (عثمان) و(عطشان) و(غضبان): (عثيمان) و(عطيشان) و(غضيبان)؟
قيل له إنما اعتبرنا الجمع فيما كان فيه ألف ونون، لأن النون قد تكون للإلحاق بحرف من حروف الأصل فتجري مجرى الأصل، فإذا قيل: " سرحان " و" سراحين " علم أن النون فيه قد جعل كالحاء في (سرداح) والجيم في (هملاج).
ونحن نقول في تصغير (سرداح) و(هملاج): (سريديح) و(هميليج) وإذا كان لا ينقلب في الجمع ياء فلم يجعل ملحقا بشيء ك (عطشان) و(عثمان) فقد أحكمنا ذلك في غير هذا الموضع.
وقد رد سيبويه ذلك على من عارض به بأن قال:
" ولو كان الأمر كذلك لقلت في (جمّال): (جميمال) لأنك لا تقول: (جماميل) ولكن تقول: " جميمل " في (جمّال) وإن كان لا يقال: (جماميل) في الجمع وأراد كسر معارضته في (أنعام) و(أناعيم) ومثل (أنعام) و(أناعيم) وإن كنا لا نقول في تصغير الواحد (أنيعم) لأنه جمع كيلا تبطل علامة الجمع قولنا (مصران) وجمع (مصارين) ولا تقول في تصغير (مصران): (مصيرين) لأن مصران جمع (مصير) والألف فيه للجمع فلا يبطله التصغير.
[ ٤ / ٢٣٦ ]
هذا باب حروف الإضافة إلى المحلوف به وسقوطها للقسم
قال سيبويه: والمقسم به أدوات في حروف الجر فأكثرها الواو ثم الباء ثم التاء وتدخل فيه اللام ومن. وأنا أرتب ذلك إن شاء الله تعالى.
قال أبو سعيد: اعلم أن القسم هو يمين يحلف بها الحالف ليؤكد به شيئا يخبر عنه من إيجاب أو جحد وهو جملة يؤكد بها جملة أخرى. فالجملة المؤكدة هي المقسم عليه والجملة المؤكدة هي القسم والاسم الذي يدخل عليه حرف القسم هو المقسم به، مثل ذلك (أحلف بالله) إنّ زيدا قائم، فقولك: (إن زيدا قائم) هي الجملة المقسم عليها، وقولك: (أحلف بالله) هو القسم الذي وكدت به " إن زيدا قائم " والمقسم به هو (اسم الله ﷿) وكذلك كل شيء ذكر في قسم لتعظيم المقسم به، فهو المقسم به.
وأصل هذه الحروف الباء، والباء صلة للفعل المقدر، وذلك الفعل (أحلف) و(أقسم)، أو ما جرى مجرى ذلك، فإذا قال: (بالله لأضربن)، فكأنه قال: (أحلف بالله) وجعلوا الواو بدلا من الباء، وخصوا بها القسم لأنها من مخرج الباء،
واستعملوا الواو أكثر من استعمالهم الباء؛ لأن الباء تدخل في صلة الأفعال في القسم وغيرها، فاختاروا الواو في الاستعمال؛ لانفرادها بالقسم.
وقد تدخل الباء في ثلاثة مواضع من القسم، لا تدخلها الواو ولا غيرها.
أحدها أن تضمر المقسم به، كقولك إذا أضمرت اسم الله: (بك لأجتهدن يا رب) وإذا ذكروا اسم الله فأردت أن تكني عنه قلت: (به لألزمن المسجد) كما تقول: (بالله لألزمن المسجد).
والموضع الثاني أن تحلف على إنسان كقولك له إذا حلفت عليه: (بالله إلا زرتني)، و(بالله لما زرتني)، ولا تدخل الواو هاهنا.
والموضع الثالث: أن يظهر فعل القسم كقولك: (أحلف بالله)، ولا تقول: (أحلف والله)، وأما التاء فإنها بدل من الواو كما أبدلت منها في (أتعد)، و(اتزن) وأصله (وعد) و(وزن) ولم تدخل إلا على اسم الله تعالى وحده؛ لأن قولك الله هو الاسم في الأصل والباقي من أسمائه صفات، والتاء أضعف هذه الحروف؛ لأنها بدل من الواو والواو بدل من الباء فبعدت فلم تدخل إلا على اسم الله وحده. وفي التاء معنى التعجب وكذلك اللام تدخل في القسم للتعجب كقول أمية بن أبي عائد:
[ ٤ / ٢٣٧ ]
لله يبقى على الأيام ذو حيد بمشمخرّ به الظّيّان والآس (١)
ويروى ذو جيد.
ويجوز حذف حرف الجر من المقسم به، فإذا حذفته نصبته كقولك: (الله لأفعلن) و(ويمين الله لأفعلن) وهو بمنزلة قولك: (تعلقت زيدا) (تعلقت بزيد)، إذا لم تدخل الباء، لأنه يقدر للقسم فعل، وإن حذف، فإذا حذفت حروف الجر وصل الفعل إلى المقسم به. وشبهه سيبويه بقولهم: (إنك ذاهب حقا) وقد يجوز (إنك ذاهب بحق) فإذا حذفت الباء نصبته وأنشد قول ذي الرمة:
ألا ربّ من قلبي له الله ناصح ومن قلبه لي في الظّباء السوانح (٢)
بنصب اسم الله.
وقال الآخر:
إذا ما الخبز تأدمه بلحم فذاك أمانة الله الثريد (٣)
ولا يجوز حذف التاء من (تالله) ولا اللام من " لله " لأنه لما دخله معنى التعجب بإدخال التاء واللام كرهوا إسقاط حرف المعنى، وربما استعمل (تالله) في غير معنى التعجب، إلا أنك إذا أردت معنى التعجب لم يجز إسقاط التاء.
قال سيبويه: " ومن العرب من يقول: " لله " فيخفض الاسم، ويحذف تخفيفا لكثرة الأيمان في كلامهم وشبه ذلك بحذف (ربّ) في مثل قولهم:
وبلد عامية أعباؤه كأنّ لون أرضه سماؤه (٤)
وأنشد:
_________________
(١) البيت في الكتاب ٣/ ٤٩٧، والخزانة ٥/ ١٧٧، والمخصص ١٣/ ١١١، وديوان الهذليين ٣/ ٢.
(٢) ملحقات ديوانه ٦٦٤، والمقتصد ٢/ ٨٦٨، والتبصرة ١/ ٤٤٧.
(٣) البيت في شرح الشواهد للأعلم ٢/ ٤٤، وابن يعيش ٩/ ٩٢.
(٤) البيتان من الرجز المشطور لرؤبة. انظر الإنصاف ٣٧٧، والأمالي الشجرية ١/ ١٤٣، والمقتصد للجرجاني ٢/ ٨٦٨.
[ ٤ / ٢٣٨ ]
وجدّاء ما يرجى بها ذو قرابة لعطف وما يخشى السّماة ربيبها (١)
إنما يريد " ورب " جداء، وجداء في موضع جر، ولكنها لا تنصرف، وهي الصحراء التي لا نبات فيها، الواو فيها واو العطف، لا واو القسم ومعنى قوله: وما يخشى السماة ربيبها، السماة: الصيادون في نصف النهار، وربيبها: وحشيها.
ثم قوى سيبويه حذف حرف الجر بقول العرب: (لاه أبوك) وأصله (لله أبوك) فحذف لام الجر ولام التعريف وكان أبو العباس المبرد يخالفه في هذا ويزعم أن المحذوف لام التعريف واللام الأصلية من الكلمة، وأن الباقي لام الإضافة فقيل له: لام الإضافة مكسورة ولام (لاه) مفتوحة، فقال: أصل لام الجر الفتح ومع ذلك فلو جعلناها مكسورة لانقلبت الألف ياء.
وكان الزجاج يذهب إلى قول سيبويه، وهو الصحيح عندي؛ لأن أبا العباس إنما حمله على ذلك الفرار من حذف لام الجر فيقال له: فقد حذف لام التعريف وهي غير مستغنى عنها، وإنما احتمل الحذف الكثير في القسم، والتغيير لكثرته في كلامهم حتى حذف فعل القسم، ولا يكادون يذكرونه مع الواو والتاء.
وقال بعض: (لهي أبوك) فبناه على الفتح، وهو مقلوب من (لاه أبوك) فقيل لأبي العباس: إذا كانت اللام لام الخفض فهلا كسروها في (لهى) فقالوا: (لهى) بكسر اللام فكان جوابه: أنه لما قلبوا كرهوا إحداث تغيير آخر مع الحذف الكثير الذي في (لاه) والقلب، وإنما بني (لهي) لأنه حذف منه لام الجر، ولام التعريف، ثم قلب فاختاروا له لفظا واحدا من أخف ما يستعمل وهو أن يكون على ثلاثة أحرف أوسطها وآخرها مفتوح، ومما يقال في ذلك
أنهم لما قلبوا وضعوا الهاء موضع الألف فسكنوها كما كانت الألف ساكنة، ثم قلبوا الألف ياء، لاجتماع الساكنين، لأنهم لما تركوها ألفا وقبلها الهاء ساكنة لم يمكن النطق بها، فردوها إلى الياء وهي أخف من الواو، ثم فتحوها لاجتماع الساكنين كما فتحوا آخر أين.
" واعلم أن من العرب من يقول: (من ربي لأفعلن) ومنهم من يقول: (من ربّي إنك لأشر) "
ولا يستعمل " من " بضم الميم في غير القسم، وذلك لأنهم جعلوا ضمها دلالة على
_________________
(١) انظر معجم الشواهد ٤٤، وشواهد الكتاب ٢/ ١٦٣.
[ ٤ / ٢٣٩ ]
القسم كما جعلوا الواو مكان الباء دلالة على القسم ولا يدخلون (من) في غير (ربي)، لا يقولون: (من الله لأفعلن) وإنما ذلك لكثرة القسم تصرفوا فيه واستعملوا أشياء مختلفة.
قال سيبويه: ولا تدخل الضمة في " من " إلا هاهنا كما لا تدخل الفتحة في " لدن " إلا مع (غدوة) حين قالوا: (لدن غدوة إلى العشي).
ولا تقول: (لدن زيدا مال)، فأراد أن يعرفك أن بعض الأشياء يختص بموضع لا يفارقه، فاعرفه إن شاء الله تعالى.
هذا باب ما يكون فيه ما قبل المحلوف به عوضا من اللفظ بالواو
قال أبو سعيد: وذلك في أشياء منها قولهم: (أي ها الله ذا)، ومعنى أي: نعم، وقوله:
(ها الله)، معناه: (والله ذا).
وفي (ها الله) لغتان منهم من يقول: (ها الله) فيثبت الألف في " ها " ويسقط ألف الوصل في (الله) ويكون بعد ألف " ها " لام مشددة كقوله (الضالين)، و(دابة) وما أشبه ذلك.
ومنهم من يحذف ألف " ها " لاجتماع الساكنين فيقول: (هلله) ليس بين الهاء واللام ألفا في اللفظ، وليس ذهاب الواو في (ها الله) كذهابها من قولهم: (الله لأفعلن) لأن قولهم:
(الله لأفعلن) حذفت الواو استخفافا ولم تدخل ما يكون عوضا، ويجوز أن تدخل عليها الواو.
واختلفوا في معنى الكلمة فقال الخليل قولهم: ذا هو المحلوف عليه كأنه قيل (أي والله) الأمر هذا كما تقول: (أي والله لزيد قائم) وحذف الأمر لكثرة استعمالهم هذا في كلامهم وقدم قوم: ها هو ذا وها أنا ذا وهذا قول الخليل.
وقال زهير:
تعلّمنّ ها لعمر الله ذا قسما فاقصد بذرعك فانظر أين تنسلك (١)
أراد: تعلمن هذا قسما ومعنى تعلمن: أعلمن وقال الأخفش: قولهم (ذا) ليس هو المحلوف عليه إنما هو المحلوف به وهو من جملة القسم والدليل على ذلك أنهم قد يأتون بعده بجواب قسم والجواب هو المحلوف عليه، فيقولون: (ها الله ذا لقد كان كذا وكذا).
_________________
(١) البيت في ديوانه ١٨٢، والخزانة ٢/ ٤٧٥، ومجمع الأمثال ٢/ ٩٢.
[ ٤ / ٢٤٠ ]
فقيل له أو للمحتج عنه: فما وجه دخول (ذا) قسمي، وقد حصل القسم بقوله:
(والله) وهو المقسم به، فقال: (ذا قسمي) عبارة عن قوله: (والله) وتفسير له.
وكان أبو العباس المبرد يرجح قول الأخفش ويجيز قول الخليل.
ومثل ذلك أيضا قولهم: (ألله لتفعلن) صارت ألف الاستفهام بدلا هاهنا بمنزلة " ها " ألا ترى أنك لا تقول: (أو الله) كما لا تقول: (ها والله) فصارت ألف الاستفهام:
" ها " يعاقبان واو القسم ومن ذلك أيضا قولهم: (أفألله لتفعلن) بقطع ألف الوصل في اسم الله، وقبل الفاء ألف الاستفهام، والفاء للعطف وقطع ألف الوصل في اسم الله ﷿ عوض من الواو، ولو جاء بالواو سقطت ألف الوصل وقال: (أفو الله)، وإنما يكون هذا إذا قال قائل لآخر: (أبعد دارك) فقال له: نعم، فقال له السائل: (أفألله) لقد كان ذلك فالألف للاسفهام والفاء للعطف، وقطع ألف الوصل للعوض ولو أدخل الفاء من غير استفهام لجاز أن تقول: (فالله لقد كان ذلك) إذ لم تستفهم.
وهذه المواضع الثلاثة التي ذكرناها تسقط واو القسم فيها للعوض كما وصفت ولا تسقط في غير ذلك لعوض.
وتقول: (أي والله) و(نعم) و(الله ") ومعنى " أي " معنى " نعم " فإذا أسقطت الواو نصبت فقلت: (نعم) (الله لأفعلن) و(أي الله لأفعلن) وفي لفظه ثلاثة أوجه منهم من يقول: (أي الله لأفعلن) فيفتح الياء لاجتماع الساكنين ومنهم من يقول: (أي لله لأفعلن) فيثبت الياء ساكنة وبعدها اللام مشددة كما قالوا: (ها لله).
ومنهم من يسقط الياء فيقول: (الله لأفعلن) بهمزة مكسورة بعدها لام مشددة. وقال الخليل في قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى * وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (١) وما أشبه ذلك من القسم في القرآن الذي عطف عليه بالواو أن الواو الثانية للعطف لا للقسم، ولو كانت لبقي الأول بلا جواب، واستدل على ذلك أنه قد يدخل في مثله ثم كقولك: (والله ثم الله) فثم للعطف لا غير، ويكون الجواب لهما جميعا ولو كانا قسمين لاحتاج كل واحد منهما إلى جواب لأنهما قسمان
منفصلان، ثم يشارك أحدهما الآخر في العطف ولا يجوز ذلك إلا مستكرها يعني بتأويل ضعيف بأن يضمر للأول مقسم عليه محذوف يدل عليه الثاني.
ويجوز أن يكون القسم بالباء والتاء فيقع العطف عليه بالواو وثم، والفاء كقولك:
(بالله، والرحمن، وتالله ثم الله لقد كان كذا وكذا).
_________________
(١) سورة الليل، الآيتان: ١، ٢.
[ ٤ / ٢٤١ ]
ولو قلت: (والله لآتينك، ثم الله لأضربنك) كنت بالخيار في الثاني إن شئت قطعت ونصبت لأن الأول قد تم بجوابه، وإن شئت عطفت ما بعد ثم على الأول فخفضته، وجئت له بجواب آخر، وإن شئت نصبته على أنه قسم آخر مستأنف، ويكون عطف جملة على جملة.
وشبه سيبويه هذا إذا قطعه من الأول بقولك: (مررت بزيد وعمرو خارج) وإذا لم تقطع وجب أن يقال: (والله لآتينك ثم والله لأضربنك) كقولك: (مررت بزيد ثم بعمرو).
وإن أخرت القسم عن حرف العطف كان نصبا لا غير كقولك: (والله لآتينك ثم لأضربنك الله.).
ولا يجوز فيه الخفض لأن حرف العطف قد ناب عن الخافض، وكان الخافض معه ولا يجوز الفصل بين الخافض والمخفوض، وشبهه بقولك: " مررت بزيد أول من أمس " و" أمس عمرو " وهذا قبيح خبيث للفصل بين الخافض والمخفوض. ولو قال قائل:
(وحقك وحق زيد) على وجه النسيان والغلط جاز وتكون الواو الثانية واو القسم، وإن قال: (وحقك حق زيد) على الغلط كانت الواو هي واو القسم. وألغى حقك الذي بعد الواو وكأنه لم يلفظ به، ولو قال: (وحقك وحقك) على التوكيد جاز وكانت الواو واو الجر.
هذا باب ما عمل بعضه في بعض وفيه معنى القسم
قال أبو سعيد: قد تقدم من كلامي أن القسم إنما هو جملة من ابتداء وخبر أو فعل وفاعل تؤكد بها جملة أخرى فمن الابتداء والخبر قولهم: (لعمر الله) (وأيم الله) (وأيمن الله) (وأيمن الكعبة)، كأنه قال: (لعمر الله) المقسم به، فعمرو مبتدأ والمقسم به المقدر خبره، ولأفعلن هو جوابه، وهو المقسم عليه، ومن ذلك قولهم: (على عهد الله)، فعهد الله مبتدأ وعلى خبره.
وألف (أيم) و(أيمن) - فيما حكاه سيبويه عن يونس- ألف موصولة وحكاها يونس عن العرب.
وأنشد:
وقال فريق القوم لما نشدتهم نعم وفريق ليمن الله ما ندري (١)
_________________
(١) البيت لنصيب بن رباح في ابن يعيش ٩/ ٩٢، والدرر اللوامع ٢/ ٤٤.
[ ٤ / ٢٤٢ ]
وقال أن " أيم " لم يوجد مضافا إلا إلى اسم الله تعالى وإلى الكعبة.
وفي النحويين من يقول: أنه جمع يمين وألفه ألف قطع في الأصل. وإنما حذف تخفيفا لكثرة الاستعمال.
وقد كان يذهب الزجاج إلى هذا، وهو مذهب الكوفيين، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع مستقصي.
قال: سمعت فصحاء العرب يقولون في بيت امرئ القيس:
فقلت يمين الله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي (١)
برفع اليمين كما رفع (لعمر الله)، وأضمر، يمين الله قسمي.
ومن روى (يمين الله) بالنصب أراد (أحلف بيمين الله) وحذف الباء فنصب.
ورفعه كقولهم: (أيمن الله)، و(أيمن الكعبة) و(أيم الله) وفيه معنى القسم وكذلك قولهم: (أمانة لله).
قال: " ومثل ذلك قولهم: يعلم الله لأفعلن وعلم الله لأفعلن
وإعرابه كإعراب (يذهب زيد)، والمعنى (والله لأفعلن) وذا بمنزلة يرحمك الله.
وفيه معنى الدعاء. أراد أن قولنا: (يعلم الله) و(علم الله) لفظه الإخبار بذلك ومعناه معنى القسم كما أن (يرحمك الله) لفظه لفظ الإخبار بان الله يرحمه وفيه معنى الدعاء وكذلك (اتقى الله امرؤ عمل خيرا) لفظه لفظ الخبر ومعناه ليفعل وليعمل وفي نسخة أخرى (ليتق الله).
قال: وحدثني هارون القارئ أنه سمع
فذاك أمانة الله الثّريد
بالرفع على ما فسرنا.
هذا باب ما يذهب التنوين فيه من الأسماء بغير إضافة، ولا دخول ألف، ولام ولا لأنه لا ينصرف وكان القياس أن يثبت التنوين فيه
_________________
(١) البيت في ديوانه ٣٢، والخزانة ٤/ ٢٠٩، والعيني ٢/ ١٣، والخصائص ٢/ ٢٨٤.
[ ٤ / ٢٤٣ ]
وذلك كل اسم غالب وصف بابن، ثم أضيف إلى اسم غالب، أو كنية، أو أم وذلك قولك: (هذا زيد بن عمرو)، وكان القياس أن تقول: (هذا زيد بن عمرو) كما تقول:
(هذا زيد الظريف) " وتحريك التنوين لاجتماع الساكنين، وإنما حذفوا التنوين من هذا النحو حيث كثر في كلامهم، لأن التنوين حرف ساكن وقع بعده حرف ساكن. ومن كلامهم أن يحذفوا الأول إذا التقى ساكنان.
قال أبو سعيد: اعلم أن حروف المد واللين إذا كان ما قبلها منها، وهي ساكنة (ثم) لقيها ساكن حذفت وهو القياس " والتنوين وما جرى مجراه من النونات السواكن في أصل البنية كنون " من " و" لدن "، ولكن " قد يحذفن إذا كان بعدهن ساكن وليس ذلك بالقياس فيهن، ولكن العرب قد تحذفهما لاجتماع الساكنين والأجود فيهما التحريك، لأن النون لا تثقل فيها الحركة، ولأنّا إذا حذفنا النون الساكنة والتنوين لم يكن ما قبلهما يدل عليهما كما يدل ما قبل الواو من الضمة، وما قبل الياء من الكسرة وما قبل الألف من الفتحة عليهن، فالاختيار في التنوين التحريك، لاجتماع الساكنين.
وقد يحذف، وحذفه لاجتماع الساكنين أكثر من حذف نون (لكن) و(لدن)، و(من). وإذا كانتا النون الخفيفة في الفعل فلفظها لفظ التنوين في الوقف والوصل لأنك إذا وصلت قلت: " اضربن زيدا " وإذا وقفت قلت اضربا كما تقول: (رأيت زيدا عندك)، وإذا وقفت قلت: (رأيت زيدا) وهي تخالف التنوين إذا لقيها ساكن، لأنها تحذف لاجتماع الساكنين، كقولك: " يا عمرو اضرب بن زيد " وأنت تعني " اضربن " وألزموها الحذف لأنها أضعف من التنوين من قبل أن الفعل أضعف من الاسم، ولأن النون لا تلزم ما تدخل عليه، والتنوين لازم لما يدخل عليه لعلامة الصرف، ألا ترى أنك تقول: (اضرب زيدا) بلا نون ولا تقول: (رأيت زيد) بلا تنوين، فإذا قالوا: (هذا زيد بن عمرو) تركوا القياس الذي ذكرنا لكثرة ذلك في كلامهم فصار المختار ترك التنوين ولزوم التخفيف على منهاج ما جرى عليه كلام العرب.
قال سيبويه: فإذا اضطر الشاعر فيه أجراه على القياس. سمعنا فصحاء العرب أنشدوا هذا البيت:
هي ابنتكم وأختكم زعمتم لثعلبة بن نوفل بن جسر (١)
_________________
(١) البيت للقارعة بنت معاوية في الأعلم ٢/ ١٤٧، وأمالي الشجري ٢/ ٤٧.
[ ٤ / ٢٤٤ ]
وقال الأخطل:
جارية من قيس بن ثعلبة كأنها حلية سيف مذهبة (١)
والكنى في ذلك بمنزلة الأسماء؛ لأنها وضعت علما وهي كالاسم الغالب، وذلك قولك (هذا أبو عمرو ابن العلاء)، و(هذا زيد بن أبي عمرو) فهو للرجل ولابنه كالاسم وقد قالت العرب: هذا رجب من بني أبي بكر بن كلاب) فحذف التنوين من (أبي بكر).
وقال الفرزدق:
ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها حتّى أتيت أبا عمرو بن عمّار (٢)
وقال الآخر:
فلم أجبن ولم أنكل ولكن يممت بها أبا صخر بن عمرو (٣)
واختلفوا في السبب الذي حسن حذف التنوين من قولك: (هذا زيد بن عمرو)، فكان سيبويه يذهب في ذلك إلى أن السبب فيه كثرته في الكلام واجتماع الساكنين فإذا لم يجتمع ساكنان لم يحذف. وكان يونس يذهب إلى أن العلة فيه " اجتماع الساكنين ولم يذكر غير ذلك وكان أبو عمرو " يذهب إلى أن العلة فيه كثرته في الكلام. واختلفوا في قولهم: (هذه هند بن زيد) فيمن صرف (هندا) فقال سيبويه ويونس: (هذه هند بنت زيد) بالتنوين لأنه لم يجتمع ساكنان.
وقال أبو عمرو: (هذه هند بنت عبد الله) فحذف لكثرته في كلامهم لا لاجتماع الساكنين كما حذفوا (لا أدر) و(لم أبل)، و(لم يك) و(خذ) و(كل) بأشباه ذلك وهذا كثير وقولهم: " هذا فلان ابن فلان " لا خلاف بينهم- فيما ذكره أبو العباس المبرد- أنه يجري مجرى زيد بن عمرو، ومثله، (طامر بن طامر)، و(ضل بن ضل) لأنها جعلت أعلاما للأناسي وهي معارف، وإن كانت كنايات، لأن (فلان ابن فلان) كناية عن العلم الذي لم
_________________
(١) البيتان من الرجز المشطور وهما في الخصائص ٥/ ٤٩١، وابن الشجري ١/ ٣٨٢، وابن يعيش ٢/ ٦، والخزانة ٢/ ١٧٠.
(٢) البيت في ديوانه ٣٨٢، وابن يعيش ١/ ٢٧.
(٣) البيت من شواهد سيبويه ٣/ ٥٠٦، وشرح الشواهد للأعلم ٢/ ١٩٨، والدرر اللوامع ٢/ ٢٤٠.
[ ٤ / ٢٤٥ ]
يذكر و(طامر بن طامر) و(ضل بن ضل) يعبر به عمن لا يعرف وإن كان يدخل في ذلك كل من كان بهذه الصفة كالأسماء الأعلام للأجناس (كأم عمرو للضبع) و(أبي الحارث للأسد). وإذا كنيت من غير الآدميين أدخلت الألف
واللام فقلت: الفلان بالفلانة والهن والهنة جعلوه كناية عن الناقة التي تسمى بكذا والفرس الذي يسمى بكذا ليفرقوا بين الآدميين والبهائم.
هذا باب تتحرك فيه النون في الأسماء الغالبة
وذلك قوله: (هذا زيد ابن أخيك)، و(زيد الطويل)، و(زيد ابن عمرك) وما جرى مجراه مما لم يصف فيه الاسم إلى اسم الأب الذي هو علم.
والاختيار في ذلك كله التنوين لأنه لم يكثر ويجوز فيه حذف التنوين لالتقاء الساكنين وليس ذلك بالمختار. وجوازه كجواز ما روي في (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ) وأنشد في ذلك:
لو كنت من هاشم أو من بني أسد أو عبد شمس أو أصحاب اللّوا الصّيد
أو في الذّؤابة من تيم مضيت بهم أو من بني خلف الخضر الجلاعيد (١)
وقال آخر:
لتجدني بالأمير برّا وبالقناة مدعسا مكرّا
إذا غطيف السّلميّ فرّا (٢)
وقوله: (هذا زيد ابن عمرك)، و(زيد ابن زيدك) القياس فيه التنوين. وهو الاختيار لأن زيدا وعمرك ليسا باسم العلم وإنما تعرفا بإضافتهما إلى الكاف بعد أن كان اسميهما زيدا وعمرا ف (ابن زيدك بمنزلة (ابن أخيك).
ولو قلت: (مررت بزيد ابن عمرو) ولم تجعله نعتا ولكن جعلته بدلا لنونت لأن
_________________
(١) البيتان من البسيط، ولم نستدل على قائلهما.
(٢) هذه أبيات من الرجز المشطور أنشدها ابن الشجري في أماليه ١/ ٣٤٥، وأبو زيد في النوادر ٩١.
[ ٤ / ٢٤٦ ]
حذف التنوين إنما هو في الصفة لكثرتها، ولأن الصفة والموصوف كشيء واحد وإذا قلت: (زيد ابن عمرو) فجعلت " زيدا " مبتدأ وجعلت " ابن عمرو " خبرا فلا خلاف بين النحويين أن الاختيار التنوين؛ لأن الخبر منفصل من المبتدأ ولم يكثر الكلام به، وإنما يكون خبرا إذا خاطبت (به) من لا يدري، أزيد ابن عمرو أم ابن غيره فأردت إعلامه نسب زيد من أبيه وهو لا يعرفه.
وأما قوله ﷿: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ (١) فقد اختلف القراء في تنوين " عزير " وترك تنوينه، فأما من نون فالحجة له أن هذا خبر وليس بنعت لأن (عزيرا) مبتدأ وابن خبره.
وأما من ترك التنوين فله ثلاثة أوجه، الأول منها أنه جعله صفة وأضمر الخبر أو المبتدأ فيكون تقديره: (هذا عزير ابن الله) أو " (عزير بن الله معبودنا) أو (عزير بن الله مرشدنا) ونحو هذا من التقدير.
والوجه الثاني أن يكون حذف التنوين لاجتماع الساكنين كما ذكرنا في الأبيات آنفا.
والوجه الثالث وهو أجودها أن يكون " عزير " اسما عجميّا منع الصرف لعجمته.
وتقول: (هذا زيد بنيّ عمرو) ولا خلاف بينهم، وأبو عمرو أيضا يقوله؛ لأنه لم تكثر إضافته بالتصغير كما كثر هند بنت عبد الله في قول أبي عمرو.
هذا باب النون الثقيلة والخفيفة
اعلم أن كل شيء دخلته الخفيفة فقد تدخله الثقيلة، وزعم الخليل إنها توكيد ك (ما) التي تكون فضلا فإذا جئت بالخفيفة فأنت مؤكد، وإذا جئت بالثقيلة فأنت أشد توكيدا.
قال أبو سعيد: اعلم أن النون الخفيفة لا تدخل إلا على الفعل المستقبل والفعل المستقبل فيها على ثلاثة أقسام.
قسم يلزم دخول النون فيه، وقسم يجوز دخولها فيه، وخروجها عنه وقسم لا تدخل فيه إلا ضرورة.
فأما القسم الذي تلزم النون فيه فهو أن يكون الفعل في أوله اللام جوابا للقسم
_________________
(١) سورة التوبة، آية: ٣٠.
[ ٤ / ٢٤٧ ]
كقولك: (والله لأضربن زيدا) ولا يجوز (والله لأضرب زيدا).
إنما لزمته النون، لئلا يتوهم إنها اللام التي في خبر إن لغير قسم فيزول اللبس بدخول النون تقول: (إن زيدا ليقوم، ولينطلق) فيكون قيامه وانطلاقه يجوز أن يكون للحال، ويجوز أن يكون للمستقبل بمنزلة الفعل الذي لا لام فيه، كقولك: (زيد يقوم، وينطلق) وقد يدخل بعد هذه (اللام) عليه (السين وسوف) كما تدخل على ما لا (لام) فيه كقولك: (إن زيدا لسوف يقوم ولسيقوم)، فإذا قلت: (إن زيدا ليقومن ولينطلقن) كان هذا جوابا لليمين ولم يكن إلا للمستقبل. لا يجوز أن تقول: (إن زيدا لينطلقن الآن) كما جاز أن تقول: (إن زيدا لينطلق الآن) فكان دخول النون لازما مع اللام للفصل.
وأما ما يجوز دخول النون فيه للتوكيد وخروجها عنه فالأمر والنهي والاستفهام كقولك: (اضربن زيدا) و(أضربن زيدا) و(لا تضربن زيدا) و(لا تضربن زيدا)، و(هل تضربن زيدا)، و(هل تضربن زيدا) وإن شئت لم
تدخلها في شيء من ذلك.
وأما ما لا تدخل فيه النون إلا في ضرورة فالخبر.
قال سيبويه: ويجوز للمضطر: (أنت تفعلن ذاك).
شبهوه بما بعد الاستفهام وبجواب اليمين وكان الفعل فيه مرفوعا مثله في الاستفهام واليمين وأنشد قول جذيمة بن الأبرش، وقد ذكرناه في الباب.
ومما جاء فيه النون في كتاب الله ﷿: وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١)، وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا (٢)، والخفيفة منها لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا (٣) خفيفة، وقوله: لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ (٤)
وقال الأعشى:
فإيّاك والأنصاب لا تقربنّها ولا تعبد الشّيطان والله فاعبدا (٥)
فلا تقربنها نون ثقيلة، وفاعبدا نون خفيفة وقف عليها بالألف. وقال زهير:
_________________
(١) سورة يونس، الآية: ٨٩.
(٢) سورة الكهف، الآية ٢٣.
(٣) سورة يوسف، الآية: ٣٢.
(٤) سورة العلق، الآيتان: ١٥، ١٦.
(٥) البيت في ديوان الأعشى ١٠٣، وروايته: وذا النصب المنصوب لا تنسكه ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا
[ ٤ / ٢٤٨ ]
تعلمّن ها لعمر الله ذا قسما فاقصد بذرعك وانظر أين تنسلك (١)
فهذه الخفيفة في تعلمن.
وقال الأعشى:
أبا ثابت لا تعلقنك رماتنا أبا ثابت واقعد وعرضك سالم (٢)
وهو كثير في الشعر
ومما جاء في جواب اليمين، قول النابغة الجعدي:
فمن يك لم يثأر بأعراض قومه فإنّي وربّ الرّاقصات لأثأرا
وهذه النون الخفيفة ولم يقل: (لأثأرن)
وقالت ليلى الأخيلية:
تساور سوارا إلى المجد والعلى وفي ذمّتي لئن فعلت ليفعلا
ودخول هذه النون في كل موضع دخلت فيه للاستقبال.
ولا تدخل على فعل للحال.
وكان الأصل في دخولها على الأمر والنهي للتوكيد، والاستفهام مضارع للأمر النهي، لأنه غير واجب وفيه معنى الأمر؛ لأنك إذا قلت: (هل تفعلن كذا؟) فإنك تستدعي منه تعريفك، ولولا ذلك ما صار جواب الاستفهام كجواب الأمر والنهي، فمن ذلك: (هل تقولنّ ذلك؟) و(أتقولنّ ذاك؟) و(كم تمكثن؟) و(انظر متى تفعلن؟) وكذلك جميع حروف الاستفهام. قال الأعشى:
_________________
(١) البيت سبق تخريجه.
(٢) ديوان الأعشى ٥٨.
[ ٤ / ٢٤٩ ]
فهل يمنعنيّ ارتيادي البلا د من حذر الموت أن يأتين
والشاهد في يمنعني
وقال:
فأقبل على رهطي ورهطك نبتحث مساعينا حتّى ترى كيف تفعلا
وزعم يونس أنك تقول: هلا (تقولن) وألا تقولن وهذا أقرب؛ لأنك تعوض فكأنك قلت (أفعل) لأنه استفهام وفيه معنى العرض ومثل ذلك: " لولا تقولن " ذاك لأنك تعوض.
فصار بمنزلة الأمر والنهي؛ لأنه استدعاء كما نستدعي بالأمر، وقد تقدم الكلام في موافقة حروف الاستفهام في الأمر والنهي في باب الجزاء بما أغنى عن إعادته.
ومن مواضع النون (حروف الجزاء) إذا دخلت " ما " على حروف المجازاة، لأن " ما " تدخل للتوكيد فشبهوها باللام التي في " لتفعلن " إلا أن اللام تلزمها النون، وأنت مخير في المجازاة، وذلك قولك: (أما تأتيني آتك) وأيهم ما يقولن ذاك يحبه وتصديق ذلك قوله ﷿: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ (١) وقال: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا (٢).
وقد تدخل النون بغير " ما " في الجزاء وذلك قليل في الشعر شبهوا الجزاء بالنهي حيث كانا مجزومين غير واجبين وقال الشاعر:
نبتم نبات الخيزرانيّ في الثّرى حديثا متى ما يأتك الخير ينفعا (٣)
الشاهد في " ينفعا " وهو جواب ولم يل " ما "
وقال ابن الخوع: (٤)
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ٢٨.
(٢) سورة مريم، الآية: ٢٦.
(٣) البيت للنجاشي وهو من بحر الطويل انظر الخزانة: ٤/ ٥٦٣، العيني: ٣/ ٣٤٤، الدرر اللوامع: ٢/ ٩٧.
(٤) هو عوف بن عطية بن الخوع ويروى أيضا للكميت بن معروف، انظر الخزانة: ٤/ ٥٥٩، العيني:-
[ ٤ / ٢٥٠ ]
فمهما تشأ منه فزارة تعطكم ومهما تشأ منه فزارة تمنعا
وقال آخر:
من يثقفن منهم فليس بآئب أبدا وقتل بني قتيبة شافي
وقد يدخلون (ما) بعد " لم " حيث كانت " لم " جازمة لشبهها بالنهي والجزاء كقول الشاعر:
يحسبه الجاهل ما لم يعلما (١) شيخا على كرسيّه معمّما
وقد يقولون: " أقسمت لما لم تفعلن " لأن هذا طلب فصار كالأمر والنهي كأنه قال:
(لا تفعلن).
وقد أدخلوها في أفعال مستقبلة في الخبر، وقبلها " ما " زائدة، وهو قولهم (بجد ما تبلغنّ) و(بجهد ما تنقلنّ) وفي مثل من أمثال العرب:
" في عضة ما ينبتنّ شكيرها " (٢)
وقولهم في مثل آخر:
" بآلم ما تختننّه " (٣)
وقالوا أيضا: " بعين ما أرينك "
فشبهوا دخول ما في هذه الأشياء بدخولها في الجزاء، وجعلوا قوله:
_________________
(١) - ٤/ ٣٣٠، الأشموني: ٣/ ٢٢٠.
(٢) البيت من الكامل وقد نسبه البغدادي لبنت مرة بن عاهان الحارثي وهو من شواهد الكتاب: ٣/ ٥١٦، الخزانة: ٤/ ٥٦٥، العيني: ٤/ ٣٣٠، الأشموني: ٢/ ٣١٠، الهمع: ٢/ ٧٩.
(٣) شكرت الشجرة تشكر أي خرج منها الشكير وهو ما ينبت حول الشجرة من أصولها. والعضة: شجرة لها شوك. يضرب في تشبيه الولد بأبيه. ويروى صدر بيت من الطويل لا يعلم قائله هو: ومن عضة ما ينبتن شكيرها قديما ويقتط الزناد من الزند انظر الأمثال للميداني: ٢/ ٣١، المغني: ٣٤٠، ابن يعيش: ٧/ ١٠٣.
(٤) الأمثال للميداني: ١/ ١٤٧، المقتضب: ٣/ ١٥.
[ ٤ / ٢٥١ ]
" بجهد ما تبلغنّ " لما كان لا يبلغ إلا بجهد صار كأنه غير واجب؛ لأنه لم يبلغ على كل حال وكذا بألم ما تختننه أي لا تختن إلا بشرط الألم وهذا المثل يضرب لمن يطلب أمرا لا يناله إلا بمشقة.
وقوله: (في عضة ما ينبتن شكيرها) يضرب مثلا لما كان له أصل وأمارة تدل على كون شيء آخر.
وقوله بعين " ما أرينك " كأنه يقول: أتحقق الذي أراه ولا أشك فيه فهو توكيد:
ودخلت " ما " لأجل التوكيد في الأشياء فشبهت باللام.
وقد تدخل في الضرورة وليس معها لام.
قال الشاعر وهو جديمة الأبرش:
ربّما أوفيت في علم ترفعن ثوبي شمالات (١)
وإنما حسن هذا لأن " ما " قد زيدت في " رب " و" ترفعن " من حملتها
وزعم يونس أنهم يقولون: (ربما تقولن ذاك)، و(كثر ما تقولن ذاك) لأنه فعل غير واجب و" ما " لازمة.
ولا تقل: (رب تقولن)، ولا (كثر تقولن) فأشبهت عندهم لام القسم فجاز دخول النون وليس بمنزلته في القسم؛ لأن اللام إنما ألزمت اليمين ولا يجوز إطراحها. ولزمت النون اللام للعلة التي ذكرتها من الفصل لأن اللام إنما لزمت اليمين كما لزمت النون اللام وليس مع المقسم به بمنزلة حرف واحد، ولو لم تلزم اللام لالتبس بالنفي إذا
حلف أنه لا يفعل ف (ما) تجيء لنسهّل الفعل بعد (رب) فلا يشبه ذا القسم.
وذلك: " حيث ما تكونن آتك "، لأنها سهلت الفعل أن يكون مجازاة.
وإنما كان ترك النون في هذا أجود، لأن (ما) و(رب) بمنزلة حرف واحد نحو (قد) و(سوف) و(ما) و(حيث) بمنزلة (أين) واللام ليست مع المقسم به كحرف واحد وليست ك (ما) التي في: (بألم ما تختننه) لأنها ليست مع ما قبلها بمنزلة حرف واحد؛ لأن اللام لا تسقط كما تسقطها من هذا إن شئت.
أما قوله: " فما " تجيء لتسهل الفعل، بعد (رب)، يريد أن (رب) لا تدخل على الفعل. فإذا دخلت ما عليها وليها الفعل وكذلك (حيث) لا يجازى بها فإذا دخلت عليها
_________________
(١) انظر ابن يعيش: ٩/ ٤٠، العيني: ٣/ ٣٤٤، المغني: ١٣٥، المؤتلف والمختلف: ٣٩.
[ ٤ / ٢٥٢ ]
ما جوزي بها.
وإنما يريد بذلك الفرق بين (ربما) و(كثر ما) وبين لام القسم، لأن لام القسم تلزم فيه النون وربما لا تلزم بعد ما النون ومعنى قوله: واللام ليست مع المقسم به كحرف واحد إلى آخر الباب.
يعني أن لام القسم ليست كما في (ربما) لأن (ما) و(رب) شيء واحد ولا كما ب (ألم ما تختننه) لأن (ما) بعد (ألم) زائدة لغو واللام لازمة للفعل ومنفصلة من المقسم به.
هذا باب أحوال الحروف التي قبل النون الخفيفة والثقيلة
قال أبو سعيد: أما فعل الواحد فإن ما قبل النون فيه مفتوح خفيفة وثقيلة وسواء كان الفعل في موضع جزم أو في موضع رفع كقولك في الجزم: (لا تضربن زيدا) و(لا تضربن زيدا) وإنما فتحوا لأن النون الخفيفة ساكنة والشديدة نونان الأولى منهما ساكنة فاجتمع ساكنان الحرف المجزوم والنون الساكنة فكرهوا ضمه وكسره لأنه لو كسر لالتبس بفعل المؤنث كقولك: (لا تضربنّ زيدا)، وإن ضم التبس بالجمع كقولك للجماعة: (لا تضربنّ زيدا)، وأما في الرفع فقولك: (هل تضربنّ زيدا) (والله لأضربن زيدا) والعلة فيه كالعلة في المجزوم؛ لأنهم لو تركوا الضمة لالتبس بفعل الجماعة فأبطلوا الإعراب في الرفع كما أبطلوه في الجزم ثم فتحوه لاجتماع الساكنين وتقول في الاثنين إذا أدخلت النون الشديدة: (اضربان زيدا) أو (لا تضربان زيدا) كما قال الله: وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١).
فإن قال قائل: فهلا حذفوا الألف لاجتماع الساكنين هي والنون الساكنة بعدها كما حذفوا الواو في (لا تضربن) والياء في (لا تضربن) والأصل (لا تضربوا) و(لا تضربي)؟ قيل له لو حذفوا الألف للزم أن يقال: (لا تضربن يا زيدان)، فأشبه فعل الواحد المذكر فاجتنبوا اللبس وأثبتوا الألف وشبهوها بدابة فالنون المشددة بعد الألف كالباء المشددة بعد الألف في دآبة، فإذا كان في موضع رفع في تثنية أو جمع أو فعل مؤنث حذفت النون التي هي علامة الرفع لبطلان الإعراب مع دخول نون التوكيد، ولأن فعل الواحد المذكر إنما دخلت عليه النون وانفتح ما قبلها من الفعل، صار بالفتح كأنه منصوب والفعل المنصوب لا تدخل عليه النون التي هي علامة الرفع، ومن أجل اجتماع النونات أيضا؛
_________________
(١) سورة يونس، الآية: ٨٩.
[ ٤ / ٢٥٣ ]
لأنك لو أثبت النون التي هي للإعراب لقلت: (هل تتّبعاننّ)، و(هل تضربوننّ زيدا) فتجتمع ثلاث نونات فحذفوها استثقالا لها ثم أسقطوا الواو في الجمع لاجتماع الساكنين وأسقطوا الياء في المؤنث لذلك فقالوا: (هل تضربنّ زيدا يا قوم)، و(هل تضربنّ زيدا يا هند) واحتج سيبويه لاستثقالهم النونات أنهم حذفوها فيما هو أشد من ذا.
قال: بلغنا أن بعض القراء قال: " أَتُحاجُّونِّي " (١) وكان يقرأ " فبم تبشروني " (٢) وهي قراءة أهل المدينة لأنهم استثقلوا التضعيف وقال عمرو بن معد يكرب:
تراه كالثّغام يعل مسكا يسؤ الغاليات إذا فليني (٣)
والأصل (أتحاجّونني)، و(فبم تبشّرونني) وإذا فلينني، فأسقط أحد النونين فإذا كن ثلاثا فهي أثقل، وينبغي أن تكون النون المحذوفة النون (التي مع الياء الثانية) لا التي مع الياء الأولى في (فلينني) فهي ضمير الفاعلات والنون الثانية لغير معنى لا يخل سقوطها بالكلام والنون الأولى في (أتحاجونني) و(تبشرونني) للرفع فتسقط الثانية.
وإنما تسقط لدخول النون الواو المضمومة ما قبلها والياء المكسور ما قبلها كما تسقط هذه الواو والياء إذا لقيهما ما فيه ألف الوصل أو الألف واللام كقولك: " أضربوا ابن زيد يا قوم " تسقط الواو في اللفظ، و" اضربي ابن زيد يا هند " فتسقط الياء و" اضربوا القوم " و" اضربي القوم " فإن كان الواو والياء مفتوحا ما قبلهما لم يسقطا لدخول النون وحركتهما لاجتماع الساكنين كما تحركهما إذا كان بعدهما ألف وصل أو الألف واللام تقول إذا أدخت النون على (أرضوا واخشوا وارضي واخشي) (أرضونّ زيدا واخشونّ زيدا وأرضين زيدا وأخشين زيدا) كما تقول: (اخشوا القوم) و(اخشوا ابن زيد) و(أرض القوم) و(أرض ابن زيد).
قال المازني: فإن قال قائل: (هلا رددتم الساكن الذاهب في اخشوا وأخشى) حين تحركت الواو والياء في اخشون و(اخشين) والساكن الذاهب كان ألف " أخشى ".
وإنما سقطت لسكونها وسكون الواو، والياء، في (اخشوا واخشى) فإذا تحركت الواو والياء، فردوها، كما قلتم قل، فأسقطتم الواو لاجتماع الساكنين فإذا قيل: (قولن) رددتم الواو ولما تحركت اللام.
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ٨٠.
(٢) سورة الحجر، الآية: ٥٤.
(٣) انظر ابن يعيش: ٣/ ٩١، الخزانة: ٢/ ٤٤٥، العيني: ١/ ٣٧٩، واللسان: (فلا).
[ ٤ / ٢٥٤ ]
فأجاب بأن اللام في (قولن) أصلها الحركة فإذا تحركت فكأنها في الأصل متحركة فرددنا الواو من أجل ذلك، وليست الواو في الجمع ولا الياء في التأنيث بمتحركتين في الأصل، فإذا حركتا لاجتماع الساكنين فكأن الحركة فيهما عارضة.
فعورض هذا الجواب بأنا نقول: " قل الحق " فتحرك اللام ولا نرد الواو، وأقول أنا في هذه المعارضة: إنها تسقط لأن الساكن في " قل الحق " من كلمة أخرى، وليس يلزم لام (قل) أن يلقاها الساكن في كل حال لأنه يجوز أن يوقف عليها ثم يبتدأ ما بعدها.
هذا باب الوقف عند النون الخفيفة
قال أبو سعيد: اعلم أنك إذا وقفت عليها في فعل الواحد المذكر قلبتها ألفا لانفتاح ما قبلها فصار بمنزلة التنوين في الاسم المنصوب وذلك قولك: (اضربا) و(قوما) إذا وقفت كما تقول: (رأيت زيدا) و(ضربت بكرا)، وليس بينها وبين التنوين في الاسم فرق؛ لأنهما زائدان وقبلهما مفتوح وهما نونان وليست إحداهما بمنزلة حروف الأصل، كما أن نون " رعشن " و" ضيفن " ألحقتا الاسمين بجعفر.
وإذا وقفت على النون الخفيفة وقبلها ضمة أو كسرة فقط سقط من بعد الضمة واو الجمع لاجتماع الساكنين وبعد الكسرة ياء التأنيث لاجتماع الساكنين، فإذا وقفت عليها لم تبدل منها عند سيبويه والخليل، وذلك أنا إنما أبدلنا الألف منها، إذا كان قبلها فتحة تشبيها بالاسم المنصوب المنون إذا وقفنا عليه فإذا كان قبلها ضمة، أو كسرة، فالاسم المضموم أو المكسور إذا كانا منونين لم يبدل جل العرب من التنوين شيئا في الوقف كقولك: " جاءني
زيد " و" مررت بزيد " وهو لغة أهل الحجاز وعليه القراءة فلما لم يبدل من التنوين في المرفوع والمجرور المنونين في الوقف (كانت النون الخفيفة في الفعل أبعد من البدل في الوقف).
لأنها أضعف، وذلك قولك في (اضربن زيدا يا رجال) و(اضربن زيدا يا هند) وإذا وقفت لزم أن تقول: (اضربوا واضربن)؛ لأنك حذفت النون فاحتجت أن ترد ما سقط من أجلها لاجتماع الساكنين، وهو واو الجمع وياء المؤنث.
قال سيبويه- وهو يريد المعنى الذي ذكرته- وإذا وقفت عندهما- وقد أذهبت علامة الإضمار التي تذهب إذا كان بعدها ألف خفيفة أو ألف ولام- رددتها كما ترد الألف في مثنى كما ترى إذا سكت وذلك قولك للمرأة وأنت تريد الخفيفة (أضربي) والجمع (أضربوا) و(أرموا) وللمرأة (أرمي) و" (أغزي) فهذا تفسير الخليل وهو قول
[ ٤ / ٢٥٥ ]
العرب ويونس.
قال أبو سعيد: أما قوله: وقد أذهبت علامة الإضمار يعني واو الجماعة في (اضربن) وياء التأنيث في (أضربن) وقوله: الذي تذهب إذا كان بعدها ألف خفيفة أو ألف ولام يعني بالألف الخفيفة ألف وصل في مثل ابن واسم تقول: (اضربي ابنك)، و(واضربوا ابن زيد) وفي الألف واللام: (أضربي الرجل) و(أضربوا الرجل) فتسقط الواو والياء في اللفظ لألف الوصل التي بعدها فإذا وقفت عليها عادت الواو والياء اللتان كانتا يسقطان لألف الوصل.
وكذلك إذا قلت: (هذا مثنى يا هذا) ثم وقفت قلت: (مثنى) جئت بالألف وهي عند سيبويه الألف التي كانت في أصل (مثنى) وسقطت لسكونها وسكون التنوين وإذا وقفت زال التنوين فعادت الألف.
وقد اختلف النحويون في الألف التي تكون في كل اسم مقصور منصرف إذا وقف عليها هل هي الألف التي كانت في أصل المقصور أو هي بدل من التنوين؟
فقال الخليل وسيبويه ومن ذهب مذهبهما: إن الألف الموقوف عليها هي ألف الأصل.
وروي عن المازني وهو قول أبي العباس المبرد: إن الألف في (مثنى) و(مغزى) و(مرمى) إذا وقفت عليها هي بدل من التنوين وشبهوا ذلك بقولك: (رأيت زيدا وعمرا) لأن الألف بدل من التنوين.
قال أبو سعيد: والقول ما قاله سيبويه وقد حكى أيضا عن الكسائي، والدليل على ذلك أن التنوين إنما يبدل ألفا في الوقف إذا كان قبله فتحة يليها التنوين ونحن إذا قلنا (مثنى) و(مغزى) فالفتحة قبل ألف " مثنى " و" مغزى " ثم دخل التنوين فسقطت الألف التي بين الفتحة والتنوين فإذا وقفنا لم يجز أن تبدل من التنوين ألفا وليس الشرط المسلم في بدل التنوين ألفا أن يكون بعد ألف.
ومما يدل على صحة قوله أنّا إذا وقفنا على " مثنى " وغيره مما يجوز أن تمال ألفه كان لنا أن نميلها كقولك: (هذا
فتى ومرمى وغيرهما).
وقد قال بعض أصحابنا إنه يحتمل على مذهب سيبويه أن تبدل من التنوين ألفا فيجتمع ألفان: الألف الأصلية والألف البدل من التنوين فتسقط الألف التي هي بدل من التنوين لأنها زائدة ومن مذهبه إذا اجتمع حرفان من حروف المد واللين والثاني زائد حذف الزائد كقولك: (مصوغ ومبيع) وذلك مذكور في موضعه.
[ ٤ / ٢٥٦ ]
وإذا وقفت على (اخشون) و(اخشين) فمن مذهب سيبويه والخليل أن نقول (اخشى) و(أخشوا) لانهما لا يعوضان من النون لضمة ما قبلهما وكسرته فإذا حذفوا النون عاد اللفظ كما كان قبل دخولها فقلنا: (اخشى) و(أخشوا).
وكان يونس يقول: أبدل من النون واوا إذا كان قبلها ضمة، وياء إذا كان قبلها كسرة فأقول: (أخشووا) و(أخشيي) فقال الخليل: لا أرى ذلك إلا على قول من قال:
(هذا عمرو) و(مررت بعمري) إذا وقفت عليه.
قال أبو عثمان: أهل اليمن يقولون: (هذا زيدو) وليسوا فصحاء.
قال سيبويه: وقول العرب على قول الخليل وإذا وقفت عند النون في فعل مرتفع لجمع رددت النون التي تثبت في الرفع.
وكذلك في المؤنث، وذلك قولك: (هل تضربن زيدا يا رجال)، و(هل تضربن زيدا يا هند) فإذا وقفت قلت: (هل تضربين) و(هل تضربون) فرددت الذاهب من أجل النون لما سقط النون لانضمام ما قبلها وانكساره ولا تقول: (هل تضربونا)، ولا (هل تضربينا) إذا وقفت، لأن الألف (إنما) تنقلب من النون في موضع النون ولا تقع نون التوكيد بعد نون الرفع، لأنه لا يجوز أن تقول: (هل تضربونن زيدا) ولا (هل تضربينن زيدا) ولو جاز ذلك لجاز أن يكون بالنون الشديدة، لأن موقعهما واحد فقلت: (هل تضربونن زيدا) و(هل تضربينن زيدا) ولا يقوله أحد.
وقال سيبويه: ينبغي لمن قال بقول يونس في (أخشيى) و(أخشووا) إذا وقف على النون الخفيفة أن يقول: (هل تضربوا) فيجعل الواو مكان النون كما فعل ذلك في (أخشيى) ويسقط نون الرفع وأما النون الثقيلة فلا عمل فيها في الوقف ولا تغير لها؛ لأنها لا تنقلب في الوقف إلى غير النون.
وإذا كان بعد النون الخفيفة ألف وصل أو ألف ولام سقطت ولم تحرك لاجتماع الساكنين كما يحرك التنوين وذلك قولك: (يا زيد اضرب الرجل) و(اضرب ابنك)، وإنما سقطت ولم تثبت كثبوت التنوين وتحريكه في قولك: (مررت بزيد الطويل) و(هذا زيد ابنك) لأن الاسم أقوى من الفعل وأشد تمكنا، ولأن التنوين في الاسم واجب لا يخير المتكلم بينه وبين تركه في الأسماء المنصرفة وأنت مخير في النون، إن شئت جئت بها في الفعل وإن شئت
تركتها.
[ ٤ / ٢٥٧ ]
هذا باب النون الثقيلة والخفيفة من فعل الاثنين وفعل جميع النساء
قال أبو سعيد: أما الثقيلة فإنها تدخل في فعل الاثنين وفعل جميع النساء، فالاثنان كقولك: (اضربان زيدا)، وكقوله: وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١) و(هل تفعلانّ ذلك) وتذهب نون الرفع هاهنا كما ذهبت في فعل الجميع.
وإنما تثبت الألف في (تذهبانّ) ولا تسقط لاجتماع الساكنين لأنها لو سقطت لأشبه فعل الاثنين فعل الواحد؛ ولأن الذي بعد الألف حرف مشدد فجاز ذلك فيه، كما جاز في (دابّة) و(الضّالّين) وجعل الحرف المشدد كالحرف الواحد المتحرك، وجعل المد في الألف كالعوض من الحركة ولم يسقطوا الألف لاجتماع الساكنين كما أسقطوا الواو في (أضربنّ زيدا) و(اضربنّ زيد يا امرأة). ولو قال: (" اضربون زيدا) و(اضربين يا امرأة) لما كان خارجا عن القياس لأنهم يقولون: " تمود الثّوب " و" أصيمّ " و" مديقّ " في تصغير " أصم " و" مدق " غير أن الحذف أولى وأخف فيما لم يشكل وإذا أشكل كان الإثبات أولى فقالوا:
" لا تتبعان " فأثبتوا الألف، لأنهم لو حذفوها لاجتماع الساكنين صار: " لا تتبعنّ " (ووقع لبس) وفي (اضربنّ) و(اضربنّ) لا يقع لبس.
وحذفوا نون الرفع مع نون التوكيد؛ لأن الواحد في " تضربن " مبني على الفتح ونظير الفتح الذي هو النصب في المعرب حذف النون كقولك: (زيد لن يقوم يا هذا) و(الزيدان لن يقوما)، و" (الزيدون لن يقوموا) فصار حذف النون بمنزلة النصب وكذلك يصير حذف النون في المثنى بمنزلة الفتح.
ومما احتج به سيبويه أنه بمنزلة (راد ويراد) جعل النون المشددة بمنزلة الدال المشددة في (يراد) ولم تسقط الألف.
وقال: " ولم يكن لحاق الآخر بعد استقرار الأول ".
يعني أنه لو كان إحدى النونين أو إحدى الدالين من (راد) وقعت ساكنة بعد الألف وجب حذف الألف كما وجب في (" لم يخف) و(لا تخف) ولو تحركت الفاء بعد ذلك الساكن كقولك: (لم يخف الرجل) لم ترد الألف الذاهبة بعد الفاء.
فإن قال قائل: فلم تثبت الواو في (تمودّ) و(تحوّد) فيما لم يسم فاعله من قوله:
مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (٢) ولم تثبت الواو والياء في (اضربنّ) و(أضربنّ)؟
قيل له: لأن الواو في (تمودّ) وما جرى مجراه منقلبة من ألف " ماددت " فكأنها ألف
_________________
(١) سورة يونس، الآية: ٨٩.
(٢) سورة التوبة، الآية: ٦٣.
[ ٤ / ٢٥٨ ]
وياء التصغير إذا حذفت لم يكن قبلها شيء يدل عليها لأن ما قبلها مفتوح فلم يحذفا لذلك والضمة والكسرة في (أضربنّ) و(أضربنّ) دليل على الواو والياء المحذوفتين.
وقد اختلف النحويون في إدخال النون الخفيفة على التثنية وجمع المؤنث.
فكان الخليل وسيبويه لا يريان ذلك.
وكان يونس وناس من النحويين سواه يرون ذلك وهو قول الكوفيين.
والذي احتج به سيبويه أنّا لو أدخلنا النون الخفيفة على الاثنين لوجب أن تقول:
(اضربان زيدا) و(لا تضربان عمرا) فيجتمع حرفان ساكنان في وصل الكلام، الأول من حروف المد واللين والثاني غير مدغم في مثله ولم نر ساكنين اجتمعا في الوسط إلا على أن الأول منهما للمد واللين والثاني مدغم في مثله كقولك: (ضالة) و(دابة) و(تمودّ) و(أصيمّ) فلم يجز إدخال النون الخفيفة، ولسنا بمضطرين إليها على صورة تخرج بها عن كلام العرب.
فإن قال قائل فقد يلحقه ما يوجب إدغامه فيه فأجيزوا دخوله كقولك: (اضربا نّعمان) و(اضربانّي) النون الأولى من المشددة: النون الخفيفة، والأخرى: نون نعمان والنون التي في قولنا (ني) للمتكلم.
فإن قال قائل: أجيزوا هذا على هذا الوجه لأنها تقع وبعدها نون مشدد، كما قال:
" لا تتبعان " وأنتم تجيزون الحرف المشدد إذا كان بعد ألف، فلا يجوز (اضربا نّعمان) و(اضربانيّ) على مذهب سيبويه وأصحابه؛ لأنا لو أجزنا هذا في (اضربا نّعمان) لوجب إجازته في غيره من الأسماء التي لا نون في أولها ويكون الحكم فيها واحدا. ألا ترى أنك تقول: (هذان عبدا الله) فتسقط ألف التثنية في اللفظ دون الخط من " عبدا " للساكن الذي بعدها.
ولو قال لنا قائل قولوا: (عبدا الله) فأثبتوا الألف، لأن بعدها لاما مشددة لقلنا له قد يجوز أن نقول: (عبد الواحد) و(عبد الكريم) ولا يقع بعدها لام مشددة فلا تثبت الألف وتحذف لاجتماع الساكنين، فحمل الباب على طريق واحد.
وكذلك جعل (اضربا نعمان) بإسقاط النون الخفيفة كقولك: (اضربا سعدان) و(اضربا داود) وما أشبه ذلك.
ولو جاز إدخال النون في التثنية لكنا نحتاج أن نحذف ألف التثنية لاجتماع الساكنين فيصير الاثنان كالواحد.
قال سيبويه: ولو أدخلنا النون على الاثنين فاتصل بها نون أخرى لكانت تعتل: تدغم
[ ٤ / ٢٥٩ ]
أو تحذف " في قولك: " اضرباني " لأنهم قد خففوا من مثل: " تبشّروني " و" فليني " على ما تقدم القول فيه، وليسوا بمضطرين إليه كما اضطروا إلى علامة الرفع وضمير المؤنث في قوله: " أتحاجّوني " وفي قولك: (هل تضربيني) و(فليني) وما أشبه ذلك.
وما قاله سيبويه أنه لو جاز أن تقول: (اضربا نعمان) من أجل الإدغام لجاز أن تقول: (اضربا نباكما) " وأنت تريد (أضربان أباكما).
وإذا ألقيت حركة الهمزة من " الأب " على النون؛ لأن النون تتحرك ويقع المتحرك بعد الألف وسيبويه يبطل هذا أيضا، لأن ذا التحريك ليس بلازم كما أن الإدغام ليس بلازم.
فلا يجوز إدخال النون الخفيفة على الاثنين بوجه ولا سبب.
ويذهب سيبويه إلى أن النون الخفيفة، ليست بمخففة عن الثقيلة، وكل واحدة منهما أصل في نفسها، لأنها لو كانت مخففة من الثقيلة لكانت بمنزلة نون لكن وأن المخففتين من (لكنّ) و(أنّ) وليست كذلك، لأن حكمها في الوقف يخالف حكم النون تقول:
(اضربن زيدا) وإذا وقفت قلت: (اضربا) ونون (أن ولكن) لا تتغير في الوقف وأيضا فإن النون الخفيفة في الفعل إذا لقيها ألف وصل سقطت، ونون (لكن وأن) لا تسقط فعلم إنها غير مخففة من الثقيلة.
قال الخليل: إذا أردت النون الخفيفة في فعل الاثنين كان بمنزلته إذا لم ترد الخفيفة فقال قائل: وكيف يجوز أن تريد الخفيفة وأنت لا تجيز دخولها بوجه على فعل الاثنين؟
فإن الجواب في ذلك على ما ذكره بعض أصحابنا أن رجلا لا يكون من عادته إدخال النون في فعل الواحد والجماعة بضرب مما ينويه من التوكيد إذا أمر، فإذا عرف له فعل الاثنين فأراد ذلك التوكيد لم يتجاوز لفظ الاثنين بلا توكيد، وإن أراد التوكيد الذي جرت عادته به، وما قد عرف منه يغني عن إظهار ذلك في هذا الفعل، إن كان لا يجوز إدخاله فيه.
ثم اجتمع سيبويه في إبطال ذلك وإبطال (اضربا نّعمان) بأنه لو جاز (اضربا نعّمان) لما وقع التشديد بعد الألف فيما لم يكن يجوز في غير نعمان لجاز أن تقول: (جيئوني) و(جيئون نعمان) إذا أردت النون الخفيفة، وذلك أنا ندخل النون الخفيفة على (جيئوا) فتقول: " جيئون يا قوم " فتحذف الواو التي كانت في (جيئوا) لاجتماع الساكنين الواو والنون فإذا وصلنا به نون المتكلم ونون نعمان اندغمت فيه النون الخفيفة ولا ترد الواو وإن كان بعدها
نون مشددة، لأنها قد سقطت لاجتماع الساكنين والتشديد غير لازم.
[ ٤ / ٢٦٠ ]
قال: وإذا أردت النون الخفيفة في فعل الاثنين المرتفع قلت: (هل تضربان زيدا) وهذه النون نون الرفع ولا يجوز إدخال النون الخفيفة فيه، لأن إدخالها يوجب بطلان نون الرفع، وقد قلنا إنها لا تدخل ونون الرفع ثابتة.
" وإذا أدخلت النون الثقيلة في جمع النساء قلت: (اضربنان زيدا)، و" هل تضربنان يا نسوة " والأصل (اضربن) و(هل تضربن) ودخلت النون المشددة، فصارت: (اضربننّ) و(هل تضربننّ) فاستثقلوا اجتماع ثلاث نونات فأدخلوا ألفا بينها، ولاستثقال هذه النونات (استثقالا) ما أجازوا حذف واحدة منها في " إنّني " و(كأنّني) و(لكنّني) حتى قالوا (إني)، و(كأني)، و(لكني).
وأما النون الخفيفة فلا يجوز إدخالها على فعل جماعة النساء في قول الخليل وسيبويه ومن ذهب مذهبهما، لأنا لو أدخلنا النون الخفيفة لوجب أن نجعلها في موضع النون المشددة، ولو فعلنا ذلك أدخلنا ألفا بين نونين فقلنا (اضربنان زيدا) ولو فعلنا ذلك لوقعت النون الأخيرة ساكنة بعد ألف فتصير بمنزلتها في فعل الاثنين وقد بينا فساد ذلك.
قال: وأما يونس ومن ذهب مذهبه من النحويين فيقولون في التثنية وجمع المؤنث:
(اضربان واضربنان) وهذا لم يقله العرب، وليس له نظير في كلامها. لا يقع بعد الألف ساكن إلا أن يدغم ويقولون في الوقف: (اضربا واضربنا) فيمدون وهو قياس قولهم، لأنها تصير ألفا فإذا اجتمعت ألفان مد الحرف.
وكان المازني والمبرد يفسران مذهب يونس كما فسره سيبويه، ويقولان: أنه يكون في الوقف ألفان.
قال المازني: قياس قولهم أن يبدلوا منها في الوقف ألفا فيقول (اضربا) و(اضربنا) وكان الزجاج منكر هذا، ويقول: لو مدت الألف الواحدة وطال مدها ما زادت على الألف؛ لأن الألف حرف لا تكرر، ولا يؤتي بعدها بمثلها.
والذي قاله سيبويه على قياس قول القوم: إنه يجتمع ألفان، وليس هذا بمنكر وهو أن يقدر أن ذلك المد الذي زاد بعد النطق بالألف الأولى يرام به ألف أخرى وإن لم تنكشف في اللفظ كل الانكشاف، وقد رأيناهم بنوا من الممدود شعرا من السريع، وضربه مفعولات، وحروف الروي منه همزة ساكنة وقبل الروي ردف (ألف) كنحو قولهم:
[ ٤ / ٢٦١ ]
ردي ردن ورد قطاة صمّا (١) كدريّة أعجبها برد الما
الأبيات على أسماء ممدودة وقال الراجز:
يمتسكون من حذار الإلقا بتلعات الجذوع الشّيصا (٢)
فهذه حروف، الروي منها همزة وهي تخفف وتخفيفها في الوقف يعسر وإذا خففوها لم تكن إلا ألفا.
قال سيبويه: على قياس قول القوم وما يعملونه- إذا لقي هذه النون- بعد ألف التثنية وفعل جماعة المؤنث- ألف ولام، أو ألف موصولة: " جعلوها همزة مخففة وفتحوها.
ثم رد عليهم فقال:
إنما القياس أن يقولوا: (أضربا الرجل)، كما يقولون في النون الخفيفة بفعل الواحد إذا كان بعدها ألف وصل أو ألف ولام، ذهبت، فينبغي أن يذهبوها لذا، ثم تذهب الألف (كما تذهب) الألف، وأنت تريد النون في الواحد.
إذا وقفت فقلت: " أضربا " ثم قلت: " أضرب الرجل "، لأنهم إذا قالوا:
(اضربان زيدا) فقد جعلوه بمنزلة " أضربن " زيدا فينبغي لهم أن يحذفوها إذا لقيها ألف وصل كما يحذفون النون التي في " أضربن " إذا لقيها ألف وصل فإذا حذفوها حذفوا الألف التي قبلها أيضا لاجتماع الساكنين فيبقى كلفظ الاثنين إذا لم يكن فيها نون كقولك: (اضربا الرجل) فاعرفه إن شاء الله تعالى.
هذا باب إثبات الخفيفة والثقيلة في بنات الواو والياء التي الواوات والياءات لاماتهن
قال أبو سعيد: اعلم أن ما كان لام الفعل منه واوا أو ياء أو ألفا زائدا كان أو أصليّا فإن ذلك كله يثبت إذا دخلت النون على فعل الواحد المذكر؛ لأنه ينفتح ما قبلها
_________________
(١) البيتان من مشطور السريع انظر اللسان (صمم).
(٢) البيت سبق تخريجه.
[ ٤ / ٢٦٢ ]
والمفتوحات من حروف العلة في هذا الباب لا تسقط، ولا تعتل وصارت النون كألف التثنية في انتفاء الواو والياء قبلها، وفي قلب الألف واوا أو ياء قبلها إذا قلت: (عصوان)، و(رحيان) وفي الفعل (رنوا) و(رميا) وأريد أن تغزوا وترميا وتخشيا فعلى ذلك تقول في النون (أرمينّ) و(أخشينّ) و(أغزونّ).
قال الشاعر:
استقدر الله خيرا وأرضينّ به فبينما العسر إذ دارت مياسير (١)
والزائد من هذا (سلقينّ) و(جعبينّ) و(تجعبينّ)، و(هل تتجعبينّ) وقد مر جملة هذا الباب فيما ذكرناه قبله.
هذا باب ما لا تجوز فيه نون خفيفة ولا ثقيلة
وذلك ما كان موضوعا موضع الفعل وليس بفعل أو كان فعلا في الأصل ودخل عليه ما بني معه فألزمه لفظا واحدا ومنعه من التثنية والجمع فأما ما كان موضوعا موضع الفعل وليس بفعل: (ايه) و" (مه) و(صه ") وأما ما كان فعلا في الأصل ودخل عليه ما منعه التثنية والجمع فقولهم: (هلم) في لغة أهل الحجاز يقولون للواحد: (هلم) وللاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد (هلم يا زيدان) و(هلم يا زيدون) و(هلم يا امرأة) و(هلم يا نسوة) قال الله ﷿: وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا (٢) ولم يجمع فلا يدخل على هذا النون، لأنه خرج عن تصرف الفعل وصار بمنزلة الموضوع موضعه، وأما بنو تميم فإنهم يثنون ويؤنثون ويقولون: (هلمّا يا زيدان)، و(هلمّوا يا رجال) و(هلمّي يا امرأة) و(هلممن يا نسوة) فهؤلاء يدخلون النون فيقولون: (هلمّنّ يا زيد) ويجرون النون الداخلة عليه مجراها في (ردّنّ) وأصل هذا عند سيبويه- وقد ذكره في هذا الباب- " ها " ضم إليها " لم " كما تقول: " ردّ " على لغة بني تميم وحذفوا الألف تخفيفا.
ثم اجتمع عليه أهل الحجاز وبنو تميم في اللفظ، ولم يصرفه أهل الحجاز لأنهم جعلوها معها كشيء واحد، وصرفه بنو تميم وغير سيبويه من النحويين يقول: إن أصله " هل " زاد عليه " ام " التي في معنى أقصد وحذفوا الهمزة لما جعلوهما كشيء واحد، وضموا
_________________
(١) نسب هذا البيت في كتاب المعمرين: ٤٠ لحديث بن جبلة ونسب أيضا لابن عيينة المهلبي (انظر ترجمته في معجم الشعراء للمزرباني ٢٦٧). انظر شرح شذور الذهب ١٧٦، وابن الشجري: ٢/ ٢٠٧، والدرر اللوامع: ٣/ ١٠٠.
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ١٨.
[ ٤ / ٢٦٣ ]
اللام وألقوا عليها حركة الهمزة إذا ابتدئ بها وهذا قول قريب، وقد رأينا " هل " قد دخلت عليها (لا) فجعل في معنى التخصيص كقولهم: (هلا) فعلت ذاك، و(هلم) أمر مثل التخصيص.
هذا باب مضاعف الفعل واختلاف العرب فيه
قال أبو سعيد: اعلم أن المضاعف الذي أراده في هذا الباب وفي الباب الذي بعده هو حرفان في موضع واحد أحدهما عين الفعل والآخر لامه والكلام فيه على إدغام الأول منهما في الثاني أو ترك الإدغام.
فإذا كان الثاني متحركا بحركة إعراب أو غير إعراب لا يوجبها ساكن يلقي الحرف من كلمة أخرى فلا خلاف بين
العرب في إدغام الأول في الثاني إذا كان ذلك في فعل ماض، أو مستقبل، أو أمر قلت حروفه أو كثرت.
أما الماضي فنحو (ردّ يردّ)، و(صدّ يصدّ) و(فرّ يفرّ) و(اجترّ يجترّ) و(استعد يستعدّ) و(ضارّ يضارّ) و(احمارّ يحمارّ) ويجري مستقبله مجرى ماضيه، وكان الأصل تحريك الحرف الأول على ما يلزمه في نظائره من الصحيح الذي لا تضعيف فيه كقولنا: (ضرب يضرب) و(قعد يقعد) و(استمع يستمع) و(استعبد يستعبد) و(قاتل يقاتل) ولكنهم استثقلوا تكرير حرف من جنس الذي قبله فيثقل؛ لأن اللسان عند التصويت يحتاج إلى انبساط في حركاته في نطقه، وإذا اقتصر على النطق من موضع واحد انحصر وثقل ولذلك قل أن يوجد في كلام العرب ثلاثة أحرف متوالية من جنس واحد، وقل أيضا أن يوجد حرفان من جنس واحد بينهما حرف ساكن نحو (الفلق) و(السلس) وما جرى مجراه.
وإذا كان الحرف الذي بينهما من حروف المد واللين كان أخف وأكثر كقولنا:
(سوس) و(داد الطعام) و(أداد) و(قاق) و(قوق) و(طاط) و(طوط) وما أشبه ذلك؛ لأن حرف المد الذي بينهما بامتداد الصوت فيه يبعد بين الحرف الأول والثاني قليلا وإذا أدغم كان أخف، لأن إخراجهما بالإدغام كالنطق بهما دفعة واحدة.
ومما يجب فيه الإدغام أن تلحقه علامة التثنية أو الجمع بالواو أو التأنيث بالياء كقولنا: (ردّا) (يردّان) و(ردّا) و(ردّوا) (يردّون) و(ردّوا)، و(ردّي يا امرأة) و(ضارّي زيدا) و(استعدّي) وهذا لا خلاف بين العرب في شيء منه. فإذا لحق الواحد جزم وسكن الحرف الأخير منه للجزم فأهل الحجاز يظهرون وبنو تميم وكثير من العرب سواهم يدغمون.
[ ٤ / ٢٦٤ ]
وذلك قول أهل (الحجاز): أردد وإن تضارر أضارر وإن تستعدد استعدد. وإن تحرك الثاني لساكن يلقاه من كلمة أخرى لم يتغير إظهار الحرفين ولا يدغمون؛ لأن التحريك ليس بلازم كقولك: (اردد الرجل) و(أن تستعدد اليوم استعدد) يدعونه على حاله ولا يحفلون بالتحريك، لأنه لا يلزمه أبدا أن يلقاه ساكن وبنو تميم ومن تبعهم يقولون (رد وفر وعض وإن تردّ أردّ) وقد جاء القرآن باللغتين جميعا، قال الله ﷿:
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ (١) وقال تعالى: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ (٢) فإذا أدغم الحرف الأول في الثاني وكان قبل الحرف الأول منهما ساكن ألقوا حركة الأول على الساكن الذي قبله كقولك: (ردّ يردّ وعضّ يعضّ وفرّ يفرّ) وكان الأصل (يردد ويعضض ويفرر).
وكذلك إذا قلت (استعد يستعد) فأصله (استعدد يستعدد) فإذا ألقيت حركة الأول منهما على الساكن الذي قبله وكان
قبل ذلك الساكن ألف وصل سقطت لتحرك ما بعدها والاستغناء عنها وذلك قولك: (ردّا) و(ردّوا) و(عضّا) و(عضّوا) و(فرّا) و(فرّوا) و(ردّي) و(عضيّ) و(فريّ) والأصل: (ارددا) و(اعضضا) و(ارددوا) و(اعضضوا) و(اعضضي)، فلما ألقيت حركة الدال الأولى على الراء من (ارددا) فتحركت الراء سقطت ألف الوصل للاستغناء عنها.
فإن كان بين الحرف الذي ألقيت عليه الحركة وبين ألف الوصل حرف آخر لم يسقط لأن الساكن الذي بعد ألف الوصل بحاله وذلك قولك: (اطمأنّ) و(اقشعرّ) و(اطمئنّوا) و(" استعدّوا) " لأنك إذا قلت: (اقشعر) و(اطمأن) فأصله (اقشعرر) و(اطمأنن) فألقيت حركة الراء الأولى من (اقشعرر) على العين والنون الأولى من (اطمأنن) على الهمزة وبين العين من (اقشعرّ) وألف الوصل حرفان فلم تغير ألف الوصل، لأن الساكن الذي بعدها بحال ومن ذلك (اجترّ) و(احمرّ) و" (انقدّ) أصله (اجترر) و(احمرر) و(انقدد) ولما أدغمت لم تغير الألف ولم تزد على الإدغام شيئا ولم تلق حركة المدغم على ما قبله، لأنه متحرك فتركته على حاله كما قلت: (رد) و(ردوا) وأصله (ردد) و(رددوا) ولما أدغمت لم تغير.
وإذا كان الساكن الذي قبل الحرف المدغم ألفا لم تحذفها إذا أدغمت وذلك في
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢١٧.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.
[ ٤ / ٢٦٥ ]
ثلاثة أبنية في (فاعل) و(تفاعل) و(افعالل) فأما (فاعل) فنحو (ضارّ يضارّ) و(عاضّ يعاضّ) و(حادّ يحادّ) ولو أسقطوا الألف لالتبس وتدخل عليه التاء فيصير (تفاعل يتفاعل) وكقولك (تمادوا يتمادون) و(تعاضوا يتعاضون) " وأما " افعالّ " فنحو (احمارّ يحمارّ) و(اشهابّ يشهابّ) و(ادهامّ يدهامّ) فاعرفه.
هذا باب اختلاف العرب في تحريك الحرف الآخر لأنه لا يستقيم أن يسكن هو والأول (من غير أهل الحجاز)
قال أبو سعيد: اعلم أن العرب من غير أهل الحجاز إذا أدغموا في الجزم كانوا في حركة الحرف الأخير على مذاهب:
فمنهم من يتبع الحرف الأخير ما قبل الحرف المدغم فيه إن كان مضموما ضمه وإن كان مكسورا كسره وإن كان مفتوحا فتحه وذلك قولك في المضموم: (ردّ يا هذا) و(لم يردّ زيد) وعلى هذا قراءة من قرأ: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ (١) وهو في موضع جزم وتقول في المكسور: (فرّ يا هذا) و(فرّ يا هذا) و(استعدّ) و(اطمئنّ) وتقول
في المفتوح: (عضّ يا هذا) و(إن تعضّ أضربك) و(إن تعدّ تعدّ معه) ومثله (اجترّ) و(احمرّ) و(ضارّ زيدا)، و(مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ) (٢) يفتح ذلك فيما قبله ألف، لأنك تفتحه فيما قبله فتحة، والألف أجدر، لأن الفتحة منها ولا يتغير ذلك إلا أن يدخل عليها ألف التثنية فتفتحها كقولك: (ردّا وفرّا وعضّا) أو ياء التأنيث فتكسرها كقولك: (ردّي وفرّي وعضّي) أو واو الجماعة فتضمها كقولك: (ردّوا وفرّوا وعضّوا).
قال سيبويه: فإذا جاءت الهاء والألف فتحوا أبدا يعني في قولك (ردّها) و(عضّها) و(استعدّها).
قال: وسألت الخليل لم ذلك؟ فقال: لأن الهاء خفية فكأنهم قالوا: (ردّا وأمدّا) أراد أنهم لم يعتدوا بالهاء لخفائها.
قال: " وإذا كانت الهاء مضمومة ضموا كأنهم قالوا: (مدّوا) و(عضّوا) إذا قالوا (مدّه) و(عضّه).
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٢٠.
(٢) سورة التوبة، الآية: ٦٣.
[ ٤ / ٢٦٦ ]
وقد يتغير أيضا حكمه إذا جئت بالألف واللام والألف الخفية فتكسر في الموضع الذي لا تكسره فيه إذا لم تكن ألف ولام وهو قولهم (رد الرجل) و(غضّ الطرف) و(عضّ القوم) وما أشبه ذلك.
وإنما كسروا هذا على الأصل، لأن الأصل في (غضّ الطّرف) (اغضض الطرف) و(أعضض القوم) فتكسره كما تكسر (اضرب الرّجل) و(اضرب ابنك) ولا خلاف في هذا، فكأنهم إذا بقي المجزوم ألف ولام أو ألف خفية اتفقوا على لغة أهل الحجاز وهو الأصل وأقول في هذا وإن الذي يقول: (ردّ) و(عضّ) و(فرّ) كان الأصل فيه (اردد) و(افرر) و(أعضض) فلما أرادوا الإدغام أدغم الحرف الأول في الثاني الذي هو ساكن للجزم أو للأمر وألقى حركة الأول على ما قبله فأسقط ألف الوصل كما بينا ثم اجتمع ساكنان الحرف المدغم والحرف الذي بعده الساكن بالجزم أو بالأمر فاحتاج أن يحركه لا لشيء يلقاه بعده فذهبوا به مذهبين منهم من بناه على الفتح كما بنوا (ثم) و(أين) و(كيف) ومنهم من اتبع كما قالو (منذ) ومنهم من كسر كما قالوا (أمس) و(جبر)، فإذا لقيه ألف ولام أو ألف وصل ليس معها لام التعريف وهي الألف التي يسميها سيبويه الألف الخفية، قدر بعضهم تقديرا غير هذا فجعل الأصل كأنه قال: (أردد الرّجل) و(أعضض القوم) و(أمدد ابنك) و(أعدد اسمك) فتكسر لألف الوصل الذي بعده، وهي توجب كسر ما قبلها من السواكن ثم تدغم بعد ذلك على الترتيب الذي ذكرناه.
وإنما سمي سيبويه ألف الوصل التي لا لام معها الألف الخفية، لأنها تسقط في حال وتثبت في حال فيكون سقوطها في حال خفية لها وشبه كسر من كسر (رد الرجل) و(غضّ الطرف) على الأصل بقولهم: (مذ اليوم) و(ذهبتم
اليوم) لأن (مذ) مخففة من (منذ) و(ذهبتم) مخففة من (ذهبتمو).
فإذا احتيج إلى تحريك ذلك حركوه بالحركة التي يوجبها الأصل.
قال سيبويه: ومنهم من يفتح إذا اجتمع ساكنان على كل حال إلا في الألف واللام والألف الخفية وهم من بني أسد وغيرهم من (بني) تميم.
يعني أنهم يقولون: (مدّ يا فتى) و(إن تردّ أردّ) و(فرّ) و(عضّ) يختار الفتح كما اختير في " أين " و" كيف " و" ثم " لخفتها ولم يتبع الآخر الأول كما أتبعه من ذكرنا أولا، والذين أتبعوا شبهوه بقولهم في الرفع: (أمرؤ) و(أبنم) وفي الخفض (امرئ) و(ابنم) وفي النصب (امرأ) و(ابنما).
[ ٤ / ٢٦٧ ]
ومن العرب من إذا جاء بالألف واللام والألف الخفيفة تركه على حاله مفتوحا في جميع الأشياء ك (أين).
وقد ذكر يونس أنه سمعهم يقولون:
فغضّ الطّرف إنّك من نمير (١)
كأنهم حركوه بالفتح من قبل أن يلقاه الألف واللام ثم دخل عليه الألف واللام وهو مفتوح وقد أجمعت العرب على فتح " هلم " على كل حال؛ لأنه ضعف تمكنه وتصرفه بما ضم إليه فألزموه أخف الحركات كما اجتمعوا على فتح الدال من (رويد) وقد مضى نحوه.
" ومن العرب من يكسر هذا أجمع على كل حال فيجعله بمنزلة (اضرب الرجل) فيقول: " رد " و" عض " و" فر " وإن لم يلقه ألف وصل على قياس الكسرة في اجتماع الساكنين وهم (كعب) و(غنى) (٢) ولا يكسر أحد " هلم " لما ذكرته فإذا اتصلت نون جماعة المؤنث وتاء المتكلم بالفعل سكن ما قبلها وأجمع على ذلك جل العرب من أهل الحجاز وبني تميم وأكثر العرب فيقولون: (رددت) و(هن يرددن) و(يضربن) و(يذهبن) ولزم بنو تميم وغيرهم الإظهار في هذا؛ لأن الحرف الثاني لزمه سكون يؤمن من الحركة فيه لساكن يلقاه من بعد كما يلقاه في قولك: (اردد الرجل) و(اضرب القوم) فلما كان الحرف المتصل به منعه ذلك لم يحركوه بحال.
وزعم الخليل وغيره أن ناسا من بكر بن وائل وغيرهم يقولون: (ردّنّ) و(مرنّ) و(ردّت) جعلوه بمنزلة (ردّ) و(مر ") كأنهم أدخلوا النون والتاء على حرف قد أدغم فيه ما قبله فكرهوا نقض بنية الحرف.
وهذه لغة رديئة فاشية في عوام أهل بغداد.
قال سيبويه: فأما " ردّد " ويردّد " فلم يدغموه لأنه لا يجوز أن يسكن حرفان
_________________
(١) شطر بيت لجرير وتمامه: فلا كعبا بلغت ولا كلابا انظر ديوانه: ٧٥.
(٢) بنو كعب: بطن من خزاعة، وبطن من عذرة، وبطن من عامر بن صعصعة. انظر ابن خلدون في العبر: ٢/ ٣١٥، بنو غني: بطن من بني عروة بن الزبير بن العوام من بني أسد بن عبد العزى من قريش العدنانية. انظر البيان والإعراب: ٤٦، ٤٧، الجمهرة: ٣٩٦، ٣٩٨.
[ ٤ / ٢٦٨ ]
فيلتقيا ولم يكونوا ليحركوا العين الأولى؛ لأنهم لو فعلوا ذلك لم ينجوا من أن يرفعوا ألسنتهم مرتين فلما كان ذلك لا ينجيهم أجروه على الأصل ولم يجز غيره.
يريد أنا لو أدغمنا الدال الثانية من (ردّد) و(يردّد) في الدال الثالثة لوجب أن تلقي حركتها على الدال الأولى فنقول: (رددّ) و(يرددّ) وكذلك كل ما كان على (فعّل يفعّل) من هذا نحو (عضّض يعضّض) ولو فعلنا هذا لم ننج من ذكر حرفين أحدهما غير مدغم في الآخر؛ لأن العين الأولى إذا وقعت عليها حركة العين الثانية واندغمت العين الثانية في لام الفعل، فقد ظهرت العين الأولى غير مدغمة والحرف الذي بعدها غير مدغم، وإنما يريد بالإدغام التخفيف، فإذا أدغمنا (ردّد) و(عضّض) فالذي نكرهه من إظهار الحرفين نقع في مثله.
وذكر سيبويه:
" أن الشعراء إذا اضطروا إلى إظهار المدغم وإخراجه على الأصل فعلوا ذلك ".
وأنشد ما قد ذكره في أول الكتاب من الضرورة كقول قعنب ابن أم صاحب:
مهلا أعاذل قد جربت من خلقي أنيّ أجود لأقوام وإن ضننوا (١)
وقال الآخر:
تشكو الوجى من أظلل وأظلل (٢)
وقد ذكرناه في موضعه.
هذا باب المقصور والممدود
ويقال للمقصور- أيضا- منقوص، فأما قصرها فهو حبسها عن الهمزة بعدها وأما نقصانها فنقصان الهمزة منها.
قال أبو سعيد: اعلم أن المقصور والممدود كل واحد منهما على ضربين فأما ضربا المقصور فأحدهما أن يقع واو
أو ياء طرف الاسم وقبلها فتحة فتنقلب ألفا ولا يدخلها إعراب لأنها لا تتحرك، فإذا احتيج إلى تحريكها في التثنية ردت إلى الأصل الذي منه
_________________
(١) البيت في الخصائص: ١/ ١٦٠، ٢٥٧. شرح شواهد المغني ٤٩٠، ابن يعيش: ٣/ ١٢، الموشح: ٩٤.
(٢) البيت للعجاج انظر ديوانه: ٤٧، والخصائص: ١/ ١٦١، شواهد الشافية: ٤٩١.
[ ٤ / ٢٦٩ ]
انقلبت الألف إن كانت واوا ردت إلى الواو وإن كانت ياء ردت إلى الياء.
فأما الواو فنحو قولك (رجا) و(عصا) و(قفا) ورجا الشيء: جانبه إذا ثنيت قلت (رجوان ") و(عصيان) و(قفوان) وفي (منا الحديد) (منوان) وكان أصل ذلك (منو) و(عصو) وأما الياء فنحو (رحى) و(فتى) إذا ثنيت قلت: (رحيان) و(فتيان) لأن الأصل في (رحى) و(فتى) وقد تدخل الألف زائدة غير منقلبة من شيء، فإذا دخلت زائدة فإنما تدخلت للتأنيث أو للإلحاق على ما عدته ثلاثة أحرف أو أكثر فإذا احتجت إلى تثنية ذلك ثنيته بالياء على كل حال؛ لأن الواو لا تثبت فيما زاد عدته على ثلاثة أحرف وتنقلب ياء فصار الباب فيما لم يكن له أصل أن يرد إلى الياء إذ كانت الواو لا تثبت في ذلك وإذ كانت الألف لا تتحرك.
وأما ألف التأنيث فنحو (حبلى) و(سكرى) و(حبارى) و(جمادى) فإذا ثنيت قلت:
(حبليان) و(سكريان) و(حباريان) و(جماديان).
وأما ما زيدت الألف فيه لغير التأنيث نحو (أرطي) و(حبنطي) و(قبعثرى) فإذا ثنيت قلت: (أرطيان) و(حبنطيان) و(قبعثريان) كما ذكرته لك.
وقد جاء في حرف نادر التثنية بالواو مما زاد على ثلاثة أحرف وذلك قولهم:
(مذروان) وكان القياس أن يقال: (مذريان) كما يقال (ملقيان) و(ملهيان) وما أشبه ذلك، وإنما جاء بالواو لأنه لا يفرد له واحد، وينبني على التثنية بالواو كما يبنى على الواو إذا كان بعدها هاء التأنيث في قولهم: (شقاوة) و(غباوة) و(قلنسوة) و(عرقوة) ولولا الهاء لانقلبت الواو فجعلوا لزوم علامة التثنية في بنات الواو كلزوم الهاء.
وأما ضربا الممدود فأحدهما أن يقع واو أو ياء طرفا وقبلها ألف فتنقلب همزة والهمزة إذا كانت طرفا وقبلها ألف في اسم سمي ممدودا وذلك قولك: (عطاء) و(كساء) و(رداء) و(ظباء) والأصل (عطاو) و(كساو) لأنه من (عطوت) و(كسوت) وأصل (رداء) و(ظباء)، (رداي) و(ظباي) لأنه من حسن الرّدية، ومن قولك: (ظبي).
وأما الضرب الآخر من الممدود، فإن تقع ألف التأنيث وقبلها ألف زائدة، فلا يمكن اجتماع الألفين في اللفظ، ولا يجوز حذف أحدهما فيلتبس المقصور بالممدود فتنقلب الثانية، التي هي طرف همزة؛ لأنها من مخرج الألف فيصير الاسم ممدودا، لوقوع الهمزة طرفا، وقبلها ألف وذلك نحو (حمراء) و(صفراء)، و(فقهاء) و(أغنياء) وما أشبه ذلك.
ويدخل الممدود الإعراب، لأن الهمزة تتحرك بوجوه الحركات.
واعلم أن بعض المنقوص يعلم بقياس، وبعضه يسمع من العرب سماعا فأما ما يعلم
[ ٤ / ٢٧٠ ]
بقياس، فأن تعرف أن نظيره من الصحيح قبل آخره حرف مفتوح، وذلك (معطى) و(مشترى) و(مغزى) و(ملهى) و(مسلنقى) هذه مقصورات ونظير " معطى ": (مخرج) ونظير " مشترى ": (معترك) و(مستمع) لأنه مفتعل، ونظير " مغزى " و" ملهى " (مفعل) مثل (مضرب) و(مطرح) و(مطرف) و(مخرج) و(مسلنقى) نظيره: " محرنجم " ونظير (مسلقى) " مدحرج " لأن (اسلنقيت) مثل (احرنجمت) و" سلقيت " مثل (دحرجت) و(عمى) و(عشى) و(قنى) من قنى الأنف مقصورات، لأنك تقول للأعشى به (عش) وللأعمى به (عمى) وللأقنى به (قنى) فيكون كقولك للأحول به (حول) وللأصلع به (صلع) فعمى وقنى بمنزلة (فعل).
ومن ذلك أيضا أن ما كان على (فعل يفعل) وهو (فعل) يكون مصدره على (فعل) كقولك: (فرق يفرق فرقا) وهو (فرق) و(كسل يكسل كسلا) وهو (كسل) و(لحج يلحج لحجا) وهو (لحج) إذا نشب في شيء.
فإذا جاء من نظير هذا من المعتل شيء علمت أن مصدره مقصور كقولك: (هوى يهوى هوى) و(هو هو) و(" ردي يردى ردى) وهو (رد) ومعناه (هلك) و(الرّدى) مقصور: الهلاك، و(لوي يلوى لوى) وهو (لو) " والّلوى مقصور وهو وجع الجوف، و(صدى يصدى صدى) " وهو (صد)، والصّدى: العطش، و" (كري يكرى كرى) وهو (كر) والكرى: النوم و(غوي الصّبر يغوى غوى) وهو (غو) والغوى: أن يشرب اللبن حتى تخثر نفسه.
ومن ذلك أن يكون على (فعل يفعل) وفاعله على " فعلان " نحو: (عطش يعطش عطشا) وهو (عطشان) و(ظمي يظمى ظما) وهو (ظمآن) و(غرث يغرث غرثا) وهو (غرثان) ونظيره (طوي يطوى طوى) إذا جاع وهو " (طيّان) وصدي يصدى صدى) وهو (صديان) إذا عطش.
قال سيبويه: وقد قالوا: (غري يغرى غرى) وهو (غر) والغراء ممدود شاذ كما قالوا (الظّماء).
قال أبو سعيد: الغراء ممدود. وقد اختلف فيه أهل اللغة فأما الأصمعي فكان يقول:
(غرى) مقصور، وكان الفراء يقول: (غراء) ممدود وقول كثير ينشد على وجهين:
[ ٤ / ٢٧١ ]
إذا قيل مهلا فاضت العين بالبكا غراء ومدّتها مدامع نهّل (١)
فمد غراء
ومن الناس من ينشد:
إذا قيل مهلا فاضت العين بالبكا غراء ومدّتها مدامع نهّل
فجعلت " غارت " فاعلت كأنه قال: (غارى يغارى) وكسر الغين من (غراء)، لأنه مصدر فاعل يفاعل كما تقول: (رامي يرامي رماء) و(عادى يعادي عداء)
وبعض أصحابنا يقول: إن (غرى): هو المصدر والغراء: الاسم، وكذلك يقول في (الظّماء) كما يقول (تكلّم كلاما) وإنما المصدر (تكلم تكلّما) والكلام الاسم للمصدر على غير الفعل.
والذي عندي أنه حمل على ما جاء من المصدر على (فعال) كقولك: (ذهب ذهابا) و(بدأ بداءة) وهو على كل حال شاذ كما ذكره سيبويه، وذكر أشياء من المصادر قد ذكرناها في باب المصدر بما أغني عن ذكره.
وأما نظائر الممدود فنحو (استخرجت) و(استمتعت) و(أكرمت) و(احرنجمت) وما جر مجراه مما يكون قبل آخر مصدره ألف، وذلك الاستخراج والاستمتاع والإعطاء والاحرنجام ونظائره من المعتل الممدود (الاشتراء) و(الإعطاء) و(الاحبنطاء) و(الاستسقاء)؛ لأن نظير (استسقيت): " استخرجت " و(أعطيت) نظير (أكرمت)، و(احبنطيت) نظير (احرنجمت).
ومما يعلم أنه ممدود أن تجد المصدر مضموم الأول ويكون للصوت نحو (الدّعاء) و(الزّقاء) وقياسه من الصحيح (الصّراخ)، و(النّباح) و(البغاح) و(الصّياح) و(النّهاج) وهو أكثر من أن يحصى.
و(البكاء) يمدّ ويقصر، فمن مده ذهب به مذهب الأصوات، ومن قصر جعله كالحزن ولم يذهب به مذهب الصوت ونظيره من المصادر (الهدى) والسّرى: وليسا بصوتين ويكون (فعال) أيضا للعلاج فما كان منه معتلا فهو ممدود نحو (النزاء)
_________________
(١) انظر شرح المفصل لابن يعيش: ٦/ ٣٨، وشرح الشواهد للعيني: ٤/ ٥٠٩، والبيت ليس في ديوان الشاعر ولا ملحقاته.
[ ٤ / ٢٧٢ ]
و(الغناء) و(الهواء) ونظيره من غير المعتل: (القماص).
وقلما يجيء مصدر على فعل بل لا أعرف غير (الهدى) و(السرى) و(البكا) المقصور فهذه وجوه من المقصور
والممدود دل القياس على القصر فيها، والمد من نظائرها.
ومنها ما لا يقال له: مدّ لكذا ولا يطرد له قياس وإنما تعرفه بالسمع فإذا سمعته علمت في المقصور أنه ياء أو واو وقعت طرفا فقلبت ألفا كقولك: (قلى يقلي قلى) على (فعل)، و(رضي يرضى رضا) وغير ذلك مما لا يعرف إلا بالسماع.
ومن الممدود قولهم " الألاء " وهو نبت و(المقلاء) وهي خشبة يلعب بها الصبيان.
وقد يدل الجمع على المقصور والمدود فإذا رأيت جمعا على أفعلة علمت أن واحده ممدود فتستدل بالجمع على الواحد كقولك في جمع فناء: " أفنية " وفي " رشاء " (أرشية)، وفي (سماء): " أسمية " فذلك " أفعلة " على مد الواحد، لأن " أفعلة " إنما هي جمع (فعال) أو (فعال) أو (فعال) كقولك: (قذال) و(أقذلة) و(حمار) و(أحمرة) و(غراب)، و(أغربة) وقالوا: (ندى) و(أندية) وهو فيما ذكره سيبويه.
والذي أوجب الكلام فيه البيت الذي أنشدوه فيه:
في ليلة من جمادى ذات أندية لا يبصر الكلب من ظلمائها الطّنبا (١)
وفيه ثلاثة أوجه منهم من يقول: (أندية) جمع (نديّ) وهو المجلس الذي يجتمعون فيه ليتحاضوا على إطعام الفقراء.
ومنهم من يقول: إنه جمع (ندي) على (نداء) كما قالوا: (جمل) و(جمال) و(جبل) و(جبال) ثم جمع (فعال) على (أفعلة) ومنهم من قال إنه شاذ وإذا رأيت الواحد على (فعلة) أو (فعلة) ثم جمع مكسرا كان الجمع مقصورا؛ لأن (فعلة) يجمع على (فعل) و(فعلة) يجمع على (فعل) و(فعل) نظيره؛ لأن قبل آخره فتحة، ولك قولهم: (عروة) و(عرى) و(فرية) و(فرى) نحو (ظلمة) و(ظلم) و(قربة) و(قرب).
هذا باب الهمزة
قال سيبويه: اعلم أن الهمزة يكون فيها ثلاثة أشياء: التحقيق، والتخفيف،
_________________
(١) البيت من البسيط وقائله مرة بن محكان من قصيدة له في شرح الحماسة: ٤/ ١٢٣، ١٢٩، وانظر الخصائص: ٣/ ٥٢، وشرح شواهد الشافية: ٢٧٧.
[ ٤ / ٢٧٣ ]
والبدل. فالتحقيق قولك: (فرأت)، و(رأس)، و(سأل) و(لؤم) و(يئس) وأشباه ذلك.
قال أبو سعيد: أنا أقدم جملة موجزة في تخفيف الهمزة والبدل منها على مذهب سيبويه قبل ذكر كلامه فيما بعد، لأوطّئ بها من جامح كلامه، ومستصعب حكم الهمزة، واذكر ما خالفه فيه غيره في الموضع الأشكل به إن شاء الله تعالى.
قال أبو سعيد: اعلم أن الهمزة إذا وقعت أولا ولا كلام قبلها فهي محققة لا غير، مضمومة كانت أو مفتوحة أو مكسورة نحو همزة: (أب) و(أم) و(إبل) وهي لا تعد وإذا وقعت غير أول ثلاثة أوجه:
إما أن تكون ساكنة، وقبلها متحرك.
أو متحركة وقبلها ساكن.
أو متحركة، وقبلها متحرك.
فإن كانت ساكنة، وقبلها متحرك وأردت تخفيفها فإنك تقلبها إلى الحرف الذي منه حركة ما قلبها فإن كان ما قبلها مفتوحا قلبتها ألفا كقولك في (رأس): (راس)، وفي (فأس): (فاس) وفي (قرأت): (قرات) وإن كان ما قبلها مكسورا قلبتها ياء كقولك (ذئب): (ذيب) وفي (بئر) (بير) وفي (جئت) (جيت).
وإن كان ما قبلها مضموما قلبتها واوا كقولك في (جؤنة) (جونة) وفي (لؤم) (لوم) وفي (سؤب) (سوب).
وإذا كانت متحركة، وقبلها ساكن فإنها تنقسم قسمين، فإن كان الساكن الذي قبلها من حروف المد واللين فإنك تقلبها إلى ما قبلها وتدغم ما قبلها فيها إن كان ما قبلها ياء قلبتها ياء كقولك في (خطيئة): (خطيّة) وفي (بريء): (بريّ).
وإن كان ما قبلها واو قلبتها واوا كقولك في (مقرؤة): (مقروّة) وفي (أزد شنؤه):
(أزد شنوّه) وإن كان ما قبلها ألفا جعلتها بين بين، ولم تقلبها ألفا كما قبلتها واوا، لأنه لا يجتمع ألفان ولأن الألف لا تدغم في الألف كقولك في (ساءل): (سال)، وفي (التساؤل):
(التساول) وفي (قائل): (قايل) ومعنى قولنا بين بين في هذا الموضع وفي كل موضع يرد بعده من الهمز أن تجعلها من مخرج الهمزة ومخرج الحرف الذي منه حركة الهمزة، فإذا كانت مفتوحة جعلناها متوسطة في إخراجها بين الهمزة وبين الألف؛ لأن الفتحة من الألف وذلك قولك (في) " سأل " إذا خففنا: (سال)، وفي (اقرأ يا فتى) إذا خففنا " إقرأ " وإذا كانت مضمومة فجعلناها بين بين أخرجناها متوسطة بين الهمزة والواو كقولنا: (لؤم)
[ ٤ / ٢٧٤ ]
في تخفيف (لؤم) فإذا كانت مكسورة جعلناها بين الياء وبين الهمزة وذلك قولنا في تخفيف (قائل)، (قايل) فهذا أحد الوجهين فيها إذا كانت متحركة وقبلها ساكن.
والوجه الآخر أن يكون الساكن الذي قبلها من غير حروف المد واللين فإذا كان كذلك فحكمها والحد فيها أن تلقى حركتها على ما قبلها وتحذف كقولنا في (مسألة) (مسلة) وفي (مرأة) (مرة) وفي (مرآة) (مراة). وفي قولك: (من أبوك؟): " من أبوك؟ " و(من أمك؟): (من أمّك) وفي: (من إبل) (من أبل).
وإن كانت متحركة وقبلها متحرك فانك تجعلها بين بين في كل حال إلا حالين وهما أن تكون مفتوحة وقلبها كسرة أو ضمة، فإن كانت ضمة قلبتها واوا محضة.
وإن كانت كسرة قلبتها ياء محضة، فأما حالها بين بين فنحو: (سال) و(لوم) و(سيل) و(ديل) و(شوون) و(رووس) ومن ذلك " يستهزيون " فالهمزة في هذا أجمع إذا خففته عند سيبويه جعلته بين بين على ما عرفتك.
وأما إذا كان قبلها كسرة وهي مفتوحة فنحو قولك: (مئر) جمع (مئرة)، وهي التضريب بين القوم والفساد، يقال (مأرت) و(مأست) بينهم: إذا ضربت بينهم، فتخفيف هذا أن تقول: (مير) وتخفيف (جؤن) جمع جؤنة (جون).
فإن قال قائل: لم قلبتها في هذه المواضع ياء محضة، واوا محضة وجعلتها بين بين فيما قبل؟
فالجواب في ذلك أن يقال إن همزة بين بين إنما هي الهمزة في الحرف الذي منه حركتها فإذا كانت مفتوحة وقبلها ضمة أو كسرة لم يستقم أن تجعلها بين بين وتنحو بها نحو الألف، لأنها مفتوحة والألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا فقلبناها واوا محضة.
وقد كان الأخفش يقلبها أيضا ياء، إذا كان قبلها كسرة، وهي مضمومة ولا يجعلها بين بين وذلك نحو (يستهزئون) إذا خففها قال: " يستهزيون " واحتج بأن همزة بين بين تشبه الساكن للتخفيف الذي لحقها.
قال: وليس في الكلام كسرة بعدها واو ساكنة فلذلك جعلها ياء محضة، لأنه لو جعلها بين بين لكان قد نحا بها نحو الواو الساكنة وقبلها كسرة.
والهمزة إذا كانت أولا فهي لا تجعل بين بين وذلك أن الابتداء لا يقع إلا بمتحرك، وإذا جعلت بين بين قربت من الساكن وإن كانت متحركة في التحصيل، ولا يبتدأ إلا بما قد تمكنت فيه حركته وقد قال أهل الكوفة لهذه العلة بعينها إنها ساكنة واحتج سيبويه على إنها متحركة وإن كانت قد خففت وأخفى حركتها ضربا من الإخفاء بحجة لا يستطاع
[ ٤ / ٢٧٥ ]
دفعها وهو إنها قد تقع مخففة بين بين في الشعر وبعدها ساكن في الموضع الذي لو اجتمع (فيه ساكنان) لانكسر البيت ولم يتزن كقول الأعشى:
أأن رأت رجلا أعشى أضرّبه ريب المنون ووهر مفسد خبل (١)
فالنون ساكنة وقبلها همزة مخففة بين بين فعلم إنها متحركة لاستحالة اجتماع الساكنين في هذا الموضع.
قال: وإنما جعل هذه الحروف بين بين ولم تجعل ألفات ولا ياءات ولا واوات، لأن أصلها الهمزة فكرهوا أن يخففوا على غير ذلك فتحول عن بابها فجعلوها بين بين ليعلموا أن أصلها عندهم الهمز.
يعني أن الهمزة التي حكمها أن تجعل بين بين لم تقلب واوا محضة ولا ياء محضة؛ لئلا تخرج عن حكم الهمزة في جميع وجوهها، فأبقوا فيها بقية من آثار الهمزة على ما قدمنا وصفه.
قال: وإنما منعك أن تجعل هذه السواكن بين بين إنها حروف ميّتة وقد بلغت غاية ليس بعدها تضعيف ولا يوصل إلى ذلك ولا تحذف؛ لأنه لا يجيء أمر تحذف له السواكن فألزموا البدل كما ألزموا المفتوح الذي قبله كسرة أو ضمة البدل.
قال أبو سعيد: يعني أن الهمزة إذا كانت ساكنة وقبلها متحرك نحو (رأس) و(ذئب) و(لؤم) إذا خففنا قلبناها ألفا أو ياء أو واوا على ما وصفنا ولم نجعلها بين بين؛ لأن معنى قولنا بين بين إنها بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركتها، فلما وقعت ههنا ساكنة لم تتعلق بحرف آخر يجعلها بين الهمزة وبين ذلك الحرف وأيضا إن همزة بين بين إنما تضرب من الساكن على ما بينا وهي في هذا الموضع ساكنة فقد بلغت غاية ليست بعدها تضعيف، لأن السكون في نهاية الضعف ولا يجوز أن ينحى بالساكن نحو شيء آخر هو أضعف منه كما ينحى بالمتحرك نحو ما هو أضعف منه وهو الساكن.
فلم يوصل إلى تضعيف هذا الحرف الساكن بأكثر مما هو فيه وقوله: " ولا تحذف " يريد لا تحذف الهمزة الساكنة إذا خففت؛ لأنه لم يرد ما يوجب حذفها فلما لم تجعل بين بين ولم تحذف أبدل على حركة ما قبله كما تبدل الهمزة في " مئر " ياء وهو في معنى قول
_________________
(١) انظر ديوان الأعشى: ٤٢، وابن يعيش: ٣/ ٨٣.
[ ٤ / ٢٧٦ ]
سيبويه، كما ألزموا المفتوح الذي قبله كسرة يعني قوله في (مئر) (مير) أو ضمه يعني في قولنا (جؤن): (جون) وقد تقدم الكلام في هذا وقال الراجز:
عجبت من ليلاك وانتيابها (١) من حيث زارتني ولم أورابها
والأصل أورأبها، ولا يجوز الهمز في البيت لأن القصيدة مردفة، ولا بدّ من ألف قبل حرف الروي وهو الياء ولو همز لم يجز أن تكون الهمزة ردفا ومعنى قوله: لم أورأ بها لم أعلم بها.
قال لبيد يصف الناقة:
تسلب الكانس لم يورأ بها شعبة الساق إذا الظّلّ عقل (٢)
وهذا البيت يجوز فيه أربعة أوجه، يجوز لم (أورأ بها) مثال (أورع بها) معناه أشعر بها وهو من (الوراء) اشتقاقه، كأنه قال لم أشعر بها من ورائي وهذا على مذهب من يجعل الهمزة في وراء أصلية ويقول في تصغيرها: (وريّتة) تقديرها (وريّعة) وتقول في تصريف الفعل منها (ورّأت) بكذا وكذا كأنه قال: (ساترت بكذا) ومنه الحديث أن النبي ﷺ: " كان إذا أراد السفر ورّى عنه بغيره " (٣). وأصحاب الحديث لم يضبطوا الهمزة.
والوجه الثاني من هذا المعنى أن تجعل الهمزة غير أصلية، وتجعلها منقلبة من ياء، أو واو، ويقول (لم يور بها) ويجعل (وراء) مثل (عطاء) والهمزة منقلبة، ومن قال هذا قال في تصغير (وراء) و(وريّة) وأصله (ورية) وتسقط واحدة منها كما قلت في (عطاء) (عطيّ) والأصل (عطيي) وفي (عطاءة) (عطيّة) والأصل: (عطيية).
ويقول: (ورّيت عن كذا وكذا) بغير همز.
ويجوز أن يقال: (لم يوأر بها)، تقديره لم (يوعر بها) وفاء الفعل منها واو ومعناه لم
_________________
(١) البيتان من الرجز المشطور، انظر الدرر اللوامع: ١/ ٢٨، والهمع: ١/ ٥٢.
(٢) انظر ديوان الشاعر: ١٣٩.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده: ٣/ ٤٥٦، ٤٥٦، وأخرجه مسلم في كتاب التوبة باب توبة كعب بن مالك وصاحبه: ٤/ ٢١٢٨ رقم ٥٤.
[ ٤ / ٢٧٧ ]
يذعر بها وهو مشتق من (الإرة) والإرة النّار وهي مثل (عدة) وأصلها (وئرة) وحذفت الواو، وألقى كسرتها على الهمزة ومعناه أنه لم يصبه حر الذعر.
ويجوز أن يقال: (تسلب الكانس لم يؤر بها) تقديره: لم يعربها وهو مأخوذ من (الأوار) وهو حر الشمس وفاء الفعل من هذا همزة وعينه واو ولامه راء كأن فعله (آر) " يؤور " وما لم يسم فاعله (إير يؤار) مثل قيل يقال فإذا جزم سقط الألف.
قال: فأبدلوا هذه الحروف التي منها الحركات وليست حرف يخلو منها أو من بعضها وبعضها حركات.
يعني أنهم أبدلوا الهمزة ألفا في حال وياء في حال، وواوا في حال وهي الحروف المأخوذة منها الحركات، وليس حرف يخلو منها، يعني ليست كلمة تخلو من هذه الحروف أو من بعضها يعني من الحركات المأخوذة منها.
قال: وليس حرف أقرب إلى الهمزة من الألف وهي إحدى الثلاث والواو والياء شبيهة بها أيضا مع شكرتها أقرب
الحروف منها وسترى ذلك إن شاء الله تعالى.
يعني بذلك أن الألف هي شبيهة بالهمزة، والواو والياء أيضا شبيهة بالهمزة، مع شركة الواو والياء لأقرب الحروف منها، أعني من الهمزة وهي الألف، وإنما أراد سيبويه بهذا الذي ذكره تقريب أمر هذه الحروف الثلاثة من الهمزة ليبين أنه شائع إبدالهن منها.
فإن قال قائل: ما شبه الواو والياء بالهمزة، فإن شبههما بالهمزة أن الواو والياء يقلبان إليها في مواضع ضرورة.
ولا يجوز قلبها إلا إليها نحو قولنا في جمع (عجوز): (عجائز)، وفي اسم الفاعل من قال يقول: (قائل)، وفي (سفينة): (سفائن)، وفي اسم الفاعل من (رام يريم): (رائم).
ثم ذكر سيبويه الهمزة المتحركة إذا كان قبلها حرف ساكن على النحو الذي ذكرنا.
فقال: ومثل قولك: (الأحمر) على إلقاء حركة الهمزة على اللام.
وفي ذلك وجهان: فمنهم من يلقي حركة الهمزة على اللام فتتحرك اللام وتبقى ألف الوصل، فيثبتها ولا يحذفونها.
ومنهم من يقول: " لحمر " فيحذف ألف الوصل فأما من أثبتها مع تحريك اللام فلأن هذه اللام ينوي سكونها. وأن هذه الحركة للهمزة المقدورة وقد يحرك الحرف لمعنى عارض فلا يجري على حكم المتحرك في جميع جهاته.
وكذلك يسكن فلا يجري مجرى الساكن في جميع جهاته إذا لم يكن السكون لازما له.
[ ٤ / ٢٧٨ ]
فأما المتحرك، فنحو قولك: (لم يقم الرّجل) حركت الميم ولم ترد الواو التي ذهبت لاجتماع الساكنين، وكذلك الانطلاق حركت لام التعريف لسكونها وسكون النون ولم تحذف ألف الوصل؛ لأن الحركة عارضة في اللام ومن قال (لحمر) فإنه حذف ألف الوصل لما تحركت اللام، وإنما الحاجة الداعية إليها سكون اللام.
ومن قال في (الأحمر): " (الأحمر) لزمه أن يقول في (اسأل) (اسل)، لأنه يلقي حركة الهمزة على السين، والسين في نية السكون.
من قال (لحمر) فحذف ألف الوصل لتحرك اللام في اللفظ لزمه أن يقول في (اسأل) (سل) غير أن الأكثر في كلام العرب إبقاء ألف الوصل مع لام المعرفة وحذفها في غير ذلك.
وذلك لأن هذه اللام من صيغتها السكون في أحوالها كلها لا تعتورها الحركة، إلا بسبب غيرها فكأن نية السكون فيها أقوى وألف الوصل إليها أجلب.
وحكى الكسائي والفراء أن من العرب من يقلب الهمزة لاما في مثل هذا فيقول في (الأحمر) (اللحمر) وفي
(الأرض) (اللرض)، وفي جميع هذا الباب. فإن كانت هذه الرواية صحيحة فالقائلون بها إنما قلبوها ولم يلقوا حركتها على اللام، لأنه ليس من شأن هذه اللام أن تحرك فقلبوها من جنس اللام على جهة المجاورة للتكثير لها كما يقولون (لو ") إذا جعلوها اسما فيزيدون واوا من جنس الواو التي في (لو).
قال: ومثله قولك في (المرأة) " المرة " و(الكمأة) " الكمة " فهذا من التخفيف الذي ذكرناه وإلقاء حركة الهمزة على ما قبلها وحذفها.
قال: وقد قالوا (الكمأة)، و(المرأة) ومثله قليل.
والذي قال: (الكمأة)، قلب الهمزة ألفا لانفتاحها وفتح ما قبلها، لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، وهذا عند سيبويه والبصريين غير مطرد، والوجه ما ذكرناه في أحكام الهمز، والكسائي والفراء يريان هذا الباب مطّردا، ويقيسان ذلك عليه.
قال: وقد قال الذين يخففون: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (١) حدثنا بذلك يونس، وإنما حذفت الهمزة هاهنا؛ لأنك لم ترد أن تتم وأردت إخفاء الصوت فلم يكن ليلتقي ساكن وحرف هذه قصته ".
يعني أنك إذا خففت الهمزة التي قبلها ساكن لم يجز أن تجعلها بين بين لأن همزة بين
_________________
(١) سورة النمل، الآية: ٢٥.
[ ٤ / ٢٧٩ ]
بين قد نحي بها نحو الساكن فلو جعلناها بين بين كان كالجمع بين الساكنين.
قال: " ألا ترى أن الهمزة إذا كانت مبتدأة محققة في كل لغة فلا تبتدئ بحرف قد أوهنته، لأنه بمنزلة الساكن كما لا تبتدئ بساكن.
يعني أن الهمزة إذا كانت مبتدأة لا تجعل بين بين كما لا يبتدأ بساكن.
قال: ولم يبدلوا، لأنهم كرهوا أن يدخلوها في بنات الياء والواو اللتين هما لامان يعني أنهم لم يقولوا (الخبو) ولا (الخبي) وكذلك ما كان من نحو هذا ك (دفء) و(ملء) و(رفء) لا يقال فيها عند سيبويه: " دفو " ولا " دفي " بل يلقى حركة الهمزة على الحرف الذي قبلها وتحذف.
وقد أجاز الإبدال الكوفيون وغيرهم من البصريين نحو أبي زيد على وجوه مختلفة فمنه ما يبدلونه واوا ومنه ما يبدلونه ياء على غير قياس محصل يقولون في (رفء) مصدر (رفأت الثوب رفو) وفي (خبء): (خبي) كما قالوا في (رفأت): (رفوت) وفي (نشأت):
(نشوت ") وفي (خبأت) (خبيت)، وفي (قرأت): (قريت) وهذا عند سيبويه رديء كله وليس له أصل يطرد عليه والباب ما ذكرناه من إلقاء حركة الهمزة وحذفها.
قال: فإنما تحتمل الهمزة أن تكون بين بين في موضع لو كان مكانها ساكن لجاز إلا الألف وحدها فإنه يجوز ذلك بعدها فجاز ذلك فيها.
يعني أن همزة بين بين لا تقع بعد ساكن إلا الألف نحو قولك في (قائل) إذا خففتها:
(قيل) وإنما كانت كذلك في الألف وحدها؛ لأن الألف وحده لا يمكن إلقاء الحركة عليها.
قال: " ولا تبالي إن كانت الهمزة في موضع الفاء أو العين أو اللام فهو بهذه المنزلة إلا في موضع لو كان فيه ساكن لجاز ".
يعني أن همزة بين بين لا تقع إلا في موضع يقع فيه الساكن لأنه ينحى بها نحو الساكن.
فإن قال قائل (فأنت) قد جعلت الهمزة في قولنا: " أأن رأت رجلا " بين بين ولا يصلح أن يكون في موضعها ساكن، لأن النون التي بعدها ساكنة فيجتمع ساكنان؟
قيل له: موضع الهمزة يجوز أن يقع فيه ساكن، لأنها بعد حرف متحرك ولكن متى وقع فيه ساكن لم يجز أن يأتي ساكن آخر لئلا يجتمع ساكنان.
وهمزة بين بين إن كانت لا تقع إلا في موضع يقع فيه الساكن فهي عندنا متحركة بالدليل الذي ذكرناه.
[ ٤ / ٢٨٠ ]
قال، ومما حذف في التخفيف لأن ما قبله ساكن قوله: (أرى) و(ترى) و(يرى) و(نرى).
يعني أن الأصل في (أرى) و(ترى): (أرأى) و(ترأى) وماضيه (رأى)، فألغيت حركة الهمزة على الساكن الذي قبلها وحذفتها على ما بينا من حكمها ولم يحذفوا الهمزة في الماضي، لأن قبلها متحركا فلا يكون تخفيفها بإلغائها، وخففوا (ترى) وألزموه التخفيف استثقالا للهمزة مع كثرة استعمالهم له وجواز هذا التخفيف في نظائره.
قال: " غير أن كل شيء كان أوله زائد سوى ألف الوصل فقد أجمعت العرب على تخفيفه لكثرة استعمالهم إياه جعلوا الهمزة تعاقب "
يعني أن كل شيء كان في أوله زائدة نحو الألف للمتكلم والنون للجماعة والتاء للمخاطب والياء للغائب، فإن العرب تلزمه التخفيف وحذف الهمزة وقوله (سوى) ألف الوصل وهي مستثناة من الزوائد، وذلك أنك متى أدخلت همزة الوصل سكنت الراء، ولا بدّ أن تأتي بالهمزة فتقول: (ارأ) يا فتى فدخول ألف الوصل قد أوجبت تحقيق الهمزة؛ لأنك إذا لم تحققها وخففتها حركت الراء وإذا حركت الراء بطلت ألف الوصل والوجه أن لا تدخل ألف
الوصل فتقول: (ره رأيك يا زيد)، لأن الأمر من الفعل المستقبل وقد جرى الفعل المستقبل على حذف الهمزة.
وقوله: جعلوا الهمزة تعاقب يعني تعاقب هذه الزوائد، يعني أن العرب اجتمعت على حذف الهمزة في (أرى) و(ترى) و(نرى) و(يرى) كأنهم عوضوا همزة (أرى) التي للمضارعة من الهمزة التي هي عين الفعل وجرى سائر حروف المضارعة على الهمزة.
قال: وإذا أردت أن تخفف همزة (ارأوه) قلت: (روه) تلقي حركة الهمزة على الساكن وتلقي ألف الوصل، حيث حركت الذي بعدها؛ لأنك إنما ألحقت ألف الوصل لسكون ما بعدها ويدلك على ذلك: و(ذاك) و(سل) خففوا (ارأ)، و(اسأل) وقد مضى الكلام في نحو هذا.
قال: وإذا كانت الهمزة المتحركة بعد ألف لم تحذف؛ لأنك لو حذفتها ثم فعلت بالألف ما فعلت بالسواكن التي ذكرت لك لتحولت حرفا غيرها فكرهوا أن يبدلوا مكان الألف حرفا ويغيروها، لأنه ليس في كلامهم أن يغيروا السواكن فيبدلوا مكانها إذا كان بعدها همزة فخففوا ولو فعلوا ذلك لخرج كلام كثير من حد كلامهم (لأنه ليس من كلامهم) أن تثبت الواو والياء ثانية، فصاعدا وقلبها فتحة إلا أن تكون الياء
[ ٤ / ٢٨١ ]
أصلها السكون وسنبين ذلك في بابه.
والألف، تحتمل أن يكون الحرف المهموز بعدها بين بين؛ لأنها مدّ، كما تحتمل أن يكون بعدها ساكن وذلك قولك في (هباءة): (هباأة) وفي المسائل: (مسايل) " بين بين " وفي (جزاء أمه) " جزاؤامّه ".
وقد ذكر سيبويه أن الهمزة إذا كانت متحركة وقبلها ساكن أن تخفيفها بحذفها وإلقاء حركتها على ما قبلها إذا كان من غير حروف المد واللين ولحروف المد واللين أحكام غير ذلك.
وابتدأ سيبويه فيها بذكر الهمزة التي بعد الألف إذا حققتها وحكمها أن تجعل بين بين؛ لأنه لا يمكن إلقاء حركتها على الألف إذا كانت الألف لا تتحرك أبدا، فلو ألقينا حركتها على الألف تحركت الألف وذلك غير ممكن.
ولو قلبنا الهمزة ألفا وأدغمنا الألف فيها كما يفعل بالهمزة بعد الواو والياء في (مقروة) و(بريه) لحركتا الألف. واستحال ذلك لأن الواو والياء يتحركان ولا تتحرك الألف، ولو حذفنا الهمزة رأسا ولم نلق حركتها لخرجت عن باب تخفيف الهمزة على الوجه الذي ذكرنا وقول سيبويه (لم تحذف) أي لم تجعل بين بين.
وقوله: " لأنك لو حذفتها يعني لو حذفتها وفعلت بالألف ما فعلت بالسواكن من إلقاء حركة الهمزة عليها لتحولت إلى غير الألف؛ لأن الألف لا تتحرك، فكنت تحتاج إلى أن تجعل مكانها حرفا آخر وليس هذا في تخفيف الهمزة المتحركة إذا كان قبلها ساكن ".
وقوله: " ولو فعلوا ذلك لخرج كلام كثير من حد كلامهم؛ لأنه ليس من كلامهم أن تثبت الياء والواو ثانية وقبلها فتحة "
يريد أنّا لو حولنا الألف حرفا آخر وألقينا عليه حركة الهمزة ما كانت تحول إلا إلى ياء أو واو؛ لأن الألف لا تنقلب إلا إليهما ولو جعلت لوجب قلب الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، لأن ذلك حكم الواو والياء المتحركين المفتوح ما قبلهما وإنما تثبت الياء والواو إذا كان أصلهما السكون، وذلك حكمهما في التصريف.
ولقائل أن يقول: إن ما تحرك من الياء والواو بإلقاء حركة الهمزة عليها لا يجب قلبها كقولنا في تخفيف (جيأل): (جيل)، و(مؤألة) (مؤلة)، فلا وجه للاحتجاج بهذا، وفيما احتج به قبله كفاية.
[ ٤ / ٢٨٢ ]
ولا مذهب للهمزة بعد الألف في التخفيف إلا جعلها بين بين أي ألف كانت وأما الواو والياء إذا كانت الهمزة بعد واحدة منهما فتخفيفها على وجهين: أحدهما أن تقلب الهمزة من جنس الواو إن كان قبلها واو ومن جنس الياء إن كان قبلها ياء ويدغم فيها ما قبلها.
والوجه الآخر أن تلقي حركتها على ما قبلها من الواو والياء وتحذف كسائر الحروف فأما الواو والياء اللتان تبدل الهمزة بعدهما من جنسهما وتدّغمان فهي الواو الزائدة الساكنة المضموم ما قبلها في حشو الكلام كقولك في (مقروءة) و(مذروءة)، (مقرّرة) و(مذروّة) والياء الزائدة الساكنة المكسور ما قبلها في (حشو) الكلمة كقولنا في (بريئة) و(خطيئة): (برّية) و(خطيّة).
وياء التصغير بهذه المنزلة إذا كان بعدها همزة، وإن كان ما قبلها مفتوحا كقولك في تصغير (أفؤس) و(سائل): (أفيئس) و(سويئل) فإن خففت الهمزة قلبتها ياء وأدغمت فيها ما قبلها كقولك: (أفيس) و(سويل) وإنما كرهوا إلقاء حركة الهمزة في ذلك على الواو والياء؛ لأنهم شبهوهما بالألف أما الواو المضموم ما قبلها والياء المكسور ما قبلها فمشبهان بالألف لاشتراكها في المد، وأما ياء التصغير فلا تكون إلا ساكنة وهي أيضا مشبهة بالألف؛ لأن موقعها من التصغير كموقع الألف من الجمع كقولهم: (دريهم) و(دراهم ") ولم تجعل الهمزة بعدهما بين بين؛ لأن الياء والواو قد يتحركان ويدّغمان، ويدغم فيهما.
وكان الأخفش يرى إبدال الهمزة من جنس ما قبلها.
وأما الياء والواو اللتان تلقى عليهما حركة الهمزة فهما ما كان أصليا أو ملحقا أو علامة جمع أو طرفا تقول في (أبي إسحاق)، و(أبو إسحاق): (أبي سحاق) و(أبو سحاق) وفي (أبي أيوب) و(ذو أمرهم): (أبي يّوب) و(ذو مرهم) وفي (قاضي أبيك) (قاضي بيك) وفي (يغزو أمه)، (يغزومّه) لأن هذا من نفس الحرف وتقول في (حوايه) (حويه)
وهي الدلو الضخمة
قال الشاعر:
حوأية تنقض بالضلوع (١)
لأن هذه الواو ألحقت بنات الثلاثة ببنات الأربعة، وإنما هي كواو (جدّول)، ألا
_________________
(١) البيت من مشطور الرجز، انظر اللسان مادة (حأب).
[ ٤ / ٢٨٣ ]
تراها لا تتغير إذا كسرت للجمع تقول: (حوائب) وإنما هي بمنزلة (عين جعفر).
قال سيبويه: " وكذا سمعنا العرب الذين يخففون يقولون: " اتبعومره " لأن هذه الواو ليست بمدّة بعدها همزة في كلمة كواو " مقروءة " فصارت بمنزلة همزة في كلمة بعد واو " يدعو " وتقول (اتبعي مره) صارت كياء " يرمي " حيث انفصلت ".
قال: ولم تكن مدّة في كلمة واحدة مع الهمزة " لأنها " إذا كانت منفصلة ولم تكن من نفس الحرف أو بمنزلة ما هو من نفس الحرف أو لم تجئ لمعنى، فإنما تجيء لمدة
لا لمعنى وواو " اضربوا " و" اتبعوا " هي لمعنى الأسماء وليس بمنزلة الياء في " خطيئة " تكون في الكلمة لغير معنى. ولم تجئ مع المنفصلة لتلحق بناء ببناء فيفصل بينها وبين ما لا يكون ملحقا (بناء ببناء).
قوله: (ولم تكن مدّة في كلمة واحدة مع الهمزة)
يريد لم تكن واو " اتبعو مره " مدة لغير معنى مع الهمزة في كلمة واحدة، وكذلك ياء خطيئة. والهمزة في اتبعوا أمره من كلمة أخرى وهي (أمره) وقوله: لأنها إذا كانت متصلة، يعني الواو أو الياء إذا اتصلا بالهمزة في كلمة وقوله: ولم تكن من نفس الحرف أي ولم تكن من نفس الحرف كواو " سوءة " وياء " هيئة " أو بمنزلة ما هو من نفس الحرف يعني الملحق كواو " حوأبه " وياء " جيأل ".
أو تجيء لمعنى كواو (اتبعوا أمره) وياء (اتبعي أمره) وهذه كلها تلقي عليها حركة الهمزة.
وقوله: فإنما تجئ لمدّة إذا لم تكن الواو والياء من نحو ما ذكرنا فهي مدّة لغير معنى كواو مقروءة وياء (خطيئة) وإنما فعل هذا بالهمزة من لم يخففها استثقالا لهما لأنه بعد مخرجها، ولأنها نبرة في الصدر تخرج باجتهاد وهي أبعد الحروف مخرجا فثقل ذلك عليهم؛ لأنه كالتهوع.
قال سيبويه: واعلم أن الهمزتين إذا التقتا وكانت كل واحدة منهما من كلمة فإن أهل التحقيق يخففون إحداهما
ويستثقلون تحقيقهما لما ذكرت لك، كما يستثقل أهل الحجاز تحقيق الواحدة، فليس من كلام العرب أن تلتقي همزتان فتحققا.
ومن كلام العرب تخفيف الأولى وتحقيق الآخرة وهو قول أبي عمرو وذلك قولك:
[ ٤ / ٢٨٤ ]
فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها (١) ويا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ (٢).
ومنهم من يحقق الأولى ويخفف الأخيرة سمعنا ذلك من العرب وهو (قول) " فقد جاء أشراطها " و(يا زكريّا إنّا) وقال:
كل غرّاء إذا ما برزت ترهب العين عليها والحسد (٣)
أي أن تحسد سمعنا من يوثق به من العرب ينشده هكذا.
وكان الخليل يستحب هذا القول فقلت له: " لمه؟ "
فقال إني رأيتهم حين أرادوا أن يبدلوا إحدى الهمزتين اللتين تلتقيان في كلمة واحدة أبدلوا الأخيرة وذلك قولك " جائي " و(آدم) و(رأيت) أبا عمرو أخذ بهن في قوله: يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ (٤) حقق الأولى، وكل عربي.
وقياس من خفف الأولى أن يقول: يا ويلتا األد، والمخففة فيما ذكرنا بمنزلتها محققة في الزّنة، ويدلك على ذلك قول الأعشى:
أأن رأت رجلا أعشى أضرّبه ريب المنون ودهر تابل خبل (٥)
فلو لم تكن بمنزلتها محققة لانكسر البيت.
وقد تقدم تخفيف الهمزة الواحدة لما فيها من الاستثقال فإذا اجتمعت همزتان ازداد الثقل ووجب التخفيف في كلام العرب.
أما إذا اجتمعت همزتان في كلمة فلم يحك سيبويه غير تخفيف إحداهما ولم يجز غير ذلك.
ومما يحتج له في ذلك أنه لا خلاف في قوله: " آدم " و" آمر " ولم يقل (أأدم) ولا (أأمر) وإن كان أصل ذلك بهمزتين.
وأما أبو زيد فحكى أن من العرب من يحقق الهمزتين جميعا فيقول: أأنت قلت ذاك؟
_________________
(١) سورة محمد، الآية: ١٨.
(٢) سورة مريم، الآية: ٧.
(٣) البيت من الرمل انظر ابن يعيش: ٩/ ١١٨، وشواهد الكتاب: ٣/ ٥٤٩.
(٤) سورة هود، الآية: ٧٢.
(٥) البيت سبق تخريجه.
[ ٤ / ٢٨٥ ]
و(يا زيد أأبوك هذا؟).
قال: وسمعت من العرب من يقول: (اغفر لي خطائئي) كقولك: (خطا عمي) همزها أبو السمح ورداد ابن عمه.
قال: وتخفيف الهمزة من قولك: (أابوك هذا) و(أأعطيت) أكثر في الكلام لثقل الهمزتين.
وقد اختار جماعة من قراء الكوفة ومن غيرهم الجمع بين الهمزتين حتى جمعوا بين همزتين في كلمة فقرؤوا (أأنت) و(أئمة) وقد عرفتك من قوة التخفيف ما وقفت عليه.
وإذا اجتمعت همزتان، ولم تكن الأولى منهما ابتداء فإن من كلام العرب تخفيف الأولى وتحقيق الثانية.
وذكر سيبويه أنه قول أبي عمرو ومثله فقد جاء " أشراطها و" يا زكريّا إنا نبشرك والذي رأيت عليه أبا بكر بن مجاهد ﵀ والقراء الذين يقرؤون بحرف أبي عمرو في الهمزتين المختلفتين يحققون الأولى ويلينون الثانية كقوله: آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ (١) يحقق الهمز من (السفهاء) ويجعل همزة ألا واوا؛ لأنها مفتوحة وقبلها ضمة وإذا كانتا متفقتين أسقط إحداهما كقوله: فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها وأَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) والله أعلم بذلك.
وقد رويت عن أبي عمرو روايات كثيرة مختلفة، ولعله كان يختار اختيارات في أوقات فينقل كل فريق ما يسمعونه.
أما تخليف الأولى من الهمزتين إذا لم تكن مبتدأة فمشبهة بالتقاء الساكنين بغير الأول منهما دون الثاني كقولك: (ذهبت الهندات) و(لم يقم القوم).
وأما تخفيف الثانية، فقد ذكر فيه عن الخليل ما تقدم عن الحجة، يقول: ذلك أن الأولى لو كانت مبتدأة ما جاز غير تحقيقها.
وأما أهل الحجاز فيخففون الهمزتين؛ لأنه لو لم تكن إلا واحدة لخففت فيقولون في اقرأ آية: (اقرا آية) يقلبون الأولى ألفا لأنها ساكنة وقبلها فتحة ويجعلون الثانية بين بين وكان أبو زيد يجيز إدغام الهمزة في الهمزة ويحكى ذلك عن العرب ويقول (اقرأيه) يجعلها كسائر الحروف ومن خفف الأولى وحقق الثانية قال (اقرا آية) ويجعل الأولى ألفا ويجعل
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٣.
(٢) سورة الأحقاف، الآية: ٣٢.
[ ٤ / ٢٨٦ ]
الثانية همزة ومن حقق الأولى وخفف الثانية قال: (إقرأيه) فيلقي حركة الهمزة الثانية على الساكن الذي قبلها ويحذفها كما بينا في مثل ذلك.
وإذا قلت: (أقرئ أباك السّلام) فإنه على لغة أهل الحجاز إذا خففوهما (اقرئ باك السّلام) فيقلبون الأولى ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ثم يلقون حركة الثانية على الياء وتسقط الثانية، ولا يفعلون ذلك في " اقرأ آية "، لأنهم قلبوا الهمزة في (اقرأ) ألفا، والألف لا يلقى عليها حركة غيرها فإذا قلت: (قرأ أبوك) فإنهما جميعا بين بين على لغة أهل الحجاز، وعلى لغة غيرهم إذا حققوا الأولى جعلوا الثانية بين بين وإن حققوا الثانية جعلوا الأولى بين بين.
قال: ومن العرب ناس يدخلون بين ألف الاستفهام وبين الهمزة ألفا إذا التقتا، وذلك أنهم كرهوا التقاء الهمزتين ففصلوا كما قالوا (اخشيتان) ففصلوا بالألف كراهية التقاء هذه الحروف المضاعفة.
قال ذو الرمة:
فيا ظبية الوعساء بين جلاجل وبين النّقاآ أنت ام أمّ سالم (١)
وما حكاه مشهور وقد حكاه أبو زيد
وقال أنشدنا الأعراب:
حزقّ إذا ما القوم أبدوا فكاهة تفكّر أاإيّاه يعنون أم قردا (٢)
وهي قراءة تروى عن عبد الله بن عامر اليحصبي.
قال: وأما أهل الحجاز إذا أدخلوا ألف الاستفهام فمنهم من يقول (آإنك) و(آأنت) وهي التي يختار أبو عمرو وذلك أنهم يخففون الهمزة كما يخفف بنو تميم في اجتماع الهمزتين فكرهوا التقاء الهمزة والذي هو بين بين (فأدخلوا الألف كما أدخلته بنو تميم في التحقيق) يعني أن أهل الحجاز يدخلون ألفا بين الهمزتين لئلا يلتقي همزتان ثم
_________________
(١) لم نعثر عليه في ديوانه انظر ابن يعيش في شرح المفصل: ٩/ ١١٩.
(٢) انظر الكامل: ٦٤٢، والخصائص: ٢/ ٤٥٨، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٣٢٠.
[ ٤ / ٢٨٧ ]
يلينون الثانية.
وبنو تميم لينوا الثانية من غير إدخال ألف بينهما إذ كانت همزة بين بين كالهمزة في النية.
قال: وأما الذين لا يخففون (الهمزة) فيحققونهما جميعا ولا يدخلون بينهما ألفا فإن جاءت ألف الاستفهام وليس قبلها شيء لم يكن من تحقيقها بدّ وخففوا الثانية على لغتهم يعني أنه لا سبيل إلى تخفيف ألف الاستفهام على كل لغة لأنها تقع أولا.
ثم ذكر سيبويه لزوم تخفيف إحدى الهمزتين إذا التقتا في كلمة واحدة وقد ذكرنا ذلك.
ثم قال متصلا بذلك:
وسألت الخليل عن فعلل من جئت فقال: " جيأى " وتقديرها (جيعا) كما ترى والأصل فيه (جيأأ) على تقدير (جيعع) لأن لام الفعل من جئت همزة فكررت الهمزة فالتقت همزتان فقلبت الثانية ألفا لانفتاح ما قبلها.
قال: وإذا جمعت (آدم) قلت: (أوادم).
يعني إذا جعلته اسما وجمعته. وإن كان نعتا قلت: (أدم) وإذا حقرت قلت: (أويدم) وذلك أن " آدم " وإن كان الأصل فيه همزة فقد قلبتها ألفا على سبيل التخفيف فصار بمنزلة ما كان ثانيه ألفا نحو (ضارب) و(بازل) و(خابط) فإذا كسرته أو صغرته صيرته بمنزلة هذا فقلت: " أوادم " كما قلت: " بوازل " وقلت " أويدم " كما قلت: " بويزل ".
وأما " خطايا " فكأنهم قلبوا ياء أبدلت من آخر (خطايا) ألفا؛ لأن ما قبل آخرها مكسور كما أبدلوا ياء (مطايا) ونحوها ألفا وأبدلوا مكان الهمزة التي قبل آخره ياء وفتحت للألف كما فتحوا راء " مدارى " فرّقوا بينها وبين الهمزة التي تكون من معنى الحرف أو بدلا مما هو من الحرف نفسه.
اعلم أن الأصل في (خطايا) (خطائئ) وذلك أن واحدها خطيئة على (فعيلة) ولامها همزة فإذا جمعتها على فعائل انقلبت ياء فعيلة همزة أيضا فصارت (خطائئ) فالتقت همزتان في كلمة واحدة فوجب تخفيف الثانية منهما فجعلت ياء لانكسار ما قبلها فصارت (خطائئ) ثم إنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما كانت الهمزة في واحده وبين ما عرضت الهمزة في جمعه، ولم تكن الهمزة في واحده، و(خطائئ) لم تكن الهمزة في واحده.
أعني الهمزة التي هي بدل من الياء وإنما هي عارضة في الجمع فرأوا الجمع الذي
[ ٤ / ٢٨٨ ]
عرضت فيه الهمزة أحق بالتغيير من الجمع الذي الهمزة في واحده فقالوا في (خطائي):
(خطاأا) جعلوا مكان الياء ألفا فصار (خطاأا) وجعلوا قلب الياء ألفا لازما في ذلك، وذلك أنهم يقلبون الياء ألفا طلبا للتخفيف؛ لأن الألف أخف من الياء فيقولون في (مداري) (مدارى) فلما جاز هذا القلب فيما لم يريدوا به الفرق بينه وبين شيء آخر جعلوه لازما في (خطايا) فلما قلبوها ألفا في (خطاأا) اجتمعت ألفان بينهما همزة مفتوحة
والهمزة تشبه (الألف) فصارت كثلاث ألفات، فقلبوا الهمزة ياء، فقالوا: (خطايا).
وإنما قلبوها ياء لأن الياء أقرب إلى الهمزة من الواو، فلم يريدوا إبعادها عن شبه الحرفين اللذين اكتنفاها وكان الخليل يقدر غير هذا التقدير وذلك أنه كان يقول: إن خطيئة لما جمعناها قدمنا لام الفعل على ياء فعيلة فوقعت لام الفعل بعد ألف الجمع، فصار (خطائي) وهذه الهمزة التي بعد الألف همزة " (خطيئة) التي بعد الياء والياء في (خطائي) هي الياء التي في (خطيئة) قبل الهمزة وكذلك مذهبه في " جاءي " مخالف لمذهب النحويين.
وذلك أن النحويين يقولون في " جائي " إن الأصل فيه (جائئ) بهمزتين من قبل أنه جاء بمنزلة باع، وقال، وعين الفعل منه معتلة فإذا بنيت منه اسم الفاعل جعلت عين الفعل همزة كما قلت (قائل) فيلزم في " جائي " على هذا القياس أن يقولوا (جائي) فيلتقي همزتان فتنقلب الثانية ياء لانكسار ما قبلها.
وزعم الخليل أن الهمزة في " جائي " هي لام الفعل وأن الياء هي عين الفعل وإنما قدموا وأخروا قال: لأني رأيت العرب قد تؤخر عين الفعل إذا كانت معتلة إلى موضع اللام كقولهم في (شائك السلاح) (شاكي السلاح) وقولهم في (هاير) هاري.
قال: فلما أخروا عين الفعل إذا كانت معتلة إلى موضع اللام مع صحة اللام لئلا يهمزوا عين الفعل إذ ليس أصلها الهمز لزمهم هذا القلب فيما كان لام الفعل فيه همزة، إذا كانت العين (معتلة) لئلا ينضم همز عين الفعل إلى همز لامه وإذا أخروا لم يلزمهم؛ لأنهم إنما يهمز لوقوعه بعد الألف ثم يعمل الخليل في " خطايا " (ما عمل فيها غيره ممن لا يذهب مذهبه من الإعلال).
وقد أنكر ذلك عليه أبو العباس المبرد وادعى عليه (مخالفته لما هو شائع).
وذلك أن الهمزة إذا كانت غير عارضة في الجمع لم يجب تغيير الجمع كقولك في (مرآة): (مرائي).
فقال: إذا كانت الهمزة في (خطائي) هي الهمزة التي كانت في الواحد فهي غير
[ ٤ / ٢٨٩ ]
عارضة في الجمع فينبغي أن لا تغير في الجمع.
وللخليل أن يقول إني فرقت بالتغيير بين ما كانت الهمزة فيه مقدمة من آخره إلى أوله في الجمع وبين ما لم يعرض ذلك له في الجمع ولا يجعل العلة أن الهمزة عارضة في الجمع، ولكن يجعل العلة تقديمها عارضا في الجمع.
على أن سيبويه قد حكى عن الخليل خلاف هذا المذهب وذلك أنه حكى عنه أنه يختار في المذهبين إذا التقتا من كلمتين تحقيق الأولى وتخفيف الثانية.
قال: فقلت له (لمه) فقال: رأيتهم إذا اجتمعت همزتان في كلمة اختاروا تخفيف الأخيرة كقولهم (جائي) و(أادم) " فقد جعل الياء من (جائي) منقلبة من همزة والهمزة في جاء لام الفعل.
فهذه الحكاية في " جاء " تدل على أنه لم يقدم.
وقد قال بعض النحويين في قلب الياء في " خطايا " ونحوها ألفا قولا قويا وهو أن الياء لو لم تقلب ألفا لوجب إسقاطها في الوقف كما يقال (جوار) و(غواش) في (جواري) و(غواشي) وإذا أسقطنا الياء بقيت الهمزة ساكنة في الوقف فلا فرق بينها وبين أن تكون من الحرف نفسه أو بدلا مما هو من نفس الحرف فالذي هو من نفس الحرف (نائية) و" نوائي " لأنه من (نأيت) فالهمزة عين الفعل.
والذي هو يدل مما هو من نفس الحرف الهمزة في (جائية) و(سائية)؛ لأنها بدل من عين الفعل في (جاء) و(ساء) وعين الفعل في (جاء) ياء وفي (ساء) واو. فأما قوله فرقوا بينه وبين الهمزة التي من نفس الحرف أراد الهمزة التي في قولك (رأيت براء) لأن الهمزة في " براء " من الحرف نفسه، لأنه من (برئت).
وقوله: أو بدلا مما هو من نفس الحرف أراد الهمزة التي في (رأيت قضاء) وذلك أن الهمزة في (قضاء) منقلبة من ياء؛ لأنه من (قضيت)، فإذا قلت (رأيت براء وقضاء) لم يلزمك أن تقلب هذه الهمزة ياء كم قلبتها في (خطايا).
باب ذكرك الاسم الذي تبين به العدة كم هي مع تمامها الذي هو من ذلك اللفظ
(فبناء الاثنين وما بعده إلى العشرة " فاعل " وهو مضاف إلى الاسم الذي يبين به العدد).
ذكر سيبويه في هذا الباب من كتابه ثاني اثنين وثالث ثلاثة إلى عاشر عشرة. فإذا قلت: هذا ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة أو رابع أربعة فمعناه أحد ثلاثة أو بعض ثلاثة أو تمام
[ ٤ / ٢٩٠ ]
ثلاثة، وقوله في ترجمة الباب: الاسم الذي تبين به العدة كم هي يعني (ثلاثة).
وقوله: مع تمامها الذي هو من ذلك اللفظ يعني (ثالثا) لأنه تمام ثلاثة وهذا التمام يبنى على " فاعل " كما قلنا فيقال: ثاني اثنين وثالث ثلاثة، وتجري الأول منها بوجوه الإعراب إلى عاشر عشرة.
قال الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ (١).
وقال تعالى: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ (٢) وقد كنت ذكرت في المبنيّات من أحد عشر إلى تسعة عشر ما فيه كفاية، ولكني أذكرها هنا منه جملة، فيها ما لم أذكره هناك إذ كان هذا بابه إن شاء الله تعالى.
قال أبو سعيد: هذا الباب يشتمل على شيئين أحدهما وهو الأكثر في كلام العرب على ما قاله سيبويه: أن يكون
الأول من لفظ الثاني على معنى أنه تمامه وبعضه وهو قولك هذا ثاني اثنين وثالث ثلاثة وعاشر عشرة ولا ينون هذا فينصب ما بعده فيقال: ثالث ثلاثة؛ لأن ثالثا في هذا ليس يجري مجرى الفعل فيصير بمنزلة (ضارب زيدا) وإنما هو بعض ثلاثة وأنت لا تقول بعض ثلاثة وقد أجمع النحويون على ذلك إلا ما ذكره أبو الحسن بن كيسان عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب أنه أجاز ذلك، قال أبو الحسن قلت له، إذا أجزت ذلك فقد أجريته مجرى الفعل، فهل يجوز أن تقول (تثلّث ثلاثة) فقال:
(نعم) على معنى " أتممت ثلاثة " والمعروف قول الجمهور فإذا زدت على العشرة فالذي ذكر سيبويه بناء الأول والثاني وذلك (حادي عشر) و(ثاني عشر) و(ثالث عشر) ففتح الأول والثاني وجعهلما اسما واحدا وفتحهما كفتح ثلاثة عشر وذكر أن الأصل أن يقال (حادي عشر) " أحد عشر " و(ثالث عشر) " ثلاثة عشر " فيكون (حادي عشر) بمنزلة (ثالث) ويكون (أحد عشر) بمنزلة (ثالث). لأن " ثالثا " قد استغرق حروف ثلاثة وبنى معها فكذلك ينبغي أن تستغرق (حادي عشر) حروف " أحد عشر " وقد حكاه أيضا فقال:
وبعضهم يقول (ثالث عشر) ثلاثة عشر وهذا القياس.
وقد أنكر ثعلب هذا. وذكر أنه غير محتاج إلى أن يقول (ثالث عشر) " ثلاثة عشر " وأن الذي قال سيبويه خلاف مذهب الكوفيين.
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٧٣.
(٢) سورة التوبة، الآية: ٤٠.
[ ٤ / ٢٩١ ]
وكأن حجة الكوفيين فيما يتوجه فيه أن (ثلاثة عشر) لا يمكن أن يبنى من لفظها " فاعل " وإنما يبنى من لفظ أحدهما وهو الثلاثة.
فذكر العشر مع ثالث لا وجه له.
قال أبو سعيد: وقد قدمت احتجاج سيبويه لذلك مع حكايته (إياه) عن بعضهم ويجوز أن يقال: إنه لما لم يمكن (أن) يبنى منهما فاعل وبني من أحدهما احتيج إلى ذكر الآخر لينفصل ما هو أحد ثلاثة مما هو أحد ثلاثة عشر فأتى باللفظ كله.
قال أبو سعيد: والضرب الثاني من الضربين أن يكون التمام يجري مجرى اسم الفاعل الذي يعمل فيما بعده ويكون لفظ التمام من عدد هو أكثر من المتمم بواحد كقولك:
(ثالث اثنين ") و(رابع ثلاثة) و(عاشر تسعة) ويجوز أن ينون الأول فيقال (رابع ثلاثة) و(عاشر تسعة) لأنه مأخوذ من الفعل تقول: (كانوا ثلاثة) فربعتهم وتسعة فعشرتهم فأنا عاشرهم كقولك: (ضربت زيدا) فأنا (ضارب زيدا) و(ضارب زيد).
قال الله ﷿: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ (١) وقال سيبويه: فيما زاد على العشر في هذا الباب " هذا رابع ثلاثة عشر " كما قلت (خامس أربعة).
ولم يحكه عن العرب والقياس عند النحويين أنه لا يجوز ذلك وقد ذكره أبو العباس محمد بن يزيد عن نفسه وعن الأخفش والمازني أنهم لم يجيزوه؛ لأن هذا الباب يجري مجرى الفاعل المأخوذ من الفعل. ونحن لا نقول ربعت ثلاثة عشر ولا أعلم أحدا حكاه.
وإن صح أن العرب قالته فقياسه ما قاله سيبويه. وأما قولهم (حادي عشر) وليس (حادي) من لفظ واحد والباب أن يكون اسم الفاعل الذي هو تمام من لفظ ما هو تمامه ففيه قولان؛ أحدهما: أن (حادي) مقلوب من (واحد) استثقالا للواو في أول اللفظ فلما قلب صار (حادو) فوقعت الواو طرفا وقبلها كسرة فقلبوها ياء كما قالوا (غازي) وهو من (غزوت).
وأصله " غازو "، وذكر الكسائي أنه سمع من الأسد أو بعض عبد القيس (واحد عشر يا هذا).
وقال بعض النحويين وهو الفراء: (حادى عشر) من قولك: (يحدو) أي يسوق
_________________
(١) سورة المجادلة، الآية: ٧.
[ ٤ / ٢٩٢ ]
كأن الواحد الزائد يسوق العشرة وهو معها وأنشد (١):
أنعت عشرا والظليم حادي كأنّهنّ بأعالي الوادي
يرفلن في ملاحف جيادي
وفي ثالث عشر وبابها ثلاثة أوجه، فإن جئت بها على التمام على ما ذكر سيبويه فقلت: (ثالث عشر) ثلاثة عشر فتحت الأولين والآخرين لا يجوز غير ذلك.
وإن حذفت فقلت: (ثالث ثلاثة عشر) أعربت ثالثا بوجوه الإعراب وفتحت الآخرين فقلت: هذا ثالث ثلاثة عشر، ورأيت (ثالث ثلاثة عشر) ومررت بثالث ثلاثة عشر لا يجوز غير ذلك عند النحويين كلهم.
وإن حذفت ما بين (ثالث وعشر الأخير) فالذي ذكره سيبويه فتحهما جميعا.
وذكر الكوفيون أنه يجوز أن يجرى ثالث بوجوه الإعراب ويجوز أن يفتح فمن أجرى بوجوب الإعراب أراد هذا ثالث ثلاثة عشر ومررت بثالث ثلاثة عشر ثم حذف ثلاثة تخفيفا وبقّى ثالثا على حكمه.
ومن بني ثالثا مع عشر أقامه مقام ثلاثة حين حذفها، وهذا قول قريب، ولم ينكره أصحابنا.
وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: هذا ثالث عشر وثالث عشر فرفعوا ونصبوا.
قال سيبويه: " وتقول: هذا حادي أحد عشر إذا كّن عشر نسوة معهن رجل، لأن المذكر يغلب المؤنث، ومثل ذلك قولك: خامس خمسة إذا كن أربع نسوة فيهن رجل كأنك قلت هو تمام خمسة "
ونقول: هو خامس أربع إذا أردت أنه صيّر أربع نسوة خمسا ".
قال سيبويه: (وأما بضعة عشر فبمنزلة تسعة عشر في كل شيء، وبضع عشرة كتسع عشرة في كل شيء).
قال أبو سعيد: (بضعة) بالهاء عدد مبهم من ثلاثة إلى تسعة من المذكر، وبضع بغير الهاء عدد مبهم من ثلاث إلى تسع من المؤنث وهي تجرى مفردة ومع العشرة مجرى
_________________
(١) الأبيات من مشطور الرجز، انظر المخصص: ١٧/ ١١٠.
[ ٤ / ٢٩٣ ]
الثلاثة إلى التسعة في الإعراب والبناء تقول: هؤلاء بضعة رجال، وبضع نسوة.
قال الله تعالى: وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ (١).
وفيما زاد على العشرة هؤلاء بضعة عشر رجلا وبضع عشرة امرأة.
وهي مشتقة- والله اعلم- من (بضعت الشيء) إذا قطعته كأنه قطعة من العدد وقد كان حقه أن يذكر في الباب الأول، لأن هذا الباب إنما ذكر فيه العدد المتمم نحو (ثالث ثلاثة) و(رابع أربعة) ولكنه ذكرها هنا لترى أنه ليس بمنزلة (ثالث عشر) أو (ثالثة عشرة) فاعلمه.
ومن قول الكسائي: " هذا الجزء العاشر عشرين ومن قول سيبويه والفراء: (هذا الجزء العشرون) و" هذه الورقة العشرون " على معنى تمام العشرين فنحذف التمام ونقيم العشرين مقامه، وكذلك نقول: " هذا الجزء الواحد والعشرون " و" الأحد والعشرون " و(هذه الورقة الإحدى والعشرون) و" الواحدة والعشرون ".
وكذلك " الثاني والعشرون " و" الثانية والعشرون " وما بعده إلى قولك:
" التاسع والتسعون ". ونقول: هو الأول والثاني والثالث والرابع والخامس وقد قالوا:
" الخامي ".
قال أبو سعيد: وهو من شواذ المحوّل كقولهم: (أمليت) في أملك ولا (أملاه) يريدون (لا أملّه).
إلا أن هذا حوّل للتضعيف " وخامس " ليس فيه تضعيف فإذا هو من باب حسيت " و" أخسيت " في " حسست " و" أحسست ".
وقالوا: (سادس وساد) على حد (خام). وأنشد ابن السكيت:
إذا ما عدا أربعة فسال فزوجك خامس وحموك سادي (٢)
وفي هذا ثلاث لغات، جاء (سادسا) و(ساديا) و(ساتّا)، فمن قال: (سادسا) أخرجه على الأصل ومن قال (ساتا) فعلى اللفظ ومن قال (ساديا) فعلى الإبدال والتحويل الذي قدمنا.
وأنشد ابن السكيت:
_________________
(١) سورة الروم، الآيتان: ٣، ٤.
(٢) البيت من الطويل مذكور في معجم الشواهد: ١/ ٤٢٠.
[ ٤ / ٢٩٤ ]
يوجزل أعوام أذاعت بخسة وتجعلني إن لم يق الله ساديا (١)
وأنشد أيضا:
مضى ثلاث سنين منذ حل بها وعام حلّت وهذا التابع الخامي
يريد الخامس.
قال أبو سعيد في العقود كلها: هو الموفّى كذا وهي الموفّية كذا كقولك:
(الموفّى عشرين) والموفّية عشرين.
هذا باب المؤنث الذي يقع على المؤنث والمذكر وأصله التأنيث
اعلم أن المذكر قد يعبر عنه باللفظ المؤنث فيجري حكم اللفظ على التأنيث وإن كان المعبر عنه مذكرا في الحقيقة ويكون ذلك بعلامة التأنيث، وبغير علامة.
فأما ما كان بعلامة التأنيث فقولك: (هذه شاة) وإن أردت تيسا، و(هذه بقرة) وإن أردت ثورا، و(هذه حمامة) و(هذه بطة) وإن أردت الذكر
وأما ما كان بغير علامة فقولك: (عندي ثلاث من الغنم)، و(ثلاث من الإبل)
وقد جعلت العرب (الإبل) أو (الغنم) مؤنثين وجعلت الواحد منها مؤنث اللفظ كأن فيه هاء، وإن كان مذكرا في المعنى، كما جعلت العين والأذن والرجل مؤنثات بغير علامة.
فإن قال قائل: فلم لا يقال (هذه طلحة) لرجل يسمى طلحة لتأنيث اللفظ كما قالوا: (هذه بقرة) للثور؟
فالجواب أن (طلحة) لقب وليس باسم موضوع له في الأصل وأسماء الأجناس موضوعة لها لازمة ومن ثم فرقت العرب بينهما.
وقد ذكر سيبويه في الباب أشياء محمولة على الأصل الذي ذكرته وأشياء قريبة منها.
وأنا أسوق ذلك وأفسر ما أحتاج منه إلى تفسيره.
قال سيبويه: " فإذا جئت بالأسماء التي تبين بها العدة أجريت الباب على التأنيث في التثليث إلى تسع عشرة وذلك قولك: (له ثلاث شياه ذكور)، و(له ثلاث من
_________________
(١) نسب إلى النابغة الجعدي يهجو ليلى الأخيلية: انظر ابن يعيش: ٢/ ٢٥٨، والهمع: ٢/ ١٥٣.
[ ٤ / ٢٩٥ ]
الشاء) فأجريت ذلك على الأصل؛ لأن الشاء أصلها التأنيث، وإن وقعت على المذكر كما أنك تقول: (هذه غنم ذكور) فالغنم مؤنثة وقد تقع على المذكر "
قال أبو سعيد: يعني أنها تقع على ما فيها من المذكر من التيوس والكباش، ويقال: (هذه غنم) وأن كانت كلها كباشا أو تيوسا. وكذلك: (عندي ثلاث من الغنم) وإن كانت كباشا أو تيوسا، لأنه جعل الواحد منها كأن فيه علامة التأنيث كما جعلت العين والرجل كأن فيهما علامة التأنيث.
وقال الخليل: قولك: (هذا شاة) بمنزلة قوله تعالى: هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي (١).
قال أبو سعيد: يريد أن تذكير هذا مع تأنيث شاة كتذكير هذا مع تأنيث رحمة والتأويل في ذلك كأنك قلت: (هذا الشيء شاة) و(هذا الشيء رحمة من ربي).
قال سيبويه: " وتقول له خمس من الإبل ذكور وخمس من الغنم ذكور من قبل أن (الإبل) و(الغنم) اسمان مؤنثان، كما أن ما فيه الهاء مؤنث الأصل وإن وقع على المذكر "
فلما كان (الإبل) و(الغنم) لذلك جاء تثليثها على التأنيث، لأنك إنما أردت التثليث من اسم مؤنث بمنزلة (قدم) ولم يكسر عليه مذكر للجمع فالتثليث منه كتثليث ما فيه الهاء كأنك قلت: (هذه ثلاث غنم) بهذا يوضح وإن كان لا يتكلم
به كما تقول:
(ثلاثمائه) فتدع الهاء؛ لأن المائة أنثى.
قال أبو سعيد: قول سيبويه (الغنم) و(الإبل) و(الشاء) مؤنثات يريد كل واحد منها إذا قرن بمنزلة مؤنث فيه علامة التأنيث أو مؤنث لا علامة فيه كقولك: (هذه ثلاث من الغنم) ولم تقل: (ثلاثة) وإن أردت بها كباشا أو تيوسا، وكذلك (ثلاث من الإبل) وإن أردت بها مذكرا أو مؤنثا.
وقوله: بمنزلة (قدم)، لأن (القدم) أنثى بغير علامة وكذلك (الثلاث) فقولك:
(ثلاث من الإبل والغنم) لا يفرد لها واحد فيه علامة التأنيث.
وقوله: لم يكسر عليه مذكر للجمع يعني لم يقل ثلاثة ذكور فيكون ذكور جمعا مكسرا لذكر فتذكر ثلاثة من أجل ذلك.
وقوله: كأنك قلت: (هذه ثلاث غنم) يريد كأن (غنما) تكسير للواحد المؤنث
_________________
(١) سورة الكهف، الآية: ٩٨.
[ ٤ / ٢٩٦ ]
كما تقول: (ثلاثمائة) فتترك الهاء من (ثلاث)؛ لأن المائة مؤنثة ومائة واحد في معنى جمع المؤنث قال سيبويه: وتقول: (له) ثلاث من البط؛ لأنك تصيره إلى بطة.
قال أبو سعيد: يريد كأنك قلت له: (ثلاث بطات) من البط
قال سيبويه: " وتقول له ثلاثة ذكور من الإبل لأنك لم تجئ بشيء من التأنيث، وإنما ثلثت الذكر ثم جئت بالتفسير من الإبل لا تذهب الهاء.
كما أن قولك: (ذكور) بعد قولك (من الإبل) لا تثبت الهاء "
قال أبو سعيد: يريد أن الحكم في اللفظ للسابق من لفظ المؤنث أو المذكر، فإذا قلت: ثلاث من الإبل أو الغنم (ذكور) نزعت الهاء، لأن قولك من الإبل أو من الغنم يوجب التأنيث.
وإنما قلت: (ذكور) بعد ما يوجب تأنيث اللفظ فلم تغير.
وكذلك إذا قلت: (ثلاثة ذكور من الإبل) فقد لزم حكم التذكير بقولك: (ثلاثة ذكور) فإذا قلت بعد ذلك من الإبل لم يتغير اللفظ الأول.
قال سيبويه: وتقول: ثلاثة أشخص، وإن عنيت نساء لأن الشخص اسم مذكر.
قال أبو سعيد: هذا ضد الأول، لأن الأول تؤنثه للفظ وهو مذكر في المعنى، وهذا تذكره للفظ وهو مؤنث في المعنى.
قال سيبويه: " ومثله قولهم: ثلاث أعين وإن كانوا رجالا لأن العين مؤنثة.
قال أبو سعيد: وهذا يشبه الأول، وإنما أنثوا لأنهم جعلوا الرجال كأنهم أعين من ينظرون لهم.
قال سيبويه: " وقالوا ثلاثة أنفس، لأن النفس عندهم إنسان ألا ترى أنهم يقولون نفس واحد ولا يدخلون الهاء ".
قال أبو سعيد: النفس مؤنث وقد حمل على المعنى في قولهم ثلاثة أنفس إذا أريد به الرجال.
قال الشاعر وهو الحطيئة:
ثلاثة أنفس وثلاث ذود لقد جار الزمان على عيالي (١)
_________________
(١) انظر ديوان الحطيئة: ١٢٠، والخزانة: ٣/ ٣٠١، والخصائص: ٢/ ٢١٤، ومجالس ثعلب: ٣٠٤.
[ ٤ / ٢٩٧ ]
يريد ثلاثة أناسيّ.
قال: وتقول: ثلاث نسابات " وهو قبيح وذلك أن النسابة صفة فكأنه لفظ بمذكره ثم وصفه ولم يجعل الصفة تقوى قوة الاسم فإنا يجيء كأنك لفظت بالمذكر ثم وصفته كأنك قلت ثلاثة رجال نسابات.
وتقول: (ثلاث دواب) إذا أردت المذكر، لان أصل (الدّابّة) عندهم صفة، وإنما هي من (دببت) فأجروها على الأصل، وإن كان لا يتكلم بها إلا كما يتكلم بالأسماء كما أن (أبطح) صفة واستعمل استعمال الأسماء.
قال أبو سعيد: الأصل أن أسماء العدد تفسر بالأنواع فيقال: " ثلاثة رجال " و(أربعة أثواب) فلذلك لم يعمل على تأنيث ما أضيف إليه، إذ كان صفة وقدر قبله الموصوف وجعل حكم تذكير العدد على ذلك الموصوف فيكون التقدير ثلاثة رجال نسابات وثلاثة ذكور دواب وإن كانوا قد حذفوا الموصوف في دابة لكثرته في كلامهم كما أن أبطح صفة في الأصل لأنهم يقولون: (أبطح وبطحاء) كما يقال: (أحمر وحمراء) وهم يقولون:
(كنا في الأبطح ونزلنا في البطحاء) فلا يذكرون الموصوف كأنهما اسمان.
قال سيبويه: " وتقول ثلاثة أفراس إذا أردت المذكر؛ لأن الفرس قد ألزموه التأنيث وصار في كلامهم للمؤنث أكثر منه للمذكر حتى صار بمنزلة القدم كما أن النفس في المذكر أكثر.
قال أبو سعيد: أتت ثلاث أفراس في هذا الموضع؛ لأن لفظ الفرس مؤنث وإن وقع على مذكر. وقد ذكره في الباب الأول حيث قال (خمسة أفراس). إذا كان الواحد مذكرا وهذا (في) المعنى.
قال سيبويه: وتقول (سار خمس عشرة) من بين يوم وليلة، لأنك ألقيت الاسم على الليالي ثم بيّنت فقلت: (من بين
يوم وليلة) ألا ترى أنك تقول: (لخمس بقين أو خلون) ويعلم المخاطب أن الأيام قد دخلت في الليالي، فإذا ألقى الاسم على الليالي اكتفى بذلك عن ذكر الأيام كما أنه يقول: (أتيته ضحوة وبكرة) فيعلم المخاطب أنها ضحوة يومه وبكرة يومه وأشباه هذا في الكلام فإنما قوله: (من بين يوم وليلة) توكيد بعد ما وقع على الليالي لأنه قد علم أن الأيام داخلة مع الليالي.
وقال الشاعر وهو الجعدي:
[ ٤ / ٢٩٨ ]
فطافت ثلاثا بين يوم وليلة وكان النكير أن تضيف وتجأرا (١)
قال أبو سعيد: اعلم أن الأيام والليالي إذا اجتمعت غلب التأنيث على التذكير وهو على خلاف المعروف من غلبة التذكير على التأنيث في عامة الأشياء.
والسبب في ذلك أن ابتداء الأيام الليالي؛ لأن دخول الشهر الجديد من شهور العرب برؤية الهلال والهلال يرى في أول الليل فتصير الليلة مع اليوم الذي بعدها يوما في حساب أيام الشهر والليلة هي السابقة فجرى الحكم لها في اللفظ.
فإذا أبهمت ولم تذكر الأيام ولا الليالي جرى اللفظ على التأنيث فقلت: (أقام زيد عندنا ثلاثا). تريد ثلاثة أيام وثلاث ليال، قال الله ﷿: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (٢) يريد عشرة أيام مع الليالي فأجرى اللفظ على الليالي وأنث، ولذلك جرت العادة في التواريخ بالليالي، فيقال: (لخمس خلون) و(لخمس بقين) يريد لخمس ليال، وكذلك: " لاثنتي عشرة ليلة " خلت فلذلك قال: (سار خمس عشرة)، فجاء بها على تأنيث الليالي.
ثم وكد بقوله: (من بين يوم وليلة) ومثله قول النابغة:
فطافت ثلاثا بين يوم وليلة
ومعنى البيت أنه يصف بقرة وحشية فقدت ولدها فطافت ثلاث ليال وأيامها، تطلبه، ولم تقدر إن تنكر من الحال التي دفعت إليها أكثر من أن " تضيف " ومعناه تشفق، وتحذر، وتجأر معناه تصيح في طلبها له.
قال سيبويه: " وتقول: أعطاه خمسة عشر بين عبد وجارية " لا يكون في هذا إلا هذا " لأن المتكلم لا يجوز أن يقول له خمسة عشر عبدا فيعلم أن ثمّ من الجواري بعدتهم، ولا خمس عشرة جارية، فيعلم إن ثم من العبيد بعدتهن فلا يكون هذا إلا مختلطا يقع عليهم الاسم الذي بيّن به العدد "
قال أبو سعيد: بيّن الفرق بين هذا، وبين خمس عشرة ليلة، لأن خمس عشرة ليلة يعلم أن معها أياما بعدتها.
_________________
(١) انظر ديوانه: ٦٤، والخزانة: ٣/ ٣١٧، والمغني: ٦٦٠.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٣٤.
[ ٤ / ٢٩٩ ]
إذا فإذا قلت خمس عشرة بين يوم وليلة فالمراد خمس عشرة ليلة وخمسة عشر يوما وإذا قلت خمسة عشر من بين عبد وجارية فبعض الخمسة عشر عبيد وبعضها جوار فأختلط المذكر والمؤنث وليس ذلك في الأيام فوجب التذكير.
قال سيبويه: " وقد يجوز في القياس خمسة عشر من بين يوم وليلة وليس بحر كلام العرب "
قال أبو سعيد: إنما جاز ذلك؛ لأنا قد نقول: ثلاثة أيام ونحن نريدها مع لياليها كما نقول: ثلاث ليال ونحن نريدها مع أيامها، قال الله تعالى لزكريا ﵇: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا (١) آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (٢) وهي قصة واحدة.
قال سيبويه: (وتقول: ثلاث ذود، لأن الذود أنثى وليس باسم كسر عليه مذكر).
قال أبو سعيد: ثلاث ذود يجوز أن تريد بهن ذكورا وتؤنث اللفظ كقولك: ثلاث من الإبل فالزود بمنزلة الإبل والغنم.
قال سيبويه: (وأما ثلاثة أشياء فقالوها، لأنهم جعلوا أشياء بمنزلة أفعال، لو كسروا عليها " فعلا " وصار بدلا من أفعال.
قال أبو سعيد: يريد أن (أشياء) وإن كان مؤنثا لا يشبه (الزود) وكان حق هذا على موضوع سيبويه الظاهر أن يقال: (ثلاث أشياء)، لأن (أشياء) مؤنث واحد موضوع للجمع على قوله وقول الخليل لأن وزنه عنده (فعلاء) وليس بمكسر كما أن غنما وإبلا وذودا أسماء مؤنثة وليست بجموع مكسورة.
فجعل واحد كل اسم من هذه الأسماء كأنه مؤنث فقال: جعلوا (أشياء) وهي التي لا تنصرف ووزنها (فعلاء) نائبة عن جمع شيء لو كسر على القياس، وشيء إذا كسر على القياس فحقه أن يقال (أشياء) كما يقال: (بيت وأبيات) و(شيخ وأشياخ) فقالوا: (ثلاثة أشياء) كما يقال (ثلاثة أشياء) لو كسروا شيئا على القياس.
قال سيبويه: " ومثل ذلك ثلاثة (رجلة) في جمع رجل، لأن رجلة صار بدلا من أرجال ".
قال أبو سعيد: أراد إنهم قالوا: ثلاثة رجلة ورجلة مؤنث وليس بجمع مكسر لأن
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ٤١.
(٢) سورة مريم، الآية: ١٠.
[ ٤ / ٣٠٠ ]
(فعلة) ليس في المجموع المكسرة لأنهم جعلوا (رجلة) نائبا عن (أرجال) ومكتفي بها من (أرجال) وكان القياس أن يقال: (ثلاثة أرجال) لأن (رجلا) وزنه وزن (عجز) و(عضد) ويجمع على (أعجاز) و(أعضاد) وليست الإبل والغنم والذود من ذلك، لأنه لا واحد لها من لفظها قال سيبويه: وزعم يونس عن رؤبة أنه قال: (ثلاث أنفس على تأنيث النفس) كما يقال (ثلاث أعين للعين من الناس) وكما يقال (ثلاثة أشخص) في النساء.
قال الشاعر:
وإنّ كلابا هذه عشر أبطن وأنت بريء من قبائلها العشر (١)
يريد عشر قبائل لأنه يقال للقبيلة بطن من بطون العرب.
وقال الكلابيّ:
قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة وللسّبع خير من ثلاث وأكثر (٢)
فقال: (وأنتم ثلاثة) فذكّر على تأويل (ثلاثة أبطن) أو (ثلاثة أحياء) ثم ردها إلى معنى القبائل فقال: و(للسبع خير من ثلاث) على معنى (ثلاث قبائل).
وقال عمر بن أبي ربيعة:
فكان نصيري دون من كنت أتقى ثلاث شخوص كاعيان ومعصر (٣)
فأنث الشخوص، لأن المعنى ثلاث نسوة.
ومما يقوى الحمل على المعنى وإن لم يكن من العدد ما حكاه أبو حاتم عن أبي زيد أنه سمع من الأعراب من يقول إذا قيل: (أين فلانة؟) وهي قريبة: (ها هوذه) قال:
فأنكرت ذلك عليه فقال: (قد سمعته من أكثر من مائة من الأعراب).
وقال: " قد سمعت من يفتح الذال فيقول: ها هوذا، فهذا يكون محمولا مرة على الشخص ومرة على المرأة، وإنما المعروف (ها هي ذه) والمذكر " ها هوذا ".
وزعم أبو حاتم أن أهل مكة يقولون: (هوذا) وأهل مكة أفصح من أهل العراق، وأهل المدينة أفصح من أهل مكة، فهذه شيء عرض.
ثم نعود إلى باب العدد، وكان الفراء لا يجيز أن ينسق على المؤنث بالمذكر ولا على
_________________
(١) البيت للنواح الكادبي انظر الكامل: ٥/ ٢٧٠، الخصائص: ٢/ ٤١٧.
(٢) انظر طبقات الشعراء: ١٦٦، المخصص: ١٧/ ١١٧.
(٣) ديوان عمر بن أبي ربيعة: ٩٢، الخزانة: ٣/ ٣١٢، العيني: ٤/ ٤٨٣، الخصائص: ٢/ ٤١٧.
[ ٤ / ٣٠١ ]
المذكر بالمؤنث وذلك انك إذا قلت: (عندي ستة رجال ونساء) فقد عقدت (أن عندك ستة رجال فليس لك أن تجعل) بعضهم مذكرا وبعضهم مؤنثا وقد عقدت إنهم مذكرون.
وإذا قلت: (عندي ثلاث بنات عرس وأربع بنات آوى) كان الاختيار أن تدخل الهاء في العدد فتقول: (عندي ثلاثة بنات عرس) و(أربعة بنات آوى).
(وإنما كان) الاختيار أن تدخل الهاء في العدد، لان الواحد (ابن عرس) و(ابن آوى).
وقال الفراء: " كان بعض من مضى من أهل النحو يقول: " ثلاث بنات عرس "، و" ثلاث بنات آوى " وما أشبه ذلك مما يجمع بالتاء من الذكران ويقولون: لا يجتمع (مع التاء) (ثلاثة)، ولكنا نقول: (ثلاث بنات عرس ذكور)، و(ثلاث بنات آوى) وما أشبه ذلك. " ولم يصنعوا شيئا، لأن العرب تقول: (لي حمامات ثلاثة) و(الطلحات الثلاثة عندنا)، يريدون رجالا أسماؤهم الطلحات.
هذا باب ما لا يحسن أن تضيف إليه الأسماء التي تبين بها العدد إذا جاوزت الاثنين إلى العشرة
وذلك الوصف تقول: (هؤلاء ثلاثة قرشيون) و(ثلاثة مسلمون)، و(ثلاثة صالحون) فهذا وجه الكلام كراهية أن تجعل الصفة كالاسم إلا أن يضطر شاعر، وهذا يدلك على أن " النسابات " إذا قلت: " ثلاثة نسابات " إنما يجئ كأنه وصف لمذكر، لأنه ليس موضعا يحسن فيه الصفة، كما يحسن الاسم، فلما لم يقع إلا وصفا صار المتكلم كأنه قد لفظ بمذكرين ثم وصفهم بها. قال الله ﷿: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها (١).
قال أبو سعيد: قد تقدم من الكلام أن العدد حقه أن يبين بالأنواع لا بالصفات، فلذلك لم يحسن أن تقول (ثلاثة قرشيين)؛ لأنهم ليسوا بنوع وإنما ينبغي أن تقول: (ثلاثة رجال قرشيين) وليس إقامة الصفة مقام الموصوف بالمستحسنة في كل موضع، وربما جرت الصفة في كلامهم مجرى الموصوف فيستغنى بها لكثرتها عن الموصوف كقولك:
(مررت بمثلك)، ولذلك قال ﷿: (فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) أي عشر حسنات أمثالها.
هذا باب تكسير الواحد للجمع
أما ما كان من الأسماء على ثلاثة أحرف. وكان (فعلا) فإنك إذا ثلثته إلى أن تعشره
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٦٠.
[ ٤ / ٣٠٢ ]
فإن تكسيره (أفعل). وذلك قولك (كلب) و(أكلب)، و(كعب) و(أكعب)، و" (فزع) و(أفزع) و(نسر) و(أنسر) ".
فإذا جاوز العدد هذا فإن البناء قد يجئ على (فعال) وعلى (فعول) وذلك قولك:
(كلاب) و" (كباش) " و(بغال "). وأما الفعول ف (نسور)، و(بطون) وربما كانت فيه اللغتان فقالوا: (فعول) و(فعال ") وذلك قولهم: (فروخ)، و(فراخ)، و(كعوب) و(كعاب) و(فحول) و(فحال).
ومما جاء (فعيلا) وهو قليل نحو: (الكليب) و(" العبيد) والمضاعف يجري هذا المجرى، وذلك قولك: (ضبّ) و(أضبّ) و(ضباب)، كما قلت: (كلب) و(أكلب) و(كلاب)، و(صكّ) و(أصكّ) و(صكاك) و(صكوك) كما قالوا: (فرخ) و(أفرخ) و(فراخ) و(فروخ)، و(بت) و(أبتّ) و(بتوت) و(بتات).
كما قالوا: (كلب) و(كلبان) و(أكلب) و(كلاب) و(دلو) و(دلوان) و(أدل) و(دلاء) و(ثدي) و(ثديان) و(أثد) و(ثديّ).
كما قالوا: (أصقر) و(صقور).
ونظير (فراخ) و(فروخ) قولهم: (الدلاء) و(الدّلىّ).
واعلم أنه قد يجيء في فعل (أفعال) مكان أفعل.
قال الشاعر، الأعشى:
وجدت إذا اصطلحوا خيرهم وزندك أثقب أزنادها (١)
وليس ذلك بالباب في كلام العرب.
ومن ذلك قولهم: (أفراخ) و(أجداد) و(أفراد) و(أحدّ عربية) وهي الأصل. و(رأد) و(أرآد) و(الرأد) أصل الّلجييين.
وربما كثر الفعل على (فعلة) كما كسر على (فعال) و(فعول)، وليس ذلك بالأصل.
وذلك قولهم: (جب) وهو الكمأة الحمراء، و(جبأة) و(فقع) وفقعة، وقعب وقعبة.
وقد يكسر على (فعولة وفعالة)، فيلحقون هاء التأنيث البناء وهو القياس أن يكسر عليه وزعم الخليل أنهم إنما أرادوا أن يحققوا التأنيث. وذلك نحو (الفحالة) و(البعولة)
_________________
(١) الديوان: ٧٣، والعيني: ٤/ ٥٢٦، وابن يعيش: ٥/ ١٦، وابن الشجري: ١/ ٣٢٩.
[ ٤ / ٣٠٣ ]
و(العمومة).
والقياس في (فعل) ما ذكرنا.
وأما ما سوى ذلك فلا يعلم إلا بالسمع ثم نطلب النظائر، كما أنك تطلب نظائر الأفعال هاهنا، فتجعل نظير (الأزناد) قول الشاعر وهو الأعشى:
إذا روّح الرّاعي الّلقاح معزّيا وأمست على آنافها عبراتها (١)
وقد يجيء " خمسة كلاب " يراد به خمسة من الكلاب كما تقول: (هذا صوت كلاب) أي هذا من هذا الجنس. وكما تقول: (هذا حبّ رمّان).
وقال الراجز:
كأنّ خصيّيه من التّدلدل ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل (٢)
وقال الآخر:
قد جعلت ميّ على الظّرار خمس بنان قانئ الأظفار (٣)
وما كان على ثلاثة أحرف وكان (فعلا) فإنك إذا كسّرته لأدنى العدد بنيته على (أفعال).
وذلك قولك: (جمل) و(أجمال)، و(جبل) و(أجبال)، و(أسد) و(آساد)، فإذا جاوزوا به أدنى العدد فإنه يجيء على (فعال وفعول).
فأما الفعال فنحو (جمال وجبال)، وأما الفعول فنحو (أسود) و(ذكور) والفعال في هذا أكثر.
وقد يجيء إذا جاوزوا به أدنى العدد على (فعلان وفعلان).
فأما (فعلان) فنحو (خربان) وبرقان وورلان. وأما (فعلان) فنحو:
_________________
(١) ديوان الأعشى: ٦٤، وابن يعيش: ٥/ ١٧.
(٢) البيت لخطام المجاشعي انظر الخزانة: ٣/ ٣١٤، وابن يعيش: ٣/ ١٤٣، ١٤٤، وابن الشجري: ١/ ٢٠.
(٣) انظر اللسان مادة (بنان)، والمخصص: ٢/ ٧، والمقتضب: ٢/ ١٥٩.
[ ٤ / ٣٠٤ ]
(حملان) و(سلعان) فإذا لم تجاوز أدنى العدد قلت: (أبراق) و(أحمال) و(أوراك) و(أحزان) و(سلق) وأسلاق).
وربما جاء (الأفعال) يستغنى به أن يأسر الاسم على البناء الذي هو لأكثر العدد، فيعني به ما عني بذلك البناء من العدد، وذلك نحو: (قتيب وأقتاب) و(رسن) و(أرسان) ونظير ذلك من باب الفعل (الأكفّ والأرآد).
وقد يجيء الفعل (فعلانا)، وذلك قولك: (ثغب وثغبان). و(الثّغب: الغدير) و(بطن) و(بطنان)، و(ظهر) و(ظهران).
وقد يجيء على (فعلان) وهو أقلهما نحو: (حجل وحجلان)، ورأل ورئلان، وجحش و(جحشان) و(عبد) و(عبدان).
وقد يلحقون (الفعال) الهاء، كما ألحقوا (الفعال) التي في (الفعل).
وذلك قولهم في (جمل): (جمالة)، و(حجر): (حجارة)، و(ذكر): (ذكارة) وذلك قليل. والقيان على ما ذكرنا.
وقد كسّر على (فعل) وذلك قليل، كما أن (فعلة) في باب (فعل) قليل، وذلك نحو:
(أسّد) و(أسد) بلغنا أنها قراءة. وبلغني أن بعض العرب يقول: (نصف) و(نصف).
وربما كسروا فعلا على «أفعل» كما كسّروا فعلا على (أفعال) وذلك قولك:
(زمن) و(أزمن). وبلغنا أن بعضهم يقول: (جبل) و(أجبل). وقال الشاعر وهو ذو الرمة:
أمنزلأيّ منّ سلام عليكما هل الأزمن اللّائي مضين رواجع (١)
وبنات الياء والواو تجري هذا المجرى، قالوا: (قفا وأقفاء)، و(قفيّ) و(عصى)، و(عصيّ) و(صفا) و(أصفاء) و(صفيّ)، كما قالوا: (آساد) و(أسود)، و(أشعار) و(شعور).
وقالوا: (رحى) و(أرحاء) فلم يكسّروها على غير لك، كما لم يكسّروا الأرسان والأقدام على غير ذلك ولو فعلوا كان قياسا ولكني لم أسمعه.
وقالوا: (عصى) و(أعصى)، كما قالوا: (أزمن)، وقالوا: (عصيّ) كما قالوا: (أسود) ولا نعلمهم قالوا: (أعصاء)، جعلوا (أعصى) بدلا من (أعصاء) جعلوا هذا بدلا منها.
وتقول في المضاعف: (لبّب) و(ألبّاب)، و(مدد) و(أمداد)، و(فنن) و(أفنان)، ولم يجاوزا الأفعال كما لم يجاوزوا الأقدام والأرسان والأغلاق.
_________________
(١) ديوانه ص ٥٠، والكامل ٣٧، والمخصص ٩/ ٦٣، وابن يعيش ٥/ ١٧.
[ ٤ / ٣٠٥ ]
والثبات في باب فعل على الأفعال أكثر من الثبات في باب فعل على الأفعال.
فإن بنى المضاعف على فعال أو فعول أو فعلان أو فعلان فهو القياس على ما ذكرنا، كما جاء المضاعف في باب
فعل على قياس غير المضاعف فكل شيء دخل المضاعف مما دخل الأول فهو له نظير.
وقالوا: الحجار فجاءوا به على الأكثر والأقيس، وهو في الكلام قليل.
قال الشاعر:
كأنها من حجار الفيل ألبسها مضارب الماء لون الطّحلّب اللّزب (١)
وما كان على ثلاثة أحرف وكان (فعلا) فإنما تكسّره من أبنية أدنى العدد على (أفعال) وذلك نحو: (كتف) و(أكتاف) و(كبد) و(أكباد)، و(فخذ) و(أفخاذ) و(نمر) و(أنمار) وقلما يجاوزون به؛ لأن هذا البناء نحو (كتف) أقل من (فعل) بكثير، كما أن (فعلا) أقل من (فعل). ألا ترى أن ما لزم منه بناء الأقل أكثر، فلم يفعل به ما فعل بفعل إذ لم يكن كثيرا مثله كما لم يجئ في مضاعف فكل ما جاء في مضاعف فقل لقلته.
ولم يجئ في بنات الياء والواو من فعل «جميع ما جاء في بنات الياء والواو من فعل» لقلتها وهي على ذلك أكثر من المضاعف. وذلك أن (فعلا) أكثر من (فعل). وقد قالوا:
النّمور والوعول شبهوها بالأسود وهذا النحو قليل، فلما جاز لهم أن يثبتوا في الأكثر على أفعال كانوا له في الأقل ألزم.
وما كان على ثلاثة أحرف وكان (فعلا) فهو بمنزلة (الفعل) وهو أقل، وذلك قولك: (قمع) و(أقماع)، و(معّى) و(أمعاء)، و(عنب) و(أعناب)، و(ضلع) و(أضلاع) و(إرم) و(آرام)، وقد قالوا: (الضّلوع) و(الأروم) كما قالوا (النمور)، وقد قال بعضهم:
(الأضلع)، شبها ب (الأزمن).
وما كان على ثلاثة أحرف وكان (فعل) فهو ك (فعل) و(فعل)، وهو أقل في الكلام منهما وذلك قولك: (عجز) و(أعجاز)، و(عضد) و(أعضاد). وقد بني على (فعال) قالوا: (أرجل) و(رجال)، و(سبع) و(سباع)، جاءوا به على (فعال) كما جاءوا ب (الضّلع) على (فعول). و(فعال) و(فعول) أختان وجعلوا أمثلته على بناء لم يكسّر عليه واحده، وذلك قولهم: (ثلاثة رجلة)، واستغنوا بها عن (أرجال).
_________________
(١) البيت بالكتاب ٣/ ٥٧٢، وابن يعيش ٥/ ١٨، والمخصص ١٠/ ٩٠، واللسان (حجر).
[ ٤ / ٣٠٦ ]
وما كان على ثلاثة أحرف وكان (فعلا) فهو بمنزلة الفعل، لأنه (قليل) مثله، وهو قولك: (عنق وأعناق)، و(طنب) و(أطناب)، و(أذن) و(آذان)
وما كان على ثلاثة أحرف وكان (فعلا) فإن العرب تكسّره على (فعلان) وإن أرادوا أدنى العدد لم يجاوزوه، واستغنوا به كما استغنوا ب (أفعل) و(أفعال) فيما ذكر ذلك، فلم يجاوزوه في القليل والكثير وذلك قولك: (صرد) وصردان، و(نغر) و(نغران) و(جعل) و(جعلان) و(خزز) وخزّان. وقد أجرت العرب شيئا منه مجرى فعل وهو قولهم (ربع) و(أرباع)، و(رطب) و(أرطاب)، كقولك: (جمل) و(أجمال).
وقد جاء من الأسماء (اسم) واحد على (فعل) لم نجد مثله، وهو (إبل) وقالوا: آبال، كما قالوا: (أكتاف) فهذه حال ما كان على ثلاثة أحرف وتحركت حروفه جمع، وقال الراجز:
فيها عبايبل أسود ونمر
ففعل به ما فعل بالأسد حين قال: أسد.
وما كان على ثلاثة أحرف وكان (فعلا) فإنه إذا كسّر على ما يكون لأدنى العدد كسّر على (أفعال)، ويجاوزون به بناء أدنى العدد فيكسّر على (فعول وفعال) والفعول فيه أكثر فمن ذلك قولهم (حمل) و(أحمال) و(حمول) و(عدل) و(أعدال) و(عدول) و(جذع) و(أجذاع) و(جذوع) و(عرق) و(أعراق) و(عروق) و(عذق) و(أعذاق) و(عذوق).
وأما الفعال فنحو: (بئر) و(أبار) و(بئار)، و(ذئب) و(ذئاب)، وربما لم يجاوزوا أفعالا في هذا البناء كما لم يجاوزوا الأفعل والأفعال فيما ذكرنا، وذلك نحو (خمس) و(أخماس)، و(ستر) و(أستار)، و(شبر) و(أشبار) و(طمر) و(أطمار)
وقد يكسّر على (فعلة) نحو: (قرد) و(قردة) و(حسل) و(حسلة) و(أحسال) إذا أردت بناء أدنى العدد. فأما (القردّة) فاستغنى بها عن (أقراد) كما قالوا: (ثلاثة شموع) فاستغنوا بها عن (أشماع). وقالوا: (ثلاثة قروء) فاستغنوا بها عن (ثلاثة أقروء). وربما بنى (فعل) على (أفعل) من أبنية أدنى العدد، وذلك قولهم: (ذئب) و(أذؤب)، و(قطع) و(أقطع) و(جرو) و(أجر)، وقالوا: (جراء) كما قالوا: (ذئاب)، و(رجل) و(أرجل) إلا أنهم لا يجاوزون الأفعّل كما أنهم لم يجاوزوا (الأكفّ). وبقية المضاعف هاهنا وبنات الياء والواو كقصتها في باب فعل، وقالوا: (نحى) و(أنحاء) و(نحاء) كما قالوا: (أبار) و(بئار) وقالوا في جمع (نحى): (نحىّ) كما قالوا: (لص) و(لصوص)، وقالوا في الذئب: (ذؤبان)
[ ٤ / ٣٠٧ ]
جعلوه ك (ثغب) و(ثغبان). وقالوا: (اللّصوص) في (اللص). كما قالوا: (القدور) في (القدر) و(أقدر) حين أرادوا بناء الأقل.
وكما قالوا: (فرخ) و(أفراخ) و(فراخ) قالوا: (قدح) و(أقداح) و(قداح) جعلوها كفعل. وقالوا: (رئد) و(رئدان) كما قالوا: (صنو) و(صنوان) و(قنو) و(قنوان)، وقال بعضهم: (صنوان) و(قنوان) كقوله: (ذؤبان) والرئد: فرخ الشجرة.
وقالوا: (شقذ) و(شقذان). و(الشّقذ): ولد الحرباء. وقالوا: (صرم) و(صرمان)، كما قالوا: (ذئب) و(ذؤبان). وقالوا: (ضرس) و(ضريس) كما قالوا: (كليب) و(عبيد).
وقالوا: (زقّ) و(زقاق) و(أزقاق)، كما قالوا: (بئر) و(بئار) و(أبار) وقال: (زقّان) كما قالوا: (ذؤبان).
وأما ما كان على ثلاثة أحرف وكان (فعلا)، فإنه يكسر من أبنية أدنى العدد على (أفعال). وقد يجاوزون به بناء أدنى العدد فيكسرونه على (فعول وفعال)، و(فعول) أكثر، وذلك قولهم: (جند وأجناد وجنود) و(برد وأبراد وبرود) و(برج وأبراج وبروج)، وقالوا:
(جرح) و(جروح) ولم يقولوا: (أجراح)، كما لم يقولوا: (أفراد).
وأما الفعال فقولهم: (جمد وأجماد وجماد)، و(قرط وأقراط وقراط). والفعال في المضاعف منه كثير، وذلك قولهم: (أخصاص) و(خصاص)، و(أعشاش) و(عشاش)، و(أقفاف) و(قفاف)، و(أخفاف) و(خفاف) تجريه مجرى: (أجماد)، و(جماد) وقد يجيء إذا جاوز بناء أدنى العدد على (فعلة) نحو: (جحر وأجحار وجحرة). قال الشاعر:
كرام حين تنكفث الأفاعي إلى أجحارهنّ من الصّقيع (١)
ونظيره من المضاعف (حبّ وأحباب وحبيه) نحو: (قلب وأقلاب وقلبة)، و(خرج) و(خرجه)، ولم يقولوا: أخراج كما لم يقولوا (أجراح)، و(صلب وأصلاب وصلبة) و(كرز وأكراز وكرزة) وهو كثير.
وربما استغنى بأفعال في هذا الباب فلم يجاوز، كما كان ذلك في (فعل) و(فعل)، وذلك نحو: (ركن) و(أركان)، و(جزء) و(أجزاء)، و(شفر) و(أشفار).
وأما بنات الياء والواو منه فقليل، قالوا: (مدى) و(أمداء)، لا يجاوزون به ذلك لقلته في هذا الباب وبنات الياء والواو أقل منها، في جميع ما ذكرنا.
_________________
(١) استشهد سيبويه به: ٣/ ٥٧٧ على جمع (حجر) على أحجار انظر المخصص: ٧/ ٧٦، المقتضب: ٢/ ١٩٧.
[ ٤ / ٣٠٨ ]
وقد كسّر حرف منه على (فعل) كما كسّر عليه (فعل) وذلك قولك للواحد: (هو الفلك) فتذكر، وللجميع: (هي
الفلك)، وقال الله ﷿: فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١) فلما جمع قال: وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ (٢) كقولك: (أسد) و(أسد) وهذا قول الخليل ومثله: (رهن) و(رهن) وقالوا: (ركن، وأركن).
وقال الراجز وهو رؤبة:
وزحم ركنيك شداد الأركن (٣)
كما قالوا: (أقداح) في (القدح)، وقالوا: (حشّن وحشّان وحشّان) كقولهم: (رئد) و(رئدان).
وأما ما كان على (فعلة) فإنك إذا أردت أدنى العدد جمعتها بالتاء وفتحت العين وذلك قولك (قصعة) و(قصعات)، و(صحفة) و(صحفات) و(جفنة) و(جفنات) و(شفرة) و(شفرات) و(جمرة) و(جمرات).
فإذا جاوزت أدنى العدد كسّرت على (فعال)، وذلك: (قصعة) و(قصاع)، و(جفنة) و(جفان)، و(شفرة) و(شفار) و(جمرة) و(جمار). وقد جاء على (فعول) وهو قليل وذلك قولك: (بدرة) و(بدور) و(مأنه) و(مؤون)، فأدخلوا فعولا في هذا الباب لأن فعالا وفعولا أختان، فأدخلوها هاهنا كما دخلت في باب فعل مع فعال.
غير أنه في هذا الباب قليل وقد يجمعون بالتاء وهم يريدون الكثير.
وقال الشاعر، وهو حسان بن ثابت:
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما (٤)
فلم يرد أدنى العدد.
وبنات الياء والواو بتلك المنزلة، تقول: (ركوة) و(ركاء) و(ركوات)، و(قشوة) و(قشاء) و(قشوات)، و(غلوة) و(غلاء) و(غلوات)، و(ظبية) و(ظباء) واظبيات،
وقالوا: (جديات الرّحل) ولم يكسروا الجدية على (بناء) الأكثر استغناء بهذا، إذ جاز أن يعنوا به الكثير.
_________________
(١) سورة يس، الآية: ٤١.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٦٤.
(٣) انظر ديوان الشاعر: ١٦٤، والمقرب: ٩٤، واللسان: (ركن)، والبيت من مشطور الرجز.
(٤) انظر ديوان الشاعر: ٣٧١، الخزانة: ٣/ ٤٣٠، وابن يعيش: ٥/ ١٠، المقتضب: ٢/ ١٨٨.
[ ٤ / ٣٠٩ ]
والمضاعف من هذا البناء بتلك المنزلة، تقول: (سلّة وسلال وسلات)، و(دبة ودباب ودبّات).
وأما ما كان (فعلة) فهو في أدنى العدد وبناء الأكثر بمنزلة «فعلة» وذلك قولك:
(رحبة ورحبات ورحاب)، و(رقبة ورقبات ورقاب) وإن جاء شيء من بنات الياء والواو والمضاعف أجرى هذا المجرى إذ كان مثل ما ذكرنا ولكنه عزيز.
وأما ما كان (فعله) فإنك إذا كسرته على بناء أدنى العدد ألحقت التاء وحركت العين بضمه، وذلك قولك: (كمه) قالوا (سرّة وسرّات وسرر) و(جدّة وجدّات وجدد) وهي الخط يكون في الشيء من غير لونه ولا يحركون العين، لأنها كانت مدغمة، ولا يقولون في (جدة جددات) ولا في (سرّة سررات) لأنهم يطلبون الإدغام فيما كان فيه حرفان من جنس واحد فلا يبطلونه في الجمع. ولهم عنه مندوحة إلى جمع آخر.
قال: و(الفعال) كثير في المضاعف نحو (جلة وجلال) و(قبّة وقباب) و(جبّة وجباب).
قال: وما كان على (فعلة) فإنك إذا كسّرته على بناء أدنى العدد أدخلت التاء وحركت العين بكسرة وذلك قولك: (قربات) و(سدرات) و(كسرات).
ومن العرب من يفتح العين كما فتحت عين (فعلة) وذلك قولك: (قربات) و(سدرات) فإذا أردت بناء الأكثر قلت: (سدر) و(قرب) و(كسر)، ومن قال: (غرفات) قال (كسرات) (وقد) يريدون الأقل فيقولون: (كسر) و(فقر).
وذلك أن (غرفات) أكثر في كلامهم من (كسرات وفقرات) لأن التقاء الكسرتين في كلمة أقل من التقاء ضمتين، ألا ترى أنه ليس في الكلام فعل إلا (إبل)، وقال بعضهم:
(إطل) و(بلز) وفعل كثير في الكلام كقولك (جنب) و(عنق) و(عطل) وأشباه لذلك كثير.
قال سيبويه: وذلك لقلة استعمالهم التاء في هذا الباب لكراهية الكسرتين، والتاء في الفعلة أكثر لأن ما يلتقي في أوله كسرتان قليل.
قال: وبنات الياء والواو بهذه المنزلة تقول: (لحية) و(لحى)، و(فرية وفرى) و(رشوة) و(رشا) ولا يجمعون بالتاء كراهية أن تجيء الواو بعد كسرة فاستثقلوا الياء هنا بعد كسرة فتركوا هذه استثقالا واجتزؤوا ببناء الأكثر.
يعني أنهم لا يكادون يجمعون (فرية)، و(لحية) و(رشوة) بالألف والتاء، لئلا يلزمهم
[ ٤ / ٣١٠ ]
كسر الثاني وقد عرفتك أن التقاء الكسرتين في الصحيح قليل فكيف في المعتل، ولو فعلوا ذلك في (رشوة) لزمهم (رشيات)، وقلب الواو ياء فلم يجز ذلك في (رشوة) كما لم يجز في (مدية) (فعلات).
وأما (لحية) و(فرية) فيجوز فيهما لأنه لا ينقلب فيهما حرف إلى حرف.
وقال غير سيبويه قد جاء في فعلة من هذا الباب (ما) على فعل قال: (وهما لحية) و(لحى) و(حلية) و(حلى) والكسرة فيها أجود.
قال: والمضاعف منه كالمضاعف من (فعلة) وذلك قولهم (قدّة) و(قدّات) و(قدد) و(ربّة) و(ربّات) و(ربب)، و(عدّة المرأة) و(عدّات) و(عدد).
و(القدة) القطعة من الناس وغيرهم، و(الرّبة) نبت.
قال: وقد كسّرت (فعلة) على (أفعل) وذلك قليل عزيز ليس بالأصل قالوا:
(نعمة) و(أنعم) و(شدّة) و(أشدّ).
قال أبو سعيد: وهذا بعينه قول الفراء.
وقال أبو عبيدة: معمر بن المثنى: أشدّ جمع لا واحد له.
وقال غير أبي عبيدة: (أشد) جمع (شدّ) كما قالوا: (قدّ)، وقال أبو العباس محمد بن يزيد: أنعم عندنا (جمع) المصدر وهو (نعم) على القياس وكذا قال في (أشدّ) جمع (شدّ).
قال سيبويه: فأما (الفعلة) فإذا كسّرت على بناء الجمع، ولم تجمع بالتاء كسّرت على (فعل) وذلك قوله: (نقمة) و(نقم) و(معدة) و(معّد).
قال أبو سعيد: ومثل هذا قليل، ولا يستمر قياسه، لا يقال في (خلفة) (خلف) ولا في (كلمة) (كلم)، ولا في (خربة) (خرب) وإنما جمع (نقمة) و(معدة) على (نقم) و(معد) لأنهم يقولون فيهما: (نقمة) و(معدة) ك (فريّة) و(كرّة) فجمع على ذلك.
قال: وأما (الفعلة) فتكسّر على فعل إن لمن تجمع بالتاء وذلك (تخمة) و(تخم) و(تهمة) و(تهم) وليس كل (رطبة) و(رطب)، ألا ترى أن (الرّطب) مذكر ك (البر) و(التمر) وهذا مؤنث ك (الظلم) و(الغرف).
قال أبو سعيد: أما (تخمّة) و(تخم)، فأنهم أجروا (فعلة) مجرى (فعلة) كما أجروا (فعلة) مجرى (فعلة)، ألا ترأهم قالوا: (رقبة) و(رقاب) كما قالوا (جفنة) و(جفان)، وكذلك (تخمة) كأنهم قالوا: (تخمة) مثل (ظلمة) و(غرفة)، و(تخم) و(تهم) مثل
[ ٤ / ٣١١ ]
(غرف) و(ظلم).
وأما (الرطب) و(المصع) و(الرقع) مما قد ذكرناه في الأجناس فهو بمنزلة (تمر) و(تمرة) وهو اسم يقع للجنس مذكرا يجري مجرى الواحد ثم يفصل منه الواحد بزيادة الهاء. ولو صغرت (رطبا) لقلت: (رطيبا)، ولو صغرت (تخما) لقلت: (تخيمات) لأنه جمع مكسر. وإنما تجيء أسماء الأجناس فيما يخلق الله جمعه جملة. وقد تقدم ذلك بما أغنى عن إعادته. فاعرفه إن شاء الله تعالى.
هذا باب ما يكون واحدا يقع للجمع ويكون واحدة على بنائه من لفظه إلا أنه مؤنث تلحقه هاء التأنيث ليتبين الواحد من الجميع
فأما ما كان على ثلاثة أحرف وكان (فعلا) فهو نحو (طلح) والواحدة (طلحة) و(تمر) والواحدة (تمرة) و(نخل) والواحدة (نخلة).
قال أبو سعيد: قد كنا ذكرنا أن هذا الجمع يقع الاسم لنوعه كما يقع للواحد، لأنه نوع يخلقه الله جملة ثم تلحق الواحد منه علامة التأنيث بما أغنى عن استقصائه في هذا الموضع.
قال سيبويه: فإذا أردت أدنى العدد جمعت الواحد بالتاء وإذا أردت الكثير صرت إلى الاسم الذي يقع على الجمع ولم يكسر الواحد على بناء آخر، وربما جاءت " الفعلة " من هذا الباب " فعال "، وذلك قولك (سخلة) و(سخال) و(سخل) و(بهمة) و(بهام) و(بهم) و(طلحة) و(طلاح) و(طلح) شبهوها بالقصاع وقد قال بعضهم (صخرة) و(صخور) فجعلت بمنزلة (بدرة) و(بدور)، و(مأنة) و(مؤون) والمأنة تحت الكركرة. (١)
قال أبو سعيد: الباب في هذا النحو أن يكون الجمع الكثير منه غير مكسر، وإنما يكون اسم النوع الموضوع (للقليل والكثير والباب) أن يكون القليل منه بالألف والتاء كقولك: (نملة) للواحدة والكثير (نمل) والقليل (نملات)، و(برّة) للواحدة و(برّ) للكثير، و(برّات) للقليل، و(نبقة) للواحدة و(نبق) للكثير و(نبقات) للقليل.
وما جاء منه مكسرا فهو مشبه بما كان من غير هذا الباب مما يصنعه الآدميون ولم
_________________
(١) الكركرة بالكسر: رحى زور البعير أو صدر كل ذي خف. انظر القاموس: ٢/ ١٢٦، باب الكاف فصل الراء (كرّ).
[ ٤ / ٣١٢ ]
يقع الخلق على جملته، ويكثر ذلك فيما كثر استعمالهم له، وما لم يكثر فلا يكاد يجيء فيه ذلك، قالوا (نملة) و(نمل)، و(تينة) و(تين)، و(موزة) و(موز) و(سروة) و(سّرو) و(مروة) و(مرو)، ولم يجئ في شيء من ذلك جمع مكسر وقالوا (تمرة) و(تمر) و(تمور)، وقالوا:
(عنبة) و(عنب) و(أعناب)؛ لأنهم للتمر والعنب أكثر استعمالا.
قال سيبويه: وقالوا: (صعوة) و(صعو) و(صعاء) كما قالوا: (طلاح) ومثل ما ذكرنا (شريّة) و(شرى) و(هدية) و(هدى) (الشّوية): الحنظلة ومن المضاعف مثل (حبة) و(حبّ) و(قتّة) و(قتّ).
قال: وأما ما كان على ثلاثة أحرف وكان " فعلا " فإن قصته كقصة (فعل)، وذلك قولك (بقرة) و(بقرات) و(بقر)،
و(شجرة) و(شجرات) و(شجر)، و(خرزة) و(خرزات) و(خرز)، وقد كسّروا الواحد منه على (فعال) كما فعلوا ذلك في (فعل) قالوا: (أكمة) و(إكام)، و" أكم " و(جذبة) و(جذاب) و(جذب)، و(أجمة) و(إجام) و(أجم)، و(ثمرة) و(ثمار) و(ثمر) ونظير هذا من بنات الياء والواو قالوا (حصاة) و(حصى) و(حصيات)، و(قطاة وقطى وقطوات) وقالوا: (أضاء وأضا وإضاء). كما قالوا: (إكام) و(أكم) سمعنا ذلك من العرب.
والذين قالوا: (أكام) و(أكم) ونحوها شبهوها ب (الرحاب) ونحوها كما شبهوا الطّلاح وطلحة ب (جفنة) و(جفان).
قال أبو سعيد: الذي ذكره سيبويه في جمع (أكمة) في هذا الموضع " أكم " على أنه جنس و(إكام) على أنه جمع مكسر، وليس ذلك ببابه، لأنه ليس من مصنوعات الآدميين ثم قال: شبهوها ب (الرحاب) و(الرّحاب) جمع (رحبة) وهي من مصنوعات الآدميين، كما شبهوا (الطّلاح) جمع (طلحة) وليست من المصنوعة ب (جفنه) و(جفان) وهي من المصنوعات ويقال (أكمة) و(أكم) و(إكام) و(أكام) و(آكم) وكأن الذي قال: " آكام " جمع " أكّما " جمع التكسير كما يقال (جبل) و(أجبال).
والذي قال: (آاكم) جمع أكّما» على " آاكم " كما قالوا: " زمن وأزمن " وقد قالوا:
في (شجر أشجار) وفي " أجم آاجام " وقولهم: (أضاة) وهو الغدير و(إضاء) بمنزلة (إكام في أكمة) و(الجذبة): " الجمّارة ".
قال: وقد قالوا: " حلق " و" فلك " ثم قالوا: (حلقة) و(فلكة) فخففوا في الواحد حيث ألحقوه الزيادة وغيّر المعنى كما فعلوا ذلك في الإضافة وهو قليل وزعم يونس عن أبي
[ ٤ / ٣١٣ ]
عمرو أنهم يقولون حلقة ".
وكان في حاشية كتاب أبي بكر بن السراج وفي نسخة أخرى: " ومن العرب من يقول: (حلقة) و(حلق) وقد حكى أبو زيد (حلقة) و(حلق).
قال أبو سعيد: قولهم (حلق) و(فلك) في الجمع وفي الواحد (حلقة) و(فلكة) من الشاذ.
وشبه سيبويه شذوذه بما يغير في الإضافة وهي النسب.
ومما يخفف قولهم: " ربيعة " وفي النسب: " ربعىّ " و" نمر " وفي النسب " نمرىّ " وياء النسب تشبه في بعض المواضع هاء التأنيث لأنهم قالوا (زنجىّ) للواحد، و(رومي) للواحد. وللجمع: (زنج)، و(روم)، فياء النسب علامة الواحد كما كان الهاء علامة الواحد في (تمرة) و(طلحة).
وأما حلقة على ما حكى عن أبي عمرو " حلقة وحلق " فليس بشاذ؛ لأنه بمنزلة (شجرة) و(شجر).
والذي قال (حلقة) و(حلق) فليس ذلك أيضا بشاذ كشذوذ (حلقة) و(حلق) لأنهم قد قالوا (ضيعة) و(ضيع) و(بدرة) و(بدر).
قال: وأما ما كان " فعلا " فقصته كقصة (فعل) إلا أنا لم نسمعهم كسّروا الواحد على بناء سوى الواحد الذي يقع على الجميع، وذلك أنه أقل في الكلام من " فعل " وذلك قولك (نبق) و(نبقة) و(نبقات)، و(خربة) و(خربات) و(خرب)، و(لبنة) و(لبن) و(لبنات) و(كلمة) و(كلمات) و(كلم).
قال أبو سعيد: لا يكاد يجيء في هذا مكسر كما جاء في فعل كقولنا: صخر وصخور وفي (فعل) كقولنا (ثمر) و(ثمار) لكثرة (فعل) و(فعل) في الأبنية وقلة (فعل).
قال المازني: يقال: (نبقة) و(نبقة) و(نبقة) و(نبقة) أربع لغات.
قال سيبويه: " وأما ما كان " فعلا " فهو بمنزلته يعنى بمنزلة " فعل " وهو أقل منه يعني من (فعل) أراد أنه لا يكاد يكسر (فعلة) وهو أقل منه في الكلام.
وذلك نحو (عنبة) و(عنب) و(حداة) و(حدأ) و(حدآت) و(إبرة) و(إبر) و(إبرات) وهو فسيل المقل ".
قال: وأما ما كان " فعلة " فهو بهذه المنزلة وهو أقل من الفعل، وهو (سمرة) و(سمر)، و(ثمرة)، و(ثمر) و(ثمرات) و(سمرات)، و(فقرة) و(فقر) و(فقرات). والفقرة
[ ٤ / ٣١٤ ]
نبت ولا أعلم أحدا جاء بثمرة إلا سيبويه.
قال: وما كان " فعلا " فنحو: (بسر) و(بسرة) و(بسرات)، و(هدب)، و(هدّبة) وهدبات، وما كان " فعلا " فهو كذلك وهو قولك (عشر) و(عشرة)، و(عشرات) و(رطب) و(رطبة) و(رطبات)، ويقول ناس للرّطب (أرطاب) كما قالوا: (عنب) و(أعناب) ونظيرها (ربع) و(أرباع)، و(نغرة) و(نغر) و(نغرات) والنّغر داء يأخذ الإبل في رؤوسها، وقد تقدم في قولنا على ما ذكر.
قال: ونظيرها من الياء قول العرب (مهاة) و(مهى) وهو ماء الفحل في رحم الناقة.
وزعم أبو الخطاب أن واحد (الطّلى) (طلاة) وإن أردت أدنى العدد جمعت بالتاء.
قال أبو سعيد: سبيله إذا جمع بالتاء أن يقال (مهيات) و(طليات).
قال: وقالوا: (الحكا) والواحدة حكاة- وهي العظيم من العظاء- والمرع والواحدة (مرعة) وهي طائر.
قال أبو سعيد: في (الطّلاة) لغتان: (طلاوة) و(طلية) والجمع فيهما جميعا " الطّلى " وهي صفحة العنق.
قال ذو الرمة:
أضلّة راعيا كلبيّة صدرا عن مطلب وطلى الأعناق تضطرب (١)
وقال الأعشى في الطّلاة:
متى تسق من أنيابها بعد هجعة من اللّيل شربا حين مالت طلاتها (٢)
أي حين نامت.
قال: وأما ما كان على ثلاثة أحرف وكان " فعلا " فإن قصته كقصة ما ذكرناه وذلك (سدر) و(سدرة) و(سدرات)، و(سلق) و(سلقة) و(سلقات)، و(تبن) و(تبنة) و(تبنات)، و(عرب) و(عربة) و(عربات)، والعربة: البهمى وهو يبيس البهمى.
قال: وقالوا (سدرة) و(سدر) جعلوها ك (كسر) كما جعلوا (الطلحة)، حين
_________________
(١) انظر ديوان الشاعر: ٣٠.
(٢) انظر ديوان الشاعر: ٢١٠.
[ ٤ / ٣١٥ ]
قالوا: (الطّلاح) ك (القصاع) فشبهوا هذه ب (لقحة) و" لقح " كما شبهوا (طلحة) ب (صفحة) و(صحاف) وقالوا (لقحة) و(لقاح) كما قالوا في باب " فعلة " (فعال) نحو (جفرة) و(جفار) ومثل ذلك (حقّة) و(حقاق).
قال أبو سعيد: وإنما كسّروا (لقحة) و(لقاح) و(حقّة) و(حقاق)، لأن أشخاص البهائم تتغير وكل شخص منها بضرب من الملابسة، له خاصة وليس يقع الخلق عليها جملة فتجري مجرى (تمرة) و(تمر)، بل يعرض فيه أن يفرق بين المذكر والمؤنث بالهاء لا بين الجمع والواحد كقولهم (ثنيّة) و(ثنى) و(جذعة) و(جذع) و(حقّة) للمؤنث و(حقّ) للمذكر، كما قال الشاعر:
إذا سهيل مغرب الشّمس طلع فابن اللّبون الحقّ والحقّ جذع (١)
قال: وقد قالوا: (حقّة وحقق) - كذا في كتاب ابن السراج " حقق " بالضم والصواب " حقق ".
وأنشد قول المسيب:
قد نالني منهم على عدم مثل الفسيل صغارها الحقق (٢)
والصحيح أن يكون صغارها الحقق.
قال: وما كان على ثلاثة أحرف وكان (فعلا) فقصته كقصة (فعل)، وذلك قولك: (دخن) و(دخنة) و(دخنات)، و(نقد) و(نقدة) و(نقدات) وهو شجر، و(حرف) و(حرفة) و(حرفات) ومثل ذلك من المضاعف (درّ) و(درّة)
و(درّات) و(برّ) و(برّة) و(برّات)، وقد قالوا: (درر) وكسروا الاسم على فعل كما كسّروا (سدرة) على (سدر) ومثله (التّوم) تقول (تومة) و(تومات) و(توم).
يعني مثله في التكسير ويجوز (تومة) و(توم) كما تقول: (درة) و(درر)، والتومة شبيهة بالدرة من فضة فاعلم ذلك إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) البيتان من مشطور الرجز مذكوران في اللسان (حقق) والشاهد فيهما (حقّ) حيث ورد في البيت للمذكر.
(٢) البيت من الكامل وهو من شواهد سيبويه: ٣/ ٥٨٦، والرواية فيه (حقق) والشاهد فيه جمع حقّة على حقق والمستعمل تكسيرها على حقاق. انظر شرح الشواهد للأعلم: ٢/ ١٨٤.
[ ٤ / ٣١٦ ]
هذا باب نظير ما ذكرنا من بنات الياء والواو التي الياءات والواوات فيهن عينات
أما ما كان (فعلا) من بنات (الياء) والواو فإنك إذا كسرته على بناء أدنى العدد كسرته على " أفعال "، وذلك قولك: (سوط) و(أسواط) و(ثوب) و(أثواب) و(قوس) و(أقواس)، وإنما منعهم " من " أن يبنوه على (أفعل) كراهية الضمة في الواو فلما ثقل (ذلك) بنوه على أفعال وله في ذلك أيضا نظائر من غير المعتل نحو (أفراخ) و(أفراد) و(رفغ) و(أرفاغ) فلما كان غير المعتل يبني على هذا البناء كان هذا عندهم أولى.
قال أبو سعيد: يعني لو بنوه على " أفعل " كقولهم (كلب) و(أكلب) لقالوا (سوط) و(أسوط) فاستثقلت الضمة على الواو فعدلوا إلى (أفعال)، وقد عدلوا إليها فيما لا يثقل كقولهم أفراد وأفراخ فكيف (فيما) يثقل.
قال: وإذا أرادوا بناء الكثير بنوه على (فعال) وذلك قولهم: (سياط) و(نيات) و(قياس) تركوا (فعولا) كراهية الضمة في الواو والضمة التي قبل الواو فجعلوها على (فعال) إذا كانت متمكنة في غير المعتل.
يعني أنهم جعلوا الباب في الجمع إذا كان كثيرا (فعالا) وعدلوا عن (فعول)، لأنهم لو قالوا " فعول " كان (سووط) و(قووس) و(ثووب) فتجتمع في ذلك واو مضمومة وقبلها ضمة وبعدها واو ساكنة.
وفي الصحيح " فعال " في هذا الجمع كثير نحو (كلاب) و(كعاب) و(فراخ)، فعدلوا إليه إذ كان أخف من (فعول)، ومعنى قوله: إذ كانت متمكنة في غير المعتل.
أي: إذ كانت " فعال " في جمع (فعل) كثيرة في غير المعتل.
قال: وقد يبني على (فعلان) لأكثر العدد وذلك نحو (ثور) و(ثيران) و(قوز) و(قيزان).
ونظيره من غير هذا الباب (وجذ) و(وجذان) فلما بنى عليه ما لم يعتل فروا إليه كما لزموا غير المعتل.
يعني " فعل " و" أفعال " هو القياس في الصحيح كقولنا (جذع) و(أجذاع) و(عرق) و(أعراق) فهو في المعتل أولى أن يقال فيه (فيل) و(أفيال)، لأنا إن عدلنا من " أفعال " إلى " أفعل " فقلنا (فيل) و(أفيل) لثقل وقد يقتصرون في هذا الباب على (أفعال) كما اقتصروا على ذلك في باب (فعل) و(فعل) من المعتل نحو قولهم: (نير) و(أنيار)،
[ ٤ / ٣١٧ ]
و(كير) و(أكيار).
قال: وقد يجوز أن يكون ما ذكرنا " فعلا ".
قال أبو سعيد: عند الخليل وسيبويه إذا كان " فعلا " ثانيه ياء وجب كسر الفاء.
فيصير على لفظ (فعل) سواء كان جمعا أو واحدا.
و(لو) بنينا (فعلا) من الكيل لوجب أن نقول على قولهما (كيل) ومن البيع (بيع).
وكان الأخفش يقول ذلك في الجمع، وإذا كان في الواحد قلب الفاء واوا تقول في الجمع (أبيض) و(بيض) و(أعيس) و(عيس) وكان الأصل (بيض) و(عيس) بضم الأول فكسر لتسلم الياء.
وإذا بنى " فعلا " من الكيل والبيع اسما واحدا قال: (كول) و(بوع) ومن أجل ذلك
قال سيبويه: " قيل وميل وصيد وديك وكيس " وما أشبه ذلك يجوز أن يكون (فعلا) ويجوز أن يكون (فعلا).
وكان الأخفش يقول: لا يكون إلا فعلا وهذا مستقصى في التصريف وستراه إن شاء الله.
قال: وقالوا في (فعل) من بنات الواو: (ريح) و(أرواح) و(رياح) ونظيره (بئر) و(آبار) و(بئار) قالوا فيه: (فعال) كما قالوه في (فعل) حين قلت (حوض) و(أحواض) و(حياض).
قال: وأما ما كان (فعلا) من بنات الواو فأنك تكسره على " أفعال " إذا أردت بناء أدنى العدد وهو القياس والأصل. ألا تراه في غير المعتل كذلك، وذلك قولك (عود) و(أعواد) و(غول) و(أغوال) و(حوت) و(أحوات) و(كوز) و(أكواز)، فإذا أردت بناء أكثر العدد لم تكسره على (فعول) ولا (فعال) ولا (فعلة) وأجرة مجرى (فعل) وانفرد به " فعلان " كما أنه غلب على " فعل " من الواو " الفعال " فكذلك هذا فرقوا بينه وبين " فعل " من (بنات) الياء كما فرقوا بين " فعل " من الياء و(فعل) من الواو ووافق " فعلا " في الأكثر كموافقته إياه في الأقل. وذلك قولك عيدان و" غيلان " و" كيزان " و(حيتان) و(نينان) جماعة النون وهو الحوت.
يريد أنهم فرّقوا بين " فعل " من الياء وهو الذي ذكر أنه يمكن أن يكون " فعلا " ولا يقطع عليه، وذلك الفيل، والجيد.
قالوا في قليله (أفيال) و(أجياد) وفي كثيره " فعول " وهو (فيول) و(جيود). وبين فعل من الواو.
[ ٤ / ٣١٨ ]
وقالوا في " كوز " (أكواز)، وفي كثيره " كيزان " وعود و(أعواد) و(عيدان) ففرقوا بين الكثير من الياء والكثير من الواو وإن استويا في القليل كما فرقوا بين كثير من " فعل " من الواو و" فعل " من الياء فقالوا في الواو: (فعال) كقولهم: (حياض) و(سياط) وفي الياء (شيوخ) و(بيوت) وإن استويا في القليل حين قالوا (أحواض) و(أبيات)، وحملوه على (فعل) فقالوا: (عيدان) و(كيزان) كما قالوا (تاج) و(تيجان) و(جار) و(جيران).
قال: وقد جاء مثل ذلك في غير المعتل قالوا (حشّ) و(حشّان) كما قالوا في " فعل " من بنات الواو (ثور) و(ثيران) و(قوز) و(قيزان)، كما جاء في الصحيح (عبد) و(عبدان)، و(رأل) و(رئلان). (والحش: البستان).
قال: وإذا كسرت " فعلة " من بناء الياء والواو على بناء أدنى العدد كسرتها على البناء الذي كسرت عليه غير المعتل وذلك قولك (عيبة) و(عياب) و(ضيعة) و(ضياع) كما تقول (جفنة) و(جفان) و(صحفة) و(صحاف) وإذا أردت القليل من ذلك ألحقت التاء ولم تحرك العين.
يعني تقول فيه (عيبات) و(جوزات) و(روضات) و(بيضات). وهذا مذهب أكثر العرب. كرهوا أن يحركوا فيقولوا " جوزات ". و" بيضات " كما قالوا " تمرات "، و" زفرات "، لأن الواو والياء، إذا تحركتا وانفتح ما قبلها قلبتا ألفين.
ومن العرب من يفتح فيقول (جوزات) و(بيضات) ولا يقلب؛ لأن الفتحة عارضة وهي لغة لهذيل وقد أنشد الفراء فيه:
أبر بيضات رائح متاوّت رفيق بمسح المنكبين سبوح (١)
قال: وقد قالوا: " فعلة " في بنات الواو وكسّروها على " فعل " كما كسّروا " فعلا " على بناء غيره وذلك قولهم (ثوبة) و(ثوب)، و(جوبة) و(جوب) و(رولة) و(رول) ومثلها (قرية) و(قرى) و(نزوة) و(نزى).
يريد أن (ثوبة) و(ثوب)، في جمع (ثوبة) محمول على جمع " فعل " كقولهم " سوقة " و" سوق " و" دولة " و" دول " كما كان " فعلان " في (فعل) محمولا على غيره كأنهم حملوه على جمع (فعال) أو (فعل) أو (فعلة). و(فعل) ليس بقياس يطرد، ولم يذكر (نزوة)
_________________
(١) البيت من شواهد التبصرة والتذكرة: ٢/ ٦٩٤، والخصائص: ٣/ ١٨٤، والخزانة: ٣/ ٤٢٩، والعيني: ٤/ ٥١٧.
[ ٤ / ٣١٩ ]
و(نزى) إلا سيبويه والجرمي.
ولم أر أحدا من الكوفيين ذكر ذلك.
ومثله من بنات الياء (فعلة) و(فعل): قالوا: (ضيعة) و(ضيع) و(خيبة) و(خيب) ونظيرها من غير المعتل (هضبة) و(هضب)، و(حلقّة) و(حلق)، وليس هذا بالقياس.
قال: " وأما ما كان (فعلة) فهو بمنزلة غير المعتل وتجمعه بالتاء إذا أردت أدنى العدد وذلك قولك " دولة " و" دولات " لا تحرك الواو فإنها ثانية. "
يعني لا تقول: (دولات) كما تقول (ظلمة) (ظلمات) فتحركها من أجل أنها ثانية كما حركت الثاني من (ظلمات) فإذا لم ترد الجمع بالتاء قلت (دول) و(سوقة) و(سوق) و(سورة) و(سور).
قال: " وأما ما كان (فعلة) فهو بمنزلة غير المعتل وذلك قولك " قيمة " و" قيمات " و(ريبة) و(ريبات) و(ديمة) و(ديمات) ولا تكسّر الثاني كما كسّرت في (كسرات) و(قربات) استثقالا ولأن التسكين أيضا في الصحيح جيد مستحسن.
قال: وأما ما كان على (فعلة) فإنه يكسر على (فعال)، قالوا (ناقة) و(نياق).
كما قالوا: (رقبة) و(رقاب) وقد كسروه على (فعل) قالوا: (ناقة) و(نوق) و(قارة) و(قور) و(لابة) و(لوب).
وأدنى العدد (لابات) و(قارات) و(ساحة) و(سوح) ونظيرهن من غير المعتل (بدنة) و(بدن)، و(خشبة) و(خشب)، و(أكمة) و(أكم) وليس بالأصل في فعلة.
يعني ليس بالمطرد الكثير (فعل) في جمع (فعلة).
قال: " وقالوا (أينق) ونظيرها (أكمة) و(آكم) " في جمع " أكمة "، وكان الأصل في (أنيق) (أنوق) فاستثقلوا الضمة على الواو فقدموا عين الفعل إلى موضع الفاء من الفعل فأبدلوا من الواو ياء، لأنها أخف من الواو فاختاروا الأخف لكثرة (أينق) في كلامهم.
قال: وقد كسّرت على (فعل) كما كسّرت ضيعة، قالوا: (قامة) و(قيم)، و(تارة) و(تير).
قال الراجز:
[ ٤ / ٣٢٠ ]
يقوم تارات ويمشي تيرا (١)
وإنما اعتلت عين الفعل في بنات الواو لأن القالب الذي هو حد الكلام في (فعلة) في غير المعتل (فعال).
قال أبو سعيد: (الفعال) أولى بالإعلال من (فعلة)، ألا تراهم قالوا (حوض) و(حياض) و(سوط) و(سياط) و(ثوب)
و(ثياب) فقلبوا الواو ياء ولا يجيء في مثل ذلك واو وتعتل فتقلبها ياء وقالوا " عود " و" عودة " و(زوج) و(زوجة) فجاءوا بالواو فعلم أن الإعلال في (فعال) أقوى.
قال سيبويه: إنما قالوا: (قامة) و(قيم) وأصلها من الواو لأنه محمول على فعال الذي حقه أن يعل و(فعال) هو الحد في جمع (فعلة) في غير المعتل كقولهم في (رقبة) و(رقاب) و(رحبة) و(رحاب).
هذا باب ما يكون واحدا يقع على الجمع من بنات الياء والواو ويكون واحده على بنائه ومن لفظه
إلا أنه تلحقه هاء التأنيث ليتبين الواحد من الجميع أما ما كان (فعلا) فقصته قصة غير المعتل وذلك قولك (جوز) و(جوزة) و(جوزات)، و(لوز) و(لوزة) و(لوزات)، و(بيض) و(بيضة) و(بيضات)، و(خيم) و(خيمة) و(خيمات)، وقد قالوا (خيام) و(روضة) و(روضات) و(رياض) و(روض) كما قالوا (طلاح) و(سخال).
وأما ما كان (فعلا) فهو بمنزلة " الفعل " من غير المعتل وذلك قولك (سوس) و(سوسة) و(سوسات)، و(صوف)، و(صوفة) و(صوفات) وقالوا: (ثومة) و(ثومات) و(ثوم) كما قالوا: (درر).
وأما ما كان (فعلا) فقصته قصة غير المعتل وذلك قولك (تين) و(تينة) و(تينات) و(ليف) و(ليفة) و(ليفات)، و(طين) و(طينة) و(طينات).
وقد يجوز أن يكون هذا (فعلا) كما يجوز أن يكون الفيل (فعلا) وسنرى بيان
_________________
(١) البيت من مشطور الرجز في شرح الشواهد للأعلم: ٢/ ١٨٨، وشرح المفصل لابن يعيش: ٥/ ٢٢. والشاهد فيه جمع (تارة) على (تير) والقياس (تيار) بالألف مثل (رحبة) (رحاب).
[ ٤ / ٣٢١ ]
ذلك في بابه إن شاء الله تعالى.
وأما ما كان (فعلا) فهو بمنزلة (الفعل) في غير المعتل إلا أنك إذا جمعت بالتاء لم تغير الاسم عن حاله وذلك قولك: (هام) و(هامة)، و(هامات) و(راح) و(راحة) و(راحات) - تريد راحة الكف- و(شامة) و(شامات) قال الشاعر وهو القطامّي:
وكنا كالحريق أصاب غابا فيخبو ساعة ويهبّ ساعا (١)
فقال: ساعة و" ساع " كقولهم: هامة و" هام " ومثله (آية) و(آي) ومثله
قول العجاج:
وخطرت أيدي الكماة وخطر راي إذا أورده الطّعن صدر (٢)
قال أبو سعيد: راي جمع راية وهو مرفوع بقوله و" خطر " كأنه قال: خطرت أيدي الكماة وخطرت الرايات في هذه الحرص. وقوله: " ألا ترى أنك إذا جمعت بالتاء لم تغير الاسم عن حاله فقلت (هامات) " يريد أنك لا تحرك الألف فتردها إلى الواو فتقول (هومات) أو (هومات)، لأنها في (هامة) " فعلة " وانقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ولا يزيدها الجمع بالتاء إلا توكيدا للحركة التي من أجلها وجب انقلابها ألفا ووزنها في الجمع بالتاء (فعلات)، كما أن وزنها في الواحد (فعلة) واللفظ واحد.
وهذا الباب قد أتى عليه شرحنا في تفسير ما كان من الأجناس التي بينها وبين واحدها الهاء وإنما أفرد سيبويه هذا الباب ليذكر في الأجناس ما ثانيه واو أو ياء أو ألف كما أفرد ما ثانيه هذه الحروف في باب مفرد فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
هذا باب ما هو اسم واحد يقع على جميع وفيه علامة التأنيث وواحده على بنائه ولفظه وفيه علامة التأنيث التي فيه
وذلك قولك " حلفاء " للجميع و(حلفاء) واحدة و(طرفاء) للجميع و(طرفاء) واحدة و" بهمي " واحدة " وبهمي " للجميع لما كانت تقع للجميع ولم تكن أسماء كسر
_________________
(١) انظر الديوان ص: ٣٩، وشرح الشواهد للأعلم: ٢/ ١٨٩.
(٢) انظر ديوان العجاج ص: ١٨، والخصائص: ١/ ١٨، والمقتضب: ١/ ١٥٣.
[ ٤ / ٣٢٢ ]
عليها الواحد. أرادوا أن يكون الواحد من بناء فيه علامة التأنيث، كما كان ذلك في الأكثر الذي ليس فيه علامة التأنيث ويقع مذكرا، نحو (التمر) و(البر) و(الشعير) بأشباه ذلك ولم يجاوزوا البناء الذي يقع للجميع حيث أرادوا واحدا فيه علامة تأنيث؛ لأنه فيه علامة التأنيث فاكتفوا بذلك وبينوا الواحدة بأن وصفوها واحدة، ولم يجيئوا بعلامة سوى العلامة التي في الجميع لتفرق بين هذا وبين الاسم الذي يقع على الجميع وليس فيه علامة التأنيث نحو (التمر) و(البر).
قال أبو سعيد: اعلم أن ما كان من الأجناس فيه ألف التّأنيث مقصورة أو ممدودة فالباب في واحدة أن يكون على لفظ الجميع نحو قولك (طرفاء) و(حلفاء) و(بهمي) و(شكاعي) و(شقّاري) و(لصيقي) وهذه كلها أسماء نبات
موضوعة للجنس كما وضع النخل والشجر والتّين والعنب للجنس فإذا أردنا الواحد من هذا الجنس قلنا: (طرفاء) واحدة، وعندي (حلفاء) واحدة، و(بهمي) واحدة، ولم يجز إدخال الهاء عليها فيقال:
(حلفاءة) و(بهماة) و(طرفاءة) كما قيل في واحد النخل (نخلة) وفي واحد العنب (عنبة)؛ لأن كون ألف التأنيث في هذه الأسماء يمنع من دخول هاء التأنيث، لئلا يجتمع تأنيثان فاكتفوا بما فيه من التأنيث وبينوا الواحد بالوصف فقالوا: (طرفاء) واحدة.
وكنت قرأت " كتاب الشجر والكلأ " لأبي زيد على أبي بكر بن دريد ﵀.
فقرأت عليه (شقّارى) للجميع و(شقارى) واحدة و(لصيقي) للجميع و(لصيقي) واحدة فذكر ابن دريد أن الواحد " شقّاراة " و" لصيقاة " وهذا لا تعمل عليه لأن كثيرا من أهل اللغة لا يضبطون النحو في مثل هذا ويغلطون فيه، وإنما يقوم بهذا مثل سيبويه وأبي زيد وهؤلاء الأعلام.
وقد ذكر أهل اللغة للطرفاء والحلفاء واحدة على هذا اللفظ قالوا: (طرفاء)، و(طرفة) و(قصباء) و(قصبة)، واختلفوا في الحلفاء فقال الأصمعي (حلفاء) و(حلفة) بكسر اللام.
وقال أبو زيد والفراء وغيرهما (حلفة) على قياس (طرفة) و(قصبة). وقد كسر (حلفاء) فقيل (حلافي) و(حلافي) ذكر ذلك أبو عمر الجرمي.
قال: وتقول (أرطي) و(أرطاة) و(علقي) و(علقاة) لأن الألفات لم تلحق التأنيث.
يعني أن ألف (أرطي) التي بعد الطاء وألف (علقي) لغير التأنيث لأنك تقول:
هذا (أرطي) و(علقي) فتنون، وألف التأنيث لا تنون، فلما كانت لغير التأنيث جاز أن تدخل عليها الهاء للواحدة.
[ ٤ / ٣٢٣ ]
ومن العرب من لا ينون (علقّي) ويجعل الألف للتأنيث فيقول: هذه (علقي) كثيرة وهذه (علقي) واحدة يا فتى وأنشدوا بيت العجاج:
يستنّ في علقي وفي مكور (١)
غير منون.
هذا باب ما كان على حرفين وليست فيه علامة التأنيث
أما ما كان أصله " فعلا " فإنه إذا كسّر على بناء أدنى العدد كسّر على أفعل (وذلك) نحو (يد) و(أيد) وإن كسّر على بناء (أكثر) العدد كسّر على " فعال " و" فعول " وذلك قولهم: (دماء) و(دميّ) لمّا ردوا ما ذهب من الحروف كسّروه
على تكسيرهم إياه لو كان غير منتقص عن الأصل نحو (ظبي) و(دلو).
قال أبو سعيد: اعلم أنّ هذا المؤنث الذي ليس في آخره هاء يجمع على تقدير التمام. فما أوجبه بناؤه على التمام من الجمع عمل عليه، فمن ذلك (يد) و(دم) هما عند سيبويه " فعل ". كان أصله " يدي و" دمي " بتسكين الحرف الثاني وهذا البناء جمعه القليل يجيء على " أفعل " وكثيره على (فعال) و(فعول) فجمع (يد) على الجمع القليل فقيل " أيد " وهو (أفعل) كما قيل (ثدي) و" أثد " و" ظبي " و" أظب " و(جدى) و" أجد " وجمع " دم " على الجمع الكثير فقيل " دماء " كما قيل (ظباء) و" دميّ " كما قيل " ثديّ "، فكان بمنزلة ما جاء جمعه الكثير على فعال وفعول كقولنا (كعاب) و(كعوب) و(فراخ) و(فروخ).
وقد كان أبو العباس محمد بن يزيد يذهب إلى أن " دما " (فعل) ويستدل على ذلك بأشياء منها أن الشاعر حين اضطر إلى ردّ الذاهب بناه على " فعل " فقال:
ولو أنّا على جحّر ذبحنا جرى الدّميان بالخبر اليقين (٢)
ومنها أنك تقول " دميت " ومصدر فعلت يجيء على فعل كقولنا (فرقت فرقا) وفيما قرأناه على أبي بكر بن دريد ﵀:
_________________
(١) البيت من مشطور الرجز. انظر ديوان الشاعر ص: ٢٩، والخصائص: ١/ ١٧٣، والتبصرة والتذكرة: ٢/ ٥٤٩، والمخصص: ١٦/ ٨٨.
(٢) البيت من أبيات نسبها ابن دريد لعلي بن بدال، وأدخلها ابن الشجري وصاحب الحماسة البصرية في قصيدة المثقب العبدي وليست في ديوانه وقصيدة المثقب في المفضليات ٢٨٨ - ٢٩٢، وليس فيها هذا الشاهد.
[ ٤ / ٣٢٤ ]
غفلت ثمّ أتت ترمقه فإذا هي بعظام ودما (١)
فبناه على مثل (رحى) وخبرنا أن قولنا:
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أعقابنا يقطر الدّما (٢)
أنه في موضع رفع وأنه على بناء رجى.
أما ما احتج به لأبي العباس فلا حجة له فيه؛ لأن الشاعر إذا اضطر إلى رد الذاهب ترك ما كان متحركا على حركته، ولم يبنه بناء الأصل وقد قال الشاعر:
يديان بالمعروف عند محرق قد تمنعانك أن تضام وتضهدا (٣)
فحرك الدال وهي ساكنة في الأصل.
وقال آخر:
هما نفثا في فيّ من فمويهما (٤)
فحرك وأصله (فعل). وأما ما أنشدته عن أبي بكر ابن دريد فضرورات يطول شرحها وإنما جعله سيبويه " فعلا " لأن الأصل السكون وليس لنا أن نزيد حركة إلا بثبت.
ولو قال قائل: إن (يدا) " فعل " وإن " أيدي " (أفعل) كما قالوا (زمن) و(أزمن) لم يكن ذلك بالبعيد عندي إذا صح ما روي مما أنشده بعض أهل اللغة.
يا رب سار سار ما توسدا إلا ذراع العيس أو كف اليدا (٥)
وقد بناه على فعل، وقد يجوز أن يجمع (أيد) فنقول (أيادي). وروى عن أبي
_________________
(١) البيت من الرمل. انظر مجالس العلماء: ٢٤٩، والخزانة: ٧/ ٤٩١، والدرر اللوامع: ١/ ١٣، وابن يعيش: ٥/ ٨٤.
(٢) البيت من الطويل وهو فيما رواه أبو تمام والأعلم للحصين بن الحمام المري. انظر المنصف: ٢/ ١٤٨، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٣٤، والخزانة ٣/ ٣٥٢، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ١٩٨.
(٣) انظر الخزانة: ٧/ ٤٨٢، والمنصف: ١/ ٦٤، وابن يعيش: ٤/ ١٥١ وهو من الكامل.
(٤) هذا صدر بيت من الطويل وتمامه: على النابح العادي أشد رجام وقائله الفرزدق انظر ديوان الشاعر: ٧٧١، والخزانة: ٢/ ٢٦٩، والخصائص: ١/ ١٧٠، والمقتضب: ٣/ ١٥٨.
(٥) البيتان من مشطور الرجز. انظر الخزانة: ٧/ ٤٧٧، وابن يعيش: ٤/ ١٥٢، والهمع: ١/ ١٣٩.
[ ٤ / ٣٢٥ ]
عمرو بن العلاء أنه قال " الأيدي " جمع " اليد " التي هي العضو، و" الأيادي " الصنائع والنعم والمعروف.
وقد كان أبو الخطاب الأخفش ذكر أن أبا عمرو نسي- وكان علم ذلك عنده- ويذهب أن (الأيادي) تقال في الأعضاء و(يد)، و(أيد) و(أياد) في المعروف فأما في الأعضاء فقال عدى بن زيد:
ساءها ما تأمّلت في أيادي نا وإشناقها إلى الأعناق (١)
وقال آخر:
كأنهما بالصحصحان الأنجل قطن سخام بأيادي غزّل (٢)
وأما في النعم فقول الله ﷿: وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٣).
المعنى أولى النعم في الدين والبصائر فيه ولم يمدحهم بأن لهم " أيديا " و" أبصارا " من الجوارح.
وقال أبو دهبل: (٤)
فكيف أنساك لا أيديك واحدة عندي ولا بالذي أسديت من قدم (٥)
وقال النابغة:
إنّي أتمم أيساري وأمنحهم مثنى الأيادي، وأكسو الجفنة الأدما (٦)
أراد بالأيادي: النعم، والمعروف.
_________________
(١) البيت من الخفيف وهو في اللسان (يدي)، والخزانة: ٧/ ٤٨١، والشاهد في (أيادينا) حيث وردت في البيت مرادا بها الأعضاء.
(٢) البيتان من مشطور الرجز وهما في اللسان (يدي) وقد نسبا فيه إلى: جندل بن المثنى الطهوي، انظر الخزانة: ٧/ ٤٧٩.
(٣) سورة ص، الآية: ٤٥.
(٤) هو وهب بن زمعة بن أسيد الجمحي: كان شاعرا عفيفا وقال الشعر في آخر خلافة علي بن أبي طالب ﵁، ومدح معاوية وعبد الله بن الزبير، انظر مهذب الأغاني: ٦/ ١٥٤.
(٥) البيت من البسيط مذكور في تجريد الأغاني: ٢/ ٨٥، والشاهد فيه قوله (أيديك) حيث أراد بها (النعم).
(٦) البيت من البسيط والشاهد في (الأيادي) حيث استعمله الشاعر مرادا به (النعم).
[ ٤ / ٣٢٦ ]
قال: وإن كان أصله " فعلا " كسّر من أدنى العدد على (أفعال) كما فعل ذلك بما لم يحذف منه شيء وذلك قولك: (أبّ) و(آباء).
وزعم يونس أنهم يقولون: (أخّ) و(آخاء).
وقالوا: (أخوان) كما قالوا (خرب) و(خربان)
قال ابن أخي المهلب:
وجدتم بنيكم دوننا إن نسيتم فبأيّ بني الآخاء تنأى مناسبه؟ (١)
قال: وأما ما كان من بنات الحرفين وفيه الهاء للتأنيث فإنك إذا أردت الجمع لم تكسرّه على بناء يرد ما ذهب (منه) وذلك لأنها فعل بها ما لم يفعل بما فيه الهاء. مما لم يحذف منه شيء، وذلك أنهم يجمعونها بالتاء، والواو والنون كما يجمعون المذكر نحو " مسلمون " فكأنه عوض فإذا جمعت بالتاء لم يغيروا البناء وذلك قولك: (هنة) و(هنان) و(فئة) و(فئات) و(شية) و(شيات) و(ثبة) و(ثبات) و(قلة وقلات).
وربما ردوها إلى الأصل إذا جمعوها بالتاء وذلك قولهم: (سنوات) و(عضوات) وإذا جمعوا بالواو والنون كسروا الحرف الأول وغيروا الاسم وذلك قولهم (سنون) و(قلون) و(ثبون) و(مئون)، وإنما غيروا أول هذه لأنهم ألحقوا آخره شيئا ليس هو في الأصل للمؤنث ولا يلحق شيئا فيه الهاء ليس على حرفين، فلما كان كذلك غيروا أول الحرف كراهية أن يكون بمنزلة ما الواو والنون له في الأصل نحو قولهم:
(هنون)، و(منون) و(بنون) وبعضهم يقول (قلون) فلا يغير.
قال أبو سعيد: اعلم أن ما كان على حرفين وفيه هاء التأنيث فله باب ينفرد به ولا يشاركه فيه غيره إلا ما شذ مما يشبه به، وباب ذلك أنه يجمع بالألف والتاء فلا يغير لفظه كقولهم (قلة) و(قلات) و(كرة) و(كرات) و(ثبة) و(ثبات).
ويجوز جمع ذلك بالواو والنون وليس الباب في شيء آخره هاء التأنيث أن يجمع بالواو والنون، لأن هذا الجمع إنما هو للمذكر مما يعقل وإنما جمعوا هذا المنقوص بالواو والنون، لأنهم جعلوا ذلك عوضا مما منعه من جمع التكسير لأن جمع التكسير لا يكاد يجيء في ذلك وغيروا مع الواو والنون والياء والنون أوله فكسروه فيما كان مضموما كقولهم: (قلون) و(ثبون) وواحدها (قلة) و(ثبة)، وفيما كان مفتوحا كقولهم: (سنون)
_________________
(١) البيت من الطويل وجاء في اللسان، والشاهد جمع (أخ) على (آخاء).
[ ٤ / ٣٢٧ ]
وواحدها (سنة). وذلك توكيد للتغيير فيه وأن هذا الجمع خارج عن قياس نظائره.
وأما قولهم: (مائة) و(مئون) فقال بعض النحويين إن هذه الكسرة غير الكسرة التي في (مائة) كما أن الألف التي في " تهام " ليست الألف في " تهامة ".
وذكر أبو عمر الجرمي أن الجمع بالألف والتاء في هذا للقليل وبالواو والنون للكثير تقول: (هذه ثبات) قليلة و(ثبون كثيرة) والدليل عندي على صحة ما قلت إنهم إذا صغروا لم يكن بغير الألف والتاء يقولون: (سنيّات) و(شبيهات) و(ثبيات) ويجوز أن يكون إنما صار التصغير بالألف والتاء لأنا نرد بالتصغير الحرف الذاهب فيصير بمنزلة التام وليس الباب في التام مما فيه هاء التأنيث أن يجمع بالواو والنون.
وبعض العرب لا يغير الأول فيقولون: (قلون) و(ثبون)، ولا نعلم أحدا قال في (سنين) بغير الكسر.
قال: وأما (هنة) و(منة) فلا يجمعان إلا بالتاء لأنهما قد ذكرتا.
يريد أنه لا يجوز في (هنة) ما جاز في (سنة) من الجمع بالواو والنون؛ لأنّا نقول:
(هنون) فيكون هذا الجمع للمذكر ولا نقول في (سنة) " سن ".
قال سيبويه: وقد يجمعون الشيء بالتاء والألف لا يجاوزون به ذلك استغناء وذلك: (ظبة وظبات)، و(شية وشيات)، والتاء تدخل على ما دخلت فيه الواو والنون، لأنهما الأصل).
يعني أن الألف والتاء هي الأصل، فلذلك استعملت في (ظبات) و(شيات) ولم يستعمل غيرهما.
قال: وقد يكسّرون هذا النحو على بناء يرد ما ذهب من الحرف، وذلك قولهم:
(شفة) و(شفاه) و(شاة وشياه)، تركوا الواو والنون حيث ردوا ما حذف منه واستغنوا عن التاء حيث عفوا به أدنى العدد، وإن كانت من أبنية أكثر العدد كما استغنوا بثلاثة جروح عن أجراح وتركوا الواو والنون كما تركوا التاء حيث كسّروه على شيء يرد ما حذف منه واستغني به.
قال أبو سعيد: اعلم أن أصل (شفة) (شفهة) وأصل (شاة) " شوهة " فجمعوها على فعال كما قالوا في " رقبة " (رقاب)، واستغنوا بذلك عن الجمع بالواو والنون، لأنهم قد أتموا، وعن الجمع بالتاء، لأن الجمع بالتاء للقليل وهم قد يستغنون بالكثير عن القليل كقولهم: (جروح) في جمع (جرح)، ولم يقولوا: (أجراح) فكذلك قالوا: (شفاه) ولم
[ ٤ / ٣٢٨ ]
يقولوا (أشفاه) وقد تقدم نحو ذلك فيما مضى
قال سيبويه: " وقالوا: (أمة) و(آم) و(إماء)، فهي بمنزلة (أكمة) و(آكم) (وأكام)، وإنما جعلناها على فعلة لأنا قد رأيناهم كسروا فعلة على أفعل مما لم يحذف منه شيء ".
قال أبو سعيد: يريد جعلنا أمة فعلة حيث جمع على (آم)، و(آم) " أفعل " وكان الأصل فيه " آموا " فعمل بها ما عمل ب " أدلو " جمع " دلو " حيث قالوا " أدل " والذي هو على " فعلة " من الصحيح وجمع على (أفعل) قولهم: (أكمة) و(آكم).
ولم يقولوا: (إمون) كما قالوا في سنة: (سنون)، لأنهم قد كسروا (أمة)، فردوا الذاهب بالتكسير حيث قالوا (إماء): و(إموان) وهما جمعان للكثير، ولم يقولوا: (أمات)، لأنهم استغنوا ب " آم " عنها، لأن " الأمات " للتقليل، و(آم أفعل) للتقليل فاستغنى بأحدهما عن الآخر.
قال: وقالوا (برّة) و(برات) و(برون) و(لغة) و(لغى) فكسروها على الأصل كما كسّروا نظائرها التي لم يحذف منها شيء نحو (كلية) و(كلى).
قال: وسألت الخليل عن قول العرب (أرض) و(أرضات) فقال: لما كانت مؤنثة وجمعت بالتاء ثقّلت كما ثقلت (طلحات) و(صفحات)، قلت: فلم جمعت بالواو والنون؟ قال: شبهت بالسنين ونحوها من بنات الحرفين لأنها مؤنثة، ولأن الجمع بالتاء أقل والجمع بالواو والنون أعم، ولم يقولوا: (آراض) ولا (أرض) فيجمعونه كما جمعوا "
فعل ".
قلت: فهلّا قالوا: (أرضون) كما قالوا: (أهلون)؟
قال: إنها لما كانت تدخلها التاء أرادوا أن يجمعوها بالواو والنون كما جمعوها بالتاء و(أهل) مذكر لا تدخله التاء ولا تغيره الواو والنون كما لا تغير غيره من المذكر نحو (صعب) و(فسل).
قال أبو سعيد: اعلم أن " فعلا " إذا كان مؤنثا وجمع بالألف والتاء حرك أوسطه وإن لم يكن فيه هاء التأنيث كما يحرك أوسط ما فيه هاء التأنيث، وذلك في امرأة اسمها (دعد):
(دعدات) وإن كانت اسمها (سعدا) و(جبرا): (سعدات) و(جبرات) كما تقول في (ثمرة) و(جفنة) (ثمرات) و(جفنات) وكذلك (أرض) لما جمعت بالألف والتاء حرك أوسطها وقد جمعوها بالواو والنون فقالوا: (أرضون) شبهوها من أجل التأنيث بالمؤنث
[ ٤ / ٣٢٩ ]
المنقوص نحو (سنة)، و(ثبة) وما أشبه ذلك.
ومن الناس من احتج لذلك فقال: لمّا كان هاء التأنيث مقدرة فيها محذوفة منها صار بمنزلة المنقوص الذي يقدر فيه حرف يحذف منه وحركوا ثانيه لعلتين- يجوز أن يكونوا حملوها على الجمع بالألف والتاء، لأنهما جمعان سالمان قد اشتركا في السلامة وقد لزم فتح الراء في أحدهما لما ذكرناه، فكان الآخر مثله ويجوز أن يكونوا جعلوا التغيير الذي لزم أوائل ما يجمع من المنقوصات بالواو والنون في ثاني هذا الحرف فيغني من تغيير أوله كقولهم (سنة) و(سنون)، و(ثبة) و(ثبون).
ولذلك قال سيبويه: ولم يكسروا أول (أرضين)، لأن التغيير قد لزم الحرف الأوسط كما لزم التغيير الأول من (سنة) في الجمع.
قال: وقد زعم يونس أنهم يقولون (حرّة) و(حرّون) (يشبهونها بقولهم (أرض) و(أرضون) وقالوا (إوزّة) و(إوزّون). كما قالوا (حرة) وحرّون).
وزعم يونس أنهم يقولون (حرّة) و(أحرّون) يعنون (الحرار) كأنه جمع (إحرّة) ولكن لا يتكلم بها.
هذا ما حكاه سيبويه عن يونس، وقد حكى الجرمي عنه: أنهم يقولون: " أحرون " بفتح الألف وكل ذلك شاذ ليس بالمطرد، وإنما شبهوا " حرّة " للإدغام الذي فيها بالمنقوص؛ لأن النطق بالحرفين في دفعة واحدة فصار كحرف واحد.
وقد أنشدنا أبو بكر بن دريد في " إخرون " بالكسر على ما حكاه سيبويه وقد حكاه الأصمعي:
إنّ أباك فر في يوم صفّين لما رأى عكّا والأشعريين
وحاجيا يستن في الطائيين وذا الكلاع سيّد اليمانين
وقيس عيلان الهوازنيّين قال لنفس السوء هل تفريّن؟
لا خمس إلا جندل الأحرين والخمس قد أحشمنك الأمريّن (١)
ركّضا إلى الكوفة من قنّسرين
هذا رجل حارب مع علي بن أبي طالب ﵁ وكان سمع أنه كان يفرق خمسمائة خمسمائة فتجشم من قنّسرين إلى الكوفة وحارب لأجلها ثم هرب
_________________
(١) الأبيات من مشطور الرجز مذكورة في لسان العرب (حرر).
[ ٤ / ٣٣٠ ]
فقال: لا خمس يريد لا خمسمائة درهم. قرأته على أبي بكر: " وحاجيا " يستن وقال غيره: " حابسا ".
على أن العرب ربما جمعوا بالواو والنون من المؤنث الذي فيه الهاء ما ليس بمنقوص ذكر أبو عمر الجرمي، قال: أنشد خلفّ أبو محرز في مجلس يونس وهو خلف الأحمر:
فأنك لو رأيت ولن تراه أكفّ القوم تخرق بالقنينا (١)
قال: هذا جمع " قتاة " فما رأيت أحدا عرفه.
واعلم أن المنقوص الذي يجمع بالواو والنون يجيز فيه كثير من النحويين أن تعرب النون فيه ويلزم قبل النون الياء فيقال: هذه (سنينك) ورأيت (سنينك) وعجبت من (سنينك).
وقالوا إنما فعل بها ذلك، لأن النون قامت مقام الذاهب وجعلوها كلام الفعل وأنشدوا:
ذراني من نجد فإن سنينه لعبن بنا شيبا وشيّبننا مردا (٢)
وقال آخر:
مثل المغالي ضربت قلينها (٣)
وقال آخر:
إلى برين الصّفّر الملوّيات (٤)
وقد قال بعضهم في هذا المنقوص: إذا جمع بالألف والتاء يجوز أن تفتح التاء في النصب وتقام مقام لام " الفعل " فيقال سمعت لغاتهم.
وأنشدوا بيت أبي ذؤيب:
فلمّا جلاها بالأيام تحيّزت ثباتا عليها ذلّها واكتئابها (٥)
والأفصح الأشهر ما ذكره سيبويه من الجمع بالواو والنون. وسقوط هذه النون في
_________________
(١) البيت من الوافر ولم نستدل إلى قائله.
(٢) البيت من الطويل وقائله الصمة بن عبد الله القشيري وهو شاعر إسلامي بدوي مقل من شعراء الدولة الأموية. انظر شرح الأشموني: ١/ ٨٦، وشرح المفصل لابن يعيش: ٥/ ١١.
(٣) البيت من مشطور الرجز مذكور في اللسان (قلا).
(٤) البيت من مشطور الرجز والشاهد منه (برين) حيث أجريت مجرى الحين في الإعراب بالحركات.
(٥) انظر ديوان الهذليين: ١/ ٧٩، ابن يعيش: ٥/ ٤، الخصائص لابن جنى: ٣/ ٣٠٤، والبيت من الطويل.
[ ٤ / ٣٣١ ]
الإضافة وكسر تاء الجمع في النصب تقول: (هذه سنون) و(رأيت سنين) وعجبت من (سنين)، وفي الإضافة: (هذه سنو زيد) و(سنوك) ورأيت (سني زيد) و(سنيك) وعجبت من (سني زيد وسنيك) وتقول سمعت لغات القوم ورأيت (ثبات) وقال الله ﷿:
خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ (١).
وقال سيبويه: وقد يجمعون المؤنث الذي ليست فيه هاء التأنيث بالتاء كما يجمعون ما فيه الهاء؛ لأنه مؤنث مثله وذلك قولهم: (عرسات) و(أرضات) و(عير) و(عيرات) حركوا الياء واجتمعوا فيها على لغة هذيل، لأنهم يقولون: (بيضات) و(جوزات).
قال أبو سعيد: رأيت النّسخ والروايات في كتاب سيبويه: " عير وعيرات " بفتح العين وهو عندي غلط في النقل؛ لأن سيبويه قال: وقد يجمعون المؤنث، وعير ليس بمؤنث وقد تكلف بعض من احتج عنه بأنه عير الكتف وهو النائي في وسطه، ولا يعرف تأنيث هذا ولا جمعه على عيرات، وإنما دعاهم عندي إلى هذا قول سيبويه واجتمعوا فيها على لغة هذيل، لأنهم يقولون (بيضات) و(جوزات)، فأرادوا أن يسووا بين اللفظين والصواب عندي أن يقال (عير) و(عيرات) و(عير) مؤنث، قال الله ﷿: وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها (٢) وكان حقها أن يقال (عيرات) لأن جمع السّلامة في فعل وفعل إذا كان بالألف والتاء أن يقال (فعلات) ك (ظلمات) و(فعلات) ك (سدرات).
وإذا كان فيه واو أو ياء استثقل الضم والكسر فيقولون في (تومة) (تومات)، وفي (تينة) (تينات)، وقالوا في (عير)
(عيرات) فحركوا على لغة هذيل في تحريك الثاني من (بيضات) وقال الكميت:
عيرات الفعال والحسب الذي عود إليهم معدودة الأعكام (٣)
قال: " وقالوا: " سموات " فاستغنوا بهذا أرادوا جمع سماء لا من المطر، وجعلوا التاء بدلا من التكسير كما كان ذلك في العير والأرض ".
يريد أن السماء إذا جمعت كان الجمع بالألف والتاء، وقد اضطر الشاعر فجمعها بغير الألف والتاء فقال:
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٧١.
(٢) سورة يوسف، الآية: ٨٢.
(٣) البيت للكميت بن زيد وهو من الخفيف ليس في ديوانه، وهذا البيت من قصيدة له يمتدح بها أهل البيت رضوان الله عليهم أجمعين. انظر ابن يعيش ٥: ٣١ - ٣٣.
[ ٤ / ٣٣٢ ]
سماء الإله فوق سبع سمائيا (١)
وسترى ذلك مستقصى في موضعه إن شاء الله تعالى، وقد يقال للمطر (سماء) وجمعه (أسمية) في أدنى العدد وسميّ للكثير.
قال: وقد قالوا (عيرات) وقد عرفتك ما في (عيرات)، وقالوا (أهلات) فخففوا شبهوها ب (صعبات) حيث كان أهل مذكرا تدخله الواو والنون، فلما جاء مؤنثا كمؤنث صعب فعل به ما فعل بمؤنث صعب.
يعني أنهم يقولون (أهل وأهلون). و(أهل) مذكر ثم قالوا (أهلة وأهلات) فأشبه فعلة نعتا وهو قولك: (رجل ضخم وعبل وشهم) وامرأة (عبلة) و(صعبة)، وإذا جمع بالألف والتاء قلنا: (عبلات) و(صعبات) فكذلك (أهلة) و(أهلات).
قال الشاعر:
وأهلة ودقد تبريت ودّهم وأبليتهم في الحمد جهدى ونائلي (٢)
قال: وقد قالوا (أهلات) فثقلوا كما قالوا (أرضات) قال الشاعر وهو المخبّل:
وهم أهلات حول قيس بن عاصم إذا أدلجوا بالليل يدعون كوثرا (٣)
وإنما ثقّلوا؛ لأنه اسم وإن كان يشبه الصفة من الوجه الذي ذكرنا.
قال: " وقالوا: (إموان) جمع (الأمة) كما قالوا (إخوان) لأنهم جمعوها كما جمعوا ما ليس فيه الهاء ".
يعني قولهم (خرب) و(خربان) فأمة أصله (فعلة) و(فعلة) قد جمع على (فعلان).
وقال القتّال الكلابي:
أمّا الإماء فلا يدعونني ولدا إذا ترامي بنو الإموان بالعار (٤)
_________________
(١) عجز بيت من الطويل لأمية بن أبي الصلت وصدره: له ما رأت عين البصير وفوته انظر ديوانه: ٧٠، والخصائص: ١/ ٢١١، والخزانة: ١/ ١١٨.
(٢) البيت لأبي الطمحان القيني وهو من الطويل. انظر لسان العرب (أهل) والخزانة: ٨/ ٩١، وابن يعيش: ٥/ ٣١.
(٣) البيت للمخبل السعدي وهو من الطويل. انظر الخزانة: ٨/ ٩٦، أسرار البلاغة للجرجاني: ١٩١، وابن يعيش: ٥/ ٣٣.
(٤) انظر ديوان الشاعر: ٥٤، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٥٣، واللسان (أما)، والكامل: ٣٤، وهو من البسيط.
[ ٤ / ٣٣٣ ]
هذا باب تكسير ما عدّة حروفه أربعة أحرف للجميع
أما ما كان " فعالا " فإنك إذا كسّرته على بناء أدنى العدد كسّرته على " أفعلة " وذلك قولك (حمار) و(أحمرة) و(خمار) و(أخمرة) و(إزار) و(أوزرة) و(مثال) و(أمثلة) و(فراش) و(أفرشة)، فإذا أردت أكثر العدد بنيته على فعل وذلك قولك (حمار) و(حمر) و(خمار) و(خمر) و(إزار) و(أزر) و(فراش) و(فرش) وإن شئت خففت جميع هذا في لغة بني تميم. "
يعني تقول (فرش) و(خمر) فتسكن الثّاني. وهذا التخفيف يجوز في كل ما كان على (فعل) أن يسكن ثانيه كقولك (رسل) و(رسل) و(صبر) و(صبر).
قال: وربما عنوا ببناء أكثر العدد (أدنى العدد) كما فعلوا ذلك بما ذكرنا من بنات الثلاثة، وذلك قولهم (ثلاثة جدر) و(ثلاثة كتب).
يعني أنهم لم يقولوا ثلاثة (أجدرة) في جمع (جدار)، ولا ثلاثة (أكتبة) في (كتاب) كما قالوا ثلاثة (أحمرة) في جمع (حمار).
قال: وأما ما كان (منه) مضاعفا فإنهم لم يجاوزوا به بناء أدنى العدد وإن عنوا الكثير تركوا ذلك كراهية التضعيف إذ كان من كلامهم ألا يجاوزوا بناء أدنى العدد فيما هو غير معتل وذلك قولهم: (خلال) و(أخلة)
و(عنان) و(أعنّة) و(كنان) و(أكنة).
يعني لم يقولوا فيه (عنن) و(كنن) واستغنوا بأدنى العدد فيه كما استغنوا بأكتاف و(أرسان) ونحو ذلك من الصحيح الذي استغنوا فيه بأدنى العدد مع استثقالهم التضعيف، لو قالوا (فعل) لقالوا (عنن) فكرروا النون من غير إدغام. ولقالوا (جلل) وأدنى العدد يوجب الإدغام وهو أخف ومعنى كنان: هو الشيء الذي يسترك من مطر أو برد أو حر.
قال الشاعر:
أيّنا بات ليلّة بين غصبين يوبل
تحت عين كتاننا برد عصب مرحّل (١)
يريد يظلل.
وذكر بعضهم مكان خلال وأخّلة " جلال وأجلة " على أن " جلالا " واحد وليس بجمع ل (جلّة) ولا (جلّ).
_________________
(١) البيتان لعمر بن أبي ربيعة من الخفيف المجزوء المخبون وانظر اللسان مادة (كنن).
[ ٤ / ٣٣٤ ]
قال الشاعر:
ففرّجت كرب النّفس عني بحلفة كقدّك عن متن الجواد جلالها (١)
أراد: جلّها وهو واحد.
قال: " وأما ما كان منه من بنات الياء والواو فإنه لا يجاوز به أدنى العدد كراهية هذه الياء مع الضمة والكسرة لو ثقلوا والياء مع الضمة لو خففوا وذلك قولهم:
(رشاء) و(أرشية) و(سقاء) و(أسقية) و(رداء) و(أردية)، و(إناء) و(آنية) و(كساء) و(أكسية).
وإنما قال من بنات الياء والواو، لأن هذه الهمزات منقلبات من الياء والواو لأن قولك " كساء " أصله " كساو " والدليل على ذلك قولهم: (كسوت)، و(الكسوة) والهمزة في " سقاء " بدل من الياء، والأصل " سقاى "، فلو جمعوا ذلك على مثل (حمار) و(حمر) للزمهم أن يقولوا: " سقى " و(كسى).
وذلك أن " فعلا " من هذا الباب إذا أتى به على أصله وجب أن يكون آخره واو لانضمام ما قبلها فيقال (كسوّ) و(سقوّ) ثم تقلب الواو ياء لأنه لا يقع في الأسماء واو قبلها ضمة كما قالوا في (أدلو) " أدل ". فلما كان الجمع الكثير
الذي هو (فعل) يؤديهم إلى هذا التغيير تجنبوه، فإن قيل: فإذا خفف لم يؤد إلى هذا الاجتماع، قيل له إن الذي يخفف إنما يخففه عن المثقل وقد عرفتك ما يلزم المثقل من التغيير.
قال: وأما ما كان منه من بنات الواو التي الواوات فيهن عينات، فإنك إذا أردت بناء أدنى العدد كسرته على (أفعلة) وذلك قولك (خوان) و(أخونة) و(رواق) و(أروقة) و(بوان) و(أبونة)، فإذا أردت بناء أكثر العدد لم تثقل وجاء على (فعل) كلغة بني تميم في الخمر وذلك (خون) و(روق) و(بون)، والبوان عمود الخيمة، وإنما خففوا كراهية الضمة.
يعني لو قالوا: (خوّن) و(روق) لثقل فخفّفوا وكذلك قالوا (رجل عزول) و(قوم قول) ولم يضموا الواو، والأصل الضم كقولهم (صبور) و(صبر)، وإذا اضمر الشاعر جاز له أن يضم.
قال عدي بن زيد:
قد حان أنّ تصحو أوان تقصر وقد أتى لما عهدت عصر
_________________
(١) البيت من الطويل والشاهد فيه (جلالها) حيث جاء في البيت مرادا به الجل فهو واحد وليس بجمع.
[ ٤ / ٣٣٥ ]
عن مبرقات بالبرين وتبدو بالأكفّ اللّامعات سور (١)
وهو جمع سوار.
قال: وإذا كان في موضع الواو من " خوان " ياء ثقل في لغة من يثقل وذلك:
(عيان) و(عين) والعيان حديدة تكون في متاع الفدان ثقلوا هذا كما قالوا:
(بيوض) و(بيض).
وإنما ثقّلوه، لأن الضم على الياء أخف من الضم على الواو.
قال: وأما من يخفف فيقول " خمر " و" رسل " من بني تميم فإنه يقول في هذا (عين) لأن الياء تسكن وقبلها ضمة فيصير مثل قولهم " أبيض " و" بيض " و" أعيس " و" عيس ".
وعلى هذا حكى يونس أن من العرب من يقول: (صيود) و(صيد) و(بيوض) و(بيض) وهو على قياس من قال في (الرّسل) " رسل ".
قال: وأما ما كان " فعالا " فإنهم إذا كسروه على بناء أدنى العدد فعلوا به ما فعلوا " بفعال "، لأنه مثله في الزيادة والتحريك والسكون إلا أن أوله مفتوح، وذلك (زمان) و(أزمنة) و(مكان) و(أمكنة) و(فدان) و(أفدنة) و(قذال)
و(أقذلة) وإذا أردت بناء أكثر العدد قلت (قذل) و(فدن)، وقد يقتصرون على بناء أدنى العدد كقولهم (أزمنة) و(أمكنة).
قال: وأما ما كان منه من بنات الياء والواو فعل به ما فعل بما كان من باب " فعال " وذلك قولهم (سماء) و(أسمية)، و(عطاء) و(أعطية) وكرهوا بناء الأكثر، لاعتلال هذه الياء لما ذكرت لك، ولأنها أقل الياءات احتمالا وأضعفها و" فعال " في جميع الأشياء بمنزلة " فعال "
ومعنى قوله أقل الياءات احتمالا وأضعفها يعني أنها لام الفعل، ولام الفعل أضعف من عين الفعل، وسنقف على ذلك في التصريف إن شاء الله.
وقوله: (سماء) و(أسمية) ليس بالسماء ذات البروج ومعناه المطر، يقال للمطر (سماء) و(أسمية) في أدنى العدد والكثير (سميّ).
_________________
(١) البيتان من الكامل. انظر ديوان الشاعر: ١٢٧، والمقتضب: ١/ ١١٣، والمنصف: ١/ ٣٣٨، وشرح المفصل لابن يعيش: ٥/ ٤٤، والدرر اللوامع: ٢/ ٢٢٧.
[ ٤ / ٣٣٦ ]
قال العجاج:
تلفّه الرياح والسّميّ في دفء أرطاة لها حتيّ (١)
وقد قيل لأبي الحسن الأخفش لم لم يجز أن يقولوا في لغة من خفف: (عطر) والياء لا تعتل على هذا الوجه؟
فقال: لأن هذا في لغة من يقول (علم) والأصل عندهم التثقيل، ولكنهم يخففون.
والدليل على أن الأصل التثقيل أنهم يقولون (ظرفت) و(علمت) فيلزمون الكسر ولا يذهبون به إلى حركة أخرى.
ومعنى قول أبي الحسن: أنهم: يقولون ظرف الرجل وعلم الرجل والثاني منهما ساكن.
فإذا كان الفعل للمتكلم احتاجوا إلى تحريك الثاني فيضمون في (ظرفت) ويكسرون في (علمت) فعرف بذلك أنهم ردوهما إلى أصلهما.
قال: " وأما ما كان " فعالا " فإنه في بناء أدنى العدد بمنزلة " فعال "، لأنه ليس بينهما شيء إلا الضم والكسر وذلك قولك: (غراب) و(أغربة) و(خراج) و(أخرجة) و(بغاث) و(أبغثة). "
والبغاث: خشاش الطير وفيه ثلاث لغات (بغاث) و(بغاث) و(بغاث) وعلى ذلك رووا:
بغاث الطّير أكثرها فراخا وأمّ الصّقر مقلات نزور (٢)
قال: " وإذا أردت بناء أكثر العدد كسّرته على " فعلان " كقولك: (غراب)، و(غربان) و(خراج) و(خرجان) و(غلام) و(غلمان) ولم يقولوا أغلمة.
استغنوا بقولهم: (ثلاثة غلمة) كما استغنوا ب (فتية) عن أن يقولوا (أفتاء). "
قال أبو سعيد: لأن (غلمة) و(فتية) (فعلة) وهي من بناء أقل العدد، وقد يردونه في التصغير إلى قياس الباب فيقولون: (أغيلمة) وقال بعض النحويين:
_________________
(١) انظر ديوان الشاعر: ٦٩، والبيتان من مشطور الرجز، والمخصص: ٩/ ٤، وشرح المفصل لابن يعيش: ٥/ ٤٤، واللسان: (سما).
(٢) البيت لعباس بن مرادس مذكور في اللسان (بغث) وهو من الوافر، وانظر آمالي ابن الشجري: ٢/ ٢٨٨، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ١١٥٤.
[ ٤ / ٣٣٧ ]
إنما قالوا في كثيره (فعلان) لأنهم جعلوا الألف فيه كأنها قد زيدت على فعل للمد، فيحذفون هذه الألف فيصير كأنه (غرب) و(غربان) كقولهم: (صرد) و(صردان).
قال: وقالوا في المضاعف حين أرادوا بناء (أدنى) العدد كما قالوا في المضاعف في " فعال " كقولهم: (ذباب) و(أذبّة) والكثير (ذبّان) ولم يقتصروا على أدنى العدد لأنهم أمنوا التضعيف.
يريد أن " فعلانا " من المضاعف تدغم عين الفعل في لامه ضرورة لأن العين ساكنة وفي " فعال " يجيء على " فعل " ولا يلزم فيه الإدغام فلذلك جاء في فعال من المضاعف الجمع الكثير ولم يجيء في (فعال).
قال: " وقالوا " حوار " و" حيران " كما قالوا: (غراب) و(غربان) وقالوا في أدنى العدد: (أحورة) والذين يقولون: (حوار) يقولون (حيران)، و(صوار) و(صيران).
جعلوا هذه بمنزلة " فعال " كما أنهما متفقان في بناء أدنى العدد. "
يريد أن " حوارا " فيه " لغتان " (حوار) و(حوار) وكذلك (صوار) فيه لغتان (صوار) و(صوار) فلغة الضم توجب أن يكون الجمع الكثير على (فعلان). ولغة الكسر توجب أن يكون الكثير على (فعل) كقولهم (خوان) و(خون) فاتفقوا في جمع هذين الحرفين على لغة الضم فقالوا (حيران) و(صيران) كما أن " فعالا "، و(فعالا) قد اتفقا في أدنى العدد على أفعلة وعلى نحو ذلك (سوار) فيه لغتان: (سوار) و(سوار) وقد اتفقوا في جمعه الكثير على لغة الكسر فقالوا: (سور) كما قالوا: (خوان) و(خون).
قال: " وقد قال قوم: (حوارن). وله نظير سمعنا بعض العرب يقول:
" زقاق " و" زقّاق ".
يريد أن " فعلانا " فيما واحده (فعال) قليل لم يجئ إلا (حوران) في جمع (حوار) و(زقّان) في جمع (زقاق) والباب فيه الكسر كقولك (غربان) و(غلمان) وبعض الناس يروي مكان (زقاق) و(زقّان): و(رقاق) و(رقّان) يعني (الرّقاق) من الخبز
وقد يقتصر على أدنى العدد في ذلك قالوا: (فؤاد) و(أفئدة). وقالوا: (قراد) و(قرد) فجعلوه موافقا " لفعال " كما قالوا (جدار) و(جدر)، ومثل ذلك في باب " فعال " (ذباب) و(ذبّ).
قال: وأما ما كان " فعيلا " فإنه في بناء أدنى العدد بمنزلة " فعال " و" فعال "؛ لأن الزيادة التي فيه مدة، كما أن الزيادة التي فيهما مدة، ولم تجئ الياء التي في فعيل
[ ٤ / ٣٣٨ ]
لتلحق بنات الثلاثة ببنات الأربعة. كما لم تجئ الألف في (فعال)، و(فعال) لذلك وهو بعد في الزنة والتحريك والسكون مثلهما، فهن أخوات، وذلك قولك (جريب) و(أجربة) و(كتيب) و(أكتبة) و(رغيف) و(أرغفة).
" جعل " فعيلا " نظير " فعال " و" فعال " لأن حرف المد واللين في فعيل هو الياء وهو ثالث وفي (فعال) و(فعال) ثالث وهو الألف ومع ذلك فلم تدخل الياء والألف في واحد منهما للإلحاق فلذلك استوين في " أفعلة " ويجيء الكثير على " فعلان " كقولك: (رغفان) و(جربان) و(كثبان) و(صلبان) و(عسيب) و(عسبان)، ويكسر على " فعل " أيضا كقولك " رغيف " و" رغف " و" قليب " و" قلب " (وكثيب وكثب) و(قضيب) و(قضب) و(أميل) و(أمل) و(عصيب) و(عصب) و(عسيب) و(عسب) و(صليب)، و(صلب).
قال: وربما كسّروا هذا على " أفعلاء "، وذلك قولهم (نصيب)، و(أنصباء) و(خميس) و(أخمساء) و(ربيع) و(أربعاء) وهي في أدنى العدد بمنزلة ما قبلهن.
يعني أن القليل يقال فيه (ثلاثة أنصبة) و(عشرة أخمسة) و(سبعة أربعة)، والكثير (أخمساء) و(أنصباء) و(أربعاء).
قال: " وقد كسّره بعضهم على " فعلان " كقولهم (ظليم) و(ظلمان)، و(قضيب) و(قضبان) ويقال فيه أيضا (قضبان) و(فصيل) و(فصلان) و(عريض) و(عرضان) شبهوه ب (فعال)، والعريض: التّيس. قال الشاعر:
ما بال زيد لحية العريض مرّ بنا كالخزز المريض (١)
وذوات الواو والياء منه كذلك، كقولهم: (قرىّ) و(أقرية) و(قريان) والقرىّ: مسيل الماء إلى الروضة ومثله: (سرىّ) و(أسرية) و(سريان) - والسّرىّ: النهر- وقالوا: (صبيّ) و(صبيان) ك (ظليم) و(ظلمان) ولم يقولوا
(أصبية)، استغنوا بصبية عنها، وقالوا في التضعيف كما قالوا في (الجريب).
وقالوا: (حزيز) و(أحزّة) و(حزّان). وبعضهم قال: (حزّان) كما قالوا " ظلّمان " وقالوا (سرير) و(أسرّة) و(سرر) كما قالوا (قليب) و(أقلبة) و(قلب) وقالوا: (فصيل) و(فصال) شبهوه ب (ظريف) و(ظراف) ودخل مع الصفة في بنائه كما دخلت الصفة في
_________________
(١) البيتان من مشطور الرجز. انظر اللسان مادة (عرض) والشاهد فيه قوله (العريض) حيث جاء في البيت مرادا به التيس.
[ ٤ / ٣٣٩ ]
بناء الاسم.
قال: " وأما ما كان من هذه الأسماء (الأربعة) مؤنثا- يعني فعال وفعال وفعال وفعيل- فإنهم إذا كسّروه على بناء أدنى العدد كسّروه على (أفعل)، وذلك قولك (عناق) و(أعنق) وقالوا في الجميع- يعني الكثير- (عنوق) فكسروها على " فعول " كما كسروها على " أفعل " بنوه على ما هو بمنزلة " أفعل " كأنهم أرادوا أن يفصلوا بين المذكر والمؤنث كأنهم جعلوا الزيادة التي فيه إذ كان مؤنثا بمنزلة الهاء في (قصعة) و(رحبة) وكرهوا أن يجمعوه جمع (قصعة)، لأن زيادته ليست كالهاء فكسروه تكسير ما ليس فيه زيادة من الثلاثة حيث شبه بما فيه الهاء منه، ولم تبلغ زيادته الهاء، لأنها في الحرف نفسه وليست علامة تأنيث لحقت الاسم بعد ما بني ك (حضر موت). "
قال أبو سعيد: قد تقدم أن أقل العدد من هذه الأبنية الأربعة في المذكر على " أفعلة " كقولنا (حمار) و(أحمرة) و(غراب) و(أغربة) و(قذال) و(أقذلة) ورغيف و(أرغفة)، وفي المؤنث على " أفعل " كقولنا (عناق) و(أعنق) و(ذراع) و(أذرع) و(عقاب) و(أعقب) و(يمين) و(أيمن).
قال سيبويه: جعلوا التأنيث الذي فيه وإن لم يكن بعلامة كالتأنيث الذي في (قصعة) و(رحبة) (ففصلوا بين ما فيه التأنيث كما فصلوا بين قصعة ورحبة) وبين (كلب) و(جمل)، ألا ترى أنه لا يقال في (قصعة) (أقصع) كما يقال في (كلب):
(أكلب) ولا في (رحبة): (أرحاب) كما يقال في " جمل ": (أجمال) ولم يجمعوه جمع ما فيه هاء التأنيث، لأن (فعالة) و(فعالة) و(فعيلة) لا يجمع في أدنى العدد على (أفعل).
وإنما أراد سيبويه أنهم فرقوا بين المذكر والمؤنث كما فرقوا بين (قصعة)، و(فلس) فجمعوه على خلاف جمع المذكر واختاروا له أخف أبنية أدنى العدد وشبهوه بنزعهم الهاء من عدد المؤنث وإثباتهم إياها في المذكر كقولنا في المؤنث: (ثلاث وأربع وخمس) وفي المذكر (ثلاثة وأربعة وخمسة).
ومعنى قوله: " وكرهوا أن يجمعوه جمع (قصعة) لأن زيادته ليست كالهاء " يعني أنهم كرهوا أن يجمعوه جمع (فعالة) و(فعالة)، لأن التأنيث الذي فيه ليس بعلامة، وإنما هو شيء في نفس الحرف فأسقط منه الزيادة يعني الألف في " فعال " والياء في " فعيل " فصار على ثلاثة أحرف. وبنى على " أفعل " كما بنى ما كان على ثلاثة أحرف (كفعل). ومعنى قوله: " قالوا في الجميع (عنوق) فكسروها على " فعول " كما كسروها على " أفعل " بنوه
[ ٤ / ٣٤٠ ]
على ما هو بمنزلة أفعل ". يعني أنهم لما قالوا: (عناق) و(أعنق) وأجروه مجرى (فلس) و(أفلس) جمعوه في الكثير على (فعول) فقالوا (عنوق) كما قالوا (فلوس)، وهذا معنى قوله بنوه على ما هو بمنزلة (أفعل) لأن فعولا في الكثير كأفعل في القليل، وذكر أبو حاتم السجستاني أنه يقال: (عناق) و(عنوق) و(عنق) وقد أنشد أبو زيد (١):
أنشد من أم عنوق حمحم (٢)
ويقال أيضا في التخفيف (عنق) وفي بعض الأمثال " العنوق بعد النّوق " يضرب مثلا للذي يفتقر كأنه يملك العنوق بعد ملكه النوق.
قال: ونظير عنوق قول بعض العرب في السماء (سميّ) وقال أبو نخيلة:
كنهور كان من أعقاب السّميّ (٣)
الكنهور الغيم المتراكب. وقالوا (أسمية) فجاءوا به على الأصل.
وإن قال قائل: لم قالوا " أسمية " والسماء مؤنثة من السماء ذات البروج ومن السماء التي هي المطر، يقال أصابتنا سماء أي مطرة.
قيل له، قد تذكر السماء قال الله ﷿: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ (٤).
وقال بعضهم: إنما ذكره على تأويل السّقف كقوله: وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا (٥).
وقال بعضهم: ذكره لأن السماء جمع كجمع الجنس وأصله سماوة للواحد وسماء للجمع وقد ذكره سيبويه قبل هذا الفصل في جملة المذكر، وذلك قولك سماء وأسمية و(عطاء) و(أعطية)، وذكره في هذا الموضع مع المؤنث فقال جاءوا به على الأصل أي جاءوا به على ما يجب للمذكر، والمذكر هو الأصل فيجوز أن يكون سيبويه ذكره في الموضعين لأنه يذكر ويؤنث واختاروا في جمعه في الموضعين " أسمية " كراهية " لأفعل " لأنها تعتل إذا قلنا " أسم " يا هذا كما نقول (أدل) و(أثد) فعدلوا إلى ما لا يعتل.
_________________
(١) هو سعيد أوس بن ثابت الأنصاري نحوي لغوي حدث عن أبي عمرو بن العلاء وروى عنه أبو عبيد القاسم بن سلام وله عدة كتب منها " النوادر " انظر بغية الوعاة: ١/ ٥٨٢ وإنباه الرواة: ٢/ ٣٠.
(٢) انظر اللسان وتاج العروس (حمم) والتبصرة والتذكرة: ٢/ ٦٦٣.
(٣) البيت من مشطور الرجز. انظر الأعلم: ٢/ ١٩٤، والمنصف: ٢/ ٦٨، واللسان (كنهر).
(٤) سورة المزمل، الآية: ١٨.
(٥) سورة الأنبياء، الآية: ٣٢.
[ ٤ / ٣٤١ ]
قال: وأما من أنث اللسان فإنه يقول (ألسن) ومن ذكر قال (ألسنة) "
قال: وقالوا (ذراع)، و(أذرع) حيث كانت مؤنثة (ولا يجاوز بها هذا البناء) وإن عنوا الأكثر، كما فعل ذلك بالأكفّ و(الأرجل) وقالوا: (شمال) و(أشمل) وقد كسرت على (عدم) حذف الزيادة التي فيها فقالوا: (شمائل). "
يعني كسرت على أنه لم يحذف من شمال شيء والذي يقول أشمل قد حذف الألف ثم جمع ثلاثة أحرف على أفعل وقالوا " شمل " على قياس (جدار) و(جدر).
قال الأزرق العنبري:
طرن انقطاعة أوتار محظرية في أقؤس نازعتها أيمن شملا (١)
يصف طيرا ثارت من مكان وتفرقت في الطيران فشبهها في التفرق بأوتار محكمة الشد انقطعت في المد والذي يمد القوس يمينه تنازع شماله، لأن كل واحدة من اليدين تمد إلى خلاف جانب الأخرى كأنهما يتنازعان القوس.
قال سيبويه: " وقالوا: (عقاب) و(أعقب) وقالوا (عقبان)، كما قالوا: (غربان)، وقالوا: (كراع) و(أكرع) و(أتان) و(آتن) كما قالوا: (أشمل)، وقالوا: (يمين) و(أيمن) لأنها مؤنثة.
وقال أبو النجم:
يأتي لها من أيمن وأشمل (٢)
وقالوا: " أيمان " فكسروها على " أفعال " كما كسروها على (أفعل) إذ كانا لما عدده ثلاثة أحرف ".
يعني " أفعال " و" أفعل " هما جمع للثلاثي. وقد يكون للثلاثي ما يجتمع فيه أفعل وأفعال كقولك (أفرخ) و(أفراخ).
قال: وأما ما كان (فعولا) فإنه بمنزلة (فعيل) إذا أردت بناء أدنى العدد لأنها كفعيل في كل شيء، إلا أن زيادتها واو، وذلك قولك: (قعود) و(أقعدة) و(عمود) و(أعمدة) و(خروف) و(أخرفة) فإذا أردت أكثر العدد كسرته على (فعلان) وذلك قولك (خرفان)
_________________
(١) البيت من البسيط. انظر شرح الأعلم: ٢/ ١٩٤، والإنصاف: ٤٠٥، والمفصل لابن يعيش: ٥/ ٣٤، ٤١.
(٢) انظر الخصائص: ٢/ ١٣٠، والخزانة: ١/ ٤٠١، ونوادر أبي زيد: ١٦٥، وانظر التبصرة والتذكرة: ٢/ ٦٦٣.
[ ٤ / ٣٤٢ ]
و(قعدان) و(عمّود) و(عمدان) خالفت (فعيلا) كما خالفتها " فعال " في أول الحرف.)
يريد خالفت " فعيلا " كما خالفت (فعال) فعيلا وذلك أن (فعيلا) يجمع على (فعلان) كقولنا (قفيز) و(قفزان) و(جريب) و(جربان). و" فعال " يجمع على (فعلان) كقولنا (غراب) و(غربان) و(غلام) و(غلمان) و" فعول " بمنزلة (فعال)، لأنهم قالوا:
(خروف) و(خرفان) و(قعود) و(قعدان) ومعنى قوله في أول الحرف يعني في حركة أول الحرف في الجمع على ما ذكرنا.
قال: وقالوا: (عمود) و(عمد) و(زبور) و(زبر) و(قدوم) و(قدم) فهذا بمنزلة (قلب) و(قضب) و(كثب) وقالوا: (قدائم) كما قالوا: (شمائل) وقالوا (قلص) و(قلائص)، وكسروا أشياء منه من بنات الواو على (أفعال)، قالوا: (أفلاء) و(أعداء) والواحد (فلوّ) و(عدوّ).
قال أبو سعيد: لم يذكر سيبويه في (فلوّ) غير (أفلاء). وقد ذكر أبو عمر الجرمي (فلوّ) و(أفلاء) و(فلاء) و(فليّ) و(فليّ) وهو على (فعول).
قال سيبويه: " وكرهوا " فعلا " كما كرهوا " فعال " وكرهوا " فعلانا " للكسرة التي قبل الواو وإن كان بينهما حرف ساكن لأنه ليس حاجزا حصينا و" عدوّ " وصف ولكنه ضارع الاسم.
قوله: كرهوا " فعلا " لأنه يلزمهم- إذا بنوه على فعل- أن يقولوا " عدى " و" فلى " وإذا بنوه على (فعلان) قالوا: (فلوان) و(عدوان) فيقع بين الكسرة والواو حرف ساكن وليس بحاجز حصين. وكان الباب في " عدوّ " أن يجمع بالواو والنون، لأن " فعولا " إذا كان صفة لما يعقل جمع جمع السلامة كقولك: (عفوّ) و(عفوّون) ولكنه ضارع الاسم لكثرته حتى يقال: (هذا عد ولزيد) و(مررت بعد ولزيد) وإن لم يكن قبله منعوت.
قال: وأما ما كان عدد حروفه أربعة أحرف وكان (فعلى الأفعل) فإنك تكسره على الفعل.
قال أبو سعيد: اعلم أن ما كان على " أفعل " وأنثاه " فعلى " فالباب فيهما أن يستعملا بالألف واللام ولا يسقطا كقولك (الأصغر والصّغرى) و(الأكبر والكبرى) و(الأعزّ والعزّى)، و(الأدنى والدّنيا) و(الأقصى والقصيا) و(الأطول والطّولى)، ويجوز فيهما جمع السلامة وجمع التكسير فجمع السلامة في المذكر (الأصغرون)
و(الأكبرون) و(الأرذلون)،
[ ٤ / ٣٤٣ ]
قال الله تعالى: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١)، وجمع التكسير (الأفاعل) كقولنا (الأكابر) و(الأراذل).
قال الله ﷿: أَكابِرَ مُجْرِمِيها (٢) والَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا (٣).
وتقول في المؤنث في جمع السلامة (الصّغريات) والكبريات) وفي جمع التكسير الفعل كقولك (الصّغر) والكبر) و(العزز) في جمع (العزّى) و(السّبع) الطّول لأنها جمع القصيدة (الطّولى) من القصائد وجعلوا ألف التأنيث التي في الفعلى بمنزلة هاء التأنيث كأنهم جعلوا (الكبرى) ك (الكبرة) فصارت بمنزلة (ظلمة) وبذلك احتج سيبويه.
قال: " وإنما صيروا الفعلى هاهنا بمنزلة (الفعلة)، لأنها على بنائها ولأن فيها علامة التأنيث وليفرقوا بينها وبين ما لم يكن فعلى أفعل ".
يعني بينها وبين (حبلى) و(سعدى) وما أشبه ذلك.
قال: وأما ما كان على أربعة أحرف وكان أخره ألف التأنيث فإن أردت أن تكسره فإنك تحذف الزيادة التي هي للتأنيث ويبنى على فعالى، وتبدل الياء ألفا كقولك في (حبلى): (حبالى) وفي (ذفرى): (ذفارى)، وقد قال بعضهم (ذفرى) و(ذفار)، ولم ينونوا (ذفرى) وكذلك ما كانت الألفات في آخره للتأنيث، وذلك قولك (صحراء) و(صحارى) و(عذراء)، و(عذارى)، وقد قالوا: (صحار) و(عذار) حذفوا الألف التي قبل علامة التأنيث ليكون آخره كأخر ما فيه علامة التأنيث إذ كانوا يحذفونه من غيره وليفرقوا بين هذا وبين (علباء) ونحوه، وألزموا هذا ما كان فيه علامة التأنيث إذ كانوا يحذفونه من غيره، وذلك (مهرية) و(مهار) و(أثفيّة) و(أثاف)، جعلوا (صحراء) بمنزلة ما في آخره ألف إذ كانا أواخرهما علامة التأنيث مع كراهيتهم الياءات حتى قالوا: (مدارى) و(مهارى) فهم في هذا أجدر أن يقولوه لئلا يكون بمنزلة ما آخره لغير التأنيث.
قال أبو سعيد: اعلم أن المقصور مما هو على أربعة أحرف على ضربين: أحدهما أن تكون الألف فيه للتأنيث والآخر لغير التأنيث، فإذا جمع جمع التكسير فما كان منه للتأنيث، فإن الباب أن تقلب ألف التأنيث التي كانت في الواحدة ألفا في الجمع بعد أن
_________________
(١) سورة الشعراء، الآية: ١١١.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٢٣.
(٣) سورة هود، الآية: ٢٧.
[ ٤ / ٣٤٤ ]
تقلب ياء في التقدير وذلك قولنا (حبلى) و(حبالى) و(ذفرى) و(ذفارى) الأصل فيه (حبالى) و(ذفارى). غير أنهم يقلبونها ألفا لأن الألف أخف من الياء ولأنها لا تسقط في الوصل والوقف فتقول: (هؤلاء حبالى)، إذا وقفت، وهؤلاء (حبالى) فاعلم إذا وصلت.
وقد يقلبون ما ليس للتأنيث فيقولون في (مدرى) (مدار) و(مدارى) وفي (معى) (معاء) و(معايا) وألزموا باب حبالى الألف، وليست هذه الألف في حبالى للتأنيث بل هي منقلبة من ياء، والدليل على أنها ليست للتأنيث أن رجلا لو كان اسمه (حبالى) وصغرناه لم نعمل به ما نعمل في تصغير (حبارى) لأن " حبّارى " إذا صغرناه جاز أن يحذف الألف الأولى فنقول: (حبيرى) كما نقول في تصغير (حبلى) (حبيلى) ولنا أن نحذف الألف الأخيرة فنقول (حبيّر). وإذا صغرنا (حبالى) اسم رجل فحذفنا الألف الأولى قلنا: (حبيل) فقلبنا الألف ياء لانكسار ما قبلها وصار بمنزلة تصغير (ملهى) إذا قلنا (ملبة)، وقد حكى سيبويه (ذفرى) و(ذفار) فيمن لا ينون (ذفرى) يريد فيمن يجعل الألف في (ذفرى) للتأنيث، وهذا خارج عن الباب وإذا كانت الألف لغير التأنيث فإن الباب فيه أن تقلب ياء كقولك " أرطى " و" أراط " و" ملهى " و" ملاه " و" معزى " و" معاز "، وقد يبدلون من الياء ألفا لخفة الألف، قالوا (مدرى) و(مداري). ويجوز في الباب كله قلب الياء ألفا؛ لأنه لا يقع فيه إشكال.
وما كان من الممدود منه مما ألفه للتأنيث فإنه يجوز فيه أن يجري مجرى (حبلى) و(حبالى).
ويجوز أن تقلب ياء قالوا: (صحراء) و(صحارى) و(عذراء) و(عذارى).
وقد قالوا: (صحار) و(عذار) حذفوا الألف التي قبل الهمزة، ليكون آخره كآخر (حبلى) وليفرقوا بين ما كانت المدة فيه لغير التأنيث نحو (علباء) ونحوه، وذلك أن الباب في (علباء) ونحوه أن يقال (علابيّ) و(حرابيّ)، لأن (عباء) ملحق به (سرداح)، فلما كان الباب في (سرداح) أن يقال (سراديح) ولا يقال (سرادح) وجب أن يكون الباب في (علباء) " علابي " وذلك أنهم يدخلون ألف الجمع ثالثة فتقع بعد الألف (الباء) فتكسر الباء التي بعد ألف الجمع فتنقلب من أجل كسرتها الألف التي قبل الهمزة في (علباء) ياء وتنقلب الهمزة ياء أيضا؛ لأن أصلها الياء، وإنما انقلبت همزة لوقوعها بعد الألف فتعود إلى الياء وربما شدّدوا الممدود المؤنث فيقولون (صحراء) و(صحاريّ) فيأتون به على استيفاء الحروف، لأن الألف في الواحد رابعة ولا يوجب الجمع إسقاطها وآثروا التخفيف في (صحراء) ونحوه، إذ قد خففوا (في) ما ليس فيه ألف التأنيث (فقالوا) (مهريّة) و(مهار)
[ ٤ / ٣٤٥ ]
و(أثفيّة) و(أثاف)، وكان القياس أن يقال: (مهاريّ) و(أثافيّ) لأن ألف الجمع تقع بعدها ألف فتكسر ما بعدها.
والحرف الرابع من الواحد ياء فلا يجب إسقاطها كما لا يجب إسقاط ياء (قنديل) إذا قلت (قناديل) فهم في التأنيث أجدر أن يخففوه لئلا يكون آخره بمنزلة ما جاء لغير التأنيث، إذ كان في التأنيث أثقل.
قال: وقالوا: (ربّى) و(رباب) حذفوا الألف وبنوه على هذا البناء، كما حذفوا الهاء من (جفرة) فقالوا: (جفار) إلا أنهم قد ضموا أول ذا، كما قالوا (طئر) و(طئار) و(رخل) و(رخال) ولم يكسروا أوله كما قالوا (بناء) و(قداح). "
قال أبو سعيد: اعلم أن " فعالا " في الجمع قليل وإنما جاء في سبعة أسماء قالوا: (ربّى) و(رباب) والرّبّى: هي الشاة التي تربّي ولدها، وقالوا: (ظئر) و(ظئار) والظّئر في النوق بمنزلة (الرّابّة) في الناس ويقال أيضا (أظآر)،
قال متمم:
فما وجد أظآر ثلاث روائم رأين مخرا من حوار ومصرعا (١)
و(رخل) و(رخال)، وفيه أربع لغات (رخل) و(رخل) و(رخل) و(رخل) و(فرير) و(فرار) والفرير: الحمل، ويقال أيضا لولد البقرة (فرير) و(عرق) و(عراق) والعرق العظم الذي عليها اللحم، و(ثني) و(ثناء)، والثّني الناقة التي نتجت مرتين ويقال أيضا (ثناء) و(تؤم) و(تؤام) ويقال أيضا (توائم).
قال الراجز:
قالت له ودمعها تؤام كالدرّ إذ أسلمه النّظام
على الّذين ارتحلوا السّلام (٢)
قال سيبويه: وإذا أردت ما هو أدنى العدد- يعني في المؤنث الذي آخره ألف- جمعت بالتاء تقول (خبراوات) و(صحراوات) و(ذفريات) و(دفليات) و(حبليات) وقالوا (أنثى) و(إناث) فذا بمنزلة (جفرة) و(جفار).
قال: وأما ما كان عدد حروفه أربعة أحرف فيه هاء التأنيث وكان (فعيلة) فإنك
_________________
(١) البيت مذكور في اللسان (ظأر) فهو شاهد على جمع الظئور وليس بشاهد على جمع الظئر، وهو من الطويل.
(٢) من مشطور الرجز مذكور في اللسان (تأم) والشاهد في (تؤام) إذ هو جمع تؤم.
[ ٤ / ٣٤٦ ]
تكسره على " فعائل " كقولهم (صحيفة) و(صحائف)، و(قبيلة) و(قبائل)، وذلك أكثر من أن يحصى، وربما كسروه على (فعل)، قالوا: (سفينة) و(سفن) و(صحيفة) و(صحف) شبهوه ب (قليب) و(قلب) كأنهم لم يعتدوا بالهاء وجمعوا (سفين) و(صحيف)، كما أنهم قالوا (جفرة) و(جفار) جعلوا الهاء كأنها لم تكن في الواحد فصار (جفر) وجفار كقولهم: (جمد) و(جماد).
قال: وقد يقولون: (ثلاث صحائف) و(ثلاث كتائب) وذاك لأنها صارت على مثال (حضاجر) و(بلابل) و(جنادب) فأجروها مجراها ومثل (صحائف) من بنات الياء والواو (صفيّة) و(صفايا) و(مطيّة) و(مطايا).
يعني أنهم قالوا: (ثلاث صحائف) في القليل وقد كان يمكنهم أن يقولوا (ثلاث صحيفات) والجمع بالألف والتاء يكون للقليل و(فعائل) من الجوع الكثيرة فشبهوها بما لا يحسن جمعه بالألف والتاء نحو (حضجر) و(حضاجر) و(بلبل) و(بلابل) و(جندب) و(جنادب) وهذه أسماء مذكرة لا يحسن أن تقول فيها (بلبلات) و(حضجرات) فحملوا ثلاث صحائف على هذا إذ كان رباعيا مثله.
قال: وأما (فعالة) فهو بهذه المنزلة لأن عدة الحروف واحدة، والزنة، والزيادة مدّ كما أن زيادة (فعيلة) مدّ، وذلك قولك إذا جمعت بالتاء (رسالات) و(كنانات)، و(عمامات) و(جنازات)، فإذا كسرته على (فعائل) قلت: (جنائز) و(رسائل)، وما كان على (فعالة) فهو بهذه المنزلة لأنه ليس بينهما إلا الفتح والكسر كقولك (حمامة) و(حمائم)، و(دجاجة) و(دجائج) و(فعالة) مثل ذلك كقولك: (ذؤابة) و(ذؤابات) و(قوارة)، و(ذبابة) و(ذبابات) فإذا كسرت قلت: (ذوائب) و(ذبائب) " وفعولة " بمنزلة " فعيلة " لأنها مثلها في الزنة والعدة وحرف المد وذلك قولهم (حمولة) و(حمائل) و(حلوية) و(حلائب)، وإن شئت قلت (حمولات) و(حلوبات) و(ركوبات).
ومعنى قول سيبويه، لأن فعولة بمنزلة فعيلة في الزنة والعدة وحرف المد.
أما العدة فإنه يريد به عدد الحروف. وأما حروف المد فأراد أن حرف المد فيها ثالث لأن الواو في فعولة ثالثة، والياء في فعيلة ثالثة.
وأما الزنة فإن فعولة متحركان وساكن، وكذلك فعيلة فالوزن واحد.
قال سيبويه: " وكل شيء كان من هذا أقل كان تكسيره أقل كما كان في بنات
[ ٤ / ٣٤٧ ]
الثلاثة ".
يريد أن " فعيلة " أكثر من " فعولة " و" فعالة " و" فعالة " وقد استغنوا في جمعها فقالوا:
" فعل " ل (سفن) و(صحف) ولم يجئ في " فعالة " و" فعولة " مثل ذلك.
قال: واعلم أن (فعالا وفعيلا وفعالا وفعالا) إذا كان شيء منها يقع على الجميع فإن واحده يكون على بنائه ومن لفظه وتلحقه هاء التأنيث وأمرها كأمر ما كان على ثلاثة أحرف وذلك قولك: (دجاج) و(دجاجة) و(دجاجات).
وبعضهم يقول: (دجاجة) و(دجاج) و(دجاجات) ومثله من بنات الياء: (أضاءة) و(أضاء) و(أضاءات)، و(شعيرة) و(شعير) و(شعيرات) و(سفين) و(سفينة) و(سفينات) ومثله من بنات الواو (رّكيّة) و(ركيّ) و(مطيّة)
و(مطيّ) و(ركيّات) و(مطيّات)، و(مرار) و(مرارة) و(مرارات) و(يمام) و(يمامة) و(يمامات) و(حمام) و(حمامة) و(حمامات) ومثله من بنات الياء والواو (عظاءة) و(عظاء) و(عظاءات)، و(صلاءة) و(صلاء) و(صلاءات).
قال أبو سعيد: هذا الذي ذكره من الأجناس بمنزلة (تمر) و(تمرة) وهو زائد على ثلاثة أحرف ولا فرق بين ما قلت حروفه أو كثرت عن ذلك.
وقوله: " أضاءة " و" أضاء " لا أعلم أحدا ذكر (أضاءة) بالمد غيره وكل يقول (أضاة) و(أضا) مثل (حصاة) و(حصى)، وذكره هو أيضا مقصورا فيما تقدم ومده نادر. وقوله:
ومثله من بنات الياء والواو (عظاءة) و(صلاءة) وللقائل أن يقول: (عظاءة) و(صلاءة) من بنات الياء، لأنا نقول (عظاية) و(صلاية)، فلم قال من بنات الياء والواو فيقال له: بنات الياء والواو تجري مجرى واحدا فمثل ببعض ذلك لأن التمثيل هو جزء يدل على غيره.
قال: " وكل شيء كان واحدا مذكرا، وكان يقع على الجميع فإن واحده وإياه بمنزلة ما كان على ثلاثة أحرف مما ذكرنا كثرت عدة حروفه أو قلت. "
يعني أن اسم الجنس واحد مذكر وهو يقع على الجميع؛ لأن الجنس جمع وقوله " وإياه كناية عن الجمع الذي ذكر كأنه قال: فإن واحده وجمعه مما زاد على الثلاثة ومن الثلاثة واحد.
«وأما ما كان من بنات الأربعة لا زيادة فيه فإنه يكسر على مفاعل، وذلك قولك: (ضفدع) و(ضفادع) و(حبرج) و(حبارج) و(خنجر) و(خناجر) و(جنجن) وجناجن) و(قمطر) و(قماطر».
[ ٤ / ٣٤٨ ]
قال أبو سعيد: جمع الرباعي على اختلاف بنيته يكون على مثال لفظ واحد، وذلك أنك إذا جمعت رباعيا فتحت أوله وأدخلت ألف الجمع ثالثة وكسرت الحرف الذي بعد ألف الجمع فلا يختلف. تقول: (ضفدع) و(ضفادع) فتفتح الضاد وكانت مكسورة و(حبرج) و(حبارج) فتفتح الحاء، وكانت مضمومة، والحبرج: ذكر الحبارى والجنجن:
عظم الصدر، وبعضهم يقول: (جنجن).
قال: " فإن عنيت الأقل لم تجاوز ذا لأنك لا تصل إلى التاء. "
يريد أنك تقول (ثلاثة قماطر) وهو جمع كثير، لأنه لا يمكن أن تحذف حرفا من الأربعة ثم تجمع الثلاثة الباقية الجمع القليل ولا يحسن أيضا أن تجمعه بالألف والتاء لأنه مذكر فلم يجز فيه غير ما ذكر من (ضفادع) و(حبارج) وما أشبه ذلك، وإن كان في ذوات الأربع حرف من حروف المد واللين زائد رابع كسرته على مثال (مفاعيل)
كقولك (قنديل) و(قناديل) و(كرسوع) و(كراسيع) و(غربال) و(غرابيل)، فأتقن الجمع كله على لفظ واحد، لأنك تفتح أوله وتكسر الحرف الذي بعد الألف فإن كان بعد ذلك الحرف واو قلبتها (ياء لانكسار) ما قبلها فقلبت واو (كرسوع) ياء في (كراسيع) وألف (غربال) أيضا تقلبها ياء في (غرابيل) لانكسار ما قبلها وما ألحق ببنات الأربعة من الثلاثي يجري في الجمع كبنات الأربعة كقولهم (جدول) و(جداول) و(عثير) و(عثاير) و(سلّم) و(سلالم) و(تولب) و(توالب) وهو ولد الحمار، و(جندب) و(جنادب) و(قردد) و(قرادد) وقد قالوا: (قراديد) كراهية التضعيف يعني كرهوا التقاء الدالين فمدوا الكسرة. وما لم يلحق ببنات الأربعة وفيه زيادة وليست بمدة فإنك إذا كسرته كسرته على مثال مفاعل وذلك (تنضب) و(تناضب) و(أجدل وأجادل) و(أخيل) و(أخايل).
فإن قال قائل لم قال سيبويه: وكل شيء من بنات الثلاثة فهي بناء بنات الأربعة وألحق ببنائها ثم ذكر (سلّم وسلالم) و(جندب وجنادب) وليس من مذهبه أن في بنات الأربعة " فعلل " وإن كان الأخفش وغيره يقولون: إن " جخدب " (فعلل) وقد حكوا (برقع)، و(برقع) و(جؤذر) و(جؤذر).
قيل له هذه الأسماء تجري عنده مجرى الملحق لأنه " جخدبا " حروفه أصلية فإنما عدل عن أن يجعله أصلا في الرباعي، لأنه مخفف من " جخادب " عنده وصار بمنزلة الرباعي الأصلي لأن حروفه كلها أصلية وصار (سلّم) و(دمّل) و(خرّب) ملحقا به.
قال سيبويه: وكل شيء مما ذكرنا كانت فيه (هاء) التأنيث يكسر على ما ذكرنا إلا أنك تجمع بالتاء إذا أردت بناء أدنى العدد وذلك قولك (جمجمة) و(جماجم)
[ ٤ / ٣٤٩ ]
و(زردمة) و(زرادم) و(مكرّمة) و(مكارم) و(عودقة) و(عوادق) وهو الكلّوب الذي يخرج به الدّلو.
قال: وكل شيء من بنات الثلاثة قد ألحق ببنات الأربعة وصار رابعه حرف مد فهو بمنزلة ما كان من بنات الأربعة له رابع حرف مد وذلك (قرطاط) و(قراطيط) و(جريال) و(جراييل) و(قرواح) و(قراويح).
قال أبو سعيد: أصل (قرطاط) " قرط " وإحدى الطاءين زائدة بذوات الأربع وأصل " جريال " (جرل) والياء زائدة والواو في (قرواح) زائدة فصار بمنزلة اسم على أربعة أحرف أصلية وزيدت فيها ألف رابعة كقولنا " سرداح " و" حذفار " فإذا جمعت هذا الملحق جمعته كالأصلي فصار (قراطيط)، و(قراويح) و(جراييس) بمنزلة (سراديح) و(حذافير).
قال: وكذلك ما كانت فيه زيادة ليست بمدة وكان رابعه حرف مد، ولم يبن بناء بنات الأربعة التي رابعها حرف مد وذلك نحو (كلّوب) و(كلاليب) و(يربوع) و(يرابيع) إحدى اللامين في (كلّوب) زائدة وليست من حروف المد
والواو فيه زائدة وهي حرف مد رابع فجمع على (كلاليب) مثل (قراويح) و(قراريط).
قال: وما كان من الأسماء على " فاعل أو فاعل " فإنه يكسر على بناء " فواعل وذلك (تابل) و(ترابل) و" طابق " و" طوابق " و(حاجز) و(حواجز) و(حائط) و(حوائط) "
قال أبو سعيد: وقد جاء فاعل فواعيل نحو (طابق) و(طوابيق) و(دانق) و(دوانيق) و(خاتم) و(خواتيم) وليس ذلك بقياس يطرد وبعضهم يقول في (خاتم) (خاتام) وأنشد:
أخذت خاتامي بغير حق (١)
فعلى هذه اللغة قياسه (خواتيم)
وقد ذكر الفراء أنه لم يجئ في فاعل (فواعيل) إلا شيء واحد من كلام المولدين قالوا (باءبل) و(بواءابل) شبهوه ب (طابق) و(طوابيق).
قال سيبويه: وقد يكسرون الفاعل على (فعلان) نحو (حاجر) و(حجران)،
_________________
(١) هذا البيت من مشطور الرجز وهو من شواهد المبرد في المقتضب: ٢/ ٢٥٨ والكامل: ٣٦٣، وشرح المفصل لابن يعيش: ٥/ ٥٣، والعقد الفريد: ٢/ ٢٧٣.
[ ٤ / ٣٥٠ ]
و(سالّ) و(سلّان) و(حائر) و(محوران) وقد قال بعضهم (حيران) كما قالوا (جانّ) و(جنّان)، وكما قال بعضهم (غائط) و(غيطان) و(حائط) و(حيطان) قلبوها حين صارت الواو بعد كسرة "
يعني أن الأصل في (غائط) و(حائط) الواو؛ لأن (الغائط) الأرض المنهبطة ويقال لها (الغوطة) ومنه سميت " الغوطة ": قرية بقرب دمشق.
و(حائط) من قولك (حاط) (يحوط) فقلبوا الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها كما قالوا (صيران) و(ميقات)، والحاجر: أرض مستديرة، و(السّالّ) موضع يكون فيه شجر، والحائر الموضع الذي يسميه العامة (الحير) وهو مستفل من الأرض يجتمع فيه الماء.
قال: والأصل (فعلان) وقد قالوا (غالّ) و(غلّان) و(فالق) و(فلقان) "
والغالّ: المكان المطمئن من الأرض والفالق المكان المستدير الذي ليس فيه نبت وفي النسخ (مالّ) و(ملّان) وما رأيت أحدا فسره، وفعلان في ذلك أكثر وهو الأصل.
قال: ولا يمتنع شيء من ذا من فواعل كقولك: (حاجر) و(حواجر) و(حائر) و(حوائر) و(حائط) و(حوائط).
قال: وأما ما كان صفة فأجري مجرى الأسماء فقد يبنونه على " فعلان " كما يبنونها وذلك قولك: (راكب) و(ركبان) و(صاحب) و(صحبان) و(فارس) و(فرسان) و(راع) و(رعيان) "
قال أبو سعيد: وهذه صفات تجري مجرى الأسماء؛ وذلك أنهم يقولون: " راكب " لراكب البعير و(ركبان) للجماعة، ويقولون لراكب الفرس: (فارس) فقد اختص الراكب بشيء على غير طريق الفعل، وكذلك (راع) يختص به من يرعى ضربا من المواشي ولا يقال لكلّ من رعى شيئا وحفظه (راع) على الإطلاق بل لا يفهم إذا قيل (فلان راع لشيء من الأنعام).
وقوله: (فقد يبنونه على فعلان) كقولك (راكب) و(ركبان) كما يبنون الأسماء كقولنا (حاجر) و(حجران) و(فالق) و(فلقان).
قال: وقد كسروه على (فعال) حيث جعلوه بمنزلة (فعيل) نحو (جريب)، و(جربان).
وسترى بيانه إن شاء الله تعالى: لم أجري ذلك المجرى، فأدخلوا الفعال هاهنا كما أدخلوه ثمّة حين قالوا: (إفال وفصال) وذلك نحو " صحاب ".
[ ٤ / ٣٥١ ]
يريد أنهم جمعوا (فاعلا) الذي هو صفة يجري مجرى الاسم على فعال فقالوا:
(صاحب) و(صحاب)، لأنهم قد أجروا " فاعلا " مجرى " فعيل " حين قالوا " فالق " و(فلقان) كما قالوا (جريب) و(جربان)، وقد أجازوا في (فعيل) الذي هو اسم (فعال) كقولهم:
(إقال) و(فصال) في جمع (أفيل) و(فصيل) فأجازوا ذلك أيضا في (فاعل) قالوا:
(صاحب) و(صحاب).
قال سيبويه: ولا يكون فيه (فواعل) كما كان في (تابل) و(خاتم) و(حاجر)؛ لأن أصله صفة وله مؤنث، فيفصلون بينهما، إلا في (فوارس) فإنهم قالوا: (فوارس) كما قالوا (حواجر) لأن هذا اللفظ لا يقع في كلامهم إلا للرجال وليس في أصل كلامهم أن يكون إلا لهم، فلما لم يخافوا الالتباس قالوا: (فواعل) كما قالوا: (فعلان) وكما قالوا (حوارث) حيث كان اسما خاصا ك (زيد).
منع سيبويه أن يجمع (فاعل) الذي هو صفة أجري مجرى الاسم على فواعل، وكذلك (الفاعل) الذي هو صفة لم يجر مجرى الاسم واستثنى من ذلك " فوارس " واحتج بأنه لا يشاركه المؤنث.
وما كان كذلك فهو كالاسم، لأن الأسماء في هذا الباب غير جارية على الأفعال لها مؤنث، وهذه الصفات لها مؤنث نحو صاحب (وصاحبة) و(راكب) و(راكبة) و(راع) و(راعية).
وقال غيره: قد جاء (فاعل) و(فواعل) في حرفين (فارس) و(فوارس) و(فلان هالك في الهوالك).
قال:
تجاوزت هندا رغبة عن قتاله إلى مالك أعشو إلى ذكر مالك
وأيقنت أنّى عند ذلك بائن غدا تئذ وهالك في الهوالك (١)
وقد وجدت غير ذلك في كلام العرب، وإن كان المستعمل الكثير ما قاله سيبويه.
قال عتيبة بن الحارث
ألا من مبلغ جزء بن سعد وكيف أصاب بعدكم الثّفيل
_________________
(١) قائل البيت ابن جذل الطّعان. انظر اللسان: (هلك) وابن يعيش ٥/ ٧٩، والتصريح على التوضيح: ٢/ ٣١٣.
[ ٤ / ٣٥٢ ]
أحامي عن ذمار بنى أبيكم ومثلي في غوائبكم قليل (١)
فقال جزء بن سعد لمّا بلغه ذلك: (نعم وفي شواهدنا) إنما هو جمع " غائب "
وشاهد من الناس:
وقد ذكر أبو العباس المبرد أنه الأصل، وأنه في الشعر شائع جائز.
وأنشد قول الفرزدق:
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم خضع الرقاب نواكس الأبصار (٢)
وإذا كان " فاعل " لما لا يعقل من المذكر فإنه على فواعل، وإن كان صفة كقولك:
(جبل شاهق) و(جبال شواهق) و(شامخ وشوامخ) و(حمار ناهق) و(نواهق)، و(فرس صاهل) و(صواهل).
وإذا سميت بالصفة أيضا ثم جمعته كان على فواعل كقولك (حارث) اسم رجل و(حوارث) و(خواتم) وهذا هو القياس في الأصل، لأن قياس هذا الجمع قياس التصغير، ويقال في التصغير (ضارب) و(ضويرب)، و(قاتل) و(قويتل) وكان حقه أن يقال:
(ضوارب) و(قواتل) غير أنهم عدلوا عن ذلك؛ لأن الجمع له وجوه ولا وجه للتصغير إلا واحد تقول في التصغير (ضارب) و(ضويرب) لا غير، وتقول في الجمع (ضارب) و(ضاربون) و(ضرّاب) و(كاتب) و(كاتبون) و(كتّاب) و(كتبة)، فجعلوا (فواعل) جمع " فاعلة " أو ما جرى مجراها مما لا يعقل كقولك " قاتلة " و" قواتل " و(شاهق)
و(شواهق) وتركوا الأسماء على أصل القياس وقد جاء فاعل على " أفعلة " اسما ولم يذكر سيبويه. وذلك (واد) و(أودية) كأنهم حملوه على فعيل ك (جريب) و(أجربة)، وكرهوا فيه فواعل لئلا يجتمع واوان في أول الكلمة وكرهوا أيضا " فعلان " و" فعلان " لئلا تنضم الواو وتنكسر.
هذا باب ما يجمع من المذكر بالتاء
لأنه يصير إلى تأنيث إذا جمع، فمنه شيء لم يكسر على بناء من أبنية الجمع فجمع بالتاء إذ منع ذلك.
وذلك قولك: (سرادقات) و(حمّامات) و(إوانات)، ومنه قولهم: (جمل سبحل) و(جمال سبحلات) و(ربحلات) و(جمال سيطرات). وقالوا: (جوالق) و(جواليق) ولم
_________________
(١) البيتان من الوافر. انظر شرح الشافية للرضي: ٢/ ١٥٣، وشرح شواهد الشافية ص: ١٤١.
(٢) انظر ديوان الفرزدق: ٣٧٦، الخزانة: ١/ ٩٩، والمخصص: ١٤/ ١١٧، وابن يعيش: ٥/ ٥٦ وهو من بحر الكامل.
[ ٤ / ٣٥٣ ]
يقولوا (جوالقات) حين قالوا (جواليق) والمؤنث الذي فيه علامة التأنيث أجرى هذا المجرى. ألا ترى أنك لا تقول (فرسنات) حين قلت: (فراسن) ولا (خنصرات) حين قلت: (خناصر) ولا (محلجات) حين قلت (محالج ومحاليج) وقالوا (عيرات) حين لم يكسروها على بناء يكسر عليه مثلها.
قال أبو سعيد: اعلم أن الجمع بالألف والتاء بابه أن يكون للمؤنث الذي فيه علامة التأنيث أو المذكر المسمى باسم فيه هاء التأنيث أو المنعوت بنعت فيه هاء التأنيث، فأما المؤنث فقولك: (امرأة ذاهبة) و(نسوة ذاهبات)، والمذكر المسمى باسم فيه هاء التأنيث فقولنا (طلحة والطلحات) و(حمزة والحمزات) والمنعوت قولنا: (رجل ربعة) و(رجال ربعات) وما كان غير ذلك فمشبّه به، وذلك (سرادق) و(سرادقات) و(حمّام) و(حمّامات)، ووجه التشبيه أن جمع المذكر يصير مؤنثا في التكسير فجعل (سرادقات) بمنزلة الجمع المكسر المؤنث، وجعل تأنيثه الحادث من أجل الجمع بالألف والتاء، وكذلك سائر ما ذكره، وإنما يفعلون أكثر ذلك فيما لم يكسروه، وربما كسروا وجمعوا بالألف والتاء وذلك فيما ذكره سيبويه: " بوانات " و" بوان " (للواحد) وبوق للجماعة كما قالوا (عرسات) و(أعراس) في جمع العرس.
قال سيبويه: فهذه حروف تحفظ ثم يجاء بالنظائر ".
يعني الجمع بالألف والتاء فيما ليس فيه الهاء، وقد قال بعضهم في شمال شمالات.
وقال الشاعر:
ربما أوفيت في علم ترفعن ثوبي شمالات (١)
هذا باب ما جاء بناء جمعه على غير ما يكون في مثله ولم يكسر هو على البناء
قال سيبويه: فمن ذلك قولهم: (رهط) و(أراهط) كأنهم كسروا " أرهط " ومن ذلك (باطل) و(أباطيل) لأن ذلك ليس بناء (باطل) ونحوه إذا كسرته فكأنك كسرت عليه (إبطيل) و(إبطال) ومثل ذلك (كراع) و(أكارع)، لأن ذا ليس من أبنية (فعال) إذا كسر بزيادة أو بغير زيادة فكأنه كسّر عليه (أكرع) ومثل ذلك: (حديث) و(أحاديث)، و(عروس) و(أعاريس) و(قطيع) و(أقاطيع)، لأن هذا لو كسرته إذا
_________________
(١) الشاعر هو جذيمة الأبرش والبيت من المديد. انظر ابن يعيش: ٩/ ٤٠، العيني: ٣/ ٣٤٤، المغني: ١٣٥، الدرر اللوامع: ٢/ ٤١.
[ ٤ / ٣٥٤ ]
كانت عدة حروفه أربعة أحرف بالزيادة التي فيها لكانت " فعائل " ولم تكن لتدخل زيادة في أول الكلمة كما أنك لا تكسر (جدولا) ونحوه على ما تكسّر عليه بنات الأربعة.
وكذلك هذا إذا كسّرته بالزيادة لا تدخل زيادة سوى زيادته، فيصير اسما أوله ألف ورابعه حرف لين فهذه الحروف لم تكسر على ذا، ألا ترى أنك لو حقرتها لم تقل " أحيديث " ولا " أعيريض " ولا " أكيرع " فلو كان ذا أصلا لجاز ذا التحقير، وإنما يجري التحقير على أصل الجمع إذا أردت ما جاوز ثلاثة أحرف مثل (مفاعل) و(مفاعيل).
قال أبو سعيد: ما كان من الجمع ثالثه ألف وبعدها حرفان أو ثلاثة فلا يجوز أن يكون واحده ثلاثة أحرف، لأن هذا الجمع يجري مجرى التصغير إنما يزاد على واحده الألف ثالثة فقط كما تزاد التصغير ثالثة ويؤتى بالحركات على ما يوجبه الجمع أو التصغير كقولك (جعفر) و(جعافر) و(جعيفر) و(بلبل) و(بليبل) و(بلابل) و(زبرج) و(زبيرج) و(زبارج) و(صندوق) و(صنيديق) و(صناديق)، فجعل (أراهط) كأنه جمع (أرهط) لا جمع " رهط "، وإن كان " أرهط " لا يستعمل.
والدليل على ما قال، أن الشاعر قد قال " أرهط " لما احتاج إليه:
وفاضح مفتضح في أرهطه من أرفع الوادي ولا من ثعبطه (١)
وكذلك (باطل) و(أباطيل) لو جمع " باطل " على هذا القياس لقيل " بواطل " فعلم أن " أباطيل " ليس بجمع " باطل "
وكذلك " أكارع " ليس بجمع " كراع " وكذلك سائر ما ذكره. ولو جمع ما ذكر على لفظه لقيل في " كراع ": (كرائع) وفي حديث (حدائث) وفي عروض (عرائض) كما يقال في (قلوص): (قلائص) وفي (سفينة): (سفائن)، لأن ألف الجمع تدخل ثالثة ولا يزاد غيرها، وقوى سيبويه ذلك بأنا لو صغرنا لم نذهب بالتصغير مذهب الجمع لا يقال: (أحيديث) ولا (أعيريض) ولا (أكيرع) كما تقول في الجموع التي أتت على قياس الواحد ك (صناديق) و(صنيديق) و(أباريق) و(أبيريق) و(أباطح) و(أبيطح) فاعرف ذلك إن شاء الله.
_________________
(١) البيتان من مشطور الرجز أنشدهما الأصمعي ولم ينسبهما إلى أحد وهما من شواهد شرح المفصل لابن يعيش: ٥/ ٧٣، وشرح الشافية للرضي: ٢/ ٢٠٥.
[ ٤ / ٣٥٥ ]
قال: ومثل (أراهط) (أهل) و(أهال) و(ليلة) و(ليال).
يعني أن (ليالي) ليس بجمع (ليلة) على لفظها ولا (أهالي) جمع " أهل " وإنما هو على تقدير (أهلاه) وإن لم يستعمل، قالوا (لييلية) فجاءت على (ليلاة) في التصغير كما جاءت عليه في الجمع.
قال: وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون: أرض وآراض " أفعال " كما قالوا أهل وآهال.
قال أبو سعيد: والذي عندي أن هذا غلط وقع في الكتاب من جهتين أحدهما أن سيبويه ذكر فيما تقدم أنهم لم يقولوا " آراض " ولا (آرض) والأخرى أن هذا الباب إنما ذكر فيه ما جاء جمعه على غير الواحد، ونحن إذا قلنا أنه (أرض) و(آراض) و(أهل) فهو على الواحد كما يقال: (زند) و(أزناد) و(فرخ) و(أفراخ) وإن كان الأكثر فيه " أفعل "
وقد ذكر سيبويه مثل هذا فيما تقدم من الأبواب وأظنه: (أرض) و(أراض) كما قالوا: (أهل) و(أهال) فيكون بمنزلة (ليلة) و(ليال)، فيشاكل الباب.
قال سيبويه: وقال بعض العرب أمكن
يعني في جمع (مكان) ويكون التقدير أنه جمع (مكن) بحذف الألف من مكان.
قال: لأنا لم نر فعيلا ولا فعالا ولا فعالا (ولا فعالا) يكسّرن مذكرات على (أفعل) ومثل ذلك (توأم) و(تؤام) كأنهم كسروا عليه (تئم) كما قالوا (ظئر) و(ظؤار) و(رخل) و(رخال).
وإنما قال سيبويه: كأنهم كسروا عليه (تئم) لأن الباب عنده في فعال أن يكون جمع فعل لأن أكثره جمع فعل وذلك (ظئر) و(ظؤار) و(رخل) و(رخال) و(ثنى) و(ثناء).
قال: وقالوا (كروان) وللجميع " كروان " وإنما يكسر عليه " كرا " كأنهم ردوا (كروان) وهو (فعلان) إلى فعل فصار " كرا " وجمع على فعلان كما قالوا:
(خرب) و(خربان) و(أخ) و(إخوان)، وقالوا في مثل: أطرق كرا، إن النّعام في القرى.
وقال:
لنا يوم وللكروان يوم تطير البائسات ولا نظير (١)
_________________
(١) البيت من الوافر وهو شاهد على جمع (كرا) على (كروان) ولم أهتد إلى قائل له.
[ ٤ / ٣٥٦ ]
وقد حكى سيبويه (ورشان)، وللجمع (ورشان).
قال سيبويه: ومثل هذا (حمار) و(حمير) ومثل ذا (أصحاب) و(أطيار) و(فلوّ) و(أفلاء).
قال أبو سعيد: جعل سيبويه ما كان من جمع الثلاثي مما ذكر إذا جاء جمعا لما كان من أحرف فهو بحذف حرفا منه في التقدير وليس ذلك بمطرد فيكون كأنهم قدروا (حمارا) على (حمر) وجمعوه على (حمير) كما قالوا (كلب) و(كليب) و(عبد) و(عبيد) وجعلوا (صاحب) و(طائر) على (صحب) و(طير) وجمعوه على (أصحاب) و(أطيار)، كما قالوا (بيت) و(أبيات) وجعلوا (فلوّ) على " فعل " وجمعوه على (أفعال) كما قالوا (عجز) و(أعجاز).
هذا باب ما عدد حروفه خمسة أحرف وخامسه ألف التأنيث أو ألفان للتأنيث
قال سيبويه: أما ما كان على (فعالى) فإنه يجمع بالتاء وذلك (حبارى)، و(حباريات) و(سمانى) و(سمانيات) و(لبادى) و(لباديات).
وذلك كله أسماء لضروب من الطير، ولم يقولوا حبائر ولا حباريّ ليفرقوا بينها وبين فعلاء وفعاله وأخواتها وفعيلة وفعالة وأخواتها.
أما قوله: لم يقولوا: (حبائر) ولا (حباريّ) فإنا لو كسرنا (حبارى) للجمع لوجب أن تقول: (حبائر) أو (حبارى) كما تقول في التصغير: (حبيّر) و(حبيرى) وذلك أنها خمسة أحرف وفيها زائدان الألف بعد الياء وألف التأنيث ولنا أن نحذف أيهما شئنا فإن حذفنا ألف التأنيث بقي (حبار) وتصغيره (حبير) وجمعه (حبائر) على طريق التصغير (فإن حذفنا الألف الأولى بقي حبرى) وتصغيره (حبيرى) وجمعه (حبارى).
كما قالوا (حبلى) و(حبالى)، وما كان من ذلك على (فعلاء) أو (فعالة) فإنه يكسر كقولهم: (صحراء) و(صحارى)
و(عذراء) و(عذارى) و" فعالة " نحو (رسالة) و(رسائل) وأخوات ذلك: ما كان على (فعلاء) نحو (فيفاء) و(فيافي) و(زيزاء) و(زيازي) و(جلذاء) و(جلاذي). و(فعيلة) نحو (سفينة) و(سفائن) و(قريبة) و(قرائب) " وفعالة " نحو (ذؤابة) و(ذوائب) وأخوات ذلك ما كان مما ضم أوله أو فتح كقولنا (معييه) و(معاي) و(مرضعة) و(مراضع) و(سحابة) و(سحائب) و(دجاجة) و(دجائج) وفرقوا بين " فعالى " حين عدلوا عن تكسيرها إلى جمع السلامة وبين هذه الأبنية الأخر حين جمعوا هذه الأبنية جمع التكسير.
[ ٤ / ٣٥٧ ]
قال: وأما ما كان آخره ألفان للتأنيث (وكان فاعلا) فإنه يكسر على (فواعل) شبه ب (فاعلة)، لأنه علم تأنيث كما أن الهاء في (فاعلة) علم التأنيث وذلك (قاصعاء) و(قواصع) و(نافقاء) و(نوافق)، و(دامّاء) و(دوام) - وكلها جحرة اليرابيع- وسمعنا من يوثق به من العرب يقول: (سابياء) و(سواب) و(حاثياء) و(حواث).
وإنما جعلوا ألفي التأنيث بمنزلة هاء التأنيث فصار (قاصعاء) بمنزلة (قاصعة) و(دامّاء) بمنزلة (دامّة) فجمع على (فواعل)، كما يقال (قاتلة) و(قواتل) و(دابة) و(دوابّ) وعلى ذلك قالوا (خنفساء) و(خنافس) كما يقال (قنبرة) و(قنابر) و(بهترة) و(بهاتر).
هذا باب جمع الجمع
قال سيبويه: أما أبنية أدنى العدد فيكسر منها (أفعلة وأفعل) على (أفاعيل) لأن (أفعل) بزنه " أفعل " و" أفعلة " بزنة (أفعلة)، كما أن (أفعالا) بزنة (إفعال) وذلك نحو (أيد) و(أياد) و(أوطب) و(أواطب) قال الراجز:
يحلب منها ستّة الأواطب (١)
و(أسقية) و(أساق).
قال أبو سعيد: اعلم أن جمع الجمع ليس بقياس مطرد وإنما يقال فيما قالوه ولا يتجاوز، وكذلك قال أبو عمر الجرمي قال: ولو قلنا في (أفلس): (أفالس) وفي (أكلب) (أكالب) وفي (أدل) (أدال) لم يجز.
وأما قول سيبويه: لأن " أفعل " بمنزلة (أفعل " و" أفعلة " بمنزلة " أفعلة " يعني أن اختلاف الحركات في الواحد لا يوجب اختلاف الجمع في الرباعي.
ألا ترى أنا نقول (حبرج) و(حبارج) كقولنا (زبرج) و(زبارج) و(جعفر) و(جعافر) و(قمطر) و(قماطر) و(هجرع) و(هجارع) فصار لفظ الجمع واحدا وإن اختلفت الآحاد وكذلك (أفعل) وهو (أوطب) و(أيد) بمنزلة (أرنب) و(أيدع).
تقول فيه: (أرانب) و(أيادع) و(أفعلة) ك (أفعلة) تقول (أشكلة) و(أشاكل) و(أزملة) و(أزامل)، كما قلنا: (أسقية) و(أساق).
_________________
(١) البيت من مشطور الراجز. انظر المفصل لابن يعيش ٥/ ٧٥، والمخصص ٤/ ١٠١، والتبصرة والتذكرة ٢/ ٦٨١. والشاهد جمعه الأوطب وهو جمع (وطب) على (أواطب) لتكثير العدد.
[ ٤ / ٣٥٨ ]
قال سيبويه: وأما ما كان أفعالا فإنه يكسر على أفاعيل، لأن أفعالا بمنزلة إفعال وذلك نحو أنعام وأناعيم وأقوال وأقاويل وقد جمعوا أفعلة بالتاء كما كسروها على أفاعل شبهوها بأنملة وأنامل وأنملات وذلك قولهم أعطيات وأسقيات.
يريد أنهم كما استجازوا جمعه على التكسير استجازوه على السلامة بالألف والتاء.
قال: وقالوا جمال وجمائل فكسروها على فعائل؛ لأنها بمنزلة شمال وشمائل في الزّنة.
كأنهم جعلوا جمالا واحدا بمنزلة (شمال) التي هي واحد. وقال ذو الرمة:
وقربن بالزّرق الجمائل بعد ما تقوّب عن غربان أوراكها الخطر (١)
وقالوا جمالات ورجالات وكلابات وبيوتات لأنها جموع مكسرة مؤنثة فجمعوها بالألف والتاء كما يجمع المؤنث ومثل ذلك (الحمرات) و(الطّرقات) و(الجزرات) لجمع الحمر التي هي جمع (حمار) والطّرق والجزر اللتين هما جمعان للطريق والجزور.
قال: واعلم أنه ليس كل جمع يجمع كما أنه ليس كل مصدر يجمع كالأشغال والعقول والحلوم والألباب، ألا ترى أنك لا تجمع الفكر والعلم والنظر، كما أنهم لا يجمعون كل اسم يقع على الجميع نحو (التمر).
قال أبو سعيد: ذكر سيبويه ثلاثة أشياء الباب فيها ألا تجمع وما جمع منها فهو مسلم والباقي على قياسه. منها الجمع المكسر وقد ذكرناه وما لم يذكره سيبويه وصح أن العرب جمعته فإنه مسلم. وقد روي (أسماء) و(أسامي)، وقد روي (مواليات بني هاشم) ذكرها الفراء وربما اضطر الشاعر فجمع الجمع قال:
ترمي الفجاع والفيافي في القصى بأعينات لم يخالطها قذى (٢)
والثاني من الثلاثة المصادر التي تدل على نوع المصدر ونحو القتل والشتم والضرب لا يقال (قتول) ولا (شتوم) في جمع ذلك وإنما جاء (أشغال) و(حلوم) و(عقول)
_________________
(١) انظر ديوان الشاعر: ٥٦٦، وابن يعيش: ٥/ ٧٦، والمخصص: ٧/ ٢٣ واللسان (غرب) والبيت من الطويل. والشاهد قوله (الجمائل) حيث ورد في البيت جمعا مفرده (جمال) كأنهم جعلوه واحدا.
(٢) البيتان في اللسان (عين) وشرح الشافية للرضي: ٢/ ٢٠٩. والشاهد في (أعينات) حيث إنها جمع (أعين) وأعين جمع عين والبيتان من مشطور الرجز.
[ ٤ / ٣٥٩ ]
و(ألباب) فلا يتجاوز ذلك، وكذلك أسماء الأجناس نحو التمر والبر والشعير، لأن كل لفظ من ذلك يدل على الجنس بأسره فلا حاجة بالمتكلم إلى جمعه فإن جمعت العرب شيئا من ذلك فإنما يريدون بذلك الدلالة على اختلاف ألوانه كقولهم (التمرات) و(التمور) وقد ذكر عن أبي العباس أنه قال (تمر) و(أتمر) و(بر) و(أبرار) إذا أردت أجناسا مختلفة، وقد منع سيبويه أن يقال (أبرار) في جمع (برّ). (قال: ويقولون مصران ومصارين كأبيات وأبابيت).
جعلوا الألف في مصران كالألف في أبيات وقلبوها في الجمع كما تقلب الألف في كرباس إذا قلت (كرابيس) وقالوا: (أسورة) و(أساورة) وقالوا (عوذ) و(عوذات) و(العوذ) جمع (عائذ) من الإبل وهي الحديثة العهد بالنتاج قال الراعي:
لها بحفيل فالنّميرة منزل ترى الوحش عوذات به ومتاليا (١)
ويروى بالنميرة وقالوا: دودات في جمع دود كما قالوا (عوذات) وقالوا في (حشّان) جمع (حشّ) (حشاشين) كما قالوا (مصران) و(مصارين) وقال الراجز:
ترعى أناض من جزير الحمض
ويروى أناض فمن قال أناض جمع النضو أنضاء وجمع الأنضاء أناض فيكون النضو ما قد رعي وبقيت منه بقية كالنّضو من الإبل الذي ينضيه السفر ويهزله. ومن قال أناص جعله جمع نصيّ والنصيّ على أنصاء بحذف الزوائد. كما قالوا شريف وأشراف ثم جمع أيضا على أناص، وهذا ضعيف؛ لأنه قال من جزير الحمض والنصي ليس بحمض.
هذا باب ما كان من الأعجمية على أربعة أحرف وقد أعرب وكسرته على مثال مفاعل
زعم الخليل أنهم يلحقون جمعه الهاء إلا قليلا وكذلك وجدوا أكثره فيما زعم (الخليل).
قال سيبويه: وذلك قولك " موزج " و" موازجة " و" صوبج " و" صوابجة " و" كربج " و" كرابجة " و" طيلسان " و"
طيالسة " و" جورب " و" جواربة " وقد قالوا: " جوارب " و" كيالج " جعلوها ك (الصّوامع) و(الكواكب) وقد أدخلوا الهاء أيضا فقالوا (كبالجة)
_________________
(١) البيت من الطويل وهو من شواهد الكتاب: ٣/ ٦١٩، وابن يعيش: ٥/ ٧٦ والشاهد فيه جمعه (عوذات) وهو جمع (عائذ) بالألف والتاء للتكسير.
[ ٤ / ٣٦٠ ]
ونظيره من العربية (صيقل) و(صياقلة) و" صيرف " و" صيارفة " و" قشعم " و" قشاعمة " فقد جاء أعرب ك (ملك) و(ملائكة)، وقالوا: (أناسيه) لجمع (إنسان) وكذلك إذا كسرت الاسم وأنت تريد (آل فلان) أو جماعة الحي أو بني فلان وذلك قولك (المسامحة) و(المناذرة) و(الأحامرة) و(الأزارقة)، وقالوا: (الدّياسم) و(المعاول)، كما قالوا: (جوارب) شبهوه بالكواكب حين أعرب وجعلوا (الدّياسم) بمنزلة (الغيالم) والواحد (غيلم) ومثل ذلك (الأشاعرة)، وقالوا: (البرابرة) و(السّيابجة) فاجتمع فيها العجمة وأنها من الإضافة إنما يعني البربريين كما أرادت ب (المسامعة) المسمعيّين وأهل الأرض (كالحي).
قال أبو سعيد: اعلم أن ما كان من الأعجمي والمنسوب رباعيا فإن أكثر ما يجيء جمعه بالهاء وهو الباب فيه وما لم يأت بالهاء فهو مشبه بالعربي وبغير المنسوب فأما المنسوب فمثل قولنا المسامعة وأحدهم (مسمعيّ) و(المناذرة) وأحدهم (منذريّ) وواحد (المهالبة) (مهلّبيّ) وكذلك (أحمريّ) و(أزرقي) ولزوم الهاء في ذلك على وجهين أحدهما توكيد التأنيث فيه كما ذكر في بعض ما مضى من الجمع كقولنا (حجر) و(حجارة) و(ذكر) و(ذكور) و(ذكارة) ونظيرهما مما لا هاء فيه (جمل) و(جمال) و(جبل) و(جبال) وقالوا (أسد) و(أسود) فزيادة الهاء في حجارة وذكورة توكيد للتأنيث لأنه جمع مكسر وربما قالوا في (جمال) (جمالة) وفي (حجار) (حجارة) وقد مضى ذلك والوجه الثاني أن المنسوب إذا جمع فقد حذف منه ياء النسب والمحذوف عن الواحد قد يعوض في التصغير والجمع كقولنا في جمع (سفرجل) (سفاريج) وفي تصغيره (سفيريج) وفي جمع (حبنطى) و(قلنسوة) وتصغيرهما " حبانيط " و" قلانيس " و(حبينيط) و(قلينيس) والهاء تكون عوضا عن الياء كقولهم (زنادقة) و(جحاجحة) والأصل (زناديق) و(جحاجيح)؛ لأنه جمع (زنديق) و(جحجاج) وحقه أن يكون بالياء وذكر سيبويه أن الهاء عوض عن الياء فتكون الهاء في هذه الجموع عوضا مما حذف من أحدهما. ويكون الأعجمي مخصوصا بدخول الهاء لتوكيد التأنيث في الجمع المكسر والدلالة على أنه أعجمي.
والذي يقول (جوارب) و(كيالج) شبهه بالعربي وهو الصوامع و(الكواكب) والذي يدخل الهاء لم يخرج أيضا عن
قياس العربي لأنهم قالوا (صيقل) و(صياقلة) و(قشعم) و(قشاعمة).
وأما (ملك) و(ملائكة) فالأصل في (ملك) (ملأك) وهو مأخوذ من (المألكة) وهي
[ ٤ / ٣٦١ ]
الرسالة وقال الشاعر:
فلست لإنسىّ ولكن لملأك تنزل من جوّ السّماء يصوب (١)
وكان حقه أن يجمع على (ملآئك) كما تقول (مصنع) و(مصانع) ولكن أكدوا تأنيثه بالهاء، ويجوز أن يكون قدّروا فيه النسبة إلى هذا الجنس.
وأما قولهم (أناسية) في جمع (إنسان) ففيه وجهان (أحدهما) أن يجعلوا الهاء عوضا من إحدى ياءى (أناسي) كما قال ﷿: وَأَناسِيَّ كَثِيرًا (٢) وأصله (أناسين) وتكون الياء الأولى من الياءين منقلبة من الألف التي بعد السين، والثانية منقلبة من النون كما تنقلب النون منها إذا نسبت إلى (صنعاء) و(بهراء) فقلت: (صنعانيّ) و(بهرانيّ).
والوجه الثاني أن تحذف الألف والنون في إنسان تقديرا ويؤتى بالياء التي تكون في تصغيره إذا قالوا (أنيسيان) وكأنهم ردوا في الجمع الياء التي يردونها في التصغير فيصير (أناسي) ويدخلون الهاء لتحقيق التأنيث.
وقال أبو العباس المبرد: (أناسية) جمع " إنسّي " والهاء عوض من الياء المحذوفة لأنه كان يجب " أناسيّ " وقالوا: (الدّياسم) و(المعاول) وهو من المنسوب الواحد (ديسميّ) و" معوليّ " وهم من قبائل العرب (المعاول) من الأزد من الجهاضم والنسبة إليهم (معوليّ)، وبعض العامة يقول (معولي) والصواب الفتح وفي المحدثين رجل ينسب إليهم فأتوا به على غير تعويض كما يقال في (قلنسوة) (قلانس) بغير تعويض وفي (سفرجل) (سفارج) وجوز أيضا فيه وجه آخر وهو أن يجعل جمعا غير منسوب وذلك أن العرب قد تطلق لفظ الأب على كل واحد من الحي كأنه مسمى باسم الأب الأكبر فيقولون الأشعرون في معنى (الأشعريّين) كأن كل واحد منهم (أشعر) وقد قال بعض أهل العلم في قول الله ﷿: سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (٣) إنه في معنى (ال ياسيّن) الذين اتبعوا إلياس فسمى كل واحد منهم (إلياس) وجمعهم.
وقد روى بعض الرواة:
قدني من نصر الخبيبين قدي
_________________
(١) البيت مذكور في لسان العرب (ألك) وهو من بحر الطويل.
(٢) سورة الفرقان، الآية: ٤٩.
(٣) سورة الصافات، الآية: ١٣٠.
[ ٤ / ٣٦٢ ]
ليس الإمام بالشّحيح الملحد (١)
ويروى الخبيبين فمن قال: الخبيبين أراد الخبيبيّن وهم منسوبون إلى عبد الله بن الزبير وكان يكنى أبا خبيب فجعل المنسوبين إليه كل واحد فيهم فسمى بخبيب، ومن ثنى أراد عبد الله ومصعبا، وقوله السيابجة واحدهم (سيبجيّ) وهم قوم من الهند يبذرقون المراكب في البحر وقد يقال بالألف " سابج ".
قال هميان بن قحافة:
لو لقي الفيل بأرض سابجا لدقّ عنق الفيل والدّوارجا (٢)
والموزج: الخف، والصّوبج: الجوبك والكربج: الحانوت وهو أيضا اسم موضع، ولعله له سمي بحانوت كان فيه ويقال: كريق وقربق قال:
ما شربت بعد دلوىّ القربق من شربة غير النّجاء الأدفق (٣)
ومعنى قوله فأهل الأرض كالحي يريد أن البرابرة والسيابجة وهم منسوبون إلى بلادهم بمنزلة المسامعة وهم من أحياء العرب.
هذا باب ما لفظ به مما هو مثنى كما لفظ بالجمع
وهو أن يكون (الشيئان) كل واحد منهما بعض شيء مفرد من صاحبه.
قال سيبويه: وذلك قولك ما أحسن رؤوسهما وأحسن عواليهما وقال تعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما (٤)، وقوله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (٥).
فرقوا بين المثنى الذي ثني على حده وبين ذا.
_________________
(١) البيتان من مشطور الرجز. انظر الخزانة: ٢/ ٤٤٩، والعيني: ١/ ٣٧٥، وابن يعيش: ٣/ ١٢٤، وشواهد المغني: ١٦٦.
(٢) البيتان من مشطور الرجز في اللسان (سبج) وشرح الشافية للرضي: ٢/ ١٨٧.
(٣) البيتان من مشطور الرجز وهما (لسالم بن قحفان) والشاهد في البيتين قوله (القربق) حيث إنها تطلق على الحانوت وقد يراد بها اسم موضع، اللسان (قربق).
(٤) سورة التحريم، الآية: ٤.
(٥) سورة المائدة، الآية: ٣٨.
[ ٤ / ٣٦٣ ]
قال أبو سعيد: اعلم أن ما كان في البدن منه واحد فضم إلى مثله من بدن آخر فإن الوجه الأكثر من كلام العرب جمعه قال الله تعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ويجوز تثنيته وتوحيده، فأما جمعه فلأن التثنية جمع لأن أحدهما قد جمع مع الآخر وضم إليه ويستوي لفظ المثنى والجمع للمتكلم، لأنه يقول: نحن فعلنا كذا إن كانوا اثنين أو جماعة فنحن للاثنين والجماعة والنون والألف للاثنين والجماعة، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (الاثنان فما فوقهما جماعة) (١) وقد قال الله ﷿: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ (٢) والاثنان يوجبان لهما السدس فعلم أن الأخوة قد تقع على الاثنين وهو قول الجمهور من العلماء والحجة معهم. وقال أهل البصرة إنما اختاروا الجمع في هذا فرقا بين ما كان في البدن منه واحد إذا ضم إلى مثله من بدن آخر، وبين ما كان في البدن منه اثنان إذا ضم أحدهما إلى مثله من بدن آخر يقول القائل: (قطعت أنف الزيدين) وهو أنف من هذا وأنف من هذا وتقول (قطعت أذني الزيدين) وهو إحدى الأذنين من هذا وإحدى الأذنين من هذا.
وقال الفراء: إنما جمعوا ذلك لأن الأعضاء أكثرها اثنان اثنان كالعينين والحاجبين والخدين والرجلين واليدين فإذا كان في البدن منه واحد أقيم مقام الاثنين فإذا ضممناه إلى الآخر صار كأنهما أربعة فجمعا لذلك، ويقوى ما قاله أن الدية فيما كان في اليدين منه واحد دية كاملة وما كان منه اثنان فلكل واحد منهما نصف الدية، وأما قوله ﷿:
فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (٣) فجمع وفي البدن منه اثنان؛ لأن القصد إلى أيمانهما. واليمين واحدة وكذلك في قراءة ابن مسعود (فاقطعوا أيديهما). وأما تثنيتهما فعلى حقيقة لفظ التثنية قال الشاعر:
ومهمهين قذفين مرتين ظهراهما مثل ظهور التّرسين (٤)
_________________
(١) الحديث انظر البخاري (باب الآذان) رقم ٢٥٠، والنسائي (باب الإمامة) ٤٢/ ٤٥، ومسند أحمد بن حنبل: ٥/ ٢٥٤، ٢٦٩.
(٢) سورة النساء، الآية: ١١.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٨٣.
(٤) البيتان من مشطور السريع الموقوف وقد نسبا إلى خطام المجاشعي. انظر أمالي ابن الشجري: ١/ ١٢، وابن يعيش: ٤/ ١٥٥، والخزانة: ٣/ ٣٧٤، والعيني: ٤/ ٨٩.
[ ٤ / ٣٦٤ ]
فجاء بالتثنية والجمع جميعا. وهذا الشعر المنسوب إلى هميان في النسخة التي قرأتها على ابن السراج والمشهور أنه لخطام المجاشعي (١)، وقال أبو ذؤيب:
فتخالسا نفسيهما بنوافذ كنوافذ العبط الّتي لا ترقع (٢)
وقال الفرزدق:
هما نفثا في فيّ من فمويهما على النّابح العاوي أشدّ رجام (٣)
وقال أيضا:
بما في فؤادينا من الشّوق والهوى فيجير منهاض الفؤاد المشعّف (٤)
وأما توحيده فلأنه إذا أضيف إلى اثنين علم أن مثنى اكتفى بلفظ الواحد من الاثنين وقال الشاعر:
كأنّه وجه تزكّيين قد غضبا مستهدف لطعان غير تذبيب (٥)
أراد وجها تزكيين. وقد يعبر بالواحد عن الاثنين فيما يصطحب من الاثنين ولا يفارق أحدهما صاحبه كقولك (عيني لا تنام) وإنما يريد عينين.
كما قال زهير:
كأنّ عيني وقد سال السّليل بهم وجيرة ما هم لو أنّهم أمم (٦)
أراد عيني وقد جمعت العرب الاثنين في غير ذلك.
وزعم يونس أنهم يقولون: ضع رحالهما وغلمانهما وإن هما اثنان واستشهد أيضا بقوله ﷿: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ
_________________
(١) خطام بكسر الخاء ومعناه الزّمام. قال الآمدي في المؤتلف والمختلف هو خطام الريح المجاشعي الراجز، وهو خطام بن نصر بن عياض بن يربوع من بني الأبيض بن مجاشع بن دارم. انظر الخزانة: ٢/ ٣١٨.
(٢) البيت في لسان العرب (عبط)، انظر الخزانة: ٣/ ٣٧٢ والشاهد تثنية (نفسيهما) على الحقيقة والوجه هو الجمع والبيت من الكامل.
(٣) سبق تخريجه والشاهد (فمويهما) حيث جاء على حقيقة التثنية والوجه في هذا هو الجمع وإن كانت التثنية جائزة.
(٤) البيت في ديوان الفرزدق: ٥٥٤، ابن يعيش: ٤/ ١٥٥، والخزانة: ٣/ ٣٧٤.
(٥) البيت من البسيط. انظر التبصرة والتذكرة: ٢/ ٦٨٥، والخزانة: ٧/ ٥٣٢، وابن يعيش: ٤/ ١٥٧.
(٦) البيت من البسيط انظر ديوان زهير، اللسان (أمم).
[ ٤ / ٣٦٥ ]
فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ (١) وقال تعالى: فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (٢).
وللقائل أن يقول الخصم قد يقع على جماعة ألا تراه قال: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا وهو ضمير الخصم، فالحجة لسيبويه إذ الخطاب وقع لداود ﵇ من اثنين من لفظ الجماعة؛ لأنه قال: قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ إِنَّ هذا أَخِي فهو واحد لا أكثر، والذي خاصمه واحد لا أكثر؛ لأنه أخوه وقد عبر عنهما بقوله قالوا لا تخف، وقوله " إنّا معكم " والقول لموسى وهارون ولم يقل معكما وللقائل أن يقول إن فرعون داخل في الجماعة، ولسيبويه أن يقول إنه قال في موضع آخر: إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٣) فثنى ومع ذلك فإن الله تعالى مع موسى وهارون على جهة النصرة لهما والمعونة ولا يقال إنه مع فرعون على هذا الطريق.
قال سيبويه: واعلم أن من قال: (أقاويل) و(أباييت) و(أناييب) في أنياب لا يقولون (أقوالان) ولا (أبياتان).
قلت: فلم ذلك؟ قال: لأنك لا تريد لقولك: هذه (أنعام) وهذه (أبيات) وهذه (بيوت) ما تريد بقولك (هذا رجل) وأنت تريد (هذا) رجل واحد ولكنك تريد الجمع وإنما قلت: (أقاويل) فبنيت هذا البناء حين أردت أن تكثر وتبالغ في ذلك كما تقول (قطّعه) و(كسّره) حين تكثر عمله ولو قلت (قطعة) جاز. واكتفيت به وكذلك تقول (بيوت) فتجتزئ به وكذلك (الحلم) و(البسر) و(التّمر) إلا أنك تقول: (عقلان) و(بسران) و(تمران) أي ضربان مختلفان.
وقالوا: (إبلان) لأنه اسم لم يكسّر عليه وإنما يريدون قطيعين وذلك يعنون وقالوا: (لقاحين سوداوين) جعلوها بمنزلة ذا وإنما يسمع ذا الضرب ثم تأتي بالعلة والنظائر وذلك لأنهم يقولون (لقاح واحدة) كقولك: قطعة وهي في إبل أقوى لأنه لم يكسر عليه شيء.
_________________
(١) سورة ص، الآية: ٢١ و٢٢.
(٢) سورة الشعراء، الآية: ١٥.
(٣) سورة طه، الآية: ٤٦.
[ ٤ / ٣٦٦ ]
قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه ذكر (أقاويل) و(أبابيت) و(أناييب) وهي جمع (أقوال) و(أبيات) و(أنياب).
فيقول القائل: إذا كان (أقاويل) جمع (أقوال) و(أباييت) جمع (أبيات) فلم لا يثنّى فيقال (أقوالان) و(أبياتان) وإنما سبيل الواحد الذي يجوز فيه الجمع أن يثنّى أولا ثم يجمع؟.
فالجواب في ذلك أن الجمع قد يكثر توكيدا فيعبر بكثيره عن قليل الجنس وكثيره، كما يعبر بسباع ورجال
وشسوع عن القليل والكثير فكذلك يعبر ب (أقاويل) و(أباييت) عن (أقوال) و(أبيات) التي في لفظ القليل ويعبر عن الكثير أيضا.
وقد يكون في لفظ الجمع ما لا يستعمل واحده ولا تثنيته كقولهم (مشابه) و(محاسن) و(مطايب) الجزور. وليس تستعمل التثنية إلا فيما استعمل واحد إلا في أشياء مقترنة لا يفرد الواحد منهما كقولك (مذروان) وهما طرفا الأليتين ولا يقال للواحد (مذرى) و(ثنايان) لحبلين ويستعمل أحدهما مع الآخر ومفراضان وهي أحرف معدودة وقد تقدم أن القياس والباب في الجمع أن لا يجمع إلا فيما جمعته العرب وكذلك الجمع لا يثنى إلا فيما ثنته العرب وإنما تثنيه العرب فيما يذهبون فيه مذهب شيئين مختلفين كقولهم (إبلان) أرادوا (إبل) قبيلة و(إبل) قبيلة أخرى أو (إبلا سوداء) و(إبلا حمراء) كأنهم قالوا قطعتان من الإبل وكذلك لقاحان على ما ذكره سيبويه.
وقد قال أبو النجم:
تبقّلت في أولّ التّبقّل بين رماحي مالك ونهشل (١)
فثنى رماحا لأنه أراد رماح هذه القبيلة ورماح هذه القبيلة وهو مالك بن ضبيعة ونهشل بن دارم. وقال آخر: (٢)
سعى عقالا فلم يترك لنا سيّدا وكيف لو قد سعى عمر وعقالين
لأصبح النّاس أوبادا ولم يجدوا عند التّفرّق في الهيجا جمالين (٣)
فثنى جمالا وبين أنه للتفرق وانحياز جمال من جمال فكأنه قال قطعتين من الجمال
_________________
(١) البيتان من مشطور الرجز، في شرح المفصل لابن يعيش: ٤/ ١٥٥، والخزانة: ١/ ٤٠١.
(٢) هو عمرو بن العداء الكلبي. انظر الخزانة: ٧/ ٥٨٥.
(٣) انظر الأغاني: ١٨/ ٤٩، وابن يعيش: ٤/ ١٥٣، الخزانة: ٧/ ٥٧٩.
[ ٤ / ٣٦٧ ]
والرماح وقد تقدم أن المصدر والجنس يجري مجرى الجموع في أنها لا تثنى ولا تجمع فذكر العقل الذي هو مصدر والبسر والتمر اللذين هما جنسان فقال: إلا أن تقول عقلان وبسران وتمران أي ضربان مختلفان.
قال سيبويه: وسألت الخليل عن ثلاثة كلاب فقال يجوز في الشعر شبهوه بثلاثة قرود ونحوها.
يريد أن الوجه أن يقال ثلاثة أكلب لأن له جمعا قليلا وهو الأكلب وإنما تضاف ثلاثة وما فوقها من الآحاد إلى جمع قليل وقد ترد ولا يستعمل فيها الجمع القليل فشبهوا ما يستعمل فيه الجمع القليل بما لا يستعمل فيه الجمع القليل.
قال: وتكون ثلاثة كلاب على غير وجه ثلاثة أكلب ولكن على قوله ثلاثة من الكلاب.
كما قال:
ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل (١)
يريد ثنتان من الحنظل وكذلك خمس بنان يريد خمس من البنان وكذلك قولهم (ثوب) خز في معنى (ثوب من خز) وعلى هذا يحمل قول الله ﷿: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (٢) لأن القرؤ جمع كثير ويستعمل فيه الأقراء وهو جمع قليل فتحمله على الوجه الثاني الذي قال فيه تقديره من ولا يحمله على الوجه الأول، قال فيه ثلاثة كلاب يجوز في الشعر شبهوه بثلاثة قرود
هذا باب ما هو اسم يقع على الجمع لم يكسر عليه واحد ولكنه بمنزلة قوم ونفر وذود إلا أن لفظه من لفظ واحده
قال سيبويه: وذلك قولك (ركب) و(سفر) فالركب لم يكسر عليه راكب، ألا ترى أنك تقول في التحقير (ركيب) و(سفير).
قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الباب ذكر فيه سيبويه الجمع الذي هو من الواحد وليس بجمع مكسر وإنما هو اسم للجميع كما أن قوما ونفرا وذودا أسماء للجميع وليست من
_________________
(١) انظر الخزانة: ٣/ ٣١٤، العيني: ٤/ ٤٨٥، وابن يعيش: ٣/ ١٤٣، ابن الشجري: ١/ ٢٠، الدرر: ١/ ٢٠٩.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٨.
[ ٤ / ٣٦٨ ]
لفظ واحده.
ف (ركب) و(سفر) اسم للجمع ك (قوم) و(نفر) إلا أنه من لفظ واحده، وسائر ما يتلو هذا عند سيبويه بهذه المنزلة وقال الأخفش (ركب) و(سفر) وجميع ما يجمع من (فاعل) على فعل كقولك (صاحب) و(صحب) و(شارب) و(شرب) جمع مكسر فإذا صغر على مذهبه رد إلى الواحد وصغر لفظه ثم تلحقه الواو والنون إذا كان لمذكر ما يعقل وإن كان للمؤنث أو لما لا يعقل جمع بالألف والتاء فتقول في تصغير (ركب) و(رويكبون) وفي تصغير سفر (مسيفرون) لأنه يرد إلى مسافر فتصغره وتجمعه. وتقول في تصغير (زور) إذا كان جمع (زائر) مذكر (زويرون) وإن كان للنساء (زويرات) وفي (طير) وهو جمع (طائر) على مذهب الأخفش (طويرات).
وقال الزجاج محتجّا لسيبويه في أن فعلا ليس بجمع مكسر وإنما هو اسم للجمع المكسر حقه أن يزيد على لفظ
الواحد، وهذا أخف أبنية الواحد، فليس بجمع مكسر وإنما هو اسم للجمع واسم الجمع يجري مجرى الواحد ولا يستمر قياس هذا في الجموع.
لا يقال جالس وجلس ولا (كاتب) و(كتب).
قال: وزعم الخليل أن مثل ذلك (الكمأة) وكذلك الجبأة وهي ضرب من (الكمأة) ولم يكسّر عليه (كمء) تقول " كميئة "
يريد أن (الكمأة) جمع الكمء، لا على سبيل التكسير وتصغيره (كميئة) ولو كان مكسرّا لوجب أن يقال (كميئات) لأن كمأ يصغر (كميء) ثم تزاد عليه الألف والتاء للجمع فيقال (كميئات). وهذا مما يذكر من نادر الجمع؛ لأن الهاء تكون في الواحد وحذفها، علامة الجمع كقولهم (تمرة واحدة) و(تمر للجمع) و(بسرة وبسر) وهذا (كمأ) للواحد و(كمأة) للجمع وقال الشاعر فجمع (كمأ) على (أكمؤ) كما جمع (كلب) على (أكلب).
قال: ومثل ذلك في الكلام (أخ) و(أخوة) و(سريّ) و(سراة) ويدلك على هذا قولهم (سروات) فلو كانت بمنزلة (فسقة) و(رماة) لم تجمع ومع هذا أن نظير (فسقة) من بنات الياء والواو يجيء مضمومها.
قال أبو سعيد: أما (أخ) و(إخوة) فهكذا رأيته في هذه النسخة وغيرها من النسخ وهو غلط عندي؛ لأن (إخوة) (فعلة) و(فعلة) من الجموع المكسرة القليلة ك (أفعل) و(أفعلة) و(أفعال) كما قالوا (فتى) و(فتية) و(صبيّ) و(صبية) و(غلام) و(غلمة)
[ ٤ / ٣٦٩ ]
والصواب أن يكون مكان (إخوة) و(أخوة) حتى يكون بمنزلة (صحبة) و(فرهة) و(ظؤرة) وقد حكى الفراء في جمع (أخ) (أخوة) وأما (سراة) فأستدل سيبويه أنه اسم للجمع وليس بمكسر بشيئين أحدهما أنهم يقولون (سروات) في جمعه ولا يقولون في (فسقة) (فسّقات)، والثاني أنه لو كان جمعا مكسّرا لكان حقه أن يقولوا (سراة) لأن لامه معتلة ويقال فيما كان معتل اللام في مكسرة (فعلة) كقولهم (غزاة) و(رماة) وفيما كان غير معتل فعلة كقولهم (كتبة) و(فسقة) ومن الباب (فارة) و(فرهة) و(غائب) و(غيب) و(خادم) و(خدم) و(إهاب) و(أهب) و" ماعز " و" معز " و(ضائن) و(ضأن) ويقال (معز) و(ضأن) بتسكين الثاني ومنه أيضا (فعيل) كقولهم (عازب)، و(عزيب) و(غار) و(غزيّ) و(قاطن) و(قطين) وقال امرؤ القيس:
سريت بهم حتّى تكلّ ركابهم وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان (١)
هذا باب تكسير الصفة للجمع
قال أبو سعيد: اعلم أن الباب في جمع الصفة أن يكون مسلّما غير مكسّر، لأنها تجري على الفعل والفعل يلحقه
الضمير المذكر والمؤنث فالجاري عليه تلحقه علامة التذكير وعلامة التأنيث وإذا لحقته العلامتان لم يكن بد من السلامة كقولهم (قائم) و(قائمون) و(قائمة) و(قائمات) ويضعف فيه التكسير أيضا أنه لا يضاف إليه ثلاثة وأربعة إلى عشرة إلا بتقديم الموصوف لا يقال ثلاثة قائمين ولا (ثلاث قائمات) حتى تقول (ثلاثة رجال قائمين) و(ثلاث نسوة قائمات) فلما كانت الصفة على ما ذكرنا كان التكسير فيها أضعف منه في الاسم وقد ذكر سيبويه في هذا الباب ما كان من الثلاثي بكلام مشروح أنا أسوقه وأذكره بزيادة يسيرة مما ذكر غيره.
قال سيبويه: وأما ما كان في الأسماء يعني قولهم في (فعل) " كلب " و" كلاب " و(كعب) و(كعاب) كقولهم: (جمّل) و(جمال) و(جبل) و(جبال) في الأسماء واتفقا أيضا في الصفات حين قالوا (صعب) و(صعاب) و(عبل) و(عبال) وقالوا: (حسن) و(حسان) و(سبط) و(سباط) و(قطط) و(قطاط) وربما كسروه على " أفعال " لأنه مما يكسر عليه فعل فاستغنوا به عن فعال وذلك قولهم (بطل) و(أبطال)
_________________
(١) البيت من الطويل وهو من شواهد سيبويه: ٣/ ٢٧، والمخصص: ١٤/ ٦١، وانظر ديوان الشاعر: ٩٣، ومجالس ثعلب: ٧٨، وشرح المفصل لابن يعيش: ٥/ ٧٩.
[ ٤ / ٣٧٠ ]
و(عزب) و(أعزاب).
وذكر غير سيبويه (خلق) و(أخلاق) و(سمل) و(أسمال) وهو الخلق أيضا و(حدث) و(أحداث) والعزب يقال: للذكر والأنثى قالت ابنة الحمارس:
يا من يدلّ عزبا على عزب على ابنة الحمارس الشّيخ الأزبّ (١)
وكان لعبد القيس فرس يقال لها هراوه عزاب يركبها العزب ويغزو عليها فإذا تأهل أعطوها عزبا آخر ولهذا يقول لبيد:
تهدى أوائلهن كلّ طمرّة جرداء مثل هراوة الأعزاب (٢)
وقد ذكر (عزبة) للأنثى قال أبو عمر الجرمي: لا ينكر (عزبة) ولكني لم أسمع به.
قال سيبويه: (فإذا لحقته الهاء للتأنيث كسر على فعال) كأنه يعني (حسنة) و(حسان) و(سبطة) و(سباط) ولا يمتنع من الواو والنون للمذكرين الآدميين كقولهم (حسنون) و(عزبون) ومن الألف والتاء للمؤنث كقولهم (حسنة) و(حسنات) و(بطلة) و(بطلات).
قال (من قبل أن مذكره لم يجمع على فعال) يعني لم يقل: (بطل) و(بطال) كما يقال (حسن) و(حسان) ولم يصلح
أن يقال في (بطلة): (أبطال) كما قيل في (بطل) (أبطال) لأن " أفعال " جمع لما ليس في واحده هاء فلم يقل: غير بطلات وإنما قيل في (حسنة) و(سبطة): (حسان) و(سباط) كما قيل (حسن) و(حسان) و(سبط) و(سباط) وقد تقدم أن " فعالا " يجمع عليها ما فيه الهاء. وقالوا (رجل صنع) و(قوم صنعون) و(رجل رجل) و(قوم رجلون) والرّجل: الّرجل الشعر ولم يكسروها استغنى بذلك عن تكسيرهما وقد ذكرت لك قوة الجمع السالم في الصفة.
قال: (وأما الفعل في الصفات فقليل وهو قولك (جنب) فمن جمع العرب.
قال: (أجناب) كما قالوا: (أبطال) وإن شئت قلت: (جنبون)، كما قالوا:
(صنعون). قال الأخفش في (جنب) لغتان منهم من يقول (جنب) للواحد والجمع
_________________
(١) البيتان من مشطور الرجز مذكوران في اللسان (عزب).
(٢) انظر ديوان لبيد ص: ٢١، المغني: ١٤١، ابن يعيش: ٥/ ٢٥، شواهد المحتسب: ١/ ٢٥٤.
[ ٤ / ٣٧١ ]
وهذا أجود، قال الله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا (١) لأنه كالمصدر وقالوا (رجل شلل) وهو الخفيف في الحاجة والجمع (شللون) ولا يجاوزونه.
قال الشاعر: (٢)
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني شاو مشلّ شلول شلشل شول
قال: (وأما ما كان " فعلا " فإنهم قد كسروه على أفعال وهو في القلة بمنزلة فعل وذلك قولك (جلف) و(أجلاف) ونضو وأنضاء و(نقض) و(أنقاض) ومؤنثه إذا لحقته الهاء بمنزلة مؤنث ما كسر على أفعال من باب (فعل) يعني أن المؤنث الذي بالهاء من هذا الباب يجمع بالألف والتاء فيقال في (علجة) (علجات)، كما يقال في (بطلة) (بطلات).
(وقد قال بعض العرب: أجلف كما قالوا: أذؤب في (ذئب) فأجراه مجرى الأسماء.
(وقالوا: رجل صنع وقوم صنعون لم يجاوزوا ذلك).
(قال: وليس شيء مما ذكرناه يمتنع من الواو والنون إذا عنيت الآدميين وقالوا:
جلفون ويضوون وقالوا علج وأعلاج فجمعوه كالأسماء مثل جذع وأجذاع، ومثله في القلة " فعل " قالوا: رجل حلو " و(قوم حلوون) ومؤنثه يجمع بالتاء وقالوا: (مرّ) و(أمرار) كما قالوا (جلف) و(أجلاف) لأن " فعل " و" فعل " شريكان في أفعال ومؤنثه كمؤنث " فعل ".
يقولون رجل جدّ للعظيم الجدّ وهو الحظ وشاطئ البحر فلا يجمعون إلا بالواو والنون كما لم يجمعوا (صنع) إلا
كذلك يقولون: (جدّون وصار فعل أقلّ من فعل في الصفات إذ كان أقل منه في الأسماء ".
قال: وأما ما كان " فعلا " فإنه لا يكسر على " فعال " ولا فعول كما لم تكسر عليه الأسماء ولكنه يجمع بالواو والنون وذلك قولك (حذرون) و(عجلون) و(ندسون) " والنّدس هو الذي يبحث عن الأخبار ويكون بصيرا بها ولم يجئ من هذا البناء مكسرا
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٦.
(٢) هو الأعشى ميمون انظر الديوان: ٤٥، الخصائص: ٢/ ٤١١، وشرح القصائد العشر للتبريزي ص: ١٤٦ - ١٤٧، والخزانة: ٨/ ٣٩١ والبيت من البسيط.
[ ٤ / ٣٧٢ ]
إلا حرفان وهو قولهم (نجد) و(أنجاد) والنّجد المجرب و(يقظ) و(أيقاظ).
وقد حكى أبو عمرو الشيباني (يقظ) و(يقاظ) على " فعال " ومعنى قوله لم تكسر عليه الأسماء بعض أن الباب في فعل في الأسماء أن يجيء على أفعال ولا يجاوزها كقولهم (عجز) و(أعجاز) و(عضد) و(أعضاد) وجاء منها " رجل ورجال " و(سبع) و(سباع) وليس ذلك بمطرد فإذا كان ذلك في الأسماء فالتكسير في الصفات أقل تمكنا فلذلك قال فهو في هذا أجدر ألا يكسر وقد بينه فقال: (وإنما صارت الصفة أبعد من " الفعول " و" الفعال " لأن الواو والنون يقدر عليهما في الصفة ولا يقدر عليهما في الأسماء لأن الأسماء أشد تمكنا في التكسير).
قال " وفعل " بهذه المنزلة وذلك قولهم (قوم فزعون)، و(قوم فرقون)، و(قوم وجلون).
وقالوا: (نكد) و(أنكاد) كما قالوا (بطل) و(أبطال) و(أجلاف)، وقال الجرمي:
(فرح) و(فرحون) و(أفراح) جائزة ويقال (فراح) قال الشاعر:
وجوه النّاس ما عمّرت بيض طليقات وأنفسهم فراح (١)
هذا باب تكسيرك ما كان من الصفات عدة حروفه أربعة أحرف
قال سيبويه: (أما ما كان فاعلا فإنك تكسره على فعّل وذلك قولك (شاهد) المصر (شهّد)، في معنى شاهد للمصر وليس بغائب و(بازل) و(بزّل) و(شارد) و(شرّد) و(سابق) و(سبّق) و(قارح) و(قرّح) ومثله من بنات الواو والياء التي هي عينات (صائم) و(صوّم) و(نائم) و(نوّم). ويجوز (صيّم) و(نيّم)، وبعضهم يقول (صيّم) و(نيّم) وليس ذلك بخارج عن فعّل وإنما كسروه للياء كما قالوا في (بيوت) و(شيوخ): (بيوت) و(شيوخ) كما يقال في
تصغير (بيت) و(شيخ): (شييخ) و(بييت)، و(شييخ) و(بييت) فهذه الكسرات للياء لا من أجل البناء (وقالوا غائب وغيّب وحائض وحيّض) ومثله من الياء والواو التي هي لامات (غاز) و(غزّى) و(عاف) و(عفّى) في معنى (دارس) و(درّس) ويكسرونه أيضا على (فعّال) وذلك قولك (شاهد) و(شهّاد).
_________________
(١) البيت من شواهد ابن يعيش في شرح المفصل: ٥/ ٢٦، وهو من الوافر والشاهد فيه (فراح) فإنه جمع مفرده (فرح) والكثير (فرحون) إذ قياس هذا الباب أن يجمع بالواو والنون.
[ ٤ / ٣٧٣ ]
وقال القطامي:
وما قومي بشهّاد .. و(جاهل) و(جهّال) و(راكب) و(ركّاب) و(عارض) و(عرّاض) و(زائر) و(زوّار) و(غائب) و(غيّاب) وهذا النحو كثير) وهما الأصل في جمع فاعل صفة وكأن فعّلا مخففا من فعّال، وبدأ سيبويه بهما وهما الأكثر ثم ساق (ما) يليهما.
قال: ويكسرونه على " فعلة " وذلك (فسقة وبررة وجهلة وظلمة وفجرة وكفرة) ومثله في المعتل (خونة وحوكة وباعة) وكان القياس أن يقال (خانة وحاكمة) وقد قيل ذلك:
و(خونة) و(حوكة) على الأصل وستعرفه في التصريف إن شاء الله تعالى.
قال سيبويه: ونظيره من بنات الياء والواو التي هي لام يجيء على " فعلة " وذلك نحو (قضاة) و(رماة) وهذا الجمع لا يجيء معه الصحيح مثله لا يجيء مثل (كاتب) و(كتبة) واختص المعتل " بفعلة " واختص الصحيح بفعلة.
وبعض الكوفيين زعم أن أصل (قضاة) و(رماة) (قضىّ) و(رمىّ) مثل (فرّح) و(سبّق) فاستثقلوا التشديد فأبدلوا الهاء من إحدى العينين وخففوا وليس على هذا دليل وقد جاء في المعتل أبنية لا يكون مثلها في الصحيح وقد ذكر ذلك في التصريف قال: وقد جاء شيء منه كثير على فعل شبهوه " بفعول " حين حذفت زيادته وكسر على " فعل " لأنه مثله في الزيادة والزنة وعدة حروفه وذلك (بازل) و(بزل)، و(شارف) و(شرف) وهي المسنة من الإبل و(عائذ) و(عوذ) وهي القريبة العهد بالنتاج و(حائل) و(حول) و(عائط) و(عوط) ومعناها الحائل.
وأصل (عوذ) (عوذ) فاستثقلوا الضمة على الواو فسكنوا، وأصل (عيط) (عيط) فاستثقلوا الضمة على الياء وكسروا العين لتسلم الياء كما قالوا في (أبيض): (بيض) والأصل ضمة الياء وكما قالوا في أحمر (حمر) ومعنى قوله: شبهوه بفعول، لأن فعولا يجمع على فعل كقولك (صبور) و(صبر) و(غفور) و(غفر) حذفوا الواو التي في " فعول " وجمع على فعل لأن الواو زائدة وكذلك حذفوا الألف التي في فاعل لأنها زائدة فمثلوه بفعول لأن (في) كل
واحد منهما زائدة ولأن الزائدة ساكنة منهما وذلك معنى قوله: لأنه مثله في الزيادة والزنة ومثله أيضا في عدة الحروف لأنهما على أربعة أحرف.
قال: " وقد كسر على " فعلاء " شبّه بفعيل كما شبه في " فعل " بفعول وذلك (شاعر) و(شعراء) و(جاهل) و(جهلاء) و(علم) و(علماء) فصار بمنزلة (كريم)
[ ٤ / ٣٧٤ ]
و(كرماء) و(حليم) و(حلماء) كما صار (بازل) و(بزل) بمنزلة (صبور) و(صبر)
قال سيبويه: " وليس شيء من هذا إذا كان للآدميين يمتنع من الواو والنون وذلك (فاسقون) و(جاهلون) و(عالمون) و(عاقلون) وليس فعل ولا فعلاء بالقياس المتمكن في هذا الباب ".
يعني في باب فاعل إلا ما سمع وقد سمع (صالح) و(صلحاء) وجاء على فعال نحو صاحب و(صحاب) و(جائع) و(جياع) و(نائم) و(نيام) وقالوا: (ناو) و(نواء) وهو السمين.
و(راع) و(رعاء) وقالوا: (كافر) و(كفار).
قال القطامي:
وشقّ البحر عن أصحاب موسى وغرّقت الفراعنة الكفار (١)
وقد جاء على (فعلان) كقولك (راع) و(رعيان) و(شابّ) و(شبّان)، شبهوه بالاسم حين قالوا: فالق وفلقان " و(حاجز وحجزان)، وقد جاء على فعول ولم يذكره سيبويه في الباب قالوا (شاهد) و(شهود).
قال الشاعر:
وبايعت ليلى بالخلاء ولم يكن شهود على ليلى عدول مقانع (٢)
وقالوا: (جالس) و(جلوس) و(قاعد) و(قعود) وليس بالكثير.
قال: (وإذا لحقته الهاء للتأنيث كسّر على " فواعل " وذلك قولك: " ضاربة " و" ضوارب " و" قاتلة " و" قواتل "، و" خارجة " و" خوارج "، وكذلك إن كان صفة للمؤنث ولم تكن فيه هاء التأنيث، وذلك " جواسر " و" حوائض " ويكسّرونه على فعّل نحو " حيّض " و" جسّر " و" مخّض " و" نائمة " و" نوّم " و" زائرة " و" زوّر ").
فهذا هو القياس، لأن الهاء لا يعتد بها ولا تدخل في البنات فصارت (نائمة) بمنزلة (نائم).
وإذا أردت جمع السلامة لم يمتنع شيء فيه الهاء منه وذلك قولك: (ضاربات)، و(خارجات).
_________________
(١) انظر ديوان الشاعر ص: ٨٤، البيت من الوافر وانظر ابن يعيش: ٥/ ٥٥، واللسان: (كفر).
(٢) البيت من شواهد ابن يعيش: ٥/ ٥٥، وذكره الأمالي لأبي علي القالي: ١/ ١٦٩، واللسان (قنع). والشاهد فيه قوله (شهود) حيث جاءت جمعا ل (شاهد) و(فعول) مما يكسر عليه (فاعل).
[ ٤ / ٣٧٥ ]
وإن كان فاعل لغير الآدميين كسّر على فواعل، وإن كان لمذكر أيضا لأنه لا يجوز فيه ما جاز في الآدميين من الواو والنون فضارع المؤنث ولم يقو قوة الآدميين كقولك (جمل بازل) و(جمال بوازل)، و(عاضة) و(عواضة) وهو الذي يرعى العضاة،: ضرب من الشجر.
قال: وقد اضطر الشاعر فقال:
وإذا الرّجال رأوا يزيد رأيتهم خضع الرّقاب نواكس الأبصار (١)
وقد كان تقدم في جمع فاعل من الشرح ما يغني عن ذكره.
" وأما ما كان فعيلا فإنه يكسر على (فعلاء) وعلى " فعال "، فأما ما كان " فعلاء " فنحو (فقهاء) و(بخلاء) و(ظرفاء) و(حلماء) و(حكماء).
وأما ما جاء على فعال فنحو (ظريف) و(ظراف) و(كريم) و(كرام) و(لئيم) و(لئام) و(بريء) و(براء).
ويقال: (بريء) و(برآء)، قال الله تعالى: إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ (٢) ويقال أيضا (براء) في معنى (برآء) استثقالا للهمزتين وبينهما ألف.
ويقال أيضا: براء، وليس بجمع مكسر وهو كالمصدر يقع للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث يقال: (رجل براء) و(رجلان براء) و(رجال براء) و(امرأة براء) و(نسوة براء).
قال الله ﷿: إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٣).
وفعال بمنزلة فعيل؛ لأنهما أختان، ألا ترى أنك تقول طويل وطوال وبعيد وبعاد.
قال: وسمعناهم يقولون: (شجيع وشجاع وخفيف وخفاف) وتدخل في مؤنث " فعال " الهاء كما تدخّلها في مؤنث " فعيل " تقول امرأة طويلة وطوالة وخفيفة وخفافة.
وما كان من هذا مضاعفا كسّر على " فعال " كما كسر غير المضاعف، وذلك
_________________
(١) البيت للفرزدق وهو من قصيده يمدح بها آل المهلب وخص من بينهم ابنه " يزيد " والشاهد فيه جمع (ناكس) صفة العاقل على (نواكس) انظر الكامل: ٢٦٢، المخصص: ١٤/ ١١٧، ابن يعيش: ٥/ ٥٦، والخزانة: ١/ ٩٩.
(٢) سورة الممتحنة، الآية: ٤.
(٣) سورة الزخرف، الآية: ٢٦.
[ ٤ / ٣٧٦ ]
(شديد) و(شداد) و(حديد) و(حداد) ونظير " فعلاء " فيه أفعلاء وذلك شديد وأشدّاء "، و(لبيب) و(ألبّاء) وشحيح وأشحّاء». وإنما كرهوا فعلاء في هذا الباب لتكرير حرف واحد غير مدغم لأنهم لو جمعوه على فعلاء لقالوا (شدداء) و(شححاء) و(لبباء) وذلك مستثقل.
" وقد يكسرون المضاعف على " أفعلة " كما كسروه على " أفعلاء " وهما على بناء واحد آخرهما علامة التأنيث فأفعلة بالهاء وأفعلاء بالألف وذلك نحو أشحّة وأعزّة وأذلّة وهو كثير ".
" وأما ما كان من بنات الياء والواو فإن نظير فعلاء فيه أفعلاء وذلك نحو (أغنياء) و(أشقياء وأغوياء).
و(أكرياء) و" أصفياء " وذلك أنهم يكرهون (تحريك) هذه الياءات والواوات وقبلها حرف مفتوح.
يعني لو جمعوا (غنيّا) على " فعلاء " لقالوا: (غنياء) وفي (شقيّ): (شقياء)، وكانت الياء متحركة وقبلها فتحة، ومن شأنهم قلب الياء ألفا والواو، إذا تحركتا وقبلهما فتحة في كثير من المواضع كقولهم في الفعل: (مال) و(باع) أصلهما: (ميل) و(بيع)، وقال: أصله (قول)، وفي الأسم (دار) وأصله (دور)، و(ناب) وأصله: (نيب) فعدلوا كراهة لذلك إلى جمع آخر وهو (أفعلاء) ولا يلزمهم فيه ما كرهوه وقد جاء حرف نادر من هذا الباب (على فعلاء لا يعرف غيره وهو) تقيّ وتقواء، ولما شذ غيروا الياء فيه إلى الواو وكان حقه أن يكون (تقياء) ولا يعلم غيره.
ومما حكاه البصريون والفراء (سريّ) و(سرّواء) و(أسرواء) و(أسرياء).
وأما ما كان من بنات الياء والواو التي الياء والواو فيهن عينات فإنه لم يكسر على أفعلاء ولا فعلاء، واستغني عنهما بفعال، لأنه أقل مما ذكرنا في الكلام، وذلك قولك (طويل) و(طوال) و(قويم) و" قوام ".
وقد تقلب الواو فيه ياء وليس بالباب قالوا (طويل) و(طيال) وأنشدوا:
تبيّن لي أنّ القماءة ذلّة وأنّ أشدّاء الرّجال طيالها (١)
_________________
(١) البيت لأنيف (بضم الهمزة وفتح النون) بن زبان النبهاني من طيء وهو إسلامي. انظر شرح الشواهد ص: ٣٨٧. البيت من الطويل وهو من شواهد ابن جني في المنصف: ١/ ٢٤٢، وابن-
[ ٤ / ٣٧٧ ]
«ولا يمتنع جمع ذلك للآدميين بالواو والنون كقولك: (ظريفون) و(طويلون) و(لبيبون) و(حليمون) وقد كسر شيء منه على " فعل " شبه بالأسماء لأن البناء واحد وهو (نذير) و(نذر) و(جديد) وجدد و(سديس) و(سدس).
وقال في غير هذا الموضع (صديق) و(صدق)، وقال غيره (فصيح) و(فصح).
قال الشاعر:
خرس بلاء في كلّ مكرمة فصح بقول " نعم " وبالفعل (١)
و(لذيذ) و(لذذ) و(لذّ) أيضا بالتخفيف.
قال الشاعر:
لذّ بأطراف الحديث إذا حبّ القرى وتنوزع الفجر (٢)
ومثل ذلك من بنات الياء (ثنيّ) و(ثن) وأصله (ثنى) مثل (سدس) غير أنهم يكسرون ما قبل الأخير لئلا تنقلب واوا كما قالوا (دلو) و(أدل) ويجوز تخفيفه فيقال: (ثني) كما يقال: (نذر).
وقالوا (شجعان) شبهوه ب (جربان) ومثله (ثنىّ) و(ثنيان).
كأنهم جعلوا شجعان جمع (شجيع) فشبهوه ب (جريب) و(جربان).
وقالوا (خصىّ) و(خصيان) شبهوه ب (ظليم) و(ظلمان) كما قالوا " خلقان " و" جدعان " شبهوه بحملان إذ كان البناء واحدا».
يريد أنهم شبهوا جمع " خلق " وهو نعت بجمع " حمل " وهو اسم، و(جذعان) جمع (جذع) وهو أيضا نعت. " وقد كسروا منه شيئا على " أفعال " كما كسروا عليه " فاعل " نحو شاهد و(صاحب).
وقالوا: (أشهاد) و(أصحاب) وقالوا: (يتيم) و(أيتام) و(شريف) و(أشراف).
قال: ولأن العدّة والزّنة والزيادة واحدة " فالعدة أن كل واحد منهما أربعة
_________________
(١) - يعيش: ٥/ ٤٥، وأمالي الشجري: ١/ ٥٦، والشاهد (طيالها) شاذ قياسا واستعمالا والقياس (طوالها).
(٢) البيت من الكامل وهو من شواهد شرح المفصل لابن يعيش: ٥/ ٤٦، والشاهد (فصح) بضمتين حيث جاء جمعا لفصيح.
(٣) البيت من الكامل وهو من شواهد المفصل: ٥/ ٦، والقاموس المحيط (الحب)، والشاهد (لذّ) حيث جاء جمعا (لذيد).
[ ٤ / ٣٧٨ ]
أحرف، والزنة أن الحرف الزائد منهما زائد والزيادة أنهما حرفا لين.
قال: (وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون: أبيل وآبال)، والأبيل: القسّ.
قال الشاعر:
وما سبّح الرّهبان في كلّ موطن أبيل الأبيلين المسيح ابن مريما (١)
قال: وإذا لحقت الهاء " فعيلا " للتأنيث فإن المؤنث يوافق المذكر على " فعال " وذلك " صبيحة " و(صباح) و" ظريفة " و(ظراف)، وقد يكسر على " فعائل " كما كسرت عليه الأسماء، وهو نظير " أفعلاء " و(فعلاء) هاهنا وذلك نحو (صبائح) و(صحائح) و(طائب) ".
وهذه صفات، والأسماء نحو " صحيفة " و" صحائف " و" سفينة " و" سفائن " وهذا البناء للمؤنث.
" أفعلاء " و" فعلاء " للمذكر في الصفات، نحو (أغنياء) و(أصفياء) و(فعلاء) نحو (كرماء) و(شهداء).
وليس في المؤنث " فعلاء " إلا حرفان، قالوا: (امرأة فقيرة) و(نسوة فقراء) و(سفيهة) و(سفهاء)، ويقال " سفائة "، كما قالوا: (صحيحة) و(صحائح) ولا نعلم غير هذين الحرفين.
قال: وقد يدعون " فعائل " استغناء بغيرها كما تركوا " فعلاء.
قالوا: (صغيرة) و(صغار) و(كبيرة) و(كبار) و(سمينة) و(سمان)، ولم يقولوا (كبائر) و(صغائر) في السن. وقالوها في الذنوب والجنايات.
وقالوا: (صبي صغير) و(صغار) ولم يقولوا: (صغراء). وكذلك (سمين) و(سمان) ولم يقولوا (سمناء) وقالوا (سريّ) و(سراة) ولم يقولوا: " أسرياء " كما قالوا (غنيّ) و" أغنياء "، وقالوا: (خليفة) و(خلائف) و(خلفاء)، قال الله ﷿: وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ (٢) وقال خَلائِفَ الْأَرْضِ (٣) وإنما قيل (خلفاء) والواحد (خليفة)، لأن الخليفة
_________________
(١) البيت لعمرو بن عبد الجن انظر اللسان (أبل)، البيت من الطويل. انظر الإنصاف في مسائل الخلاف: ٣١٨، وشرح المفصل لابن يعيش: ٥/ ٤٧، والخزانة: ٣/ ٢٤٠، والشاهد فيه قوله (أبيل) حيث جاءت في البيت بمعنى القس.
(٢) سورة النمل، الآية: ٦٢.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٦٥.
[ ٤ / ٣٧٩ ]
لا يكون إلا مذكرا، وكأنهم جمعوا خليفا على (خلفاء) كما قالوا: (ظريف) و(ظرفاء) وقد حكى " خليف ".
قال الشاعر:
إنّ من القوم موجودا خليفته وما خليف أبي وهب بموجود (١)
قال سيبويه: وزعم الخليل أن قولهم: (ظريف) و(ظروف) لم يكسر عليه ظريف كما أن المذاكير لم يكسر عليه ذكر.
قال أبو عمر: أقول في (ظروف) هو جمع (ظريف) كسّر على غير بابه وليس مثل ذلك والدليل على ذلك أنك إذا
صغرت قلت: (ظريّفون) ولا تقول ذلك في مذاكير.
قال أبو سعيد: أما الخليل فإنه يجعل " ظروفا " اسما للجمع في (ظريف) أو (يجعله) جمعا ل (ظرف)، وإن كان لا يستعمل ويكون (ظرف) في معنى (ظريف) كما يقال " عدل " في معنى (عادل) فيكون (ظرف) و(ظروف) كقولنا (فلس) و(فلوس) كما أن مذاكير وإن كان جمعا فالتقدير أنه جمع لمذكار ومذكار في معنى ذكر وإن لم يستعمل.
وقال أبو عمر الجرمي: (ظروف) جمع ل (ظريف) وإن كان الباب في (ظريف) أن لا يجمع على (ظروف) كما أن كثيرا من الجموع قد خرجت من بابها حملا على غيرها كما أن قولهم: (أزناد) جمع (زند) و(أزمن) جمع (زمن) محمول على غيره وقد مضى نحو هذا كثير.
قال سيبويه: " وأما ما كان (فعولا) فإنه يكسّر على " فعل " عنيت جمع المؤنث أو المذكر وذلك قولك: (صبور) و(صبر) و(غدور) و(غدر). "
وإنما استويا لأنه لا علامة للمؤنث فيه وإنما يجمعون المؤنث منه على (فعائل) كقولهم (عجوز) و(عجائز) وقد قالوا: (عجز).
قال الشاعر:
جاءت به عجز مقابلة ما هنّ من جرم ولا عكل (٢)
و(جدود) و(جدائد) و(صعود) و(صعائد).
_________________
(١) هذا البيت لأوس بن حجر انظر المفصل لابن يعيش: ٥/ ٥٢، انظر ديوانه ص: ٢٥، والبيت من البسيط.
(٢) البيت من المنسرح من شواهد شرح المفصل لابن يعيش: ٥/ ٤٧ والشاهد قوله (عجز) في جمع (عجوز) والعجوز: الزوجة، اللسان (عجز).
[ ٤ / ٣٨٠ ]
وإنما جاء على فعائل لأنه مؤنث فكأن علامة التأنيث فيه مقدرة فصارت بمنزلة صحيحة وصحائح، والجدود التي لا لبن لها، والصّعود التي قد عطفت على غير ولدها بعد إسقاطها، وقالوا، للواله: (عجول) و(عجل) ولم يقولوا (عجائل)، و(سلوب) و(سلائب) والسّلوب التي فارقها ولدها بموت أو ذبح أو غير ذلك.
وشبهوا فعول وفعائل في النعت بالاسم كقولهم: (قدوم) و(قدائم) و(قدم) و(قلوص) و(قلائص) و(قلص).
وقد يستغنى ببعض هذا عن بعض قالوا: (صعائد) ولا يقال (صعد) وقالوا: (عجل) ولا يقال (عجائل).
قال سيبويه: " وليس شيء من هذا وإن عنيت به الآدميين يجمع بالواو والنون كما أن مؤنثه لا يجمع بالتاء لأنه
ليست فيه علامة التأنيث لأنه مذكر الأصل "
قال أبو سعيد: لم يجمع (صبور) وبابه في المذكر والمؤنث جمع السلامة لأن (صبورا) قد استعملت للمؤنث بغيرها من أجل أنها لم تجر على الفعل فلما أطرحت الهاء في الواحد وإن كان التأنيث يوجب الهاء كرهوا أن يأتوا بجمع يوجب ما كرهوا في الواحد فعدل به عن السلامة إلى التكسير في المؤنث، فلما عدل إلى التكسير في المؤنث أجرى المذكر مجراه.
قال سيبويه: (ومثل هذا " مريّ " و" صفيّ " وقالوا: (مرايا) و(صفايا) فعائل غير أن الإعلال أوجب لها هذا اللفظ كما يقال في (خطيّة): (خطايا) وفي (مطيّة): (مطايا) وهذا يحكم في التصريف إن شاء الله:
" والمريّ " التي يمريها الرجل يستدرّها للحلب و(الصّفيّ) الغزيرة اللبن وقد يجوز أن يكون وزنها (فعيلا) و(فعولا) وقالوا للمذكر (جزور) و(جزائر) لما لم يكن من الآدميين صار في الجمع كالمؤنث وقد تقدم أن ما لا يعقل يجري مجرى المؤنث في الجمع.
قال: " وشبهوه بالذنوب " و" الذّنائب " وقال غيره " الذّنوب " يذكر ويؤنث فمن ذكره قال في أدنى العدد " أذنبة " وقد روى أن الملك الغسّاني الذي كان أسر (شاسا) أخذ علقمة بن عبدة لما مدحه علقمة وسأله إطلاق أخيه أنشده القصيدة إلى أن بلغ قوله:
[ ٤ / ٣٨١ ]
وفي كلّ حيّ قد خبطت بنعمة فحقّ لشأس من نذاك ذنوب (١)
قال: نعم " وأذنبة " وأحسن إليه وأراد سيبويه بالذنائب على اللغتين جميعا.
قال سيبويه: " وقالوا رجل ودود ورجال ودداء شبهوه بفعيل لأنه مثله في (الزيادة) في الزنة ولم يتقوا التضعيف لأن هذا اللفظ في كلامهم نحو حششآء ".
قال أبو سعيد: أما قولهم ودود وودداء ففيه مخالفة للقياس من جهتين إحداهما أن فعولا لا يجمع على فعلاء وإنما يجمع عليه فعيل ككريم وكرماء والثانية أن فعيلا إذا كان عين الفعل ولامه من جنس واحد فإنه لا يجمع على فعلاء لا يقولون: (شديد) و(شدداء) ولا (جليل) و(جللاء) وإنما قالوا: (ودداء) لأنه لما خرج عن بابه فشذ في وزن الجمع احتملوا شذوذه أيضا في التضعيف وشبهوه ب (خششاء) في احتمال التضعيف، وقوله:
لأنه مثله في الزنة يريد زنة حرف اللين في سكونه من فعيل وفعول والزيادة فيهما أن الواو زائدة والياء زائدة. (وقالوا عدوّ وعدوّة شبهوه بصديق وصديقة كما قالوا للجمع عدو وصديق).
قال أبو سعيد: يقال: (عدوّ) للواحد والاثنين والجماعة، والمؤنث والمذكر، قال الله ﷿: إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (٢). وقال: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ (٣). وكذلك يقال (الصّديق) للواحد والجماعة والمؤنث والمذكر وقد يدخلون الهاء عليهما جميعا لأنهما لما تضادا جريا مجرى واحدا.
قال سيبويه: " وقد أجري شيء من فعيل مستويا في المؤنث والمذكر وذلك قولك (جديد) و(سديس) و(كتيبة خصيف) و(ريح خريق) وقالوا (مدية هذام) و(مدية جزاز).
والباب أن المذكر والمؤنث يختلف في " فعيل " إذا لم يكن فعيل في معنى مفعول تقول رجل كريم وشريف و(امرأة كريمة وشريفة) وفعول يستوي فيهما تقول: (رجل
_________________
(١) البيت من الطويل وذكر في اللسان (شأس) وهو من قصيدة مدح بها الحرث الوهاب سيد بني غسان وملك الشام انظر ابن يعيش: ٥/ ٤٨. والشاهد (ذنوب) حيث أفردها وجمعها الملك على (أذنبة) فدل هذا على أن (فعول) المذكر مما يكسّر على (أفعلة) في أدنى العدد.
(٢) سورة النساء، الآية: ١٠٢.
(٣) سورة الشعراء، الآية: ٧٧.
[ ٤ / ٣٨٢ ]
صبور وغدور) و(امرأة صبور وغدور) قد ذكر سيبويه " فعولا " في هذه الأحرف أنه قد استوى فيهما المذكر والمؤنث وجرت على حكم فعول وقال بعض الناس في (جديد) أنه في معنى مفعول وأن معناه (مجدود) أي مقطوع من صبغته لأن الثوب وما جرى مجراه قد يقطع إذا فرغ منه، ويحتمل سائر ما ذكرناه التأويل وإن كان قوله أظهر.
ومعنى كتيبة خصيف أنه قد ظهر فيها سواد الحديد فقد صارت ذات لونين. (وقالوا:
فلوّ وفلوّة لأنها اسم فصارت ك " فعيل " و" فعيلة ". وقد ذكرنا في جمع فلوّ أنه يقال (أفلاء) و(فلاء) و(فليّ) و(فليّ).
" وقالوا امرأة فروقة وملولة " ومثله رجل ملولة وفروقة " فوقع للذكر والأنثى كما يقال (حمولة) للذكر والأنثى و(ربعة) للذكر والأنثى قال أبو الحسن الأخفش:
قالوا: (فروقة وملولة وحمولة) فألحقوا الهاء حيث أرادوا التكثير كما قالوا (نسّابة وراوية) فألحقوا الهاء حين أرادوا التكثير وقال أبو عمر الجرمي يقال أيضا (فروق) و(ملول) فمن قال (فروقة) و(ملولة) قال (فروقات) و(ملولات) ومن قال (فروق) و(ملول) قال (فرق) و(ملل) كما يقال (صبر) و(غدر)،
وقال الأخفش: بعض الناس يقولون (رجل صرورة) و(رجال صرورة) فمن قال هذا أجراه مجرى المصدر (وأما فعال فبمنزلة فعول وذلك قولك صناع وصنع وجماد وجمد كما قالوا صبور وصبر) و(الصّناع الحاذق)
و(الجماد الممسكة) يقال:
(سنة جماد) و(امرأة جماد) إذا كانت بخيلة ومثله من بنات الياء والواو التي الواو عينه نوار ونور وجواد وجود وعوان وعون) فخفف استثقالا للضمة على الواو، وقوله من بنات الياء والواو ثم لم يأت للياء بمثال لأن إحداهما تغني عن الأخرى وهما كالحيز الواحد.
قال: " وتقول رجل جبان وقوم جبناء وشبهوه بفعيل لأنه مثله في الصفة والزنة والزيادة "
يريد أن " جبان " صفة كما أن ظريف صفة وحرف اللين ساكن فيهما وهو الألف في (جبان) والياء في ظريف وهما زائدان فيهما فجعل (جبناء) بمنزلة (ظرفاء) وقال غيره يقال " امرأة جبان " و" جبانة " وقد جاء في شعر هذيل " أجبان " وسأذكر بابا لما شذ من الجمع في الشعر إن شاء الله.
قال: وأما " فعال " فبمنزلة " فعال " ألا ترى أنك تقول: ناقة (كناز) اللحم
[ ٤ / ٣٨٣ ]
ويقولون للجمل العظيم: (جمل كناز) ويقولون (كنز) - يعني للجمع- ويقال (رجل لكاك اللّحم) يعني كثير اللحم وامرأة لكاك) وكذلك يقال في الناقة والجمل وجمعه (لكك) وهو الكثير اللحم، و(جمل دلاث) و(ناقة دلاث) وهو الماضي السريع والجمع (دلث).
قال: (وزعم الخليل أن قولهم هجان للجماعة بمنزلة " ظراف " وكسّروا عليه " فعالا " فوافق " فعيلا " هاهنا كما وافقه في الأسماء "
قال أبو سعيد: اعلم أن " هجانا " يستعمل للواحد والجمع فيه مذهبان وذكر سيبويه أحدهما دون الآخر فأما الأول منهما وهو الذي ذكره سيبويه أنه يقال (هذا هجان) ومعناه كريم خالص و(هذان هجانان) وهؤلاء هحان) وذلك أن " هجانا " الواحد هو فعال وفعال يجري مجرى فعيل فمن حيث جاز أن يجمع " فعيل " على " فعال " جاز أن يجمع فعال على فعال لاستواء فعيل وفعال.
وأما المذهب الآخر فيقال هذا هجان وهذان هجان وهؤلاء هجان فيستوي الواحد والتثنية والجمع فيجري مجرى المصدر ولم يذكره سيبويه.
وقد ذكره الجرمي قال سيبويه: (وزعم أبو الخطاب أنهم يجعلون الشّمال جمعا وقد قالوا شمائل كما قالوا: هجائن) والشّمال: الخلق وقد قالوا في قول عبد يغوث:
وما لومي أخي من شماليا قالوا شمال هاهنا جمع بمنزلة هجان جمعا " وقالوا درع دلاص وأدرع دلاص " وفيها ما في (هجان) من المذهبين وقالوا (جواد) و(جياد) للجميع لأن جوادا مشبه بفعيل فصار بمنزلة قولك
(طويل) و(طوال) واستعملوه بالياء دون الواو كما قال بعضهم (طيال) في معنى (طوال).
قال: وبذلك على أن " هجانا " و" دلاصا " جمع لدلاص وهجان وأنه كجواد وجياد وليس كجنب قولهم (هجانان) و(دلاصان) فالتثنية دليل في هذا النحو.
قال أبو سعيد: قد ظهر من مذهب سيبويه أن " دلاص وهجان " إذا كان للجمع فهو جمع مكسر لدلاص وهجان إذا كان للواحد وأنه ليس فيه مذهب غير ذلك وشبهه بجواد وجياد لينكشف لك قصده فيه؛ لأن الجواد الذي هو واحد لفظه خلاف لفظ جياد، الذي هو جمع فقال هجان الذي هو جمع بمنزلة جياد وهجان الذي هو واحد بمنزلة (جواد) وإن اتفق لفظهما واستدل على قوله بالتثنية حين قالوا: (دلاصان)، ولو كان على مذهب المصدر الذي يستوي فيه التثنية والجمع لكان لا يثنى و(جنب) على مذهبه لا يثنى
[ ٤ / ٣٨٤ ]
لأنه عنده مصدر ففصل بينهما وقد تقدم القول في (جنب) وما ذكرت فيه عن الأخفش من جواز التثنية والجمع.
قال سيبويه: وأما ما كان " مفعالا " فإنه يكسر على (مثال) (مفاعيل) (كالأسماء) وذلك لأنه شبه بفعول، حيث كان المذكر والمؤنث فيه سواء ففعل ذلك به كما كسّر " فعول " على " فعل " فوافق الأسماء ولا يجمع بالواو والنون كما لا يجمع فعول وذلك قولك: (مكثار) و(مكاثير) و(مهذار) و(مهاذير) و(مقلات) و(مقاليت).
- والمقلات: المرأة التي لا يعيش لها ولد- وما كان " مفعلا " فهو بمنزلته لأنه للمذكر والمؤنث سواء فأما " مفعل " فنحو (مدعس) و(مقول) تقول (مداعس) و(مقاول) وكذلك المرأة- والمدعس: الجيد الطعن- وأما (مفعيل) فنحو (محضير) و(محاضير) و(مئشير) (١) و(مآشير).
قال أبو سعيد: اعلم أن ما كان من هذه الأسماء يستوي فيه المذكر والمؤنث فالباب في جمعه التكسير كقولنا (صبور) و(عجول) للذكر والأنثى و(مفعال) كقولنا (مكثار) و(مهذار) للذكر والأنثى وما كان أيضا ذكره على خلاف بنية أنثاه كقولنا: (أحمر) و(حمراء) و(سكران) و(سكرى) فالباب في جمعه التكسير ولا يجمع المذكر منه بالواو والنون ولا المؤنث بالألف والتاء إلا ما يشذ ويضطر إليه شاعر فيشبهه بغيره من الجموع كقول الكميث:
فما وجدت بنات بني نزار حلائل أحمرين وأسودينا (٢)
والباب فيه (حمر) و(سود) و(حمران) و(سودان) وإذا كان شيء من ذلك اسما جمع بالواو والنون والألف والتاء تقول في (الأحمر) و(الحمراء) إذا كانا نعتين (حمر) للذكر والأنثى وإن سميت امرأة ب (حمراء) قلت (حمراوات) كما جاء في الحديث " ليس في الخضراوات شيء " (٣) لأنه اسم ولو سميت رجلا ب (أحمر) و(أسود) جاز أن تجمعه
_________________
(١) في اللسان (أشر): الأشر: المرح، الأشر: البطر.
(٢) نسبه ابن عصفور أيضا إلى الكميت في المقرب: ٢/ ٥٠ وهو من قصيدة لحكيم بن عياش الكلبي وهو المعروف بالأعور الكلبي من شعراء الشام يهجو بها مضر. انظر ابن يعيش: ٥/ ٦٠، الخزانة: ١/ ٨٦ - ٣/ ٣٩٥، والدرر: ١/ ١٩، والأشموني: ١/ ١٣٢. والشاهد في البيت قوله: أسودين وأحمرين حيث جمع أسود وأحمر جمع مذكر سالم بالياء والنون.
(٣) الحديث أخرجه الترمذي في صحيحه: ٣/ ١٣٢ - ١٣٣، (باب ما جاء في زكاة الخضراوات) =
[ ٤ / ٣٨٥ ]
جمع السلامة فتقول (الأحمرون) و(الأسودون) كما قالوا (الأشعرون) وإن صغرت شيئا من ذلك جمع بالواو والنون والألف والتاء لو صغرت (حمراء) و(سوداء) وأنت تريد المذكر لقلت (أسيودون) و(أحيمرون) وإن أردت به المؤنث قلت: (حميراوات) و(سويدات).
وما كان مذكره على نية مؤنثه وكان في المؤنث الهاء ولم تكن في المذكر فالباب فيه أن يجمع جمع السلامة؛ لأن بعضه يجري على الفعل وبعضه بمنزلة ما جرى على الفعل فأما ما جرى على الفعل فقولك (قائم) و(قائمة) و(ذاهب) و(ذاهبة) و(منطلق) و(منطلقة) تقول في جمع (منطلق) (منطلقون) وفي (منطلقة) (منطلقات) وفي قائم (قائمون) وفي (قائمة) (قائمات) وذلك أن هذا الباب لما جرى على الفعل شبه لفظ جمعه بلفظ الفعل الذي يتصل به ضمير الجمع؛ لأن الفعل يسلم ويتغير ما اتصل به فيجعل " منطلقون " كقولك (ينطلقون) و(مكرمون) بمنزلة (يكرمون) و(قائمون) بمنزلة (يقومون) و(منطلقات) بمنزلة (ينطلقن) و(ذاهبات) بمنزلة (يذهبن) لسلامة لفظ الفعل.
قال سيبويه: وقالوا: (مسكينة) شبهت ب (فقيرة) فصار بمنزلة (فقير) و(فقيرة) وإن شئت قلت: (مسكينون) كما قلت (فقيرون) وقالوا: (مساكين) كما قالوا (مآشير).
وقالوا: أيضا (امرأة مسكين) فقاسوه على امرأة (جبان) وهي " رسول ".
وإنما قالوا: (مسكينون) كما قالوا: (مسكين) و(مسكينة).
قال: " وأما ما كان (فعّالا فإنه لا يكسر لأنه تدخله الواو والنون فيستغنى بهما ويجمع مؤنثه بالتاء لأن الهاء تدخله ".
قال أبو سعيد: فصلوا بين " فعّال " و" فعول " وهما للمبالغة لأنهم جعلوا (فعّالا) (لمفعّل) في المبالغة و(مفعّل) يجرى على فعّل كقولك (كسّر) فهو (مكسّر) و(حرّك) فهو (محرّك) وتدخله الهاء للمؤنث نحو (محرّكة)
و(مكسّرة) وكذلك في (فعّال) يقول للذكر (شرّاب) والأنثى (شرّابة) و(شرّابون): و(قتّالون)، و(شرّابات) و(قتّالات).
_________________
(١) = برواية " ليس في الخضراوات صدقة ". وكذلك أخرجه الدارقطني في سننه ص ٢٠٠ والحديث مرسل ضعيف من كل طرقه.
[ ٤ / ٣٨٦ ]
وفعّال بهذه المنزلة (رجل كرّام) و(حسّان) و(امرأة كرّامة وحسّانة) قال الشماخ:
يا ظبية عطلا حسّانة الجيد (١)
وفي جمع المذكر (حسّانون) و(كرّامون) وللأنثى (حسّانات) و(كرّامات) لما كان الفصل بين الذكر والأنثى بالهاء جعلوه بمنزلة ما جرى على الفعل وقالوا: (عوّار) و(عواوير) - والعوّار الرجل الجبان- وكسّروه لأنهم أجروه مجرى الاسم؛ لأنهم لا يقولون للمرأة (عوّارة) لأن الشجاعة والجبن في الأغلب من أوصاف الرجال الذين يحضرون الحرب والقتال قال الأعشى:
غير ميل ولا عواوير في الهي جا ولا عزّل ولا أكفال (٢)
وقال الليث:
لا عواوير في الحروب تنابيل ولا رائمون بوّ اهتضام (٣)
وشبهوا (عوّار) و(عواوير) ب (نقّاز) و(نقاقيز) والنقّاز: العصفور وفي بعض النسخ من كتاب (سيبويه) (نقّار) و(نقاقير) وهو غلط ذكر أبو حاتم أن النّقّاز سمي بذلك لأنه ينقز وذكره أبو بكر بن دريد في باب الزاي والقاف والنون.
ومفعول بمنزلة فعّال ومما يجمع مجمع السلامة فقيل نحو (الشّريّب) و(الفسيّق) ويقال للمرأة (شرّيفة) و(فسّيقة) ونقول في المفعول (مضروبون) و(مقصودون) وقد يجيء مكسرا تشبيها بغيره كقولهم (مكسور) و(مكاسير) و(ملعون) و(ملاعين) و(مشؤوم) و(مشائيم) و(مسلوخة) و(مساليخ) شبهوها بما يكون من الأسماء على هذا الوزن وقد عرفتك أن باب الأسماء على هذا التكسير فأما مجرى الكلام الأكثر فإنه يجمع بالواو والنون والمؤنث بالتاء كقولهم في المذكر (ملعونون) و(مهزومون).
قال الله ﷿: مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا (٤) وكذلك جميع ما جرى على الفعل كقولك (مفعل) و(مفعل) إلا أنهم قد قالوا (منكر) و(مناكير) و(مفطر) و(مفاطير)
_________________
(١) هذا شطر بيت صدره: دار الفتاة التي كنا نقول لها انظر الخصائص: ٣/ ٢٦٦، المنصف: ١/ ٢٤١، ديوان الشاعر ص: ٢١، ابن يعيش: ٥/ ٦٦.
(٢) البيت من الخفيف انظر ديوان الشاعر ص: ١١، وشرح المفصل: ٥/ ٦٧، اللسان (عور).
(٣) البيت من الخفيف سبق تخريجه.
(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٦١.
[ ٤ / ٣٨٧ ]
و(موسر) و(مياسير) والباب الأكثر السلامة.
ومعنى قول سيبويه: شبهوها بما يكون من الأسماء على هذا الوزن وقد قال في الأبنية: إن مفعولا لم يجئ في الأسماء فمعنى قوله شبهوها بما يكون من الأسماء على هذا الوزن يريد بما كان على خمسة أحرف ورابعه حرف من حروف المد واللين مما يكون على فعلول أو مفعول كقولنا: (بهلول) و(بهاليل) و(مغرود) و(مغاريد).
(وفعّل بمنزلة فعّال نحو (زمّل) و(جبّأ) والزّمّل الضعيف والجبّأ الجبان- يجمع فعّل بالواو والنون ومؤنثه بالتاء وكذلك فعّيل كقولنا زمّيل و(سكّيت) قال: وأما مفعل الذي لا تدخله الهاء في المؤنث وأكثر ذلك مما يختص به المؤنث فإنه يكسر كقولك:
(مطفل) و(مطافل) و(مشدن) و(مشادن) والمطفل: الأم التي معها طفل.
والمشدن: الظبية التي قد شدن غزالها شبهوا هذا بالصّعود والسّلوب لما لم تدخل فيه الهاء وقد يجيء من هذا الباب بالهاء قالوا: (مثل) و(مثلية) للتي تدخل فيه الهاء) وقد يجيء من هذا الباب بالهاء قالوا: (متل) و(متلية) للتي يتلوها وولدها و(مجر) و(مجرية) وإنما أثبتوا الهاء؛ لأنه معتل ولو أسقطوا الهاء لسقطت الياء في قولهم: (متل) و(مجر) (١) فكرهوا الإخلال بحذف علم التأنيث وعرف من نفس الكلمة وأما فيعل فبمنزلة " فعّال " نحو (قيّم) و(سيّد) و(بيّع) يقولون للمذكر: (بيّعون) وللمؤنث (بيّعات) لأنه يقال للمذكر (سيّد) وللمؤنث (سيّدة) و(ميّت) و(ميّتة).
وربما كسر بعض ذلك قالوا (ميّت) و(أموات) شبهوا " فيعل " بفاعل حين قالوا (شاهد) و(أشهاد) (ومثل ذلك قيل وأقيال) وأصل (قيل) (قيّل) من القول وهو الملك وأصله (قيول) وإنما قيل له (قيل) لأنه قوله نافذ في جميع ما يقول وذكر سيبويه " أقيال " وفي بعض الحديث أن النبي ﷺ كتب إلى الأقيال العباهلة، و(كيس) و(أكياس) قال (فلو لم يكن الأصل " فيعل " لما جمعوا بالواو والنون فقالوا (قيلون وكيسون) .. و(ميتون) لأنه ما
كان على (فعل) فالتكسير فيه أكثر نحو (صعب) و(صعاب) و(خدل) و(خدال). أراد سيبويه أن ما كان من المخفف عن (فيعل) إنما جاء جمعه سالما لأنه بمنزلة (فيعل) والباب في (فيعل) جمع السلامة لأنه بمنزلة (فاعل) ومثله (هين) و(هينون) و(لين) و(لينون) لأن أصله (فيعل) ولكن خفف وحذف منه فلو كان قيل وكيس فعلا ولم يكن
_________________
(١) في اللسان (تلا): ناقة متل ومتلية: يتلوها ولدها أي يتبعها. وأيضا (جرو): وكلية مجر ومجرية أي ذات جرو.
[ ٤ / ٣٨٨ ]
أصله (فيعل) لكان التكسير أغلب عليه.
ويقولون للمؤنث (أموات) فيوافق المذكر كما وافقه في بعض ما مضى ومثل ذلك (امرأة حيّة) و(أحياء) كما يقال (رجل حيّ) والجميع (أحياء) و(نضوة) و(أنضاء) و(نقضة) و(أنقاض) كأنك كسرت (نقض) إذا كسرت فكأن الحرف لا هاء فيه وقالوا (هيّن) و(أهوناء) وذكر الجرمي (جيّد) و(أجوداء) وهذا مما يحتج به الفراء أن (ميّت) و(سيّدا) أصله فعيل لأن فعيلا تجيء على أفعلاء فلما قالوا (هيّن) و(أهوناء) و(جيّد) و(أجوداء) دل على أن الواحد (فعيل) ولا حجة له في ذلك من وجهين أحدهما أنهم قد يجمعون الشيء على غير بابه كجمعهم فاعل على فعلاء قالوا (شاعر) و(شعراء) و(جاهل) و(جهلاء) وإنما فعلاء من جمع فعيل وقد قالوا: (جبان) و(جبناء) فحملوا " فاعل وفعال " على " فعيل " لاشتراكهن في أربعة أحرف فيها حرف من حروف المد واللين، والوجه الثاني أن باب (ميّت) و(سيّد) لا يجمع جمعا مطردا كجمع " فعيل " المعتل ولا فعيل الصحيح وإنما يجمع جمع السلامة وهو الكثير فيه. وجمع التكسير على وجوه مختلفة ولم يلزم طريقا واحدا لأن (فيعل) ليس له نظير في الصحيح وهو أكثر الكلام فعل النظير الذي يحمل عليه. قالوا (سيّد) و(سادة) فعلة وهو من جمع فاعل، كما قالوا: (قائد) و(قادة) و(حائك) و(حاكة).
وقالوا (ميّت) و(أموات) وهو من جمع فعل كما يقال (أثواب) و(أحواض) وما أشبه ذلك فكان (أهوناء) في جمعه على فيعل كسادة في حمله على فاعل.
قال: (ونضّوة ونسوة ونسوان) كأن الهاء لم تكن في الكلام يريد أنهم قالوا في (نضوة): (أنضاء) كما قالوا: (نقضة) و(أنقاض) وقالوا: في نسوة (نسوان) كما قالوا في (ريد): (ريدان) وهو فرخ الشجرة وقالوا: (شفذ) و(شفذان) وهو ولد الحرباء كأن الهاء لم تكن في (نضوة) ولا (نسوة).
قال: (وأمّا ما ألحق (من) بنات الثلاثة ببنات الأربعة فأنه يكسر كما تكسر بنات الأربعة- وتكسيرها بأن تزاد
الألف ثالثة ويفتح أولها ويكسر ما بعد الألف- وذلك (قسورة) و(قساور) و(توأم) و(توائم) الواو فيهما زائدة وكذلك (غيلم) و(غيالم) وألحق ذلك ب (سملق) و(سمالق) و(قشعم) و(قشاعم)، وأفعل بهذه المنزلة إذا كان اسما نحو (أجرب) و(أجارب) و(أبطح) و(أباطح) وقد جاء شيء من (فيعل) في المؤنث
[ ٤ / ٣٨٩ ]
والمذكر سواء قالوا: (ناقة ريّض) وهي الصّعبة التي تراض قال الراعي: (١)
وكأنّ ريّضها إذا ياسرتها كانت معوّدة الرّحيل ذلولا (٢)
طرحوا الهاء منها كما طرحوا من (سديس) و(جديد) ويجوز أن يكون طرح الهاء منها تشبيها بامرأة (قتيل) و(جريح) لأنها في معنى (مروضة) مفعول بها.
قال: وأما (أفعل) إذا كانت صفة كسّرت على فعل ولا يضم الثاني منه وذلك (أحمر) و(حمر) وأخضر و(خضر)، إلا أن يضطر شاعر فيقول (خضر) و(حمر) وقد ذكرنا ذلك ويكسر أيضا على " فعلان " كقولك (حمران "، و(سودان) و(بيضان) و(شمطان) و(أدمان) والمؤنث مثل المذكر كقولك (حمراء) و(حمر) و(صفراء) و(صفر) " ولا يجمع جمع السلامة إلا أن يضطر شاعر وقد ذكرنا ذلك ورأيت ابن كيسان يذكر أنه لا يرى بأسا بذلك وقد مضى شرح تعليله.
قال سيبويه: وأما الأصغر والأكبر فإنه يكسر على (أفاعل) ألا ترى أنك لا تصف به كما تصف بالأحمر لا تقول (رجل أصغر ولا رجل أكبر).
قال أبو سعيد: اعلم أن الأفعل الذي فيه معنى التفضيل له أحكام يبين بها من " أفعل " الذي يستعمل منكورا.
وأفعل الذي يستعمل منكورا في أول وضعه على (أضرب) منها أن يكون (أفعل وأنثاه فعلاء) وليس فيه تفضيل شيء على شيء وإنما هو صفة صيغ لشيء من أجل لونه وما يجري مجرى اللون كقولنا (أحمر وحمراء) و(أحمق وحمقاء) و(أشتر وشتراء).
أو يكون " أفعل " صفة يكون مذكره بغير هاء ومؤنثه بالهاء كقولنا (رجل أرمل وامرأة أرملة).
أو يكون فيه تفضيل شيء على شيء ويلزمه (من) كقولنا: زيد أفضل من عمرو ومررت برجل أفضل منك.
ومنها أن يكون اسما غير صفة كقولنا أفكل للرعدة وأيدع لصبغ.
فإذا أدخلت الألف واللام على " أفعل " الذي للتفضيل سقطت (من) كقولنا مررت
_________________
(١) هو حصين بن معاوية ابن بني نمير، وكان يقال لأبيه في الجاهلية الرئيس وسمي الراعي؛ لأنه كان يكثر من وصف الرعاة في شعره وهجاه جرير؛ لأنه اتهمه بالميل إلى الفرزدق.
(٢) انظر ديوانه: ١٢٧، جمهرة أشعار العرب: ١٧٣، اللسان (روض). والشاهد (ريض) بدون هاء للمؤنث.
[ ٤ / ٣٩٠ ]
بالأفضل والأشرف والأطول والأصغر والأكبر.
ولا يستعمل إلا بالألف واللام أو الإضافة لا يقال مررت برجل أفضل.
ويجري مجرى الأسماء في جمعه ويخالف أفعل الذي أنثاه فعلاء وأفعل منك في جمعه وفي مؤنثه وذلك أن مؤنث الأفعل الذي تلزمه الألف واللام الفعلى كقولك الأفضل والفضلى والأعزّ والعزّى ويجمع الأفعل منه جمع السلامة والتكسير فجمع السلامة كقولك الأكبر والأكبرون.
قال الله ﷿: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١) وجمع التكسير كقولك الأكابر والأصاغر، قال الله ﷿: الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ (٢) ويقال في جمع المؤنث السالم (الفضلّيات) و(الطّوليات) وفي التكسير: " الفضل " و(الطّول) ومنه قيل:
(السّور الطّول) يعنون البقرة وستّ السّور بعدها والقصائد الطّول الواحدة (الطّولى) وإنما حسن جمع السلامة فيه والتكسير؛ لأنه لمّا لم ينكر نقص بذلك عن مجرى الصفات فأجرى مجرى الأسماء الأعلام والأسماء لا تمتنع من السلامة إذا كانت للآدميين ولذلك كسر على الأفاعل كما قالوا الأجادل والأداهم والأباطح، وأفعل إذا كان معه منك فإنه لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث نقول مررت برجل أفضل منك ورجلين أفضل منكما وامرأة أفضل منك ونساء أفضل منكن وقد جمعوا آخر على جمع السلامة فقالوا: الآخرون ولم يقولوا (الأواخر) كراهة أن تلتبس بجمع آخر.
قال: وأما " فعلان " إذا كان صفة وله (فعلى) فإنه يكسر على " فعال " بحذف الزيادة التي في آخره كما حذفت ألف إناث وألف (رباب) وذلك كقولك (عجلان) و(عجال) و(عطشان) و(عطاش) و(غرثان) و(غراث) وكذلك مؤنثه (وافقه) كما وافق فعيل فعيلة، كأنهم طرحوا الألف والنون من عجلان وعطشان وألف التأنيث من عجلى وعطشى وبقي عجل وعطشى فكسر على فعال كما قالوا: (خدل) و(خدال) و(صعب) و(صعاب) وقد كسر على (فعالى) كقولهم (سكران) و(سكارى) و(حيران) و(حيارى) و(خزيان) و(خزايى) و(غيران) و(غيارى) وكذلك المؤنث يعني (سكرى) و(سكارى)، و(حيرى) و(حيارى) كأنهم شبهوا الألف والنون بألفي التأنيث فقالوا
_________________
(١) سورة الشعراء، الآية: ١١١.
(٢) سورة هود، الآية: ٢٧.
[ ٤ / ٣٩١ ]
(سكران) و(سكارى) كما قالوا (صحراء) و(صحارى) وفي المؤنث (سكرى) و(سكارى) كما قالوا (حبلى) و(حبالى) وقد يضمون الأول من بعض ذلك قالوا (سكارى) و(عجالى).
وإنما كسروا من جمع " فعلان " خاصة دلالة على أنه جمع هذا الضرب اختصاصا له ولا يجمع بالواو والنون ولا مؤنثه بالألف والتاء كما لم يفعلوا ذلك في باب (أحمر) و(حمراء) وقد ذكرنا علة ذلك إلا أن يضطر شاعر إليه. وما كان في مؤنثه الهاء وفي آخره ألف ونون زائدتان فقد يجمعون مذكره ومؤنثه على فعال كأنهم اطّرحوا ما فيه من الزيادة كقولهم: (ندمانة وندمان) وفي الجمع (ندام) وقالوا: (ندامى) كما قالوا (عبالى) و(سكارى) و(خمصانة) و(خمصان).
ومن العرب من يقول (خمصان) ومما جرى مجرى هذا من الأسماء فشبه بالصفة كما تشبه الصفة بالاسم قولهم: (سرحان) و(سراح) و(ضبعان) و(ضباع)، والضّبعان ذكر الضبع كأنهم طرحوا الألف والنون منهما وجمعوا الصدر على فعال ورأيت بعض أهل اللغة يقول في (ضباع): أنه مشتمل على جمع (الضّبع) و(الضّبعان) وأنه غلب المؤنث فيه على المذكر.
قال: لأن المؤنث في الكلام لفظها يزيد على لفظ المذكر بعلامة التأنيث ولفظ المذكر في هذا يزيد على المؤنث فلما حملوا المؤنث على المذكر في غيره حملوا المذكر على المؤنث فيه لنقصان اللفظ.
قال سيبويه: وإن شئت قلت في (خمصان) (خمصانون) وفي (ندمان) (ندمانون) لأنك تقول في المؤنث (ندمانات) و(خمصانات وكذلك في (عريان) (عريانون) وفي (عريانة) (عريانات) لدخول الهاء في المؤنث وخروجها من المذكر (وهذا) ما حسن فيه جمع السلامة ولم يقولوا في (عريان) (عراء) استغنوا ب (عراة) لأن (عريان) في معنى (عار) و(عراة) من جمع فاعل واستغنوا به.
قال: " وقد يكسّرون " فعل " على فعالى لأن " فعلا " وفعلان يجتمعان في معنى كقولهم (رجل عجل وسكر) في معنى (عجلان وسكران) فمن أجل ذلك قالوا (حذر) و(حذارى) و(بعير حبط) و(إبل حباطى) كأنهم قالوا: (حذران) و(حبطان) وإن لم يتكلم به والحبط المنتفخ الجوف، وقالوا (رجل ورجل الشعر) و(قوم رجالى) وقال بعضهم (رجلان) و(امرأة رجلى) وقالوا: (رجال) كما قالوا (عجال) ويقال (شاه
[ ٤ / ٣٩٢ ]
حرمى) و(شياه حرام) و(حرامى) كما قالوا (عجلى) وللجميع (عجال) و(عجالى) وليس (لحرمى) ذكر لأن
الحرام شهوة الأنثى، إلا أنهم أجروه مجرى ما ذكره (حرمان).
قال: (وأما " فعلاء " فهي بمنزلة " فعلة " من الصفات كما كانت " فعلاء " بمنزلة (فعلة) من الأسماء وذلك قولك (نفساء) و(نفساوات).
وقد حكى أبو عبيدة عن العرب أنهم يقولون: (نفساء) و(نفساوات) و(عشراء) و(عشراوات) و(نفاس) و(عشار) كما قالوا: (ربعة) و(ربعات) و(رباع) شبهوها بها، لأن البناء واحد ولأن آخره علامة التأنيث كما أن آخر هذا علامة التأنيث).
يريد أن (ربعة) مثل (نفساء) في التأنيث وإن أحدهما بالهاء والآخر بالألف.
قال: " وليس شيء من الصفات آخره علامة التأنيث يمتنع من الجمع بالتاء غير " فعلاء " أفعل وفعلى فعلان وافقن الأسماء كما وافق غيرهن من الصفات الأسماء "
يعني وافقت الصفات التي تجمع بالألف والتاء الأسماء في جمع السلامة ومما جرى مجرى الأسماء قولهم: (بطحاوات) لأنها جرت مجرى الأسماء حين حسن أن نقول (الأبطح) و(البطحاء) ولا يذكر المكان كما قالوا (صحراوات) وقالوا في (الأبطح): (الأباطح) حيث ضارع الأسماء.
ومن العرب من يقول (نفاس) كما يقول (رباب) الواحدة (ربّى) وقالوا (بطحاء) و(بطاح) كما قالوا (صحفة) و(صحاف) و(عطشى) و(عطاش).
هذا الذي في أصل كتابي الذي قرأت منه على أبي بكر بن السراج.
وفي كتاب أبي بكر محمد بن علي مبرمان- وهو أشبه بالصواب-: " ومن العرب من يقول: (نفاس) كما تقول: (رباب) وقالوا: (بطحاء) و(بطاح) كما قالوا: (صحفة) و(صحاف) ".
فهذا كلام منتظم يتصل به " صحاف ".
ويقويه به أيضا إنه ذكر " نفاس " و(عشار) قبل هذا بأسطر.
قال سيبويه: " وقالوا برقاء وبراق كقولهم: شاة حرمى وحرام وحرامى) كأنهم جعلوا ألف التأنيث بمنزلة الهاء فصار كأنه برقة وحرمة، وهو صحفة وجفنة.
قال: وأما فعيل إذا كان في معنى مفعول، فهو في المؤنث والمذكر سواء وهو بمنزلة فعول، (ولا تجمعه بالواو والنون كما لا تجمع فعول) لأن قصته كقصته فإذا
[ ٤ / ٣٩٣ ]
كسرته كسرته على فعلى وذلك قولك (قتيل) و(قتلى) و(جريح) و(جرحى) و(عقير) و(عقرى) و(لديغ)
و(لدغى).
قال أبو سعيد: اعلم أن " فعيلا " إذا كان في معنى مفعول لم تدخله الهاء في المؤنث كما لا تدخل في فعول ولا يجمع بالواو والنون، لأنهم لو جمعوا بالواو والنون لوجب أن يجمع المؤنث بالألف والتاء فيقال (قتيلون) و(قتيلات) فينفصل في الجمع المذكر من المؤنث فكرهوا فصل ما بينهما في الجمع وقد اتفقا في الواحد وهذه العلة تجري في كل ما كان الباب فيه أن يتفق لفظ المؤنث والمذكر وقد مضى نحو من هذا واستواء (فعول)، و(فعيل) الذي ذكره سيبويه إنما هو في حذف الهاء واستواء لفظ المذكر والمؤنث.
وأما جمعه على فعلى فليس يجمع من ذلك على فعلى إلا ما كان من الآفات والمكاره التي يصاب بها الحي وهو كاره حتى صار هذا الجمع (يأتي أيضا لغير) فعيل الذي في معنى مفعول إذا شاركه في معنى المكروه وسيتضح من كلام سيبويه ما يتبين لك ذلك إن شاء الله تعالى وما يخرج عن القياس الذي ذكرناه ويشذ.
قال سيبويه: وسمعنا من العرب من يقول (قتلاء بني أسد) يشبّهه بظريف وزيادته وذكر في غير هذا الموضع أسير و(أسراء) لأنه في معنى (مأسور) وتقول (شاة ذبيح) كما تقول (ناقة كسير) وتقول هذه (ذبيحة فلان) و(ذبيحتك) وذلك أنك لم ترد أن تخبر أنها قد ذبحت، ألا ترى أنك تقول ذاك وهي حيّة وإنما هي بمنزلة (ضحيّة) وتقول (شاة رميّ) إذا أردت أن تخبر أنها قد رميت وقالوا (بئست الرّميّة) الأرنب إنما تريد بئس الشيء مما يرمى فهذه بمنزلة الذّبيحة "
قال أبو سعيد: اعلم أنهم يدخلون الهاء في فعيل الذي في معنى مفعول على غير القصد إلى وقوع الفعل به وحصوله فيه ومذهبهم في ذلك الإخبار عن الشيء المتخذ لذلك الفعل والذي يصلح له كقولهم (ضحيّة) للذكر والأنثى ويجوز أن يقال ذلك من قبل أن يضحى به و(ذبيحة فلان) لما قد اتخذه للذبح وقولهم (بئس الرّميّة) الأرنب أي الشيء الذي يرمى سواء (رمي) أم لم (يرم) ولم أر أحدا علله في كتاب، والعلة عندي أن ما قد حصل فيه الفعل يذهب به مذهب الأسماء وما لم يحصل فيه ذهب به مذهب الفعل لأنه كالفعل المستقبل. ألا ترى أنك تقول امرأة حائض فإذا قلت (حائضة) غدا لم يحسن فيه غير الهاء ونقول (زيد ميّت) إذا حصل فيه الموت ولا تقل (مائت) وإذا أردت المستقبل قلت (زيد مائت) غدا فتجعل فاعلا جاريا على فعل.
[ ٤ / ٣٩٤ ]
وذكر غير سيبويه (شاة ذبيح) و(امرأة ذبحى) فيما قد ذبح. وفي (ضحيّة) أربع لغات: يقال (أضحيّة) و(إضحيّة) وجمعها (أضاحيّ) وإن شئت خففت فقلت (أضاحي) و(ضحيّة) و(ضحايا) كما يقال (مطيّة) و(مطايا) و(أضحاة) و(أضحّى) من باب الجمع الذي بينه وبين واحدة الهاء وبذلك سمي الأضحى أي يوم هذه الذبائح. وقالوا: (نعجة
نطيح) ويقال (نطيحة) شبهوها (بسمين وسمينة) يعني شبهوا نطيحة وهي في معنى مفعول بسمينة وهي في معنى فاعل والباب في المفعول ألّا تلحقه الهاء.
قال سيبويه: وأما الذّبيحة فبمنزلة (القتوبة) و(الحلوبة) وإنما تريد هذه مما يقتبون، وهذه مما (يحلبون) فيجوز أن تقول (قتوبة) ولم (تقتب) و(ركوبة) ولم (تركب) وكذلك (فريسة الأسد) بمنزلة (الضّحيّة) وكذلك " أكيلة ".
يعني أن هذه أشياء دخلتها الهاء لأنها متخذة لهذه المعاني وإن لم يقع بها الفعل وكذلك (أكيلة) كأنها متخذة للأكل.
قال: وقالوا: (رجل حميد) و(امرأة حميدة) شبه بسعيد وسعيدة، حيث كان نحوهما في المعنى واتفق في البناء كما قالوا (قتلاء) و(أسراء) فشبهوها ب (ظرفاء) يعني أدخلوا الهاء في (حميدة) وهي في معنى (محمودة) لأن (الحمد) يشتهيه المحمود ويجتلبه فصار بمنزلة ما هو (فعلة) وشبه ب (سعيدة) و(رشيدة) لأنه يقال (سعدت) و(رشدت) وأما من يقول (سعدت) فهي (سعيدة) فهو بمنزلة (حميدة).
(وقالوا عقيم وعقم شبهوها بجديد وجدد) وعقيم (فعيل) في معنى (مفعولة) يقال (عقمت المرأة فهي عقيم ومعقومة)، وكان حد الجمع في ذلك " عقمى " ولكن شبهوه ب (جديد) و(جدد) وهو في معنى (فاعل). على ما دل عليه كلام سيبويه في هذا الموضع وفيما قبله ومثله (نذير) و(نذر).
وبعض الناس يجعل (جديدا) في معنى مفعول ويتأول فيه أن معناه قريب عهد بالفراغ منه بقطعه. يقال: (جدّ الشيء) إذا قطع و(جدّ الحائك الثوب) إذا قطعه.
واستدل أيضا على ذلك بأنه يقال (ملحفة جديدة) كما يقال: (امّرأة قتيلة) وقال المحتج عند سيبويه: إنه (قد يلفظ بلفظ مذكر للمذكر والمؤنث) في الشيء الذي يكون الباب فيه إدخال الهاء على المؤنث كقولهم للرجل (صديق) وللمرأة (صديق) وقولهم (ميت) للرجل والمرأة وإن كان الباب فيه (ميتة) وقالوا (حزين) إذا أرادوا به المكان أو أرادوا به البقعة.
[ ٤ / ٣٩٥ ]
قال: ولو قيل إنها لم تجئ على فعل كما أن حزين لم يجئ على (حزن كان مذهبا) يعني أن قائلا لو قال لم تجئ (عقيم) على (عقم) كما أن حزين لم يجئ على حزن (لكان مذهبا) إذ كانوا يقولون (رجل حزين) و(امّرأة حزينة).
قال: ومثله مما جاء على فعل لم يستعمل: مريّ ومريّة) يقولون (ناقة مريّ ومريت) والفعل منه (مريت) وكان حقها (مريّ) مثل (قتيل) ولكنها جاءت على الفعل لها و(المريّ) التي تمسح لتدرّ.
قال سيبويه: (وقال الخليل: إنما قالوا: (مرضى وهلكى وموتى وجربى) وأشباه ذلك لأن هذا أمر يبتلون به وأدخلوا فيه وهم كارهون له فلما كان المعنى معنى المفعول كسروه على هذا).
قال أبو سعيد: الباب فيما يجمع على " فعلى " أن يكون " فعله " ما لم يسم فاعله مثل " قتيل " و" جريح " و" عقير " والجمع فيه " قتلى " و" جرحى " و" عقرى " فإذا جاء ما يسمى فاعله من الآفات كان محمولا على (قتلى) و(جرحى) (وقد قالوا: هلّاك وهالكون فجاءوا به على قياس هذا البناء).
يعني جاءوا على قياسه الصحيح المستقيم وهو (هلك) فهو (هالك) وجمعه المكسر (هلّاك) وجمع السلامة (هالكون) فهذا هو الأصل وقوله (لم يكسروه على هذا المعنى) يعني معنى الآفة حين قالوا: (هلّاك). وقوله (إذ كان بمنزلته في البناء وفي الفعل) يعني بمنزلة فاعل في بنائه وفي الفعل، في (هلك يهلك) فصار بمنزلة (ضارب) و(ضرّاب) و(ضاربون) (وهو على هذا أكثر في الكلام). ألا تراهم قالوا " دامر ودمّار ودامرون وضامر وضمّر ولا يقولون: ضمرى) لأن " فعّل " قد يجئ في بعض الجمع المكسر وفعّال قد يجئ في بعضه (ومثل الهلّاك ومرّاض وسقّام ولم يقولوا سقمى) لأن القياس في مثل (سقيم) و(مريض): (سقام) و(مراض) كما تقول (ظريف) و(ظراف).
وقالوا: (رجل وجع وقوم وجعى) كما قالوا: (هلكى للآفة) وقالوا: (وجاعى).
كما قالوا: (حباطى) و(حذارى) وكما قالوا: (بعير حبج) و(إبل حباجى).
وقالوا: (قوم وجاع) كما قالوا (بعير) جرب، و(إبل جراب) جعلوها بمنزلة (حسن وحسان) فوافق فعل فعلا هنا كما يوافقه في الأسماء.
يعني أنه قد جاء " فعالى " في الآفات كما جاء " فعلى " وليس " فعالى " في الآفات بالكثير وإنما " فعالى " فيما كان واحده فعل يحمل على " فعلان " لأن " فعلان "، و(فعل)
[ ٤ / ٣٩٦ ]
يشتركان كثيرا كقولهم: (عطش) و(عطشان) و(عجل) و(عجلان) وقد ذكرنا " فعل " في باب " فعلان " وموافقة فعل فعلا أنك تقول (حسن وحسان) كما تقول (جرب وجراب) ووافقه أيضا أنك تقول: (بطل وأبطال) كما تقول (نكد وأنكاد) فهذا في الصفات. وأما في الأسماء فقولك: " جمل وأجمال " كما تقول: (كتف وأكتاف).
وقولك: (أسد وأسود) كما تقول (نمر ونمور).
قال سيبويه: وقالوا: مائق (موقى)، وأحمق وحمقى، وأنوك و" نوكى " وذلك لأنهم جعلوه شيئا قد أصيبوا به في عقولهم كما أصيبوا ببعض ما ذكرنا في أبدانهم. وقالوا (أهوج) و" هوج " فجاءوا به على القياس و" أنوك " و" نوك "، وقالوا " رجل سكران " و" امّرأة سكرى " وذلك أنهم جعلوه كالمرضى، وقالوا: " رجال روبى " جعلوه بمنزلة " سكرى " والرّوبى: الذين استثقلوا نوما شبهوه بالسكران وقالوا للذين قد أثخنهم السفر والوجع " روبى "
أيضا والواحد " رائب " وقالوا " زمن " و" زمنى " و" هرم " و" هرمى " و" ضمن " و" ضمنى " كما قالوا " وجعى " لأنه بلاء ضربوا به فصار في التكسير لذا المعنى ك " كسير وكسرى " و" رهيص ورهصى " و" حسير وحسرى " وإن شئت قلت: " زمنون " و" هرمون ".
والضّمن: الزّمن والرّهيص: الذي أصابته الرّهصة وهو داء في الرّجل في رجل الفرس والحسير: المعيى (وقالوا أسرى كما قالوا هلكى وأسارى) كما قالوا (كسالى) وقد تقدم أن فعالى قد يجرونه لما كان بليّة وآفة وإن لم يطرد اطراد فعلى.
وقالوا وج ووجيا للجمع والوجي هو الحفي والجمع " وجيا " كما قالوا زمن وزمنى وأجروا ذلك على هذا المعنى) كما أنهم قالوا (حميدة) فأخرجوها من باب فعل فجاءوا بها على المعنى لأن المفعول هنا يطلب ما فيه ويرغب فيه وبفعله فأخرجت إلى باب فعيلة التي نقول فيها (فعلت) وكذلك قلت: (حميدة) فجعلتها بمنزلة (ظريفة) يريد أنهم قالوا:
(زمن وزمنى) فجمعوه على (فعلى) وهو (فاعل) لأن ذلك الفعل إذا كان له في اللفظ فهو شيء أصيب به ولا يريده فأجرى مجرى (قتيل) و(جريح) كما أجرى (حميدة) وإن كانت (مفعولة) مجرى الفاعل لأنها تريد الحمد وتطلبه وترغب فيه.
قال سيبويه: " وقد قالوا ساقط وسقطى كما قالوا مائق وموقى وفاسد وفسدى وليس يجيء في كل هذا المعنى لم يقولوا (نجلى) ولا سقمى لأنه ليس الباب فيما كان فاعلا في اللفظ أن يقال في جمعه " فعلى ".
[ ٤ / ٣٩٧ ]
قال: (وقد جاء شيء منه كثير) على فعالى قالوا " يتامى " شبهوه ب (وجاعى) و(حباطى) لأنها مصائب قد ابتلوا بها فشبهت بالأوجاع) (حين جاءت على فعلى) وقد عرفتك أن " فعالى " يجيء في التقدير جمعا لفعلان وتكون الألف والنون بمنزلة ألفي التأنيث (كأنهم) قالوا: (يتمان) و(يتامى) كما نقول (ندمان) و(ندامى) و(وجعان) و(وجاعى) و(حبطان) و(حباطى) وإنما قال:
(يتامى) شبهوه ب (وجاعى) وجعل (وجاعى) هو لأن واحده: (وجع) وواحد (حباطى): (حبط) وفعل يكون في معنى " فعلان " وليس يكون في (يتيم) (يتم).
قال سيبويه: (وقالوا: " طلحت النّاقة " و(ناقة طليح) شبهوها ب " حسير " لأنها قريبة من معناها وليس ذا بالقياس لأنها ليست " طلحت " فإنما هي ك " مريضة " و(سقيمة) ولكن المعنى أنه فعل ذا بها كما قالوا: (زمنى) والحمل على هذه الأشياء ليس بالأصل ولو كان أصلا لقبح " هالكون " و" زمنون " ونحو ذلك).
يعني أن قولهم (طلحت الناقة) - معناه أعييت- يوجب أن يقال " طليحة "، لأن الفعل لها كما تقول: (مرضت) فهي (مريضة)، و(سقمت) فهي (سقيمة) ولكنه لما كان الإعياء شيئا يصيب الإنسان من غير شهوة ولا اختيار شبه بالفعل الذي لم يسم فاعله فأشبه (جرحت) فهي (جريح) ونحو ذلك. وقوله: ولو كان أصلا لقبح (هالكون) و(زمنون) يعني لو كانت هذه الأشياء التي وضعت على " فعلى " وواحدها غير فعيل الذي بمعنى مفعول (أصلا) لقبح أن يقال (هالكون) و(زمنون) وذلك فعيل الذي بمعنى مفعول نحو (قتيل) و(جريح) يستوي فيه الذكر والأنثى ولا تدخله الهاء للمؤنث وما كان هذا سبيله فليس الباب أن يجمع جمع السلامة وقد مضى هذا وقولهم (هالك) و(هلكى) و(زمن) و(زمنى) و(مريض) و(مرضى) قد حمل على (جريح) و(قتيل) لأنه شيء أصابه وهو كاره فكان الواحد (هليك)، و(زمين) في معنى (مهلوك) كما يقال (قتيل) و(جريح) في معنى (مقتول) و(مجروح) وهذا ليس يقاس لفظه لأن لفظة (هالك) للمذكر و(هالكة) للمؤنث، و(زمن) للمذكر و(زمنة) للمؤنث و(مريض) للمذكر و(مريضة) للمؤنث. وما كان هذا سبيله فجمع السلامة مستحسن فيه، وإنما يقال (مرضى) و(هلكى) حملا على المعنى الذي ذكرته لك.
فقال سيبويه: حمل هذه الأشياء على المعنى ليس (بالأصل ولو كان) بالأصل لقبح جمع السلامة كما يقبح في (قتيل) و(جريح) فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
[ ٤ / ٣٩٨ ]
هذا باب بناء الأفعال التي هي أعمال تعداك إلى غيرك وتوقعها به ومصادرها
قال سيبويه: " فالأفعال تكون من هذا على ثلاثة أبنية: على فعل يفعل، وفعل يفعل، (وفعل يفعل). ويكون المصدر فعلا، والاسم فاعلا. فأما فعل يفعل ومصدره فقتل يقتل قتلا، والاسم قاتل، وخلقه يخلقه خلقا، والاسم خالق، ودقه يدقه دقا، والاسم داق. وأما فعل يفعل فنحو: ضرب يضرب، وهو ضارب، وحبس يحبس وهو حابس. وأما فعل يفعل ومصدره والاسم فنحو: لحس يلحس لحسا وهو لاحس، ولقمه يلقمه لقما وهو لاقم، وشربه يشربه شربا وهو شارب، وملجه يملجه ملجا وهو مالج ".
ومعناه مصه يمصه، ورضعه، ومنه ما يروى عن النبي ﷺ (أنه قال): (لا تحرّم إلا ملاجة وإلا ملاجتان) (١)، يريد الرضعة والرضعتين " وقد جاء بعض ما ذكرنا من هذه الأبنية على فعول "، يعني ما يتعدى، وذلك: لزمه يلزمه لزوما، ونهكه ينهكه نهوكا، ووردت الماء ورودا، وجحدته جحودا، شبهه بجلس جلوسا، وقعد قعودا، وركن يركن ركونا ".
شبهوا ما يتعدى بما لا يتعدى.
" لأن بناء الفعل واحد، وقد جاء مصدر فعل يفعل، وفعل يفعل على فعل، وذلك:
حلبها يحلبها حلبا، وطردها يطردها طردا، وسرق يسرق سرقا. وقد جاء المصدر على فعل أيضا، وذلك: خنقه يخنقه خنقا، وكذب يكذب كذبا، وقالوا: كذابا، (فجاءوا به على فعال، كما جاءوا به على فعول. ومثله) حرمه يحرمه حرما، وسرقه يسرقه سرقا. وقالوا: عمله يعمله عملا، فجاء على فعل كما جاء السرق والطلب.
ومع ذا أن بناء فعله كبناء فعل الفزع، فشبه به "
قال أبو سعيد- (﵀) -: ذكر سيبويه هذه المصادر المختلفة في الأفعال المتعدية، والأصل فيها عنده أن يكون المصدر على فعل، بل الأصل في الأفعال كلها الثلاثية أن تكون مصادرها على فعل، لأنه أخف الأبنية، ولأنا نقول فيها كلها إذا أردنا المرة الواحدة فعله، كقولنا: جلس جلسة، وقام قومة، وفعل هو جمع فعلة، كما يقال:
تمرة وتمر، فيكون الضرب من الضربة كالتمر من التمرة، وما خرج عن هذا فهو الذي
_________________
(١) قاله ابن سيده في المخصص: ١٤/ ١٣١.
[ ٤ / ٣٩٩ ]
يذكره. فقد ذكر فعل وفعل، ثم قال في عمله يعمله عملا: أنهم شبهوه بالفزع الذي هو مصدر فزع، وفزع لا يتعدى. والباب في فعل الذي لا يتعدى إذا كان فاعله يأتي على فعل أن يكون مصدره على فعل كقولنا: فرق فرقا فهو فرق، وحذر يحذر حذرا فهو حذر، فشبّه بالعمل، وهو مصدر فعل يتعدى بالفزع، وهو مصدر فعل لا يتعدى، لاستواء لفظ فزع وعمل، وإن اختلفا في التعدّي، وحمل الطلب والسّرق على العمل.
" وقد جاء المصدر على نحو الشّرب والشغل، وعلى فعل، كقولنا: قال قيلا.
وقالوا: سخطه سخطا، شبهه بالغضب حين اتفق البناء ".
يعني أن سخط مصدر فعل يتعدى (وقد شبه بالغضب، وهو مصدر فعل لا يتعدى) لاتفاقهما في وزن الفعل، وفي المعنى.
قال: " وبذلك ساخط وسخطته على أنه مدخل في باب الأعمال التي ترى وتصنع " (قال أبو سعيد): في غير هذه النسخة ترى وتسمع.
" وهي موقعة بغيرها ".
يعني بالأعمال التي ترى الأعمال المتعدية، لأن فيها علاجا من الذي يوقعه للذي يوقع به، فتشاهد وترى، فجعل
سخطه مدخلا في التعدي، كأنه بمنزلة ما يرى. وقولهم ساخط دليل على ذلك، لأنهم لا يقولون غاضب. ومعنى الغضب والسخط واحد، فجعلوا الغضب بمنزلة فعل تتغير به ذات الشيء، والسخط بمنزلة فعل عولج إيقاعه بغير فاعله.
" وقالوا: وددته ودا، مثل شربته شربا، وقالوا: ذكره ذكرا لحفظه حفظا "
قال سيبويه: " وقد جاء شيء من هذا المتعدي على فعيل. قالوا: ضريب قداح للذي يضرب بالقداح، وصريم للصارم، وقال طريف بن تميم العنبري:
أو كلما ورّدت عكاظ قبيلة بعثوا إلى عريفهم يتوسم (١)
يريد عارفهم ".
والباب في ذلك أن يكون بناؤه على فاعل كضارب وقاتل، وما أشبه ذلك.
ويجوز أن يكون قالوا: ضريب قداح فرقا بينه وبين من يضرب في معنى آخر، وبين الصريم في القطيعة وبين من يصرم في معنى سواه، وبين العريف الذي يتعرف الأنساب
_________________
(١) الشاهد فيه بناء (عارف) على (عريف) لمعنى المبالغة في الوصف بالمعرفة، البيت في الأصمعيات ص: ١٢٧، وفي شرح محمد بن حبيب لديوان جرير: ١/ ٤٣٦.
[ ٤ / ٤٠٠ ]
وبين العارف بشيء سواه.
" وقد جاء المصدر على فعال، قالوا: كذبته كذابا، وكتبته كتابا، وحجبته حجابا " قال الشاعر:
فصدقته وكذبته والمرء ينفعه كذابه (١)
" وقالوا: كتبته كتبا على القياس، وقالوا: سقتها سياقا، ونكحتها نكاحا، وسفدها سفادا. وقالوا: قرعها قرعا. وقد جاء على فعلان،
قالوا: حرمه يحرمه حرمانا، ووجد الشيء يجده وجدانا " بمعنى أصابه.
" ويقال: أتيته آتيه إتيانا، وقالوا: أتيا على القياس " قال الشاعر:
إني وأتيي ابن غلاق ليقريني كغابط الكلب يبغي الطرق في الذنب (٢)
" ولقيته لقيانا وعرفته عرفانا ورئمته رئمانا " إذا ألفه وعطف عليه.
" وحسبه حسبانا، ورضيه رضوانا، وغشيه غشيانا. وقد جاء على فعال، كما جاء على فعول، كقولك: سمعته
سماعا، مثل لزمته لزوما، وعلى فعلان، نحو: الشكران والغفران ".
وقد قيل: الكفران، قال اله ﷿: فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ (٣).
" وقالوا: الشكور، كما قالوا: الجحود، وقالوا: الكفر كالشغل،
وقالوا: سألته سؤالا فجاءوا به على فعال، كما جاءوا به على فعال. وجاء على فعالة، كقولك: نكيت في العدو نكاية، وحميته حماية. وقالوا: حميا على القياس.
وقالوا: حميت المريض حمية، كما قالوا: نشدته نشدة، فهذا على فعلة، وقد جاء على فعلة، كقولهم: رحمته رحمة " وليس يراد به مرة واحدة.
وكذلك لقيته لقيه، ونظيرها: خلته خيله " يريد نظيرها في المصدر لا في الوزن.
وقالوا: نصح نصاحة، فأدخلوا الهاء، وقالوا: غلب غلبة، كما قالوا: نهمة، وقالوا: الغلب، كما قالوا: السرق. وقالوا ضربها الفحل ضرابا، كالنكاح، والقياس (ضربا، ولا يقولونه، كما لا يقولون نكحا، وهو القياس). وقالوا: دفعها دفعا
_________________
(١) قائله الأعشى انظر المبرد في الكامل: ٢/ ٢١٠، والمخصص: ١٤/ ١٢٨، واللسان: (صدق) ولم يوجد في ديوانه.
(٢) إصلاح المنطق: ٢٣٩، واللسان (أتى)، والمخصص: ١٤/ ١٣٣.
(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٩٤.
[ ٤ / ٤٠١ ]
كالقرع، وذقطها ذقطا، وهو النكاح، ونحوه من باب المباضعة. وقالوا: سرقة، كما قالوا: فطنة.
وقالوا: لويته حقه ليانا على فعلان "
قال أبو سعيد: ذكر بعض أصحابنا، وهو عندي جيد، أن ليانا أصله ليانا، لأنه ليس في المصادر فعلان، وإنما يجئ على فعلان وفعلان كثيرا، كالوجدان والإتيان والعرفان، فكأن أصله ليّان أو ليّان، فاستثقلوا الكسرة والضمة مع الياء المشددة، ففتحوا استثقالا.
وقد ذكر أبو زيد في كتابه (عن بعض العرب) لويته ليانا بالكسر، وهذا من أوضح الدلائل على ما ذكرنا.
" وقالوا: رحمته رحمة كالغلبة ".
وجميع ما ذكره سيبويه إلى هذا الموضع في الأفعال الخمسة
وقال: " وأما كل عمل لم يتعد إلى منصوب فإنه يكون فعله على ما ذكرنا في الذي يتعدى، ويكون الاسم فاعلا،
والمصدر يكون فعولا، وذلك نحو:
قعد قعودا وهو قاعد، وجلس جلوسا وهو جالس، وسكت سكوتا وهو ساكت، وثبت ثبوتا وهو ثابت، وذهب ذهوبا وهو ذاهب. وقالوا: الذّهاب والثّبات، فبنوه على فعال كما بنوه على فعول، والفعول فيه أكثر. وقالوا: ركن يركن ركونا وهو راكن. وقالوا في بعض مصادر هذا، فجاءوا به على فعل، كما جاءوا ببعض مصادر الأول على فعول، وذلك قولك: سكت يسكت سكتا، وهدأ الليل يهدأ هدءا، وعجز عجزا، وحرد يحرد حردا وهو حارد، وقولهم: فاعل يدلك على أنهم جعلوه من هذا الباب.
أراد سيبويه أنهم حملوا مصادر ما لا يتعدى على ما يتعدى في قولهم:
عجزا وسكتا، والباب فيه الفعول، كما حملوا ما يتعدى، حيث قالوا: لزم لزوما، وجحد جحودا والباب فيه لزما وجحدا، على ما لا يتعدى، وقوى حملهم ذلك على ما يتعدى أنهم قالوا: حارد، وكأن القياس في مثله أن يقال: حرد حردا فهو حردان، كما قالوا: غضب غضبا فهو غضبان، فأخرجوه عن باب غضبان: تخفيف الحرد، وبقولهم حارد، ومعنى قول سيبويه: " فإنه يكون فعله على ما ذكرنا في الذي يتعدى "، ويريد من باب فعل يفعل، كقولنا: قعد يقعد، وفعل يفعل، كقولنا: جلس يجلس، وفعل يفعل، كقولنا:
حرد يحرد، فهذه الأفعال لها نظائر فيما يتعدى، ويجيء فيما لا يتعدى بناء ينفرد كقولنا: ظرف يظرف، وكرم يكرم. وستقف على ذلك إن شاء الله.
[ ٤ / ٤٠٢ ]
قال سيبويه: " وقالوا: لبث لبثا، فجعلوه بمنزلة عمل عملا، وقولهم: لابث يدلك على أنه من هذا الباب. وقالوا: مكث يمكث مكوثا، كما قالوا: قعد يقعد قعودا، وقال بعضهم: مكث، شبهوه بظرف، لأنه فعل لا يتعدى، كما أن هذا فعل لا يتعدى. وقالوا: المكث كالشّغل والقبح، لأن بناء الفعل واحد "
في مكث يمكث وقبح ويقبح.
" وقال بعض العرب: مجن يمجن مجنا كالشغل " فيما يتعدى ".
" وقالوا: فسق فسقا، كما قالوا: فعل فعلا " مما يتعدى.
" وحلف حلفا، كما قالوا: سرق سرقا " فيما يتعدى.
قال: " وأما دخلته دخولا، وولجته ولوجا، فإنما هو دلجت فيه ودخلت فيه، ولكنه ألقى فيه استخفافا، كما قالوا: نبئت زيدا، وإنما تريد نبئت عن زيد "
وقد مضى الكلام في أول الكتاب فيما قاله سيبويه إن دخلت في الأصل غير متعد، وما خالفه فيه الجرمي من تعديه
بما أغنى عن إعادته.
قال: " ومثل الحارد والحرد: حميت الشمس تحمى حميا، وهي حامية "
قال الشاعر:
تفور علينا قدرهم فنديمها ونفثؤها عنا إذا حميها غلا (١)
وقالوا: لعب يلعب لعبا، وضحك يضحك ضحكا، كما قالوا: الحلف. وقالوا:
حجّ حجّا، كما قالوا: ذكر ذكرا. وقد جاء بعضه على فعال، كما جاء على فعال وفعول قالوا: نعس نعاسا، وعطش عطاشا، ومزج مزاجا.
قال أبو سعيد: وقد يجيء الفعال والفعالة والفعال والفعالة في أشياء تكثر فيها وتكون أبوابا لها، وكذلك الفعيل. وأما الفعال فقد كثر في الأصوات، وصار الباب لها، ويتلوه في ذلك الفعيل، تقول: الصراح والنباح والبعار والبغام والحصاض والخّباج، وهما الضراط، والرغاء والدعاء والعواء والمكاء. وفي فعيل صهيل وزئير وطنين وصريف، وهو صوت احتكاك الأسنان ونزيب: صوت الظباء، ونئيب التيس، والضجيج والنئيم والنهيت، وهو كثير.
_________________
(١) قاله النابغة الجعدي ديوانه: ١١٨. الشاهد في قوله (حميها) حيث جاء المصدر وهو قوله (حمي) على فعل للفعل (حمي) على القياس.
[ ٤ / ٤٠٣ ]
ومما اجتمع فيه فعيل وفعال شحيج البغل وشحاجه، ونهيق الحمار ونهاقه وسحيله وسحاله، ونبيح ونباح، وضغيب، الأرنب وضغابها، وأنين وأنان وزحير وزحار، وفعيل وفعال أختان، كما اتفقا في النعت، كقولك: طويل وطوال، وخفيف وخفاف، وعجيب وعجاب. ويكثر فعال في الأدواء، كقولنا: السكات والبوال والدّوار والعطاس والسهام، وهو تغير من حر وشمس، والنحاز والسعال مثله، والنفاض: داء ينتفض منه، والقياء:
القيء، والصراع والصداع والقّلاب. وقال الأصمعي: وقع في الإبل السواف، وهو الهلاك والموت.
وقال أبو عمرو الشيباني: السواف، بفتح السين، فأنكر الأصمعي وغيره ما قاله أبو عمرو. وقال: الباب في الأدواء بالضم، فقال أبو عمرو: هكذا سمعته. ويقوى ما قاله أبو عمرو أن سيبويه قال بعد أسطر: " كما أنك قد تجيء ببعض ما يكون من داء على فعال، وبابه فعال ".
فيمكن أن يكون السواف منه. وقالوا: سمع الله غواثه وغواثه، وهو استغاثته، والباب فيه غواث، لأن من الصوت. ويجوز عندي أن يكون فتحهم لذلك استثقالا للضم الذي بعده الواو.
" ويجيء فعال فيما كان نحو: الدقاق والحطام والجذاذ والفضاض والفتات والرّفات " وهو مصدر واقع على مفعول.
" وتجيء الفعالة فيما كان فاضلا عن الشيء إذا أخذ منه نحو: الفضالة والقوارة والقراضة والتّفاغة والنقاوة والحسالة والحثالة والحشافة والكساحة والجرامة، وهي ما يصرم من النخل وقت الفراغ منه، ومثله الظلامة والخباسة وهي الغنيمة، " والعمالة " وهي مشبهة بالفضالات.
وقد يجيء الفعال فيما كان هياجا من ذكر أو أنثى، فالذكر نحو الهباب، والقراع والضراب والنكاح، والأنثى نحو: الصراف والحرام والوداق وذلك شهوتها للذكر.
ومما قارب ذلك المعنى: الفرار والسراد والشماس والطماح والضراح إذا ضرحت برجلها ورمحت " وذلك كله يشبه باب الهياج؛ لأنه تحرك وخروج عن الاعتدال " ومثله الخلاء " والحران "، لأنه يشبه ذلك بالممانعة والتباعد مما يرى منه.
وقد يجيء فعال في الأصوات، وليس بكثرة فعال وفعيل، كالذمار والعرار، وهما من أصوات النعام. وقالوا: الهتاف والهتاف، والصياح والصياح.
" ويجيء فعال في انتهاء الزمان، ويدخل عليه فعال، كقولهم: الصرام والصرام،
[ ٤ / ٤٠٤ ]
والجزاز والجزاز، والقطاع والقطاع، والحصاد والحصاد "
والرفاع والرفاع، وهو أن يرفع الزرع ليجمع في بيدره. وقال الكسائي: ما سمعت فيه الكسر.
وقال الأموي: الكناز بالفتح. وقالوا: القطاف والقطاف.
" وتجيء الفعالة فيما كان ولاية أو صناعة، فالولاية نحو: الخلافة والإمارة والنكابة " من المنكب، والمنكب الذي في يده اثنتا عشرة عرافة.
" والعرافة والإبالة، وهي السياسة، ومثلها العياسة، وقد قالوا: العوس فخرج عن القياس كما خرج غواث وسواف عن القياس، والباب فيه الفعال.
" وقالوا في الصناعة: القصابة والحياكة والخياطة والنجارة ".
وفتحوا الأول في بعض ذلك، قالوا: الوكالة والوكالة، والجراية والجراية وهي الوكالة، والولاية والولاية، والدلالة والدلالة " ويجيء في المصادر فعلة على معنى الإنابة عن الكيفية، كقولهم: فلان حسن الجلسة والركبة. ويدخل فيه الكظة والبطنة والملأة، والكظة امتلاء من الطعام. وقد دخل كلام سيبويه فيما ذكرته بما أغنى عن
سياقه.
قال سيبويه: " وأما الوسم فيجيء على فعال نحو: الخباط والعلاط والعراض والجناب والكشاح، فالأثر يكون على فعال، والعمل يكون فعلا، كقولك: وسمت وسما، وخبطت البعير خبطا، وكشحته كشحا. وأما المشط والدلو والخطاف " يعني في السمات، " فأنما أرادوا صورة هذه الأشياء أنها وسمت به، فكأنه قال: عليه صورة الدلو، ومعنى الخباط في السمة الأثر على الوجه، والعلاط والعراض على العنق، والجناب على الجنب، والكشاح على الكشح. وجاء بعض السمات على غير الفعال، نحو: القرمة والجرف، اكتفوا بالعمل، يعني المصدر، والفعلة فأوقعوها على الأثر ".
والجرف أن يقلع شيء من الجلد بحديد، والقرمة أن يقطع شيء من الجلد يكون معلقا عليه.
قال: " ومن المصادر التي جاءت على مثال واحد حين تقاربت المعاني قولك:
النزوان والنقزان والقفزان، وإنما جاءت هذه الأشياء في زعزعة البدن واهتزازه في ارتفاع "
قال أبو سعيد: باب الفعلان مصدرا فيما كان يضطرب، ولا يجيء في غير ذلك.
" ومثله العسلان والرتكان " وهما ضربان من العدو.
[ ٤ / ٤٠٥ ]
" وربما جاء ما كان فيه اضطراب على غير الفعلان، نحو: النزاء والقماص كما جاء عليه الصوت، نحو: الصراخ والنباح، لأن الصوت قد تكلف فيه من نفسه ما تكلف من نفسه في النزوان ونحوه. وقالوا: النزو والنقز، كما قالوا: السكت والفقر والعجز، لأن بناء الفعل واحد لا يتعدى، كما لا يتعدى هذا.
ومثل ذلك الغليان والغثيان؛ لأن النفس تضطرب وتثور، وكذلك الخطران واللمعان، لأنه اضطراب وتحرك، واللهبان والصخدان والوهجان، لأنه تحرك الحر وثورة، فهو بمنزلة الغليان. وقالوا: وجب قلبه وجيبا ورجف رجيفا، ورسم البعير رسيما "، وهو ضرب من السير.
" فجاء على فعيل، كما جاء على فعال " يعني النزاء والقماص.
" وكما جاء فعيل في الصوت مجيء فعال، كالهدير والضجيج والقليخ والصهيل والنهيق والشحيج، قالوا: قلخ البعير يقلخ قليخا وهو الهدير "
قال سيبويه: " وأكثر ما يكون الفعلان في هذا الضرب، ولا يجيء فعله يتعدى الفاعل إلا أن يشذ شيء منه، نحو: شنئته شنآنا ".
ولا نعلم فعلا يتعدى، مصدره فعلان غير شنئته شنآنا.
" وقالوا: الّلمع والخطف، كما قالوا: الهدر، فما جاء منه على فعل فهو الأصل، وقد جاءوا بالفعلان في أشياء تقاربت في اشتراكها في الاضطراب والحركة كالطوفان والدوران والجولان تشبيها بالغليان والغثيان، لأن الغليان تقلب ما في القدر وتصرفه.
وقد قالوا: الجول والغلي. وقالوا: الحيدان والميلان، فأدخلوا الفعلان في هذا كما أن ما ذكرنا من المصادر قد دخل بعضها على بعض وهذه الأشياء لا تضبط بقياس ولا بأمر أحكم من هذا، وهكذا مأخذ الخليل " يعني أن الحيدان والميلان شاذ خارج عن قياس فعلان، كما يخرج بعض المصادر عن بابه.
قال أبو سعيد: وقد يجوز عندي أن يكون على الباب؛ لأن الحيدان والميلان إنما هما أخذ في جهة ما عادلة عن جهة أخرى، فهما بمنزلة الروغان، وهو عدو في جهة الميل.
وقال بعضهم: لأن الحيدان والميلان ليس فيهما زعزعة شديدة، وما ذكر فيه زعزعة شديدة، فلذلك قال ما قال.
" وقالوا: وثب وثبا ووثوبا، كما قالوا: هدأ هدءا وهدوءا، ورقص رقصا كما قالوا:
طلب طلبا، ومثله خبّ يخبّ خبا، وقالوا: خبيبا، كما قالوا: الذميل والصهيل. وقد جاء
[ ٤ / ٤٠٦ ]
من الصوت شيء على فعلة، نحو: الرّزمة، والجلبة والحدمة والوحاة. وقالوا: الطيران كما قالوا: النزوان، وقالوا: نفيان المطر، شبهوه بالطيران؛ لأنه ينفي بجناحيه، والسحاب تنفيه أول شيء رشا أو بردا، ونفيان الريح أيضا التراب، وتنفي المطر تصرفه كما يصرف التراب.
ومما جاءت مصادره على مثال لتقارب المعاني قولك: يئست يأسا ويآسة، وسئمت سأما وسآمة، وزهدت زهدا وزهادة، وإنما جملة هذا لترك الشيء وجاءت الأسماء (على فاعل)، لأنها جعلت من باب شربت وركبت ".
قوله: " لأنها جعلت من باب شربت وركبت " ينبغي أن يكون ذكر شربت لأنه عمل، كما أن زهدت عمل، ويجوز أن يكون شربت على معنى رويت، لأن رويت انتهاء وترك كسئمت.
" وقالوا: زهد، كما قالوا: ذهب. وقالوا: الزهد، كما قالوا: المكث.
وقد جاء أيضا ما كان من الترك والانتهاء على فعل يفعل فعلا، وجاء الاسم على فعل، وذلك أجم يأجم أجما وهو أجم " إذا بشم من الشيء وكرهه.
" وسنق يسنق سنقا وهو سنق " كبشم، " وغرض يغرض غرضا وهو غرض.
وجاءوا بضد الزهد والغرض على بناء الغرض، وذلك هوي يهوى هوى وهو هو.
وقالوا: قنع يقنع قناعة، كما قالوا: زهد يزهد زهاده، وقالوا: قانع، كما قالوا زاهد، وقنع كما قالوا: غرض، لأن الفعل
واحد، وأنه ضد وترك للشيء، ومثل هذا في التقارب بطن يبطن بطنا وهو بطين، وبطن، وتبن تبنا وهو تبن، وثمل يثمل ثملا وهو ثمل، وقالوا:
طبن طبنا وهو طبن ".
قال أبو سعيد: قال بعض أصحابنا: زيدت الياء في بطين للزوم الكسرة لهذا الباب، يعني لفعل، فيصير بمنزلة المريض والسقيم وما أشبه ذلك. وقال:
هذه الأشياء إنما هي خلق كالأشر والفرح وهو لما يقع في الجسم. ومعنى تبن فطن، أي ذلك من طبعه (ومن سوسه)، وقال بعضهم: تبن بطنه إذا انتفخ.
هذا باب ما جاء من الأدواء على مثال وجع يوجع وجعا وهو وجع لتقارب المعاني
قال سيبويه: " وذلك حبط يحبط حبطا، وحبج يحبج حبجا " وهو انتفاخ البطن.
" وقد يجيء الاسم فعيلا، نحو: مرض يمرض مرضا، وهو مريض، وسقم يسقم سقما وهو سقيم. وبعض العرب يقول: سقم، كما قالوا: كرم كرما وهو كريم، وعسر
[ ٤ / ٤٠٧ ]
عسرا وهو عسير، وقد قالوا: عسر، وقالوا: السقم، كما قالوا: الحزن. وقالوا: حزن يحزن حزنا وهو حزين، جعلوه بمنزلة المرض لأنه داء. وقالوا مثل وجع يوجع:
وجل يوجل وجلا وهو وجل، وردى يردى ردى وهو رد " ومعناه هلك.
" ولوى يلوى لوى وهو لو " من وجع الجوف، " ووجي يوجى وجى " وهو الحفاء ورقة أسفل الرّجل من المشي، " وعمي قلبه يعمى عمّى وهو عم "، لأنه كالداء والمرض. والعرب تقول: عميت عينه تعمى عمى فهو أعمى، وعمي قلبه يعمى عمى فهو عم، ففصلوا بينهما في اسم الفاعل للفرق.
" وقالوا: فزع فزعا وهو فزع، وفرق فرقا وهو فرق، ووجل وجلا وهو وجل ووجر وجرا وهو وجر " ومعناه وجل.
" أجروا الذعر والخوف مجرى الداء لأنه بلاء، وقالوا: أوجر، فأدخلوا الفعل هاهنا على فعل لأنهما قد يجتمعان، كقولك: شعث وأشعث، وحدب وأحدب، وكدر وأكدر، وحمق وأحمق، وقعس وأقعس ".
وهو ضد الأحدب في خروج صدره، والأحدب: الذي يخرج ظهره.
" فأفعل دخل في هذا الباب كما دخل فعل في أخش وأكدر، وكما دخل فعل في باب فعلان.
يريد أن باب الأدواء يجيء على فعل يفعل فهو فعل فإذا استعمل فيه أفعل فقد دخل في غير بابه، وباب الخلق والألوان أفعل، فإذا دخل فيه فعل فقد دخل في غير بابه، فأخش من الخلق، وأكدر من الألوان، فإذا استعمل فيهما خشن وكدر فقد دخل عليهما فعل من غير بابهما. ومثل ذلك في باب العطش والجوع والرّى، ونحو ذلك فعلان، كقولك:
عطشان وصديان ورجلان، وقد قالوا: صد وعطش ورجل.
قال: " واعلم أن فرقته وفزعته إنما معناهما فرقت منه، ولكن حذفوا منه، كما قالوا: أمرتك الخير وإنما يريدون أمرتك بالخير "
يريد أن الباب في فعل يفعل وهو فعل أن لا يتعدى، وإنما فرقته وفزعته على حذف حرف الجر، كما قالوا: أمرتك الخير بمعنى أمرتك بالخير.
وقالوا: خشي فهو خاش، كما قالوا: رحم وهو راحم، فلم يجيئوا باللفظ كلفظ ما معناه كمعناه، ولكن جاءوا بالمصدر والاسم على ما بناء فعله كبناء فعله.
قال أبو سعيد: اعلم أن فعل يفعل إذا كان اسم الفاعل منه على فاعل، فهو يجري
[ ٤ / ٤٠٨ ]
مجرى ما يتعدى، وإن كان لا يتعدى، كقولك: سخط يسخط وهو ساخط، وخشي يخشى وهو خاش، وكان الأصل سخط منه، كما تقول: غضب منه، وخشي منه، كما تقول: وجل منه، فجعلوا خشي وهو خاش كقولهم: رحم وهو راحم، ولا يقدر في رحم حرف من حروف الجر، ومعنى قول سيبويه: " فلم يجيئوا باللفظ كلفظ ما معناه كمعناه "، يريد، لم يقولوا: خش، كما قالوا: فرق ووجل.
وقوله: " ولكن جاءوا بالمصدر والاسم على ما بناء فعله كبناء فعله "
يعني بالمصدر الخشية، والاسم يعني الخاشي. فالخشية بمنزلة الرحمة في وزنها، والخاشي كالراحم في وزنه، وبناء خشي يخشى كبناء رحم يرحم، وهو ضده. وقد يحمل الضد في اللفظ على ما يضاده لتلبسهما بحيز واحد وإن كانا يتنافيان في ذلك الحّيز، كالألوان المتضادة والروائح والطعوم المتضادات.
قال سيبويه: " وجاءوا بضد ما ذكرنا على بنائه " قال: " وقالوا: أشر يأشر أشرا وهو أشر، وبطر يبطر بطرا وهو بطر، وفرح يفرح فرحا وهو فرح، وجذل يجذل جذلا وهو جذل " بمعنى فرح. " وقالوا: جذلان وجذل، كما قالوا: سكران وسكر، وكسلان وكسل، وقالوا: نشط ينشط وهو نشيط، كما قالوا: الحزين، وقالوا:
النشاط، كما قالوا: السقام، (وجعلوا السّقام) والسقيم كالجمال والجميل. وقالوا:
سهك يسهك سهكا وهو سهك، وقنم يقنم قنما وهو قنم، جعلوه كالداء لأنه عيب.
وقالوا: قنمة وسهكة ".
والقنمة الرائحة المنكرة، ويروى أن بعض الأعراب كان تؤخذ عنه العربية بالبصرة، وكان أهل العلم يتبعونه ليأخذوا ألفاظه، وكانت به لوثة وضعف في عقله وتقزز فصعد يوما على تل من السّماد، وبسط شيئا معه عليه، وجلس وهم حوله، فارتفعت رائحة منتنة، فتأفف من الرائحة وقال: ما هذه القنمة، والله لكأننا على حششة فقال له أبو الخطاب الأخفش: أنك منها على ثبج عظيم.
" وقالوا: عقرت عقرا، كما قالوا: سقمت سقما. وقالوا: عاقر، كما قالوا:
ماكث "
قال أبو سعيد: وليس الباب فيما كان على فعل يفعل أن يجئ على فاعل، فإذا جاء شيء منه على فاعل فهو محمول على غيره، وهو قليل، كقولهم: فره العبد يفره فهو فاره، وعقر فهو عاقر.
[ ٤ / ٤٠٩ ]
قال سيبويه: " وقالوا: خمط خمطا، وهو خمط في ضد القنم "، والخمط رائحة طيبة.
قال: " (وقد جاء) على فعل يفعل وهو فعل أشياء تقاربت معانيها، لأن جملتها هيج، وذلك قولك: أرج يأرج أرجا وهو أرج، وإنما أراد تحرك الريح وسطوعها، وحمس يحمس حمسا، وهو حمس، وذلك حين يهيج ويغضب ".
والحمس الذي يغضب للقتال، وهو الشديد الشجاع.
وقالوا: أحمس، كما قالوا: أوجر، وصار أفعل هاهنا بمنزلة فعلان وغضبان، وقد يدخل أفعل على فعلان، كما دخل فعل عليهما، فلا يفارقهما في بناء الفعل، ويشبه فعلان بمؤنث أفعل، وقد بينا ذلك فيما ينصرف وما لا ينصرف ". يريد أن دخول أفعل على فعلان لاجتماعهما في بناء الفعل والمصدر في مواضع كثيرة منها: غضب يغضب غضبا وهو غضبان، كما تقول: عور يعور عورا وهو أعور، فقد اجتمعا في بناء الفعل والمصدر، ولأن فعلان يشبه فعلاء، وفعلاء مؤنث أفعل.
قال: " وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون: رجل أهيم وهيمان، وهم يريدون شيئا واحدا، وهو العطشان. وقالوا: سلس يسلس سلسا وهو سلس، وقلق يقلق قلقا وهو قلق، ونزق ينزق نزقا وهو نزق، جعلوا هذا حيث كان خفة وتحركا مثل الحمس والأرج، ومثله غلق يغلق غلقا لأنه طيش وخفة "
والغلق الذي يطيش حتى تذهب حجته.
وقد بنوا أشياء على فعل يفعل فعلا وهو فعل لتقاربها في المعنى، وذلك ما تعذر عليك ولم يسهل، كقولك: عسر
يعسر عسرا، وشكس يشكس شكسا " وهو شكس)، وقالوا: الشكاسة، كما قالوا: السّقامة، وقالوا: لقس يلقس لقسا، وهو لقس، ولحز يلحز لحزا، وهو لحز، فلما صارت هذه الأشياء مكروهة عندهم صارت بمنزلة الأوجاع ".
واللقس: سوء الخلق، واللّحز: الضيّق والشّح.
وصار بمنزلة ما رموا به من الأدواء. وقد قالوا: عسر الأمر فهو عسير، كما قالوا:
سقم فهو سقيم. وقالوا: نكد ينكد نكدا وهو نكد، وقالوا: أنكد كما قالوا: أجرب وجرب. وقالوا: لحج يلحج لحجا وهو لحج، لأن معناه قريب من معنى السّقم، لحج في الشيء إذا نشب فيه ولم يمكنه التخلص منه إلّا بشدة.
[ ٤ / ٤١٠ ]
هذا باب فعلان ومصدره وفعله
قال سيبويه: " أما ما كان من الجوع والعطش فإنه أكثر ما يبنى في الأسماء على فعلان، ويكون المصدر على الفعل، ويكون الفعل على فعل يفعل، وذلك ظمئ يظمأ ظمأ وهو ظمآن، وعطش يعطش عطشا وهو عطشان، وصدي يصدى صدى وهو صديان. وقالوا: الظماءة، كما قالوا: السقامة، لأن المعنيين قريب، كلاهما ضرر على النفس وأذى، وغرث يغرث غرثا، وهو غرثان، وعله يعله علها وهو علهان، وهو شدة الغرث والحرص على الأكل، وتقول: عله، كما تقول: عجل، ومعناه قريب من وجع. وقالوا: طوى يطوي طوى وهو طيّان " ومعناه الجوع، قال عنترة:
ولقد أبيت على الطوى وأظله حتى أنال به لذيذ المأكل (١)
وبعض العرب يقول: الطوى، فيبينه على فعل، لأن زنة فعل وفعل شيء واحد، وليس بينهما إلا كسرة الأول وفتحة، وضد ما ذكرنا يجيء على ما ذكرنا " يعني ضد الجوع، " وهو قولهم: شبع شبعا وهو شبعان، كسروا الشبع،
كما قالوا: الطوى، وشبهوه بالكبر والسمن حيث كان بناء الفعل واحدا. وقالوا:
روي يروي ريا وهو ريان، فأدخلوا الفعل في هذه المصادر، كما أدخلوا الفعل فيها حين قالوا السكر ".
يعني الري، وزنه فعل، ودخل في هذا الباب وليس بمصادر فيه، ولقائل أن يقول: هو فعل، وكسر من أجل الياء، كما قالوا: قرن ألوى، وقرون لي وليّ. وفي السكر ثلاث لغات: السكر والسكر، وحكى عن الأخفش، السكر.
قال سيبويه: " ومثله خزيان، والمصدر الخزي، وقالوا: الخزى في المصدر، كالعطش اتفقت المصادر كاتفاق بناء الفعل والاسم ".
يعني في الخزي والرّي كاتفاق خزي يخزي، وهو خزيان، وروى ريا وهو ريان.
قال: " وقد جاء من هذا على باب خرج يخرج، قال: سغب يسغب سغبا وهو ساغب، كما قالوا: سفل يسفل سّفلا وهو سافل، ومثله جاع يجوع جوعا وهو جائع، وناع ينوع نوعا وهو نائع ".
(وقال بعضهم: النائع المتألم من الجوع)، وقال بعضهم: هو المائل من الجوع،
_________________
(١) انظر الديوان ص: ٢٤٩، المخصص: ١٤/ ١٤٢، واللسان (ظل).
[ ٤ / ٤١١ ]
وقال بعضهم: إتّباع للجائع، ونوعا اتباع لجوعا.
وقال بعضهم: النائع العطشان، قال الشاعر:
لعمر بنى شهاب ما أقاموا صدور الخيل والأسل النياعا (١)
" وقالوا: جوعان، فأدخلوها هاهنا على فاعل، لأن معناها معنى غرثان "
قال الشاعر:
لو أنني جاءني جوعان مهتلك من جوع الناس عنه الخير محجوز (٢)
فجاء بجوعان، وبجوع، وهو جمع جائع.
" وقالوا من العطش أيضا: هام يهيم هيما وهو هائم، وقالوا: هيمانّ لأن معناه:
عطشان. ومثل هذا قولهم: ساغب وسغاب، وجائع وجياع، وهائم وهيام، لما كان المعنى معنى فراث وعطاش، بني على فعال، كما أدخل قوم عليه فعلان، إذ كان المعنى معنى فراث. وقالوا: سكر يسكر سكرا.
وقال أبو الحسن: فيها ثلاث لغات، وقدموا ذلك.
" وقالوا: سكران، لما كان من الامتلاء جعلوه بمنزلة شبعان، ومثل ذلك ملآن.
وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون: ملئت من الطعام، كما قالوا: شبعت وسكرت.
وقالوا: قدح نصفان وجمجمه نصفى " وهي أيضا قدح.
" وقدح: قربان، وجمجمة قربى " إذا قارب الامتلاء " جعلوا ذلك بمنزلة الملآن، لأن ذلك معناه معنى الامتلاء، لأن النّصف قد امتلأ والقربان ممتلئ أيضا إلى حيث بلغ، ولم نسمعهم قالوا قرب ولا نصف، اكتفوا بقارب ونصف، ولكنهم جاءوا به، كأنهم يقولون: قرب ونصف، كما قالوا: مذاكير، ولم يقولوا: مذكير ولا مذكار، وكما قالوا: أعزل وعزل، ولم يقولوا: أعازل "
قال أبو سعيد: اعلم أن أعزل، وإن كان على لفظ أحمر، فلم يذهب به مذهب أحمر، لأنه لا مؤنث له، ذهبوا به مذهب الأسماء كأفكل وأيدع، ولم يجمعوه كجمع الأسماء في
_________________
(١) نسبه ابن سيدة في المخصص: ١٤/ ٣٥، وصاحب اللسان (نوع) للقطامي ولم نجده في ديوانه ونسبه ابن بري لدريد بن الصمة، والشاهد في قوله (النياعا) جمع (نائع) وهو العطشان.
(٢) قائله المتنخل الهذلي انظر ديوان الهذليين: ٢/ ١٥ وشرح المفصل: ١٠/ ١٣٥، وشرح شواهد الشافية: ٤٨٩، واللسان (هلك). الشاهد في قوله (جوعان) على أنه بمعنى (جائع) حيث أدخل (فعلان) على (فاعل) لأن معناهما واحد.
[ ٤ / ٤١٢ ]
هذا الوزن، لم يقولوا: أعازل، كما قالوا: أفاكل، وقالوا: عزل، كأنهم قد روا أعزل وعزلاء مثل أحمر وحمراء، وأن لم يستعملوه، كما قالوا في جمع ذكر مذاكير على تقدير أن الواحد مذكار أو مذكير، وإن لم يستعملوه.
وقالوا: عزّل على أن الواحد عازل، وأن لم يستعملوه، قال الأعشى:
غير ميل ولا عواوير في ال هيجا ولا عزل ولا أكفال
" وقالوا: رجل شهوان وامرأة شهوى، لأنه بمنزلة الغرثان والغرثى، وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون: شهيت شهوة، فجاءوا بالمصدر على فعلة، كما قالوا: حرت تحار حيرة وهو حيران. وقد جاء فعلان وفعلى في غير هذا الباب، قالوا: خزيان وخزيا.
وروى أبو الحسن رجلان رجلى " ومعناه الراجل.
وقالوا: عجلان وعجلى، وقد دخل في هذا الباب فاعل، كما دخل فعل فشبهوه بسخط يسخط سخطا وهو ساخط، كما شبهوا فعل بفزع وهو فزع " يعني أنهم قالوا:
" نادم وراجل وصاد "، كما قالوا: صد وعطش.
وقالوا: غضب يغضب غضبا وهو غضبان وغضبى، لأن الغضب يكون في جوفه كما يكون فيه العطش. وقالوا: ملآنة شبهوها بخمصانة وندمانة ".
وقال غيره: إن فعلان الذي أنثاه فعلى بنو أسد يدخلون الهاء في مؤنثه، ويخرجونها من المذكر، فيقولون: ملآنة وملآن، وسكرانة وسكران، كما قالوا: خمصانة وندمانة، وللمذكر خمصان وندمان، ويلزم على لغة هؤلاء أن يصرفوا ملآنا وغضبانا.
" وقالوا: ثكل يثكل ثكلا وهو ثكلان بالأنثى ثكلى، ومثله لهفان ولهفى، وقالوا:
لهف يلهف لهفا. وقالوا حزنان وحزنى، لأنه غم في جوفه، وهو كالثكل، لأن الثكل من الحزن ".
قال أبو سعيد: ورأيت في نسخة أبي بكر مبرمان بخطه في الحاشية في نسخة أبي العباس جربان وجربى، وفي العمود بهذا الهجاء ما عليه نقط الخاء والزاي كأنه خزيان وخزيا.
قال: " والندمان مثله وندمى ".
قال أبو العباس: ندمان الذي من الندامة على الشيء، المؤنث منه ندمى، ولا يقال:
ندمانة، إنما ندمان وندمانة لباب المنادمة.
" وأما جربان وجربى فإنه لما كان بلاء أصيبوا به بنوه على هذا، كما بنوه على أفعل وفعلاء، نحو: أجرب وجرباء. وقالوا: عبرت تعبر عبرا (وهي عبرى) مثل ثكلى، والثّكل
[ ٤ / ٤١٣ ]
مثل السكر، والعبر مثل العطش، فقالوا: عبرى، كما قالوا: ثكلى. وأما ما كان من هذا من بنات الياء والواو التي هي عين فأنها تجيء على فعل يفعل معتلة لا على الأصل، وذلك عمت تعام عمة وهو عيمان وهي عيمانة، جعلوه كالعطش، وهو الذي يشتهي اللبن كما يشتهي ذلك الشراب، وجاءوا بالمصدر على فعلة، لأنه كان في الأصل على فعل، كما كان العطش ونحوه على فعل، ولكنهم أسكنوا الياء وأماتوها "، يعني أعلوها، " كما فعلوا في الفعّل، فكأن الهاء عوض من الحركة مثل: غرت تغار غيرة، وهو في المعنى كالغضبان، وقالوا: حرت تحار حيرة (وهو حيران)، وهي حيرى، وهو في المعنى كالسكران لأن كليهما مرتج عليه.
هذا باب ما يبنى على أفعل
قال سيبويه: " أما الألوان فإنها تبنى على أفعل، ويكون الفعل على فعل يفعل، والمصدر على فعلة أكثر، وربما جاء الفعل فعل يفعل، وذلك قولك: أدم يأدم أدمة، ومن العرب من يقول: أدم يأدم أدمة، وشهب يشهب شهبة، وقهب يقهب قهبة " وهو سواد يضرب إلى الحمرة، قال:
والأقهبين: الفيل والجاموسا
" وكهب يكهب كهبة، وقالوا: كهب يكهب كهبة " وهو غبرة وكدورة في اللون، " وشهب يشهب شهبة، وصدئ يصدأ صدأة، وقالوا: صدأ، كما قالوا: الغبس، والأغبس: البعير الذي يضرب إلى البياض، وقالوا: الغبسة، كما قالوا: الحمرة، وفي نسخة أخرى العيسة، وأصلها العيسة، فكسرت العين لتسلم الياء.
" واعلم أنهم يبنون الفعل منه على أفعال، نحو: أشهاب وأدهام وأيدام. فهذا لا يكاد ينكسر في الألوان، وإن قلت
فيها فعل يفعل، أو فعل يفعل. وقد يستغنى بأفعال عن فعل وفعل، وذلك نحو: أزراق وأخضار وأصفار وأحمار وأشراب وأبياض وأسواد وأسود وأبيض وأخضر وأحمر، وأصفر أكثر كلامهم، والأصل ذلك لأنه كثر فحذفوه "
يعني الأصل أفعال وهو أحمار وأسواد، ثم خفف فقالوا: احمرّ وأسود والمخفف الذي ذكره أكثر في الكلام، وفعل فيما ذكره بعض أصحابنا مخفف عن أفعل، ويستدل على ذلك أنهم يقولون: عور وحول، فلا يعلون الواو؛ لأنه في معنى أعورّ وأحولّ، وهما لا يعتلان. والوجه عندي أنه لم يعل عور وحول لأنه في معنى فعل لا يعتل، لا أنه مخفف
[ ٤ / ٤١٤ ]
منه، كما قالوا: اجتوروا، فلم يعلوه لأنه في معنى تجاوروا، وهذا يحكم في التصريف إن شاء الله تعالى.
قال سيبويه: " وقالوا: الصهوبة، فشبهوا ذلك بأرعن والرعونة.
وقالوا: البياض والسواد، كما قالوا: الصباح والمساء، لأنهما لونان بمنزلتهما، لأن المساء سواد، وقد جاء شيء من الألوان على فعل، قالوا: جون وورد ".
والورد: الفرس الأصفر اللون، والجون: الأسود.
" وجاءوا بمصدر على مصدر بناء أفعل، وذلك قولهم: الوردة والجونة "
وإنما قالوا: ورد وجون على حذف الزوائد.
قال سيبويه: " وقد جاء شيء منه على فعيل، وذلك: خصيف،. وقالوا: أخصف، وهو أقيس، والخصيف: الأسود ".
وما كان من هذه المصادر على غير فعلة أو فعل فهو من الشاذ الذي لا يطرد وما كان من الأسماء على فعل أو فعيل أو بناء غير أفعل فهو من الشاذ أيضا الذي لا يطرد.
قال: " وقد يأتي على أفعل، ويكون الفعل (منه على) فعل يفعل والمصدر فعل، كما كان داء أو عيبا، لأن العيب نحو الداء، ففعلوا ذلك كما قالوا: أجرب وأنكد، وذلك قولهم: عور يعور عورا، وأدر يأدر أدرا وهو آدر، وشتر يشتر شترا وهو أشتر، وحبن يحبن حبنا وهو أحبن "
والأحبن: المنتفخ البطن من الاستسقاء.
" وصلع يصلع صلعا وهو أصلع. وقالوا: رجل أجذم وأقطع، فكان هذا على جذم وقطع وإن لم يتكلم به "
يريد أن الفعل من قولنا: أقطع وأجذم قطعت يده وجذمت، وكان القياس أن يقال مقطوعة ومجذومة، ولكنهم قالوا: أقطع وأجذم، على أن فعله قطع وجذم وإن لم يستعمل.
وقد قالوا لموضع القطّع: القطعة، والجذمة والجذمة ".
كما قالوا: النزعة، والنزعة " والصلّعة والصلعة للموضع. وقالوا: امرأة ستهاء، ورجل أسته، فجاءوا به على بناء ضده وهو قولهم أرسح ورسحاء، وأخرم وخرماء "، والأرسح ضد الأسته، لأن الأرسح الممسوح العجز، وكذلك الأزل والأرصع والأخرم
[ ٤ / ٤١٥ ]
(المقطوع الأنف).
وقالوا: أهضم وهضماء، والمصدر الهضم "، وهو عيب في الخيل، والأهضم: الذي ليس بمجفر الوسط، وهو صغر البطن، قال النابغة الجعدي:
خيط على زفرة فتمّ ولم يرجع إلى دغة ولا هضم
وقالوا: أزبر وأغلب، والأغلب: العظيم الرقبة، والأزبر: العظيم الزبرة، والزبرة:
موضع الكاهل، فجاءوا بهذا النحو على أفعل، كما جاء على أفعلّ ما يكرهون وقالوا:
آذن وأذناء، كما قالوا: سكاء.
والآذن: العظيم الأذن، والأسك: الصغير الأذن جدا.
وقالوا: أخلق وأملس وأجرد "، والأخلق: الأملس، وخلقنه: ملسته.
وقالوا: أخشن، وهو ضد الأملس، وقالوا: الخشنة، كما قالوا: الحمرة، والخشونة، كما قالوا: الصهوبة ".
قال سيبويه: " واعلم أن مؤنث كل أفعل صفة فعلاء، وهي تجري في المصدر والفعل مجرى أفعل. وقالوا: مال يميل وهو مائل، وقالوا: أميل، فلم يجيئوا به على مال يميل "
يريد أن باب أفعل ليس باب فعله أن يكون على فعل يفعل، وذلك أن أميل أفعل، وفعله مال يميل، وكان حقه أن يكون ميل يميل ميلا، وإنما حكى سيبويه مال يميل.
ومثل هذا شاب يشيب فهو أشيب، وليس ذلك بالقياس.
وقد حكى غير سيبويه: ميل يميل ميلا فهو أميل، كما قالوا: جيد يجيد جيدا فهو أجيد.
وقالوا في الأصيد: صيد يصيد صيدا، وقالوا: شاب يشيب، كما قالوا: شاخ يشيخ، وقالوا: أشيب، كما قالوا: أشمط، فجاءوا بالاسم على بناء ما معناه كمعناه، وبالفعل على ما هو نحوه أيضا.
يريد جاءوا باسم أشيب على بناء أشمط، ومعناه كمعناه، وجاءوا بفعل أشيب على شاب يشيب، مثل شاخ يشيخ، فاسمه على بناء أشمط، وفعله على فعل شاخ يشيخ.
وقالوا: أشعر، كما قالوا: أجرد للذي لا شعر له. وقالوا: أزبّ، كما قالوا: أشعر، فالأجرد بمنزلة الأرسح.
لأن الأجرد، الذي لا شعر له، والأرسح: الذي لا عجز له.
[ ٤ / ٤١٦ ]
" وقالوا: هوج يهوج هوجا، كما قالوا: ثول يثول ثولا وأثول، وهو جنون ".
هذا باب أيضا للخصال التي تكون في الأشياء
قال سيبويه: " أما ما كان حسنا أو قبحا فأنه مما يبنى فعله على فعل يفعل، ويكون المصدر فعالا وفعالة وفعلا "، يريد وما سوى ذلك يحفظ حفظا ".
وذلك قولك: قبح يقبح قباحة، وبعضهم يقول: قبوحة، فبناه على فعولة، كما بناه على فعالة، ووسم يوسم وسامة، وقال بعضهم: وساما، فلم يؤنث " يعني لم يدخل الهاء.
كما قالوا: السقام والسقامة، ومثل ذلك جمل جمالا.
ويجيء الاسم على فعيل، وذلك: قبيح ووسيم وجميل وشقيح وذميم، وقالوا:
حسن، فبنوه على فعل، كما قالوا: بطل ورجل قدم وامرأة قدمة، يعني أن لها قدما في الخير، فلم يجيئوا به على مثل جريء وشجاع وكمي وشديد "
يريد أن الباب في فعل يفعل أن يجيء الاسم على فعيل أو فعال، فإذا خرج عن هذين البناءين فهو شاذ ليس بالباب ويحفظ حفظا، والكثير فعيل وفعال.
كقولك: نظف ينظف وهو نظيف، وقبح يقبح وهو قبيح، وجمل يجمل وهو جميل، وفعيل أكثر من فعال.
قال: وأما الفعل من هذه المصادر فنحو: الحسن والقبح، والفعالة أكثر. وقالوا:
نضر وجهه ينضر فبنوه على فعل يفعل مثل خرج يخرج، لأن هذا فعل لا يتعداك إلى غيرك، كما أن هذا فعل لا يتعداك. وقالوا: ناضر، كما قالوا: نضر "
وإنما ذكر سيبويه نضر وجهه لأنه من باب الحسن والقبح الذي يأتي فعله على فعل يفعل، ليريك خروجه عن الباب، واسم فاعله ناضر ونضير ونضر، فناضر على قياس ما يوجبه فعله، كقولك: خرج يخرج وهو خارج.
ونضير، كما قالوا: وسيم؛ لأنه نحوه في المعنى، وقالوا: نضر، كما قالوا: حسن، إلا أن هذا مسكن الأوسط، وقالوا: ضخم، ولم يقولوا: ضخيم، كما قالوا: عظيم "، وقد حكى أبو العباس المبرد ضخيم.
وقالوا: النّضارة، كما قالوا: الوسامة. ومثل الحسن السبط والقطط.
وقالوا: سبط سباطه وسبوطه. ومثل النّضر الجعد، وقالوا: رجل سبط كما بنوه على " فعل " يعني أنه يقال: سبط
وسبط.
[ ٤ / ٤١٧ ]
وقالوا: ملح ملاحة وهو مليح، وسمج سماجة وهو سمج، وقالوا: سميج كقبيح " ولا تقول: سمج، وإن كانت العامة أولعت به.
وقالوا: بهو يبهو بهاء، (وهو بهيّ)، كجمل جمالا وهو جميل.
وقالوا: شنع شناعة وهو شنيع، وقالوا: أشنع، فأدخلوا أفعل في هذا إذ صار خصلة فيه كاللون، وقالوا: شنيع، كما قالوا: خصيف، فأدخلوه على أفعل.
وقالوا: نظف نظافة كصبح صباحة وصبيح. وقالوا: طهر طهرا وطهارة، وهو طاهر "، ولم يقولوا: طهير.
وقالوا: طهرت المرأة، فاستعملوا طاهرا على طهرت، لا على قولهم: طهرت.
وقالوا: مكث مكثا وهو ماكث "، وقد قالوا: مكيث، فيحمل ماكث على مكث، ومكيث على مكث. وقال أبو الحسن الأخفش: سبط وسبط وسبط بمعنى واحد.
قال سيبويه: " وما كان من الصغر والكبر فهو نحو من هذا، قالوا: عظم عظامة وهو عظيم، ونبل نباله وهو نبيل، وصغر صغارة وهو صغير، وقدم قدامة وهو قديم.
وقد يجيء المصدر على فعل، وذلك قولك: الصغر والكبر والقدم والعظم والضخم.
وقد يبنون الاسم على فعل، وذلك نحو: ضخم وفخم وعبل وجهم.
وقد يجيء المصدر على فعولة، كما قالوا: القبوحة، وذلك قولهم: الجهومة والملوحة والبحوحة. وقالوا: كثر كثارة وهو كثير، وقالوا: الكثرة، فبنوه على الفعلة، والكثير نحو من العظيم في المعنى، إلا أن هذا في العدد "
يريد أن الكثير مركب من شيء متزايد قد كثر عدته، والعظيم اسم واقع على جملة من غير أن يقدر فيه شيء تزايد وتضاعف، والكبير بمنزلة العظيم وضد العظيم والكبير الصغير، وهذا الكثير القليل؛ لأنه يقصد به قصد تقليل الأضعاف التي فيه أو تكثيرها، والصغير والكبير المقصد فيه جملة الشيء من غير تقدير أضعاف ما تركّب منه.
" وقد يقال للإنسان قليل، كما يقال قصير، فقد وافق ضده وهو العظيم والطويل، والقصير نحو العظيم والصغير ".
يريد أن القليل قد يستعمل على غير معنى العدد، كما يستعمل القصير والحقير.
قال: " والطول في البناء كالقبح ".
يريد في بناء الفعل؛ لأن وزنهما فعل. وهو نحوه في المعنى؛ لأنه زيادة ونقصان.
وقالوا: سمن سمنا وهو سمين، ككبر كبرا وهو كبير. وقالوا: كبر عليّ الأمر كعظم.
[ ٤ / ٤١٨ ]
وقالوا: بطن يبطن بطنة وهو بطين، كما قالوا: عظيم، وبطن ككبر.
وما كان من الشدة والجرأة والضعف والجبن فإنه نحو من هذا، قالوا: ضعّف ضعفا وهو ضعيف، وقالوا: شجع شجاعة وهو شجاع، وقالوا: شجيع، وفعال أخو فعيل ".
وقد ذكرنا فيما مضى أن فعيلا وفعالا أخوان، قالوا: طويل وطوال وكبير وكبار، وخفيف وخفاف.
وقد بنوا الاسم على فعال، كما بنوا على فعول، قالوا: جبان وقالوا: وقور، وقالوا:
الوقارة، كما قالوا: الرّزانة. وقالوا: جروء يجرؤ جرأة. وجراءة وهو جريء، (ولغة العرب الضّعف كما قالوا: الظّرف وظريف، والفقر وفقير.
وقالوا: غلظ يغلظ غلظا وهو غليظ، كما قالوا: عظم عظما وهو عظيم، وقالوا:
سهل سهولة وسهل، مثله: جهم جهومة وجهم، وسهل بمنزلة ضخم. وقد قال بعض العرب: جبن يجبن، كما قالوا: نضر ينضر " والأكثر جبن يجبن.
وقالوا: قوى يقوى قواية، وهو قويّ، كما قالوا: سعد يسعد سعادة وهو سعيد.
وقالوا: القوّة، كما قالوا: الشّدّة، إلا أن هذا مضموم الأول.
وقالوا: سرع سرعا وهو سريع، ويقال سرعة وسرع ويسرع، قال الأعشى:
واستخبري قافل المركبان وانتظري أوب المسافر إن ريثا وإن سرعا (١)
وقالوا: بطؤ بطأ وهو بطيء، وغلّظ غلظا وهو غليظ، وثقل ثقلا وهو ثقيل.
وقالوا: كمش كماشة وهو كميش، مثل سرع، والكماشة مثل الشّجاعة. وقالوا:
حزن حزونة للمكان، وهو حزن، كما قالوا: سهل سهولة وهو سهل.
وقالوا: صعب صعوبة وهو صعب، لأن هذا إنما هو الغلظ والحزونة، وما كان من الرفعة والضّعة، وقالوا: الضّعة، فهو نحو من هذا ".
اعلم أن الضعة، وزنها فعلة، والأصل وضعة، مثل قولنا: عدة وزنة، وربما فتحوا شيئا من ذلك إذا كان فيه شيء من حروف الحلق (كما يفتحون في الفعل من أجل حروف الحلق) ما لا يفتح في غيره.
وقالوا: ضعة وضعة، وقوحة وقحة، ولا يقولون في مثل زنة وصفة، زنة وصفة لعدم حرف الحلق.
_________________
(١) الشاهد في قوله (سرعا) حيث جاء المصدر على (فعل) للفعل سرع. انظر المخصص: ١٤/ ١٤٩، والمنصف: ١/ ٢٤٠.
[ ٤ / ٤١٩ ]
وقالوا: غني يغني غنى وهو غنيّ، كما قالوا: كبر كبرا وهو كبير، وقالوا: فقير كما قالوا: صغير وضعيف. وقالوا: الفقر كما قالوا: الضّعف، والفقر كما قالوا:
الضّعف، ولم نسمعهم قالوا: فقر، كما لم يقولوا في التشديد، شدد، استغنوا باشتد وافتقر، كما استغنوا باحمارّ عن حمر ".
قال أبو سعيد: قولهم افتقر فهو فقير، واشتد فهو شديد، لم يأت فقير وشديد على هذا الفعل، وإنما أتى على فعل لم يستعمل، وهو فقر، كما تقول: ضعف وشددت على فعلت، واستغنوا بافتقر واشتد عن ذلك، كما استغنوا باحمارّ عن حمر؛ لأن الألوان يستعمل فيها فعل كثيرا، كما قالوا: أدم يأدم، وكهب يكهب، وشهب يشهب وما أشبه ذلك، ولم يقولوا: حمر، استغنوا عنه باحمارّ.
قال: " وهذا هنا نحو من الشديد والقويّ، قالوا: شرف شرفا وهو شريف، وكرم كرما وهو كريم، ولؤم لآمة وهو لئيم، كما قالوا: قبح قباحة، ودنؤ دناءة وهو دنيء، وملؤ ملاءة وهو مليء. وقالوا: وضع ضعة وهو وضيع، والضّعة مثل الكثرة، والضعة مثل الرفعة ".
يعني في فتح أوله وكسره، وقوله: " وهذا هنا نحو من الشديد والقوي " إشارة إلى ما بعده.
وقالوا: رفيع، ولم نسمعهم قالوا رفع، وعليه جاء رفيع وإن لم يتكلموا به، فاستغنوا بارتفع، وقالوا: نبه ينبه وهو نابه وهي النّباهة.
كما قالوا: نضر ينضر وهو ناضر، وهي النّضارة، وقالوا: نبيه، كما قالوا: نضير، جعلوه بمنزلة ما هو مثله في المعنى "، يريد معنى نبيه.
وقالوا: (سعد يسعد سعادة)، وشقي يشقى شقاوة، وهو سعيد وشقيّ، فأحدهما مرفوع، والآخر موضوع، وقالوا: الشّقاء، كما قالوا: الجمال والّلذاذ، (حذفوا الهاء استخفافا) "، يريد حذفوا الهاء من الّلذاذة.
وقالوا: رشد يرشد رشدا وراشد، وقالوا: الرشد، كما قالوا: سخط يسخط سخطا، والسّخط وساخط. وقالوا: رشيد، كما قالوا: سعيد.
وقالوا: الرّشاد (كما قالوا: الشّقاء). وقالوا: بخل يبخل بخلا، والبخل كاللؤم "
يعني في الوزن " والفعل كفعل شقي وسعد. وقالوا: بخيل، وبعضهم يقول:
البخل كالفقر، والبخل كالفقر، وبعضهم يقول: البخل كالكرم. وقالوا: أمر علينا
[ ٤ / ٤٢٠ ]
وهو أمير كنبه وهو نبيه " وفي بعض النسخ أمر علينا كنبه مفتوحان، والفتح أجود وأفصح ومما يلقى من أبيات المعاني:
قد أمر المهلّب فكرنبوا ودولبوا
وحيث شئتم فاذهبوا (١)
يريد: قد ولي الإمارة، يخاطب قوما من الشّراة
" والإمرة كالرفعة، والإمارة كالولاية " ويقولون: أمر علينا وهو أمير وقالوا: وكيل ووصيّ، وجريّ كما قالوا: أمير لأنها ولاية. ومثل هذا لتقاربه: الجليس والعديل والقعيد والضجيج والكميع (وهو الجليس) والخليط والنزيع، وأصل هذا كله العديل، ألا ترى أنك تقول في هذا كله: فاعلته " تقول: عادلته فهو عديل، وجالسته فهو جليس. وإنما قال: " أصل هذا كله العديل "؛ لأنهما تعادلا في فعل كل واحد منهما بالآخر.
وقد جاء فعل، قالوا: خصم، وقالوا: خصيم " قال: " وما أتى من العقل فهو نحو من هذا، قالوا: حلم يحلم حلما فهو حليم، فجاء فعل في هذا الباب كما جاء فعل فيما ذكرنا. وقالوا في ضد الحلم: جهل يجهل فهو جاهل.
كما قالوا: حرد يحرد فهو حارد، فهذا ارتفاع في الفعل " يعني حلم " واتضاع " يعني جهل.
وقالوا: علم علما، فالفعل كبخل يبخل والمصدر كالحلم. وقالوا: عالم، كما قالوا في الضد: جاهل، وقالوا: عليم، كما قالوا: حليم. وقالوا: فقه وهو فقيه، والمصدر فقه (كما قالوا: علم علما وهو عليم. وقالوا: اللّب واللّبابة ولبيب، كما قالوا: الّلؤم واللآمة ولئيم.
وقالوا: فهم يفهم فهما وهو فهم، ونقه، ينقه نقها وهو نقه.
وقالوا: الفهامة، كما قالوا: الّبابة، وسمعناهم يقولون: ناقة، كما قالوا: عالم. وقالوا:
لبق يلبق لباقة وهو لبق، لأن هذا علم وعقل ونفاذ، فهو بمنزلة الفهم والفهامة ".
وقد ذكر غير سيبويه الفهم بتسكين الهاء، وبه سمّي فهم وعدوان قبيلتان من قيس.
وقالوا: الحذق، كما قالوا: العلم، وقالوا: حذق يحذق، كما قالوا: صبر يصبر.
_________________
(١) قائل الأبيات حارثة بن بدر يوم وقعة دولاب. انظر كتاب الاشتقاق ٢٢٩، وشرح شواهد الشافية:
(٢) ٥٠٤.
[ ٤ / ٤٢١ ]
وقالوا: رفق يرفق رفقا وهو رفيق، كما قالوا: حلم يحلم وحليم.
وقالوا: رفق، كما قالوا: فقه، وقالوا: عقل يعقل عقلا وهو عاقل، كما قالوا: عجز يعجز وهو عاجز، أدخلوه في باب عجز يعجز، لأنه مثله في أنه لا يتعدى.
وقالوا: رزن رزانة (وهو رزين) ورزينة. وقالوا للمرأة: حصنت حصنا وهي حصان، وجبنت جبنا وهو جبان، وإنما هذا كالحلم والعقل. وقالوا: حصنا،
كقولهم: جبنا، وقالوا لها أيضا: ثقال ورزان. وقالوا: صلف يصلف صلفا، وصلف، وفهم فهما، وفهم. وقالوا: رقع رقاعة، كقولهم: حمق حماقة؛ لأنه مثله في المعنى، وقالوا: الحمق، كما قالوا: الحصن، (وقالوا أحمق) وفي بعض النسخ كما قالوا: الجبن.
وقالوا: أحمق، كما قالوا: أشنع. وقالوا: خرق خرقا، وأخرق،
وقالوا: النّواكة، وأنوك، وقالوا: استنوك، ولم نسمعهم قالوا نوك، كما لم يقولوا فقر.
يريد أن أنوّك لم يجئ على استنوك، وإنما جاء على نوك وإن كان لم يستعمل، كما لم يستعمل فقر.
وقالوا: حمق في معنى أحمق، كما قالوا: نكد وأنكد.
قال سيبويه: واعلم أن ما كان من التضعيف من هذه الأشياء فإنه لا يكاد يكون فيه فعلت وفعل؛ لأنهم قد يستثقلون فعل والتضعيف، فلما اجتمعا حادوا إلى غير ذلك، وهو قولك: ذلّ يذلّ ذلّا وذلّة وذليل، فالاسم والمصدر يوافق ما ذكرنا. والفعل يجيء على باب جلس يجلس. وقالوا: شحيح والشح كالبخيل والبخل.
وقالوا: شحّ يشح، وقالوا: شححت كما قالوا: بخلت، وذلك لأن الكسرة أخف عليهم من الضمة. ألا ترى أن فعل أكثر في الكلام من فعل، والياء أخف من الواو وأكثر. وقالوا: ضننت ضنّا كرفقت رفقا، وقالوا: ضننت ضنانة كسقمت سقامة "
قال أبو سعيد: حكى سيبويه ضننت تضنّ كعضضت تعضّ، وضننت تضن كقررت تقرّ والأول أفصح. وحكى شحّ يشح مثل قرّ يقرّ، وشححت تشحّ مثل عضضت تعض، والأول أفصح.
قال: وليس شيء أكثر في كلامهم من فعل، ألا ترى أن الذي يخفف عضدا وكبدا لا يخفف جملا "، فتقول جمّل كما تقول: عضد وكبد، وإنما يريد سيبويه بذكر
[ ٤ / ٤٢٢ ]
ما ذكر ثقل الضم في نفسه، وثقله مع التضعيف.
وقالوا: لبّ يلب، وقالوا: اللّب الّلبابة والّلبيب. وقالوا: قلّ يقلّ، ولم يقولوا فيه كما قالوا في كثر وظرف "
يريد لم يقولوا قللت كما قالوا: كثرت استثقالا.
" وقالوا: عفّ يعفّ وهو عفيف، وزعم يونس أن من العرب من يقول:
لببت تلبّ، كما قالوا: ظرفت تظرف، وإنما قلّ هذا لأن الضمة تستثقل فيما ذكرت لك "، يعني في عضد ونحوه.
" فلما صارت فيما يستثقلون فاجتمعا فروا منهما ".
يعني صارت في المضاعف، والأكثر في الكلام لببت تلبّ. قالت صفية بنت عبد المطلب (١) في ابنها الزبير وهو صغير:
أضربه لكي يلبّ وكي يقود ذا اللّجب (٢)
هذا باب علم كل فعل تعداك إلى غيرك
" اعلم أنه يكون كل ما تعداك إلى غيرك على ثلاثة أبنية: على فعل يفعل، وفعل يفعل (وفعل يفعل)، وذلك نحو: ضرب يضرب، وقتل يقتل، ولقم يلقم. وهذه الأضرب تكون فيما لا يتعداك، وذلك نحو: جلس يجلس، وقعد يقعد، وركن يركن، ولما لا يتعداك ضرب رابع لا يشركه فيه ما تعداك نحو: كرم يكرم، وليس في الكلام فعلته متعديا. وضروب الأفعال أربعة يجتمع في ثلاثة: منها ما يتعدى (وما لا يتعدى)، ويبين بالرابع ما لا يتعدى وهو فعل يفعل.
وليفعل أبنية يشترك فيها ما يتعدى وما لا يتعدى: يفعل ويفعل ويفعل، نحو:
يضرب ويقتل ويلقم، وفعل على ثلاثة أبنية، وذلك فعل وفعل وفعل، نحو: قتل ولزم ومكث. فالأولان يشترك فيهما المتعدي وغيره، والآخر لما لا يتعدى كما جعلته لما لا يتعدى حيث وقع جعلته رابعا ".
_________________
(١) هي أخت حمزة بن عبد المطلب لأمه، وابنها الزبير من زوجها العوام بن خويلد، أسلمت وبايعت الرسول وهاجرت إلى المدينة وتوفيت في خلافة عمر بن الخطاب ﵁.
(٢) انظر إصلاح المنطق: ٢١٠، ابن يعيش في شرح الملوكي: ٤٧، اللسان (جلب) والمخصص لابن سيده: ١٤/ ١٥٢.
[ ٤ / ٤٢٣ ]
قال أبو سعيد: جملة هذا الكلام أن الأفعال المتعدية يكون على وزنها ما لا يتعدى، لأن ضرب يضرب يتعدى، وعلى وزنه جلس يجلس لا يتعدى، وقتل يقتل يتعدى، وعلى وزنه قعد يقعد وهو لا يتعدى، ولقم يلقم يتعدى، وعلى وزنه كمد يكمد لا يتعدى.
فهذه الأفعال الثلاثية، ثلاثة اشترك فيها ما يتعدى وما لا يتعدى، وقد انفرد ما لا يتعدى ببناء وهو فعل، ولا يكون مستقبله إلا يفعل، نحو كرم يكرم، وظرف يظرف، فقد صار فعل يفعل بناء رابعا ينفرد به ما لا يتعدى، والماضي من الثلاثي فعل وفعل وفعل، فاشترك المتعدي وغير المتعدي في فعل وفعل، وهو الذي قال سيبويه.
فالأولان يشترك فيهما المتعدي وغير المتعدي، والآخر لما لا يتعدى يعني فعل، ويقرب هذا كله عليك أن تحفظ أن ما كان ماضيه على فعل لا يتعدى البتة.
وذكر سيبويه بعد هذا الفصل إلى آخر الباب ما شذ عن قياسه في المستقبل والماضي، فمن ذلك أربعة أفعال من الصحيح جاءت على فعل يفعل، والقياس في فعل أن يكون مستقبله على يفعل، إلا أنهم شبهوا فعل يفعل بقولهم: فعل يفعل، وذلك قولهم:
حسب يحسب، ويئس ييئس، ويبس ييبس، ونعم ينعم.
قال: " وسمعنا من العرب من يقول:
وهل ينعمن من كان في العصر الخالي (١)
وأنشدوا:
وأعوجّ غصنك من لحو ومن قدم لا ينعم الغصن حتى ينعم الورق (٢)
وقال الفرزدق:
وكوم تنعم الأضياف عينا وتصبح في مباركها ثقالا (٣)
والفتح في هذه الأفعال جيد، وهو أقيس ".
يعني حسب يحسب، ويئس ييأس، يبس ييبس ونعم ينعم.
" وقد جاء في الكلام فعل يفعل (في حرفين)، وذلك: فضل يفضل، ومتّ تموت، وفضل يفضل، ومت تموت أقيس ".
قال أبو سعيد: قد ذكرت فيما مضى من غير سيبويه حضر يحضر بشاهده من
_________________
(١) قائله امرؤ القيس انظر الديوان ص: ٢٧.
(٢) انظر المخصص: ١٤/ ٥٤، المحكم: ٢/ ١٤٠.
(٣) ديوان الفرزدق: ٢/ ٦٩، اللسان (نعم).
[ ٤ / ٤٢٤ ]
الشعر.
قال سيبويه: " وقد قال بعض العرب: كدت تكاد، فقال: فعلت تفعل، كما قالوا:
فعلت أفعل ".
قال: " فكما ترك الكسرة، كذلك ترك الضمة، وهذا قول الخليل، وهو شاذ من بابه، كما أن فضل يفضل شاذ من بابه ".
أي فكما ترك كسرة كدت، كذلك ترك ضمة متّ.
قال: " فكما شركت يفعل يفعل، كذلك شركت يفعل يفعل، وهذه الحروف من فعل يفعل إلى منتهى الفصل شواذ "
يعني سواء في الشذوذ، ومعنى قوله: " كما شركت يفعل يفعل، كذلك شركت يفعل "، يريد: أما شركة يفعل يفعل فقولهم: فضل يفضل، وكان القياس أن يقال يفضل، وشركة يفعل يفعل أنهم قالوا: كدت تكاد، وكان القياس أن تقول: تكود، كما تقول:
قلت تقول.
هذا باب ما جاء من المصادر فيه ألف التأنيث
قال سيبويه: " وذلك قولك: رجعته رجعى، وبشّرته بشرى، وذكّرته ذكرى واشتكيت شكوى، وأفتيته فتيا، وأعداه عدوى والبقيا.
ومعنى البقيا الإبقاء على الشيء، تقول: ما عند فلان بقيا على فلان، أي لا يبقي عليه في مكروه أو غير ذلك، قال:
فما بقيا عليّ تركتماني ولكن خفتما صرد النّبال
" فأما الحذيا فالعطيّة، والسّقيا ما سقيت، والدّعوى ما أدّعيت.
وقال بعض العرب: اللهم أشركنا في دعوى المسلمين " أي في دعائهم
" وقال بغر بن النّكث:
ولّت دعواها كثير صخبه
دخلت الألف كدخول الهاء "
جعل سيبويه ما ذكره مصادر مؤنثه بالألف، كما يكون المصدر مؤنثا بالهاء
كقولك: العدة والزنة والركبة والجلسة وغير ذلك. وأما الحذيا والسّقيا فمصدران في الأصل مثل الفتيا والرّجعى، وإن كان قد وقعا على المفعول؛ لأن المصدر قد يقع على المفعول كقولهم: درهم ضرب في معنى
مضروب، وأنت رجائي في معنى مرجوّي. واللهم
[ ٤ / ٤٢٥ ]
أغفر لنا علمك فينا أي معلومك من ذنوبنا. وأما الدّعوى فقد تكون الشيء المدّعى مثل الحذيا ومثل السّقيا، وقد تكون الكلام الذي هو دعاء، وقوله: كثير صخبه فأدخلوا الهاء في صخبه لدعواها، والدعوى مؤنث؛ وذكّره لأنه أراد دعاءها. وقالوا: الكبرياء للكبر.
قال سيبويه: " وأما الفعيلى فتجيء على وجه آخر، تقول: كان بينهم رمّيّا، فليس يريد رميا، ولكنه يريد ما كان بينهم من الترامي وكثرة الرّمي، ولا يكون الرّمّيا واحدا، وكذلك الحجّيزى. وأما الحثيثى فكثرة الحثّ، كما أن الرّميّا كثرة الرّمي، ولا يكون من واحد "
يعني ما ذكره من الرّميا والحثّيثى والحجّيزى، وقد يكون من هذا الوزن ما يكون لواحد.
قالوا: الدّلّيلى يراد به كثرة العلم بالدّلالة والرسوخ فيها، وقالوا:
القتّيتى " وهي النّميمة " والهجّيرى: كثرة القول والكلام ".
وقال " أبو الحسن: الاهجيرى، وهو كثرة كلامه بالغي يردده، ويروى أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لولا الخلّيفى لأذّنت، يعني الخلافة وشغلنه بحقوقها والقيام بها على مراعاة الأوقات التي يراعيها المؤذنون. وفعّيلى عند النحويين والذين حكوا عن العرب مقصور كله، ولا يعرف فيه المدّ، إلا ما حكي عن الكسائي أنه سمع خصيّصا قوما، والأمر بينهم فيضوضاء، بالمد والقصر، والفيضوضاء الأمر المشترك بين القوم، وأجاز قياسا على هذا في جميع الباب المد والقصر، وخالفة الفراء في ذلك، ولا نعلم واحدا قال ما قاله.
هذا باب ما تجيء فيه الفعلة تريد بها ضربا من الفعل
قال سيبويه: " وذلك قولك: هو حصن الطعمة، ومثله قتلة سوء، وبئست الميتة وإنما تريد الضرب الذي أصابه من القتل والذي هو عليه من الطّعم، مثل الركبة والجلسة والقعدة، وقد تجيء الفعلة لا يراد بها هذا المعنى، وذلك نحو: الشدّة والشعرة والدرّة "
قال أبو سعيد: اعلم أن الفعلة قد تجيء على ضربين: أحدهما للحال التي عليها المصدر، ولا يراد بها العدد، كقولنا: فلان حسن الرّكبة والجلسة، يراد بذلك أنه متى ركب كان ركوبه حسنا، وإذا جلس كان جلوسه حسنا في أوقات ركوبه وجلوسه، وأن ذلك عادته في الركوب والجلوس، وحسن الطّعمة، أي ذلك فيه موجود لا يفارقه، والوجه
[ ٤ / ٤٢٦ ]
الآخر أن يكون مصدرا كسائر المصادر، لا يراد حال الفاعل في فعله، كقولك: درى فلان درية، ولفلان شدّة وبأس، وشعر فلان بالشّعر شعرة.
قال سيبويه: " وقالوا: ليت شعري في هذا الموضع استخفافا ".
والأصل عنده (ليت شعرتي)، يريد به معنى علمي ومعرفتي، وما أشعره، وأسقطت الهاء لكثرة استعمالهم، وأنه صار كالمثل حتى لا يقال: ليت علمي، وصار بمنزلة قولهم: ذهب فلان بعذرة امرأته إذا افتضّها، ثم يقال للرجل إذا بنى بالمرأة:
هذا أبو عذرها، فيحذفون الهاء؛ لأنه صار مثلا.
ويقولون: تسمع بالمعيديّ لا أن تراه، وهو تصغير معدّيّ، بتشديد الدال، وكان حكمه معيّديّ، بتشديد الدال والياء، فخففوا الدال لأنه مثل. وتجيء فعلة مصدرا لما كان فاء الفعل منه واوا، كقولهم: وزن وزنا وزنة، ووعد وعدا وعدة، ووثق به ثقة، وأصله وزنة ووعدة ووثقة.
وتقول: هو بزنته، تريد أنه بقدره، ويقال: العدّة، كما يقال: القتلة والضّعة والقحة، ويقولون: وقاح بيّن القحة، لا تريد شيئا من هذا، كما تقول: الشدة والدّرية والرّدّة، وأنت تريد الارتداد.
يريد أن القحة مصدر لا تريد به حال الفعل، بل يكون بمنزلة الشدة والدّرية، وأنشد بيتا فاسدا ذكر أن المازني لم يحسن أن يقرأه وهو:
فرحن ورحت إلى قليل ردّتي إلا أمامي
ولم أعلم أن أحدا يرويه، وهو مكسور ناقص، فاستدللت منه على ما لو جعل تماما له لم يبعد ولم يخرج عما دل عليه بقية البيت وهو:
فرحن ورحت منه إلى ثقال قليل ردّتي إلا أمامي (١)
كأن قائل هذا الشعر شيخ قد كبر، فإذا ركب لم يمكنه أن يردّ ما يركبه إلى خلفه لعجزه، والثّقال: البطيء الذي لا ينبعث، فإذا لم يرجع إلى خلفه وهو على ثقال، فهو إذا كان على غيره أبعد من الرجوع.
قال سيبويه: " وإذا أردت المرة الواحدة (من الفعل) جئت به أبدا على فعلة على
_________________
(١) انظر المخصص: ١٤/ ١٥٨ - ١٥٩، لأن القحة مصدر لا تريد به حال الفعل، بل يكون بمنزلة الشّدّة والدّرية.
[ ٤ / ٤٢٧ ]
الأصل؛ لأن الأصل فعل، فإذا قلت: الجلوس والذّهاب وغير ذلك فقد ألحقت زيادة ليست من الأصل، ولم تكن في
الفعل، وليس هذا الضرب من المصادر لازما بزياداته لباب فعل كلزوم الإفعال والاستفعال ونحوهما لأفعالهما، فكان ما جاء على فعل فأصله عندهم الفعل، فإذا جاءوا بالمرة جاءوا بها على فعلة، كما جاءوا بتمرة على تمر، وذلك قولك: فعدت قعدة وأتيت أتية "
قال أبو سعيد: واعلم أن أصل المصدر في الفعل الثلاثي فعل، بفتح الفاء وتسكين العين، وإن نطق بغيره أو زيد فيه زيادات. واستدلّ سيبويه أنه قد يقال في المرة الواحدة فعلة، وإن كان في المصدر زيادة، كقولهم: جلست جلسة، وقمت قومة، وشربت شربة.
والمرة الواحدة إذا كانت بالهاء، فالباب في الجنس أن يكون بطرح الهاء من ذلك اللفظ، كقولهم: تمرة وتمر وجمرة وجمر، وكان الأصل أن تقول جلس جلسا، وقعد قعدا؛ لأن الواحدة قعدة وجلسة، ولكنهم تصرفوا في مصادر الثلاثي، فزادوا وغيّروا، كالجلوس والذّهاب والقيام. وما كان فيه الزيادات من الأفعال الثلاثية، أو كان على أكثر من ثلاثة أحرف، فالمصدر لا يتغير كالأفعال في مصدر أفعل، كقولهم: أكرم إكراما، وأمضى إمضاء، والاستفعال في مصدر استفعل، كقولك: استغفر استغفارا، واستخرج استخراجا.
وقد يزيدون الهاء على المصدر الذي فيه الزيادة، يريدون به مرة واحدة.
تقول: أتيته إتيانة، ولقيته لقاءة واحدة، فجاءوا به على المصدر المستعمل في الكلام كما قالوا: أعطى إعطاء، واستدرج استدراجا.
وما كان من الفعل على أكثر من ثلاثة أحرف، فالمرة الواحدة بزيادة الهاء على مصدره المستعمل لا غير، كالاستغفار والإعطاء والتكسير، يراد بذلك كله مرة واحدة.
وقالوا: غزاة، فأرادوا عمل وجه واحدا كما قيل: حجّة تريد عمل سنة، ولم يجيئوا به على الأصل.
يريد أنه كان حقه أن يقول للمرة الواحدة: غزوة وحجّة، ولكنه جعل اسما لعمل سنة واحدة في الحجّ، وغزوة في وجه واحد.
" وقالوا: قنمة، وسهكة، وخمطة، جعلوه اسما لبعض الريح، كالبنّة والشّهدة والعسلة، ولم يرد به فعل فعلة "
يعني أن القنمة اسم للرائحة الموجودة في الوقت، والخمطة: تغيّر الشراب إلى الحموضة، والبنّة: رائحة موضع الغنم وأبعارها.
[ ٤ / ٤٢٨ ]
هذا باب نظائر ما ذكرنا من بنات الياء والواو التي الياء والواو منهن في موضع اللامات
قال سيبويه: " قالوا: رميته رميا وهو رام، كما قالوا: ضربته ضربا وهو ضارب، ومثل ذلك مراه يمريه مريا،
وطلاه يطليه طليا، وهو مار وطال، وغزاه يغزوه غزوا وهو غاز، ومحاه يمحوه محوا وهو ماح، وقلاه يقليه قليا وهو قال، وقالوا: لقيته لقاء، كما قالوا: سفدها سفادا، وقالوا: اللّقيّ، كما قالوا: النّهوك ".
يريد أن وزن اللّقيّ فعول، وأصله لقوي، وقلبت الواو ياء لسبقها بالسكون.
وقالوا: قليته فأنا أقليه قلى، كما قالوا: شريته شرى. وقد جاء في هذا الباب المصدر على فعل، قالوا: هديته هدى، ولم يكن هذا في غير هدى، وذلك لأن الفعل لا يكون مصدرا في هديت، فصار هدى عوضا منه.
قال أبو سعيد: اعلم أن فعلا يقلّ في المصادر، وكلام سيبويه ظاهره يوجب أنه لم يأت مصدر على فعل غير هدى. وللقائل أن يقول: قد وجدنا تقى وسرى وسلى فيمن قصر، وقد تكلم النحويون فيه، فذكر عن المبرد أنه قال: وإن تقى تعل، وأن التاء زائدة وفاء الفعل محذوفة، وذلك أن العرب يقولون في موضع اتقى يتقي بفتح التاء من (تقى يتقي)، وذلك أنهم يحذفون التاء الأولى الساكنة التي هي بدل (من الواو في وقيت)، فإذا حذفوها وليت ألف الوصل التاء الثانية المتحركة فسقطت، فصار تقى، وصار في المستقبل يتقي، فإذا أمرت قلت: تق ربك يا زيد، وللمرأة: تقي ربك يا هند، وبعض الناس يظن أنه يقال: تقى يتقي بسكون التاء، ولو كان كما ظن لكان بمنزلة رمى يرمي، ولكان الأمر منه اتق يا زيد، كما تقول: ارم يا زيد، وكلام العرب على ما ذكرناه أولا، قال الشاعر:
زيادتنا نعمان لا تنسينّها تق الله فينا والكتاب الذي تتلو (١)
وقال آخر:
تقوه أيّها الفتّيان إنّي رأيت الله قد غلب الجدودا (٢)
_________________
(١) قائله خداش بن زهير، انظر: إصلاح المنطق ص: ٢٤، وسر صناعة الإعراب: ١/ ٢٠٩ - ٢١٠.
(٢) الشاهد في قوله: (تقوه) يريد (اتقّوه)، فبني الأمر على المخفف بحذف إحدى التاءين مع الألف. في النوادر ص: ٤، " ويروى: غلب الجنودا ".
[ ٤ / ٤٢٩ ]
وقال آخر (في المتصل):
جلاها الصّيقلون فأخلصوها فجاءت كلّها يتقي بأثر (١)
فمذهب أبي العباس أن فاء الفعل سقطت في المصدر كسقوطها في الفعل، وأن الباقية هي تاء افتعل، فلهذا وزنه يتعل.
وقال أبو إسحاق الزجاج: هو فعل، وكان يقول: إن تقي مخفف من اتّقى يتّقي، وهو متعد، وكان يزعم أن سيبويه
إنما قال في هدى: إنه لم يجئ غيره، يرد في الفعل المتعدى، وأن سرى مصدر فعل لا يتعدى، والذي قاله غير معروف؛ لأنه لا يعرف تقى يتقي، ولا يؤمر منه باتق، كما يقال: ارم. وبكى فيه لغتان: المد والقصر، وكأن القصر تخفيف، والأصل المد لأنه صوت، والصوت بابه أن يجيء على فعال في المصادر. وقد مضي الكلام على نحو ذلك.
ومعنى قول سيبويه: " وذلك لأن الفعل لا يكون مصدرا في هديت " معناه وذلك:
في هديت، يعني وهدى في هديت خاص؛ لأن الفعل بلغت معه، فصار هدى عوضا من الفعل؛ لأن الفعل يكثر في المصادر.
وقال: قليته قلى، وقريته قرى، فأشركوا بينهما.
يعني بين فعل قلى، وبين فعل في هدى، فصار هذان البناءان عوضا من الفعل في المصدر؛ لأن الأصل الفعل، وكان حقه أن يقال في الأصل: هديته هديا، وقليته قليا، وقريته قريا.
فدخل كل واحد منهما في صاحبه، كما قالوا: كسوة وكسا، وجذوة وجذا وصّوة وصوى، والصّوّة حجارة تجمع وتجعل علامة في الطريق.
وفعل وفعل أخوان؛ لأنك إذا جمعت فعلة قلت: فعل، وإذا جمعت فعلة قلت: فعل، فلم تزد على فتح الثاني فيهما، وكذلك إذا جمعتهما بالتاء جاز في كل واحد منهما ثلاث لغات: الإتباع وفتح الثاني وتسكينه، تقول في ظلمة: ظلمات وظلمات وظلمات، وفي كسرة: كسرات وكسرات وكسرات، فهما يجريان مجرى واحدا. وفي المعتل يقال: رشوة ورشا، ورشوة ورشا، وكذلك في جذوة، وفي كسوة.
" وقالوا: شريته شرى، ورضيته رضى، فالمعتل يختص بأشياء، وستراه فيما
_________________
(١) انظر إصلاح المنطق ص: ٢٣، والمخصص: ١٤/ ١٦٠، والنظائر: ١/ ١٠٨.
[ ٤ / ٤٣٠ ]
يستقبل إن شاء الله "
فاختصاص المعتل الذي ذكره سيبويه أن فعل يقل في مصادر غير المعتل، وقد كثر المعتل، وفعل لا يوجد في غير المعتل.
قال: " وقالوا: عتا يعتو عتوا، ودنا يدنو دنوّا، وثوى يثوى ثويّا، ونمى ينمي نماء، وبدا يبدو بداء، ونثا ينثو نثاءا، وقضي يقضي قضاء ".
وذكر بعد هذا بدا ونثا، بالقصر.
قال: " وإنما كثر الفعال في هذا كراهية الياءات والواوات مع الضمة ".
يريد أنهم عدلوا عن فعول إلى فعال؛ لأنهم لو جاءوا به على فعول قالوا: بدا بدوّا، ونثا نثوّا، وقضي قضيّا، كما قالوا: ثوي ثويّا، ودنا دنوّا، على أن الفعال جاء في غير المعتل، نحو: الذّهاب والصّواب والثّبات.
وقالوا: جرى جريا، كما قالوا: سكت سكتا، وقالوا: زنى زنا، وسرى يسرى سرى، والتّقى، فصارتا عوضا من فعل أيضا، فعلى هذا يجري الفعل المعتل الذي حرف الاعتلال منه لام "
وقد جاء المد في زناء وشراء؛ لأنه فعل يقع من الاثنين، كل واحد منهما مثل فعل الآخر، فصار بمنزلة ضاربته ضرابا، وقاتلته قتالا (فاعرف ذلك إن شاء الله).
قال سيبويه: " وقالوا: قوم غزّى وبدّى وعفّى، كما قالوا: ضمّر وشهّد وقرّح، وقالوا: السّقاء والجنّاء، كما قالوا: الجلّاس والعبّاد والنسّاك "
قال أبو سعيد: ذكر سيبويه جمع الفاعل في هذا الموضع، وليس بباب له شاهدا على ما مر من المصادر مقصورا وممدودا، كقولهم: بدا وبداء، وما جاء على فعل وفعال، فالفعل نحو: الحلب والسّلب، والفعال نحو: الذّهاب والثّبات، ومثله من أسماء الفاعلين فعّل وفعّال، بثبات الألف قبل آخره وسقوطها، والجنّاء مصدر الجاني الذي يجني الثّمرة، بتشديد النون.
قال: " وقالوا: بهو يبهو بهاء وهو بهيّ، وسرو يسرو سروّا، وهو سرىّ، كما قالوا:
ظرف يظرف ظرفا، وهو ظريف، وقالوا: بذو يبذو بذاء وهو بذيّ، كما قالوا: سقم سقاما وهو سقيم.
وبعض العرب يقول: بذيت كما تقول شقيت، ودهوت وهو دهيّ، والمصدر الدّهاء، كما تقول: سمح سماحا، وقالوا: داه، كما قالوا: عاقل، ومثله في اللفظ عقر وهو
[ ٤ / ٤٣١ ]
عاقر.
وقد مضى الكلام على فعل وهو فاعل.
" وقالوا: دها يدهو وداه، كما قالوا: عقل وعاقل، وقالوا: دهيّ كما قالوا: لبيب.
ثم ذكر المعتل العين، والذي مضى المعتل اللام، فقال:
تقول: بعته بيعا وكلته كيلا، وسقته سوقا، وقلته قولا، وقالوا: زرته زيارة، وعدته عيادة، وحكته حياكة، أرادوا الفعول ففروا إلى هذا كراهية الواوات والضمات، ومع هذا أنهم قالوا في الصحيح: عبد عبادة وعمر عمارة. ولو
أتوا به على فعول لقالوا: زرته زؤورا، وعدته عؤودا.
وقد جاء مثل ذلك على استثقاله. وقد ذكر سيبويه في آخر الباب، وهو سرته فأنا أسوره سؤورا، ومعناه سرت إليه، أي ارتفعت إليه.
وقالوا: غار يغور غؤورا إذا غاب، قال الأخطل:
لمّا أتوها بمصباح ومبزلهم سارت إليهم سؤور الأبجل الضّاري (١)
وقالوا: خفته فأنا أخافه خوفا وهو خائف، كما يقال: لقمته ألقمه لقما وهو لاقم، وهبته أهابه هيبة وهو هائب، كما قالوا: خشيته خشية وهو خاش، وقالوا: رجل خاف.
وأصله خوف، فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وخوف بمنزلة فزع وفرق والمعنى واحد.
" وقالوا: ذمته أذيمه ذاما، وعيبته أعيبه عابا، كما تقول: سرقه سرقا "
وزن الذّام والعاب فعل. وسؤته سوءا، وقتّه قوتا (وقد قال قبل هذا: قتّه قوتا) في المصدر، وجعل القوت اسما لما يقتات.
وعفته عيافة فأنا أعافه، وهو عائف. وقالوا: غابت الشمس تغيب غيوبا، وبادت تبيد بيودا، وقام يقوم قياما، وصام يصوم صياما كراهية للفعول لو قلت: قؤوما وصؤوما، ونظيره من الصحيح نفر نفارا.
وقالوا: آبت الشمس إيابا، وقال بعضهم: أؤوبا، كما قالوا: الغؤور والسّؤور، ونظيرها من غير المعتل الرجوع، ومع هذا أنهم أدخلوا الفعال يعني في الصحيح.
فقالوا: النّفار والنّفور، وشبّ شبابا وشبوبا، فهذا يكثر نظيره من العلة، وقالوا:
_________________
(١) انظر المخصص: ١٤/ ١٦٣.
[ ٤ / ٤٣٢ ]
ناح ينوح نياحة، وقاف يقوف قيافة، وصاح صياحا، وغابت الشمس غيابا، كراهية للمفعول في بنات الياء.
وقد ذكر الغيوب والبيود على استثقالهم إيّاه.
وقالوا: دام يدوم دواما، وهو دائم، وزال يزول زوالا وهو زائل، وراح يروح رواحا وهو رائح، كراهية للفعول. وقالوا: حاضت المرأة حيضا، وصامت المرأة صوما، وحال الرجل حولا، كما تقول: سكت سكتا، وعجز عجزا. وقالوا: لعت تلاعا لاعا، وهو لاع، كما قالوا: جزع جزعا وهو جزع. وقالوا: دئت تداء داء وهو داء، فاعلم.
وقالوا: وجع يوجع وجعا وهو وجع. وقالوا: لعت وهو لائع مثل بعت وهو بائع، ولاع أكثر.
هذا باب نظائر بعض ما ذكرناه من بنات الواو التي فيهن فاء
قال سيبويه: " تقول: وعدته أعده وعدا، ووزنته أزنه وزنا، ووأدته أئده وأدا "، والوأد: قتل البنات.
كما قالوا: كسرته أكسره كسرا، ولا يجيء في هذا الباب يفعل.
لأنهم استثقلوا الواو مع الياء، وكان أصله يوعد ويوزن.
قال: " والدليل على استثقالهم الياء مع الواو أنهم يقولون: ياجل وييجل في يوجل ".
فحذفوا الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، وألزموا هذا الباب يفعل إذا كان الماضي على فعل؛ لأنهم إذا حذفوا الواو كانت الياء مع كسرة أخف من الياء مع ضمة، والياء مع الواو والكسرة في تقدير ياعد الذي هو يعد أخف من الياء والواو والضمة في يوعد ويوزن لو جاء على يفعل، فصرفوه إلى يفعل، وحذفوا الواو لوقوعها بين ياء وكسرة. والكوفيون يقولون: إن الواو سقطت فرقا بين ما يتعدى وبين ما لا يتعدى من هذا الباب. فما يتعدى منه فنحو: وعده يعده، ووزنه يزنه، ووقمه يقمه، وما لا يتعدى نحو قولنا: وجل يوجل، ووحل يوحل، ووهم يوهم، والذي قالوه من ذلك باطل من غير وجه، من ذلك أن ما جاء على فعل يفعل من هذا الباب تسقط واوه، وإن كان لا يتعدى، وذلك كثير، كقولنا:
وكف يكف، ووجب القلب يجب، وونم الذباب ينم إذا ذرق، ووخد البعير يخد ووجد عليه في الموجدة يجد، وهو أكثر من أن يحصى. ومن الدليل أيضا على ذلك أنّا رأينا بعض الأفعال من هذا الباب يجيء مستقبله على يفعل ويفعل، وكان يفعل منه بإثبات
[ ٤ / ٤٣٣ ]
الواو، ويفعل بإسقاطها.
وقالوا: وحر صدره على يحر، ووغر يغر، وقالوا: يوغر ويوحر، فأثبتوا الواو في يفعل، وأسقطوها في يفعل. فوضح بذلك أن سقوط الواو في يعد ويزن من أجل وقوعها بين ياء وكسرة لا من أجل التعدي. فإن قال قائل: فإذا كان سقوط الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، فلم أسقطوها من يهب ويضع ويطأ ويقع؟
قيل: الأصل في ذلك يفعل، وكان يوهب ويوضع ويوطيء ويوقع، ووطيء يوطيء منه على فعل يفعل، نحو: حسب يحسب، وفي المعتل: وثق يثق، فسقطت الواو منه لوقوعها بين ياء وكسرة، فصار يهب ويطيء ويضع ويقع، ثم فتح من أجل حرف الحلق، كما قالوا: صنع يصنع، وقرأ يقرأ من أجل حرف الحلق، وما لم يكن فيه حرف الحلق في موضع عينه أو لامه لم نجز فيه ذلك.
فإن قال قائل: إذا قلتم إن الواو تسقط لوقوعها بين ياء وكسرة استثقالا لذلك فهلا أسقطتموها لوقوعها بين ياء وضمة استثقالا لذلك، وهي أثقل في قولك: وضؤ يوضؤ، ووسم يوسم إذا صار وسيما، ووقح الحافر يوقح؟
قيل له: إنما أتموا هذا الباب لأنه لزم طريقا واحدا لا يمكن فيه التغيّر في وزنه، فلما ألزموه ذلك ألزموا التمام فيه، وهو أن باب وعد ووزن هو على فعل، وفعل يجيء مستقبله على يفعل ويفعل، فاقتصروا على يفعل منه لما ذكرنا من العلة، فكان اقتصارهم على يفعل تغيّرا لما يوجبه القياس في مستقبل فعل، فحملهم التغيير في ذلك على أن حذفوا الواو أيضا، وهو تغيير أيضا آخر لما فيه من الاستثقال، فكأنهم أتبعوا التغيير التغيير، وهذا التغيير يسلكه سيبويه كثيرا.
وأما قولهم: وسم يوسم فإنه على فعل، ويلزم مستقبل فعل يفعل، فلما لم يغيّر مستقبله الذي هو واجب في الصحيح في مثل: ظرف وكرم لم تحذف الواو منه؛ لأن الأصل هو يفعل فيه، وإن ثبتت الواو، فلما لم يغيّر أحدهما لم يغيّر الآخر. ومما يقوي ذلك أن فعل لا يأتي مستقبله إذا كان في موضع عينه أو لامه حرف من حروف الحلق فيجعل على يفعل، كما يجعل ما كان ماضيه على فعل.
فإن قال قائل: فقد تقع الواو بين ياء وكسرة في مثل يوقن ويوصل فهلا حذفت؟
فالجواب فيه نحو ما ذكرنا أن مستقبل أفعل لا يتغير عن يفعل، كما أن مستقبل فعل لا يتغير عن يفعل، ومع ذلك فإن الواو الساكنة إذا كان قبلها ضمة كالإشباع للضمة، والاستثقال لها أقل.
[ ٤ / ٤٣٤ ]
وقد ذكر سيبويه أن من العرب من يقول: يجد، وذلك قليل، وحذفوا الواو من يجد؛ لأن الأصل فيه يجد، فسقطت الواو من أجله.
" وقالوا: ورم يرم، وورع يرع ورعا وورما، ويورع لغة، ووغر صدره يغر، ووحر يحر وحرا ووغرا، ويوغر ويوحر أكثر، وولي يلي، ووثق يثق، وومق يمق، وورث يرث "
وقد كثر في المعتل من هذا الباب فعل يفعل على قلته في الصحيح. والسبب في ذلك كراهتهم الجمع بين ياء وواو لو قالوا: ولي يولي، ووثق يوثق، فحللوه على بناء تسقط فيه الواو، وما كان من الياء فإنه لا تسقط منه الياء، لوقوعها بين ياء وكسرة، كقولهم يئس ييئس، وييس ييس ويسر ييسر من الميسر، ويمن ييمن من اليمن؛ لأن الياء أخف من الواو؛ لأنهم يفرون من الواو إلى الياء، ولا يفرون من الياء إلى الواو، فلما كانت الياء أخف سلّموه إذ كانت فاء الفعل.
ومن العرب من يجري الياء مجرى الواو وهو قليل، فيقول: يئس يئس، والأصل فيه ييئس، فسقطت الثانية منه
لوقوعها بين ياء وكسرة كسقوط الواو في يعد ويزن.
هذا باب افتراق فعلت وأفعلت
قال سيبويه: " تقول: دخل وخرج وجلس، فإذا خبّرت أن غيره صيره إلى شيء من هذا قلت: أدخله وأخرجه وأجلسه، وتقول: فزع وأفزعته، وخاف وأخفته، وجال وأجلته. فأكثر ما يكون إذا أردت أن غيره أدخله في ذلك يبنى الفعل منه على أفعلت، ومن ذلك أيضا مكث وأمكثه. وقد يجيء الشيء على فعّلت فيشرك أفعلت، كما أنهما قد يشتركان في غير هذا. وذلك قولك: فرح وفرّحته، وإن شئت قلت أفرحته، وغرم وغرمته وأغرمته إن شئت، كما تقول فزّعته وأفزعته، وقالوا: ملح وملّحته، وسمعنا من العرب من يقول: أملحته، كما تقول: أفزعته. وقالوا: ظرف وظرّفته، ونبل ونبّلته، ولا يستنكر أفعلت فيهما، ولكن هذا أكثر، واستغني به. ومثل أفرحته وفرّحته أنزلت ونزّلته، قال الله ﷿: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً (١)، وكثّرهم وأكثرهم. ويدخل في ذلك عرف زيد أمره وعرّفت زيدا أمره ".
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ٣٧.
[ ٤ / ٤٣٥ ]
قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الباب يسمى باب نقل الفعل عن فاعله وتصييره مفعولا، وذلك أن الفعل الثلاثي إذا أردت أن تجعل الفاعل فيه مفعولا جئت بفاعل أدخلته في ذلك الفعل، فيصير مفعولا، وعلامة نقل الفعل أن تزيد همزة في أوله، أو تشدّد عين الفعل، وزيادة الهمزة في أوله أكثر وأعمّ، فإن كان الفعل غير متعد تعدى إلى واحد، كقولك: ذهب زيد، وأذهب عمرو زيدا، وجلس زيد، وأجلس عمرو زيدا. وإن كان الفعل متعديا إلى مفعول صار بالنقل متعديا إلى مفعولين؛ لأن فاعله يصير مفعولا، كقولك: لبس الثوب، وألبست زيدا الثوب، ودخل زيد الدار، وأدخل عمرو زيدا الدار.
وإن كان متعديا إلى مفعولين تعدى بالنقل إلى ثلاثة، ولا يكون أكثر من ذلك، وذلك قولك: علم عمرا خارجا، ثم تقول: أعلم الله زيدا عمرا خارجا، وقد يجوز أن يكون الفعل يصير فاعله مفعولا على غير لفظ النقل الذي ذكرته لك، وذلك قولك: زاد مالك، وزاد الله مالك، وشحا فوك، وشحا عمرو فا زيد. وقد يجوز أن يدخل أفعل وفعّل على غير وجه النقل، وسنبيّن لك تصرّف وجوه ذلك من كلام سيبويه إن شاء الله.
قال سيبويه: " فأما طردته فنّحيته، وأطردته جعلته طريدا "
يعني أن أطردته ليس بنقل لطردته، " وطردت الكلاب الصيد، أي جعلت تنحيّه.
ويقال: طلعت أي بدوت وطلعت الشمس أي بدت، وأطلعت عليهم أي هجمت عليهم، وشرقت الشمس بدت وأشرقت: أضاءت، وأسرع: عجل، وأبطأ: احتبس. وأما سرع وبطؤ فكأنهما غريزة كقولهم: خفّ وثقل، ولا تنفذهما إلى شيء، كما تقول: طوّلت الأمر وعجّلته. يعني أن أسرع وأبطأ لا يتعديان، وإن كانا على أفعل، ثم فضّل بينهما وبين سرع وبطؤ وإن كان ذلك كله لا يتعدى بأن قال: " سرع وبطؤ كأنهما غريزة "، أي صار طبعه الإسراع والإبطاء، وفي أسرع وأبطأ ليس بطبع. وقوله: " ولا تنفذهما إلى شيء " يعني لا يتعدى أسرع وأبطأ، كما يتعدى طوّلت الأمر وعجّلته.
" ويقولون: فتن الرجل وفتنته، وحزن وحزنته، ورجع ورجعته، وزعم الخليل أنك حيث قلت فتنته وحزنته لم ترد أن تقول: جعلته حزينا، وجعلته فاتنا، كما أنك حين قلت أدخلته وجعلته داخلا، ولكنك أردت أن تقول: جعلت فيه حزنا وفتنة فقلت: فتنته، كما قلت: كحلته جعلت فيه كحلا، ودهنته جعلت فيه دهنا "
قال أبو سعيد: مذهب سيبويه أن أفعلته الذي للنقل معناه جعلته فاعلا للفعل الذي كان له، أي صيّرته فاعلا، وفعلته أي جعلت فيه ذلك الفعل. فإذا قلت: أدخلته أي جعلته
[ ٤ / ٤٣٦ ]
داخلا. وإذا قلت ضربته أي جعلت فيه ضربا، وإذا قلت: بنيته جعلت فيه بناء، وإذا قلت: أبنيت زيدا الدار معناه جعلته بانيا لها، وكذلك قالوا: فتنت الرجل وأفتنته، فمن قال فتنته أراد جعلت فيه فتنة، ومن قال أفتنته أي جعلته فاتنا. يقال: فتن الرجل فهو فاتن، ويسمّي سيبويه النقل الذي قدمنا ذكره التغيير، ولذلك قال في فتنته وكحلته وحزنته:
" لم ترد بفعلته هاهنا تغيير قوله حزن وفتن "، يعني نقله على ما ذكرته لك.
" ولو أردت ذلك لقلت أحزنته وأفتنته، وفتن من فتنته كحزن من حزنته. ومثله شتر الرجل وشترت عينه، فإذا أردت تغيير شتر لم تقل إلا أشترته، كما تقول: فزع وأفزعته، وإذا قال: شترت عينه لم يعرض لشتر الرجل، وإنما جاء ببناء على حدة، كأنه قال: جعلت فيه شترا، كما أنك إذا قلت: طردته وأطردته فهما مختلفان، ومثل ذلك: عورت عينه وعرتها ليس بتغيير عورت عينه. وقد قالوا حين أرادوا التغيير والنّقل: أعورت عينه، ومثل ذلك: سودت وسدت غيرى، أي سودته، " وقال نصيب:
سودت فلم أملك سوادي وتحته قميص من القوهيّ بيض بنائقه (١)
وقال بعضهم: سدت يريد فعلت "
تحصيل هذا أنه يقال: اسواددت واسوددت وسودت وسدت بمعنى واحد، وذلك كله غير متعد، يقال من سدت: ساد
يسود في معنى اسودّ يسودّ، فإذا أردت المتعدي جاز أن تقول: سدته وسوّدته، فأما سدته فجعلت فيه سوادا، وأما سوّدته فجعلته أسود.
" وقالوا: عوّرته، كما قالوا: فرّحته، وقالوا: جبرت يده وجبرتها، وركضت الدابة وركضتها، ونزحت الرّكيّة ونزحتها، وسار الدابة وسرتها. وقالوا: رجس الرجل ورجسته، ونقص الدرهم ونقصته " وبعض العرب يقولون: رجس، " وغاض الماء وغضته "
وقد ذكرنا نحو هذا، والمتعدى منه ليس على طريق النقل والتغيير لما لا يتعدى، ولكن على معنى جعلت ذلك الفعل فيه.
قال: " وقد جاء فعّلته إذا أردت أن تجعله مفعلا، وذلك: فطّرته فأفطر، وبشّرته فأبشر، وهذا النحو قليل ".
_________________
(١) البيت لنصيب بن رباح، البيت في ديوانه ص ١١٠، وانظر سيبويه: ٢/ ٢٣٤، والمخصص: ١٤/ ١٦٨.
[ ٤ / ٤٣٧ ]
ومعنى ذلك أنه جعل فعّلته نقلا لأفعلت، والباب أن يكون نقلا لفعلت، كما يقال:
عرف وعرّفته، ونبل ونبّلته، وفرح وفرّحته.
قال: " وأما خطّأته فإنما أردت سمّيته مخطئا، كما أنك حيث قلت: فسّقته وزنّيته، أي سمّيته بالزّنى والفسق، كما يقال حيّيته، أي استقبلته بحياك الله، كقولك: سقّيته ورعّيته، أي قلت سقاك الله ورعاك الله ".
فالباب فيما نسبته إلى الشيء أن يكون على فعّلت، كقولك: لحّنته وخطّأته، وصوّبته وجهّلته، ومثله ما يدعي به له أو عليه، كقولك:
" جدّعته وعقّرته، أي قلت له: جدعك الله وعقرك، وأفّفت به، أي قلت له:
أفّ. وقالوا: أسقيته في معنى سقّيته، تعني به الدعاء له. فدخلت أفعلت على فعّلت، كما تدخل فعّلت عليها.
يريد أن الباب في نقل الفعل وتغييره أفعلت، وقد استعملوا فيه فعّلت، كفرّجت وفزّعت، والباب في الدعاء والتسمية فعّلت، وقد أدخلوا عليه أفعلت، فقالوا: سقّيته في معنى دعوت له بالسّقيا. قال ذو الرمة:
وقفت على ربع لميّة ناقتي فما زلت أبكي حوله وأخاطبه
وأسقيه حتى كاد ممّا أبثّه تكلّمني أحجاره وملاعبه (١) "
قال سيبويه: " ويجيء أفعلته على أن تعرضه لأمر وذلك أقتلته، أي عرّضته للقتل، ويجيء مثل قبرته وأقبرته، فقبرته دفنته، وأقبرته جعلت له قبرا. ويقال: سقيته فشرب، وأسقيته جعلت له ماء وسقيا.
قال الخليل: سقيته مثل كسوته، وأسقيته مثل ألبسته.
هذا الصحيح؛ لأن في بعض النسخ سقيته مثل كسوته، وأسقيه مثل ألبسته والصواب هذا والأول؛ لأن كسوته معناه جعلت له كسوة وإن لم يلبسها، وألبسته إذا جعلته لابسا، فألبسته مثل سقيته، وكسوته مثل أسقيته على ما ذكر من الفرق بين سقيته وأسقيته، وبعض أهل اللغة ذكر أنه لا فرق بينهما، وأنشد للبيد:
سقى قومي بني مجد وأسقى نميرا والقبائل من هلال (٢)
_________________
(١) البيت في ديوانه ص: ٣٨، والنوادر ص: ٢١٣، والمخصص: ١٢/ ١١، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٩.
(٢) انظر المخصص: ١٤/ ١٦٩.
[ ٤ / ٤٣٨ ]
قال: " وتقول: أجرب الرجل وانحز وأحال، أي صار صاحب جرب وحيال ونحاز في ماله ". وهذا الباب يجيء على أربعة أوجه: منها أن يكون الرجل صاحب شيء قد صار بتلك الصفة كقولنا: رجل " مشدّ مقطف ومقو "، أي صاحب إبل قويّة وخيل تقطف وإبل شداد. وعلى هذا يقال: امرأة مطفل أي لها أطفال، وظبية مشدن مغزل، أي ولدها غزال وشادن. ومن ذلك يقال: فلان خبيث مخبث، أي هو خبيث في نفسه، وله أصحاب خبثاء، ومنها أن يقال لمن يصادف الشيء على صفة أفعلته، أي صادفته كذلك، كقولك: أبخلت الرجل، أي وجدته بخيلا. وروي أن عمرو بن معد يكرب سأل مجاشع بن مسعود السّلميّ بالبصرة فمدح بني سليم، فقال: (سألناكم فما أبخلناكم، وقاتلناكم فما أجبناكم، وهاجيناكم فما أفحمناكم)، أي ما وجدناكم بخلاء ولا جبناء ولا مفحمين. ومنها أن يأتي وقت يستحق فيه شيء فيقال لمستحقّه ذلك، كقولك:
" أصرم النخل وأمضغ وأحصد الزرع وأجزّ النخل وأقطع، أي قد استحق أن يصرم ويمضغ ويحصد. ويقال في قولهم:
" ألام الرجل، أي صار صاحب لائمة "، أي صاحب من يلومه، فإذا صار له لوّام قيل: مليم، كما يقال لصاحب الإبل الجربى: مجرب، ويقال: إنه قيل له: ألام لأنه استحق أن يلام، فصار بمنزلة قولهم: أصرم النخل.
ووجه رابع أن يقال: أفعل من الدخول في الشيء، كقولك: أفجرنا، أي دخلنا في وقت الفجر، وأمسينا وأصبحنا وأظهرنا دخلنا في المساء والصباح والظّهر، ومنه يقال:
أشملنا وأجئبنا وأصبينا وأدبرنا وإذا دخلنا في الشمال والجنوب، والصبّا والدّبور.
ويقال: أشهرنا إذا دخلنا في الشهر، قال الشاعر:
ما زلت مذ أشهر السّفّار أنظرهم مثل انتظار المضحّي راعي الإبل (١)
وإنما يستعمل ذلك في الأوقات وما جرى مجراها.
قال: " وتقول لما أصابه: هذا نحز وجرب وحالت الناقة "
يعني أنه ليس يقال للبعير الذي أصابه الجرب في نفسه مجرب، ولا للذي أصابه النحاز منحز، إنما يقال: منحوز، والمنحز صاحبه، والنّحاز: السّمال، وفي غير ذلك إذا لم يكن على الوجوه التي ذكرناها لام الرجل صاحبه وصرم النخل وجذّه وقطفه وما أشبه ذلك.
_________________
(١) بلا نسبة في المخصص ١٤/ ١٧٠، واللسان (شهر).
[ ٤ / ٤٣٩ ]
قال سيبويه: " ومثل ذلك: أسمنت وأكرمت فأربط "
يقال ذلك للرجل إذا وجد شيئا نفيسا يرغب فيه أن يتمسك به، فمعنى أسمنت أي وجدت سمينا، وأكرمت أي وجدت فرسا كريما أو غير ذلك، فاربط، أي اتّخذه.
قال: " فأما أحمدته فوجدته مستحقا للحمد. وقالوا: أراب، كما قالوا: ألام، أي صار صاحب ريبة، كما قالوا: ألام، أي استحق أن يلام. وأما رابني فتقول: جعل فيّ ريبة، كما تقول: قطعت النخل، أي أوصلت إليه القطع "
فأراب غير متعد، وراب متعد، لا تقل أرابني ولا أربته، لأنك لم تفعل به إلا رابة، وإنما استوجبت الريبة أو صرت صاحب ريبة. وقال بعض أهل اللغة: رابني إذا تبيّنت منه الريبة، وأراب إذا اتّهم به ولم تتبيّن، ولذلك قال بعض الشعراء:
أخوك الذي إن ربته قال: إنما أربت، وإن عاتبته لان جانبه (١)
فمعناه إن تبيّن منك ريبة قال لم أتبيّن بعد.
ومثل ذلك: أبقّت المرأة، وأبقّ الرجل إذا كثر أولادهما، وهو يدخل في باب المجرب والمنجز، أي لهما أولاد كثير، وإن جئت بالفعل من ذلك قلت:
بقّت المرأة ولدا، وبقّت كلاما، كقولك: نثرت ولدا ونثرت كلاما، ومثل المجرب المقطف والمعسر والموسر والمقلّ. وأما عسّرته فمعناه ضيّقت عليه، ويسّرته وسعت عليه. وقد يكون فعلت وأفعلت بمعنى واحد.
كأن كل واحد منهما لغة لقوم ثم تختلط، فتستعمل اللغتان كقولك:
قلته البيع وأقلته، وشغله وأشغله، وصرّ أذنيه وأصرّ إذا أقامهما، وبكر وأبكر.
وقالوا: بكّر فأدخلوها مع أبكر، فبكّر أدخل مع أبكر.
كما قالوا: أدنف فبنوه على أفعل، وهو من الثلاثة، ولم يقولوا: دنف.
يريد أن الباب من الثلاثة في الأمراض أن يجيء على فعل، فلم يستعملوا ما يوجبه الباب وهو دنف، واستعملوا أدنف.
وقالوا: أشكل أمرك ولم يستعملوا غيره، وقالوا: حرثت الظّهر أي أتعبته، والظّهر المركوب، وأحرثت.
_________________
(١) الشاهد في قوله (ربته)، انظر المخصص: ١٤/ ١٧٠، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٣١، والحماسة البصرية: ٢/ ٣٤، والقصائد السبع ص: ٤٧١، واللسان (أربت).
[ ٤ / ٤٤٠ ]
قال: " ومثل أدنفت أصبحنا وأمسينا وأفجرنا شبّهوه بهذه التي تكون في الأحيان، كأن معناه دخلت في وقت الدّنف، كما دخلت في وقت السّحر.
قال: " ومثل ذلك: نعم الله بك عينا، وأنعم الله بك عينا "
فهذا من باب فعلت وأفعلت بمعنى واحد. ويقال: إن قوما من الفقهاء كانوا يكرهون استعمال هذه اللفظة، وهي نعم الله بك عينا؛ لأنه لا يستعمل في الله (﷿) نعم الله. وللقائل أن يقول: الباء في بك بمنزلة التعدي، ألا ترى أنك تقول: ذهب الله به وأذهبه، ومعناهما واحد.
وزلته من مكانه وأزلته، وتقول: غفلت، أي صرت غافلا، وأغفلت إذا خبّرت بأنك تركت شيئا، ووصلت غفلتك إليه.
وقد يقال: أغفلت الإنسان إذا وجدته غافلا، كما يقال: أجبنته إذا وجدته جبانا، وعلى ذلك يحمل قوله ﷿: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا (١)، أي وجدناه غافلا. وغفلت عنه بمعنى أغفلت.
ومثل ذلك: لطف له وألطف غيره، ولطف به كغفل عنه، وألطفه كأغفله. ولطف له بمعنى تلطّف به ورفق به.
ويقال: بصر الرجل فهو بصير، إذا خبّرت عن وجود بصره وصحته لا على معنى وقوع الرؤية منه؛ لأنه قد يقال بصير لمن غمّض عينه ولم ير شيئا لصحة بصره، فإذا قلت: أبصر، أخبرت بوقوع رؤيته على الشيء.
وتقول: وهم يهم، وأوهم يوهم، ووهم يوهم.
فأما وهم يوهم فهو الغلط في الشيء، تقول: وهمت في الحساب أوهم وهما، إذا غلطت فيه، ووهمت إلى الشيء إذا
ذهب قلبي إليه أهم وهما، وأوهمت الشيء أوهمه إيهاما إذا تركته كلّه.
قال: " وقد يجيء فعّلت وأفعلت في معنى واحد مشتركين، كما جاء فيما صيّرته فاعلا، وذلك: وعزت إليه وأوعزت، وخبّرت وأخبرت، وسمّيت وأسميت ".
فقد اشتركا في هذا كما اشتركا في باب نقل الفاعل إلى المفعول في قولك:
غرّمته وأغرمته، وفرّحته وأفرحته، وليس هذا من ذلك.
_________________
(١) سورة الكهف، الآية: ٢٨.
[ ٤ / ٤٤١ ]
" وقد يجيئان مفترقين " من معنى واحد، فيكون لكل واحد منهما غير معنى الآخر.
كقولك: أذّنت وأذنت، وكقولك: علّمته وأعلمته، فعلّمت أدّبت، وأعلمت آذنت، وآذنت أعلمت وأذّنت، إذا ناديت للصلاة.
النداء والتصويب بإعلام. وبعض العرب يجري أذّنت وآذنت مجرى سمّيت وأسميت. ويقول: أمرضته إذا جعلته مريضا، ومرّضته إذا قمت عليه ووليته، ومثله أقذيت عينه، أي طرحت فيها القذى وجعلتها قذيّة، وقذّيتها: نظفتها.
وقد قيل في قول الله ﷿: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ (١): أذهب الفزع عنها على معنى مرّضته، أي أزلت مرضه.
وتقول: أكثر الله فينا مثلك وكثّر. فأما أكثر فمعناه أدخل الله فينا مثلك كثيرا.
وأما كثّر فمعناه جعل القليل كثيرا.
وكذلك أقللت وقلّلت. فأما أقللت فمعناه جئت بقليل، وكذلك أوتحت، أي جئت بوتح قليل، وقلّلت، أي جعلت الكثير قليلا، وهو في معنى صيّرت.
وقد يقال: أقللت وأكثرت في معنى قلّلت وكثّرت.
قال: " وتقول: أصبحنا وأمسينا وأسحرنا، وذلك إذا صرت في حين صبح ومساء وسحر. وقد مضى نحو ذلك ".
" وأما صبّحنا ومسّينا وسحّرنا فمعناه أتينا صباحا ومساء وسحرا، ومثله بيّتناه أتيناه بياتا ".
قال: " وما بني على يفعّل، يشجّع ويجبّن ويقوّى، أي يرمى بذلك ".
ومعناه أنه يذكر به وينسب إليه كما تقول: يفسّق ويضلّل.
ومثله: قد شيّع الرجل، أي قد رمى بذلك " والمشيّع: الشجاع، كأنه نسب إلى الشجاعة وقيلت فيه.
ويقال: أغلقت وغلّقت الأبواب حين أكثروا العمل، وسترى ذلك في باب فعّلت، وإن قلت: أغلقت الأبواب كان عربيّا
جيدا، وقال الفرزدق:
_________________
(١) سورة النبأ، الآية: ٢٣.
[ ٤ / ٤٤٢ ]
ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها حتّى أتيت أبا عمرو عمّار (١)
قال أبو سعيد: اعلم أن اللفظ يدلّ به على التكثير، فهو تشديد عن الفعل في الفعل، وإن كان قد يقع التشديد لغير التكثير، كقولنا: حرّكته، ولا تريد كثيرا. فما يدل على التكثير أنك تقول: أغلقت الباب الواحد، ولا تقول: (غلّقته، وتقول: غلّقت الأبواب، وتقول: ذبحت الشاة، ولا تقول: ذبّحتها، وتقول: ذبّحت الغنم.
وأما سائر الأفعال فليس فيها دليل على أحدهما، وقد يقع للقليل والكثير، فمن أجل ذلك يجوز أن تستعملها للكثير، فتريد بها ما تريد بالمشدّد، ومن أجل ذلك صار أغلق أبوابا بمعنى أغلّق أبوابا، وقوله: وأفتحها بمعنى أفتّحها.
وقد أعاد سيبويه هذا البيت بعينه في الباب الذي يلي هذا شاهدا في أن أفتحها في معنى أفتّحها، وفي هذا الموضع أغلق في معنى أغلّق.
وقد استعملوا أنزل ونزل في معنى واحد، وقد يستعمل نزل في معنى الكثير.
فأما أنزل ونزل بمعنى واحد غير التكثير فقوله ﷿: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ (٢)، وقال ﷿: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً (٣)، فهذا لغير التكثير؛ لأن آية واحدة لا يقع فيها تكثير الإنزال.
وكان أبو عمرو يختار التخفيف في كل موضع ليس فيه دلالة من الخط على التثقيل إلا في موضعين: أحدهما قوله ﷿: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٤) اختار التثقيل في هذا؛ لأنه تنزيل بعد تنزيل، فصار من باب التكثير.
والموضع الآخر: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً فاختار التثقيل في ينزل حتى يشاكل نزل؛ لأن المعنى واحد. فالأول للتكثير، وهذا للمطابقة، وليس فيها تكثير.
وقد يجوز أن يكون بيّن في معنى أبان، ويجوز أن يكون للتكثير.
هذا باب دخول فعّلت على فعلت لا يشركه في ذلك أفعلت
قال سيبويه: " تقول: كسرتها وقطعتها، فإذا أردت كثرة العمل قلت: كسّرتها
_________________
(١) انظر المخصص: ١/ ١٠٧.
(٢) سورة محمد، الآية: ٢٠.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ٣٧.
(٤) سورة الحجر، الآية: ٢١.
[ ٤ / ٤٤٣ ]
وقطّعتها، ومما يدلّك على ذلك قولهم: علّطت البعير، وإبل معلّطة، وبعير معلوط، ولا يقال: معلّط؛ لأن الإبل كثير، فقد تكرر فيه العلاط، وعلى هذا شاة مذبوح، وغنم مذبّحة، وباب مغلق وأبواب مغلّقة. وجرحت الرجل إذا جرحته مرة أو أكثر، و" جرّحته " إذا أكثرت الجراحات في جسده.
وقالوا: ظلّ يفرّسها السّبع ويؤكّلها إذا أكثر ذلك فيها. وقالوا: موّتت وقوّمت إذا أردت جماعة الإبل أنها ماتت وقامت. وقالوا: ولدت الشاة وولّدت الغنم؛ لأنها كثيرة.
وقالوا: يجوّل ويطوّف، يكثر الجولان والطّوف.
قال: " واعلم أن التخفيف في هذا كله جائز عربي، إلا أن فعّلت إدخالها هاهنا لتبيّن الكثير، وقد يدخل في هذا التخفيف، كما أن الركبة والجلسة معناهما في الركوب والجلوس، ولكن بيّنوا بها الضّرب، كما أن هذا بناء خاص للتكثير "
يريد أن التخفيف قد يجوز أن يراد به القليل والكثير، فإذا شدّدت دللت به على الكثير، وقد مضى هذا، كما أن الركوب والجلوس قد يقع لقليل الفعل وكثيره ولجميع صنوفه، فإذا قلت: الركبة والجلسة على هيئته وحاله. وإذا قلت: الركبة والجلسة دل على مرة واحدة، والجلوس قد يجوز أن يراد به المرة، ويجوز أن يراد به الهيئة التي تقع عليها الجلسة، فصار اختصاص الجلسة والجلسة بشيء خاص كاختصاص يطوّف ويجوّل بشيء خاص، وصار الركوب والجلوس بمنزلة يجوّل ويطوّف في أنه يصلح للأمرين.
قال: " وكما أن الصوف والريح قد يكون فيه معنى صوفة وريحة ".
يريد أنك إذا قلت: شممت ريحا فيجوز أن تريد معنى الرائحة، كأنه جعل الرائحة للواحدة والريح للجنس، فهذا في الاستعمال، قال الله ﷿: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ (١)، فعبّر عنها بالريح وهي للكثير، فأما الرائحة فأكثر ما تستعمل فيما يفوح في دفعة واحدة ثم أنشد:
ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها
ثم قال: " وفتحت أحسن في هذا، كما أن قعدة في ذلك أحسن "
يريد أن اللفظ الخاص الموضوع لمعنى أكشف لذلك المعنى من أن يأتي مبهما.
_________________
(١) سورة النبأ، الآية: ١٢.
[ ٤ / ٤٤٤ ]
وقد قال الله ﷿: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (١). وقال: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا (٢) فهذا وجه فعلت وفعّلت مبيّنا في هذه الأبواب، وهكذا صفته ثم ذكر:
" باب ما طاوع الذي فعله على فعل يكون على انفعل وافتعل " والباب فيه انفعل، وافتعل قليل.
تقول: كسّرته فانكسر، وحطمته، فانحطم، وحسرته فانحسر، ودفعته فاندفع.
ومعنى قولنا مطاوعة أن المفعول به لم يمتنع مما رامه الفاعل، ألا ترى أنك تقول فيما امتنع مما رمته دفعته فلم يندفع، وكسّرته فلم ينكسر؛ أي أوردت أسباب الكسر فلم تؤثر.
وتقول: شويه فانشوى، وبعضهم يقول: فاشتوى، بمعنى شويته فانشوى. وقد تقول: اشتويته بمعنى شويته؛ أي اتخذته مشويّا، وكذلك اطبّخت في معنى طبخت؛ أي اتخذت طبيخا.
" وتقول: غممته فاغتمّ، وانغمّ عربية، وصرفته فانصرف ".
وأما أفعلت الشيء فمطاوعه هو الفعل الذي دخل عليه أفعلت، كقولك: " أدخلته فدخل وأخرجته فخرج.
غير أن الأصل في قولك: قطعته فانقطع، قطعت الأصل وانقطع فرعه المطاوع.
وقوله: أدخلته فدخل، الأصل دخل، وقولك: أدخلته أي صيّرته داخلا.
" وربما استغني عن انفعل في هذا الباب فلم يستعمل، وذلك قولهم: طردته فذهب، ولا يقولون: انطرد، ولا فاطّرد "، استغنوا عنه كما استغنوا بترك عن ودع.
ونظير هذا من المطاوعة فعّل تفعّل، كقولك: كسّرته فتكسّر، وعشيّته فتعشى، وغدّيته فتغدّى، وفي فاعلته فتفاعل كقولك: ناولته فتناول، وفتحت التاء؛ لأن معناه معنى الافتعال والانفعال.
يعني تاء تفاعل فتحت؛ لأنها أول فعل ماض سمي فاعله، وإن كانت زائدة للمطاوعة كالافتعال والانفعال، وليست بألف وصل، دخولها لسكون لما بعدها.
" ونظير ذلك في بنات الأربعة على مثال تفعلل، نحو: دحرجته فتدحرج، وقلقلته فتقلقل، ومعددته فتمعدد، وصعررته فتصعرر ".
_________________
(١) سورة ص، الآية: ٥٠.
(٢) سورة القمر، الآية: ١٢.
[ ٤ / ٤٤٥ ]
ومعنى معددته حملته على الخشونة والصّلابة، قال الشاعر:
ربّيته حتى إذا تمعددا وآض نهدا كالحصان أجردا
كان جزائي بالعصا أن أجلدا (١)
ومعنى صعررته دورته.
قال: " وأما تقيّس وتنزر وتتمّم فإنما يجري على نحو كسّرته، كأنه قال: تمّم فتتمّم، وقيّس فتقيس، ونزر فتنزر ".
ومعنى قيّس نسب إلى نزار، وتقيّس انتسب إلى قيس، وتتمّم انتسب إلى تميم، وتنزر انتسب إلى نزار. قال ذو الرمة:
إذا ما تمضّرنا فما الناس غيرنا ونضعف إضعافا ولم نتمضّر (٢)
أي انتسبنا إلى مضر.
قال: " وكذلك كل شيء على زنة فعللته، عدد حروفه أربعة ما خلا أفعلت، فإنه لم يلحق ببنات الأربعة ".
يريد أن كل شيء من الفعل كان ماضيه على أربعة أحرف يجوز أن تزاد في أوله التاء ما خلا أفعلت، فإنه لا تزاد فيه التاء. والذي تزاد فيه التاء ثلاثة أبنية: فعللت وما كان ملحقا به فعللت، كقولك: دحرجت مرهفت وعذلجت، تقول فيه: تسرهف وتعذلج، وفاعلت كقولك: عالجته فتعالج، وفعّلت كقولك: كسّرته فتكسّر، ولا تقع زيادة في باب أفعلت، لا تقول: أكرمته فتأكرم، ولا يجوز ذلك فاعرفه.
هذا باب ما جاء فعل منه على غير فعلت
قال سيبويه: " وذلك نحو: جنّ وسلّ وزكم وورد "، ومعنى ورد: حمّ، وكذلك وعك، ومورود وموعوك ومحموم بمعنى واحد.
وقال على هذا: مجنون ومسلول ومحموم ومورود، وإنما جاءت هذه الحروف على جننت وسللت، وإن لم يستعمل في الكلام ".
كما أن رجلا أقطع جاء على قطع، وكما يقال: أعور من عور، ولا يستعمل قطع،
_________________
(١) انظر المنصف: ٣/ ٢٠، وكتاب الاشتقاق ص: ٣١.
(٢) البيت في ديوانه ص: ٢٣٦، وانظر المخصص: ١٤/ ١٧٦.
[ ٤ / ٤٤٦ ]
استغني عنه بقطع، وقال بعضهم: رجل محبوب، وكان حقه أن يقال في فعله: حببته فهو محبوب.
وقال بعضهم: حببته. قال الشاعر:
فو الله لولا تمره ما حببته ولا كان أدنى من عبيد ومشرق (١)
وذكر أن بعض القراء قرأ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ (٢)، وذكر غير سيبويه أن هذه الأشياء ليست من أفعال الآدميين قد جاءت على مفعول، وفعله فيما لم يسمّ فاعله إذا نسب الفعل إلى الله ﷿ كان على أفعل، فيقال: أجنّة الله، وأسلّه وأزكه وأورده، أي فعل الله به ذلك.
هذا باب دخول الزيادة في فعلت للمعاني
" اعلم أنك إذا قلت فاعلته فقد كان من غيرك إليك مثل ما كان منك إليه حين قلت فاعلته، ومثل ذلك: ضاربته وفارقته، وعازّني وعازرته وخاصمته "
كذلك سائر ما يكون الفعل منه بين اثنين كقاتلته وشاتمته وما أشبه ذلك. فإذا غلب أحدهما كان فعله على فعل يفعل وإن كان المستعمل في الأصل على يفعل.
قال سيبويه: واعلم أن يفعل من هذا الباب على مثال يخرج، تقول: خاصمني فخصمته أخصمه، وتقول: غالبني فغلبته أغلبه، وشاتمني فشتمته أشتمه ".
إلا أن يكون فيه من الحروف ما يلزم فيه يفعل أو يفعل فيجري عليه، فمن ذلك ما لامه أو عينه ياء، أو فاؤه واو، فإنه يجيء على فعل يفعل؛ لأن ذلك يلزم فيه في الأصل قياسا لا ينكسر، فتقول: بايعني فبعته أبيعه، وراماني فرميته أرميه، وواعدني فوعدته أعده، وواخذني فوخذته أخذه. " وعازّني فعززته أعزّه ".
قال: " وليس في كل شيء يكون هذا، ألا ترى أنك لا تقول: نازعني فنزعته، استغني عنها بغلبته وأشباه ذلك "
ومما جاء من هذا الباب قولك: طاولته فطلته، وتقول: طال زيد عمرا إذا غالبه في الطول فغلبه، ويكون الفعل متعديا، فإن لم ترد هذا لم يتعد فعله، وكان على فعل،
_________________
(١) انظر ابن يعيش: ٧/ ١٣٨، وخزانة الأدب: ٤/ ١٢٢، والخصائص: ٢/ ٢٢٠، وشواهد المغنى: ٢/ ٧٨٠، والمرصفي في رغبة الآمل: ٤/ ٤، واللسان (حبب).
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٣١.
[ ٤ / ٤٤٧ ]
كقولك: طال يطول فهو طويل، قال الشاعر:
إنّ الفرزدق صخرة عادية طالت فلا تسطيعها الأوعالا (١)
يعني طالت الأوعال، على معنى غلبتها في الطول، فهذا الباب في فاعلت.
قال سيبويه: " وقد يجيء فاعلت لا تريد به عمل اثنين، ولكنهم بنوا عليه الفعل كما بنوه على أفعلت، كقولك: ناولته وعاقبته وعافاه الله وسافرت وظاهرت "
ومعنى ظاهرت عليه، أي أضعفت عليه لباسه، كقولك: ظاهر عليه درعين وثوبين، أي جعل أحدهما ظهارة والآخر بطانة، ومن هذا قولهم: تظاهرت نعم الله عليه، وظاهرت كتبه إليه أي تابعت بعضها لبعض فصار بعضها أظهر لبعض، فصارت هذه الأفعال كسائر الأبنية التي ترد فيما يتعدى من الأفعال كقولك: أكرمته وما أشبه ذلك.
" وقالوا: ضاعفت وضعّفت، وناعمته ونعّمته، كما قالوا: عاقبته، وتقول: تعاطينا تعطّينا، فيكون تعاطيه من اثنين "
وكأنك قلت: عاطيته الكأس، أي أعطاني كأسا فأعطيته مثلها، فإذا قلت: تعطّينا فقد أردت التكثير في هذا المعنى.
قال: " ولا يجوز أن يكون معملا في مفعول ولا يتعدى الفعل إلى منسوب، ففي تفاعلنا يلفظ بالمعنى الذي كان في فاعلته، وذلك قولك: تضاربنا وتقاتلنا "
قال أبو سعيد: اعلم أن فاعلته يجوز أن يكون من فعل متعدّ إلى مفعول ثان غير الذي يفعل بك مثل فعلك، ويجوز أن لا يكون متعديا إلى غيرك، والذي لا يكون متعديا أكثر، كقولك: ضاربت زيدا أو شاتمته، وليس بعد زيد مفعول آخر، فإذا قلت تضاربنا وتشاتمنا فقد ذكرت فعل كل واحد منكما بالآخر ولا مفعول غيركما، وهو الذي أراد سيبويه أنه لا يكون معملا في مفعول.
وقد يجوز أن يكون الفعل متعديا إلى مفعولين في الأصل، فيؤتى بمفعول آخر في قولك: فتفاعلنا، وذلك قولك: عاطيت زيدا الكأس ونازعته المال، فإذا جعلت الفعل لنا قلت: تعاطينا الكأس وتنازعنا المال، قال الشاعر:
فلمّا تنازعنا الحديث وأسمحت هصرت بغصن ذي شماريخ ميّال (٢)
وقال الأعشى:
_________________
(١) قال الأعلم في هامش سيبويه: ٢/ ٣٥٦، وانظر آمال الشجري: ١/ ١٩٤، والمنصف: ٣/ ٤١.
(٢) قائله امرؤ القيس في ديوانه ٣٢.
[ ٤ / ٤٤٨ ]
نازعتهم قضب الرّيحان متّكئا وقهوة مزّة راووقها خضل (١)
وقال عمر بن أبي ربيعة:
ولمّا تفاوضنا الحديث وأسفرت وجوه زهاها الحسن أن تتقنّعا (٢)
وقد يجيء تفاعلوا وافتعلوا في معنى واحد، كقولك: تضاربوا واضطربوا، وتقاتلوا واقتتلوا، وتجاوروا واجتوروا، وتلاقوا والتقوا، وقد يجيء تفاعلت على غير معنى فاعلته فتفاعلنا، كما جاء عاقبته ونحوها وأنت لا تريد بها الفعل من اثنين، وذلك قولك: تقاربت من ذلك وتراءيت له، وتقاضيته وتماريت في ذلك " أي شككت " وتعاطيت منه أمرا قبيحا، وقد يجيء تفاعلت ليريك أنه في حال ليس فيها، من ذلك قوله: تغافلت وتعاميت وتعاشيت وتعارجت " إذا رأيت من نفس ما ليس فيك. من ذلك قال الشاعر:
إذا تخازرت وما بي من خزر ثمّ كسرت العين من غير عور
ألفيتني ألوي بعيد المستمر أحمل ما حمّلت من خير وشر (٣)
ومعنى تخازرت صغّرت عيني، وما كانت عينه صغيرة. ويقال: تذاءبت الرياح إذا جاءت من كل ناحية.
هذا باب استفعلت
قال سيبويه: " تقول استجدته، أي أصبته جيدا، واستكرمته أي أصبته كريما، واستعظمته أي أصبته عظيما، واستسمنته أي أصبته سمينا. وقد يجيء على غير هذا المعنى، كما جاء تذاءبت وعاقبت "
قال أبو سعيد: اعلم أن أصل استفعلت الشيء في معنى طلبته واستدعيته، وهو الأكثر، وما خرج عن هذا فهو يحفظ وليس بالباب، وأنا أسوقه إليك على ما قال سيبويه، ويكون أيضا استفعلته على معنى أصبته، وهو كالباب فيه، ولذلك قال سيبويه:
" وقد يجيء على غير هذا المعنى كما جاء تذاءبت الريح وعاقبت "، وليس بالباب، وقد مضى الكلام فيه، وتقول: استلأم إذا لبس اللأمة، واستخلف لأهله، كما تقول: أخلف
_________________
(١) انظر المخصص: ١٤/ ١٧٩.
(٢) انظر رواية الديوان ص: ١٧١، والمخصص: ١٤/ ١٧٩، والكامل: ٢/ ٢٠٣.
(٣) انظر ديوان العجاج ص: ٣١٩، ومجالس ثعلب: ١/ ٩.
[ ٤ / ٤٤٩ ]
والمعنى واحد. وتقول: استعطيت، أي طلبت العطيّة، واستعتبته، أي طلبت إليه العتبى، وهي الرّضا من العتب، " واستفهمت، أي طلبت أن يفهمني، وكذلك استجرت واستثرت واستخرجته، أي لم أزل أطلب إليه حتى خرج. وقد يقولون: اخترجته شبهوه بافتعلت وانتزعته ".
وذكر أبو بكر مبرمان عن أصحابه الذين أخذ منهم التفسير أن استخرجته طلبت خروجه وقتا بعد وقت، واخترجته أخرجته دفعة، كما قالوا: انتزعته.
" وقالوا: قرّ في مكانه واستقرّ، وقالوا: جلب الجرح وأجلب " والمعنى واحد.
قال سيبويه: وأما استحقّه فإنه يقول: طلب حقه، واستخفّه: طلب خفّته، واستعمله: طلب إليه العمل، واستعجلت زيدا إذا طلبت عجلته، فإذا قلت:
استعجلت غير متعدّ إلى مفعول فمعناه طلبت ذلك من نفسي وكلّفتها إياه. والباب في استفعلت الشيء أن يكون للطلب أو الإصابة، كقولك: استجدته، وما عدا ذلك فإنه يحفظ حفظا، كقولك: " علا قرنه واستعلاه، وقرّ في المكان واستقرّ، ومنه في التحول من حال إلى حال: استنوق الجمل، إذا تخلّق بأخلاق الناقة، واستتيست الشاة إذا أشبّهت بالتيس.
قال: " وإذا أراد الرجل أن يدخل نفسه في أمر حتى يضاف إليه ويكون من أهله فإنك تقول: تفعّل، وذلك تشجّع وتبصّر وتحلّم وتجلّد وتمرّأ، وتقديرها تمرّع، أي صار ذا مروءة، وقال حاتم طيّيء:
تحلّم عن الأدنين واستبق ودّهم ولن تستطيع الحلم حتى تحلّما (١)
وليس هذا بمنزلة تجاهل؛ لأن هذا يطلب أن يصير حليما.
وتجاهل يري من نفسه غير الذي هو، وقد مضى ذلك.
" وقد تجيء تقيّس وتنزر وتعرّب على هذا ".
يعني أنه يقال للرجل: تقيّس إذا دخل في قيس حتى يضاف إليه، ويكون من أهله، وكذلك تنزر إذا دخل في نسب نزار.
وقد دخل استفعل هاهنا، قالوا: تعظم واستعظم، وتكبّر واستكبر، كما شارك تفاعلت تفعّلت الذي ليس في هذا المعنى، ولكنه استثبات، وذلك قولهم:
_________________
(١) انظر ملحق ديوانه ص: ٣١٢، ديوان حاتم الطائي ص: ٨١.
[ ٤ / ٤٥٠ ]
تيقّنت واستيقنت، وتبيّنت واستبنت، وتثبّتّ واستثبتّ، ومثل ذلك، يعني تحلّم، تقعّدته، أي ريّئته عن حاجته وعفته، ومثله تهيّبتني البلاد، وتكأدني ذلك الأمر " معناه هابني أهل البلاد، وتكأدني معناه شقّ عليّ، من قولهم للمكان الشّاقّ المصعد كؤود وكأداء.
قال سيبويه: وأما قوله: تنقّصته وتنقّصني فكأنه الأخذ من الشيء الأول فالأول.
وأما تفهّم وتبصّر وتأمّل فاستثبات بمنزلة تيقّن، وقد يشركه استفعل، نحو: استثبت.
وأما يتجرّعه ويتحسّاه ويتفوّقه فهو يتنقّصه؛ لأنه يأخذ منه شيئا بعد شيء، وليس من معالجتك الشيء بمرة واحدة، ولكنه في مهلة. وأما تعقّله فنحو: تقعّده، لأنه يريد أن يختله عن أمر يعوقه عنه، ويتملّقه نحو ذلك؛ لأنه إنما يديره عن شيء. وقالوا:
تظلّمني، أي ظلمني مالي، فبناه على تفعّل، كما قالوا: جزته وجاوزته، وهو يريد شيئا "، قال الشاعر.
تظلّمني حقّي كذا ولوى يدي لوى يده الله الذي هو قاتله (١)
" وقلته وأقلته، ولقت وألقت، وهو إذا لطخته بالطين، وألقت الدواة ولقتها.
وأما تهّيبه فإنه حصر ليس فيه معنى شيء مما ذكرنا، كما أنك تقول: استعليته لا تريد إلى معنى علوته "
يريد أن معنى تهيّبه في معنى هابه، ولم يبن على تفعّل لزيادة معنى في فعل، كما أن استعليته لم يزد معناه على علوته، ومعنى قوله: " فإنه حصر "، يريد أن الهيبة حصلت للإنسان عن الإقدام.
" وأما تخوفه فهو أن يوقع أمرا يقع بك، فلا تأمنه في حالك التي تكلمت فيها.
وأما خافه فقد يكون وهو لا يتوقّع منه في تلك الحال شيئا "
قال أبو سعيد: فرّق سيبويه بين تخوّف وخاف، ولم يفرّق بين تهيّب وهاب.
قال سيبويه: " وأما تخوّنته الأيام فهو تنقّصته، وليس في تخوّنته من هذه المعاني شيء، كما لم يكن استنهيته في نهيته ".
يريد أنه ليس في تخوّفته معنى خفته المطلق، كما لم يكن في نهيته معنى استنهيته؛
_________________
(١) انظر المخصص: ١٤/ ١٨٢، وخزانة الأدب للعيني: ١/ ٩٨، وابن الأنباري ص: ١٩١، أبي حاتم السجستاني ص: ١٢٨، وأبي الطيب اللغوي: ١/ ٤٧٥، وشرح الملوكي ص: ٧٧، معجم الشعراء ص: ١٨٩، واللسان (ظلم).
[ ٤ / ٤٥١ ]
لأن استنهيته إنما هو معاودته في النهي، ونهيته هو النهي مطلقا، وقد بين هو الفصل بين تخوّفته وخفته.
" وأما يتسمّع ويتحفّظ فهو يتبصّر "، قال: " وهذه الأشياء نحو يتجرّع ويتفوّق لأنها في مهلة ".
يعني أنه ليس يسمع في مرة واحدة، وإنما هو شيء يتصل، ومعنى يتفّوّق أنه يتشرّبه بعد شيء، وهو مأخوذ من الفراق.
ومثل ذلك تخيّره، كأنه تمهّل في اختياره.
وأما التغمّج والتعمّق والتدخّل فنحو من هذا؛ لأنه عمل بعد عمل في مهلة " والتغمّج الشرب، والتعمّق التشديد.
وأما تنجّز حوائجه واستنجز فهو بمنزلة تيقّن واستيقن في شركة استفعلت في الاستثبات، والتقعّد والتحجّز والتنقّص، وهذا النحو كله في مهلة وعمل.
قد بيّن وجوه تفعّل الذي ليس فيه مهلة.
هذا باب موضع افتعلت
تقول: اشتوى القوم، أي اتخذوا شواء، وأما شويت فكقولك: أنضجت، وكذلك اختبز وخبز، واطّبخ وطبخ، واذّبح وذبح. فأما ذبح فمنزلة قوله: قتله، وأما اذّبح فتقول: اتخذ ذبيحة، وقد يبنى على افتعل ما لا يراد به شيء من ذلك، كما بنوا على أفعلت وغيره من الأبنية، وذلك افتقر واشتدّ، فقالوا هذا كما قالوا: استلمت، فبنوه على افتعل، كما بنوا على أفعل.
يريد أنهم يبنون على افتعل ما لا يراد به إلا معنى فعل لا زيادة فيه، ولا يستعمل إلا بالزيادة، كقولهم: افتقر فهو فقير، ولا يستعمل فقر. وقالوا: اشتد الأمر فهو شديد، ولا يستعمل بغير الزيادة في هذا المعنى. وقالوا: استلم الحجر، ولم يقولوا: أسلمه، ولا سلّمه.
ومثل هذا في أفعل قولهم: أفلح الرجل وما أشبهه ولا يستعمل بغير الزيادة.
قال سيبويه: " وأما كسب فإنه أصاب، واكتسب فهو التصرّف والطلب والاجتهاد بمنزلة الاضطراب ".
قال أبو سعيد: فرّق سيبويه بين كسب واكتسب، وقال غيره: لا فرق بينهما، قال
[ ٤ / ٤٥٢ ]
الله ﷿: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ (١)، والمعنى واحد.
قال سيبويه: " وأما قولك: حبسته فبمنزلة قولك: ضبطته، واحتبسته بمنزلة اتخذته حبيسا، كأنه بمنزلة شوى واشتوى. وقالوا: ادّخلوا وادّلجوا وتدخّلوا وتولّجوا " والمعنى دخلوا، قال الشاعر:
رأيت القوافي يتّلجن موالجا تضايق عنها أن تولّجها الإبر (٢)
" وقالوا: قرأت واقترأت، يريدون شيئا واحدا، كما قالوا: علاه واستعلاه وخطف واختطف. وأما انتزع فإنما هو خطفة، كقولك: استلب، وأما نزع فهو تحويلك إياه وإن كان على نحو الاستلاب، وكذلك قلع واقتلع وجذب واجتذب.
وأمّا اصطبّ الماء فبمنزلة اشتوه، كأنه يقول: اتّخذه لنفسك، وكذلك اكتل واتّزن.
وقد يجيء على وزنته وكلته فاكتل واتّزن ".
وقد أنشد سيبويه آخر الباب عقيب ما أمللته: وقال رؤبة:
يعرضن إعراضا لدين المفتن (٣)
وليس بشاهد لما تقدّمه، فقال بعض أصحابنا: يريد أن الفتن والفتون واحد، فقال:
فتن وأفتن، فجاء هذا كما جاء قلع واقتلع، وجذب واجتذب.
هذا باب افعوعلت وما هو على مثاله مما لم تذكره
" قالوا: خشن، وقالوا: اخشوشن، وسألت الخليل فقال: كأنهم أرادوا المبالغة والتوكيد، كما أنه إذا قال: اعشوشبت الأرض فإنما يريد أن يجعل ذلك عاما كثيرا قد بالغ، وكذلك احلولى، وربما بني عليه الفعل فلم يفارقه، كما أنه قد يجيء الشيء على أفعلت وافتعلت ونحو ذلك لا يفارقه بمعنى، ولا يستعمل في الكلام إلا على زيادة.
يريد أن افعوعل ربما جاء من لفظه ومعناه الفعل بغير زيادة، كقولهم: حلا واحلولى، وخلق الشيء واخلولق، وربما جاء بالزيادة ولا يستعمل بحذفها، كقولهم:
اذلولى، وذكرا أفعالا فيها زيادات ولم تستعمل إلا بها، كقولهم: " اقطرّ النبت واقطارّ إذا
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.
(٢) انظر المخصص: ١٤/ ١٨٣، وشرح التصريح على التوضيح: ٢/ ٣٩٠، وسر صناعة الإعراب: ١/ ١٦٣، واللسان (ولج).
(٣) انظر سيبويه: ٢/ ٢٤١.
[ ٤ / ٤٥٣ ]
ولّي وأخذ يجف، وابهارّ الليل، إذا اشتدت ظلمته وتوسّط، وهو مأخوذ من البهرة، وبهرة الشيء وسطه، وكذلك: "
ابهارّ القمر إذا كثر ضوؤه "، وكذلك " ارعويت " لم يستعمل إلا بالزيادة، " واجلوّذ إذا جدّبه السير، واعلوّطه إذا لاركبه بغير سرج، " واعرّوريت الفلوّ إذا ركبته عريا "، ومما استعمل بالزيادة " اقشعرّ واشمأزّ واسحنكك اسودّ "، ولم يستعمل إلا بالزيادة، يقال: شعر سحكوك إذا اسودّ، وهو فعلول، وإحدى الكافين زائدة، قال الشاعر:
واستنوكت وللشّباب نوك وقد يشيب الشّعر السّحكوك (١)
قال سيبويه: " وأرادوا بافعنلل أن يبلغوا به بناء احرنجم، كما أنهم أرادوا بصعررت بناء دحرجت ".
قال أبو سعيد: يريد أنهم ألحقوا قعنسس واسحنكك باحرنجم بزيادة سين على اقعنسس، وكاف على اسحنكك، كما ألحقوا صعررت بدحرجت، بإحدى راءيّ صعررت، فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
هذا باب ما لا يجوز فيه فعلته (٢)
هذا باب مصادر ما لحقته الزوائد من الفعل من بنات الثلاثة
قال سيبويه: " فالمصدر على أفعلت إفعالا أبدا، وذلك قولك: أعطت إعطاء وأخرجت إخراجا. وأما افتعلت فمصدره افتعالا، وألفه موصولة، كما كانت موصولة في الفعل، وكذلك ما كان على مثاله. ولزوم الوصل هاهنا كلزوم القطع في أعطيت، وذلك قولك: احتبست احتباسا، وانطلقت انطلاقا "
وجملة الأمر أن ما كان من الفعل في أول ماضيه ألف وصل فمصدره أن يزاد قبل آخره ألف، ويؤتى بحروفه مع ألف الوصل، وذلك تسعة أبنية: ثلاثة منها خماسية وستة سداسية. فأما الخماسية فافتعلت افتعالا، نحو: احتبست احتباسا، وانفعلت انفعالا، نحو: انطلقت انطلاقا، وافعللت افعلالا، نحو: احمررت احمرارا. وأما السداسية فاستفعلت استفعالا، كقولك: استخرجت استخراجا، وافعاللت افعيلالا،
_________________
(١) انظر المخصص: ١٤/ ١٨٤.
(٢) أسقط أبو سعيد هذا الباب، وكأنه رأى أنه ليس في حاجة إلى شرح. انظر سيبويه: ٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣.
[ ٤ / ٤٥٤ ]
كقولك: اشهاببت اشهيبابا، وافعنللت افعنلالا، كقولك: اقعنسست اقعنساسا واحرنجمت احرنجاما، وافعولت افعوّالا، كقولك: اجلوذت اجلوّاذا، وافعوعلت افعيعالا، كقولك: اغدودنت اغديدانا، وافعلّلت افعلالا، كقولك: اقشعررت اقشعرارا.
قال سيبويه:
" وأما فعّلت فالمصدر منه التفعيل، جعلوا التاء التي في أوله بدلا من العين الزائدة في فعّلت، وجعلوا الياء بمنزلة ألف الإفعال، فغيّروا أوله كما غيروا آخره، وذلك قولك: كسّرته تكسيرا، وعذّبته تعذيبا. وقد قال قوم: كلّمته كلّاما وحمّلته حمّالا، أرادوا أن يجيئوا به على الإفعال فكسّروا أوله "
قال أبو سعيد: من قال كلّمته كلّاما فهو نحو: أفعل إفعالا؛ لأن إفعالا على حروف أفعل، وقد زيد في آخره ألف وكسر أوله، فكذلك كلّام وحمّال قد زيد قبل آخره ألف وكسر أوله، وأتي بحروف الفعل على جملتها.
وأما مصدر تفعّلت فإنه التفعّل، جاءوا به بجميع ما في تفعّل وضموا العين لأنه ليس في الكلام اسم على تفعّل.
ولم يزيدوا ياء ولا ألفا قبل آخره؛ لأنهم جعلوا زيادة التاء في أوله وتشديد عين الفعل منه عوضا مما يزاد، وذلك قولك: تكلّمت تكلّما، وتقوّلت تقوّلا.
قال: " وأما الذين قالوا: كذّابا، فإنهم قالوا: تحّملت تحمّالا، أرادوا أن يدخلوا الألف كما أدخلوها في أفعلت واستفعلت "
يعني أنهم أتوا بحروف الفعل بأسرها وزادوا قبل آخرها ألفا، وكسروا أولها كما يفعلون ذلك في مصدر أفعلت واستفعلت، وإنما يزيدون في المصدر ما لم يكن في الفعل، لأن المصدر اسم، والأسماء أخف من الأفعال وأحمل للزيادة ".
" وأما فاعلت فإن المصدر منه الذي لا ينكسر أبدا مفاعلة، جعلوا الميم عوضا من الألف التي بعد أول حرف منه، والهاء عوض من الألف التي قبل آخر حرف، وذلك: جالسته مجالسة وقاعدته مقاعدة وشاربته مشاربة، وجاء كالمفعول؛ لأن المصدر مفعول ".
قال أبو سعيد: كلام سيبويه في هذا مختلّ، وقد أنكر، وذلك أنه جعل الميم عوضا من الألف التي بعد أول حرف منه، وذلك غلط، لأن الألف التي بعد أول حرف هي موجودة في مفاعلة، ألا ترى أنك تقول: قاتلت، وبعد القاف ألف زائدة، وتقول: مقاتلة
[ ٤ / ٤٥٥ ]
في المصدر، وبعد القاف ألف زائدة، فالألف موجودة في المصدر والفعل، فكيف تكون الميم عوضا من الألف، والألف لم تذهب.
وأما قوله: " جاء كالمفعول "، يعني مجالسة، لفظ كلفظ مجالس وهو المفعول من جالسته، والجيد في هذا ما وجدته في نسخة أبي بكر مبرمان، وهو أن هذه المصادر جاءت مخالفة للأصل كفعلت، وذلك أن فعلت يجيء مصدره مخالفا لما يوجبه قياس الفعل، وتزاد في أوله الميم، كما يقال: ضربه مضربا، وشربته مشربا، وقد تزاد
فيه مع الميم الهاء، كما يقال المرحمة، وألزموا الهاء في هذا لما ذكره من تعويض الألف التي قبل آخر المصدر.
قال سيبويه: " وأما الذين يقولون: تحملت تحمّالا فإنهم يقولون: قاتلت قيتالا، فيوفرون الحروف ويجيئون به على مثال إفعال، وعلى مثال قولهم: كلّمته كلّاما، وقالوا: ماريته مراء، وقاتلته قتالا "
قال أبو سعيد: يريد أنهم يأتون بحروف فاعل موفّرة ويزيدون الألف قبل آخرها ويكسرون أول المصدر، فإذا كسروه انقلبت الألف ياء لانكسار ما قبلها فيصير فيعالا، وقد يحذفون هذه الياء لكثرة هذا المصدر في كلامهم، ويكتفون بالكسرة، فيقولون: قتالا ومراء، واللازم عند سيبويه في مصدر فاعلت المفاعلة، وقد يدعون الفعال والفعال في مصدره ويدعون مفاعلة، قالوا: جالسته مجالسة، وقاعدته مقاعدة، ولم يسمع جلاسا ولا جيلاسا، ولا قعادا ولا قيعادا.
قال سيبويه: وأما تفاعلت فالمصدر التّفاعل، كما أن التفعّل مصدر تفعلت؛ لأن الزنة وعدّة الحروف واحدة، وتفاعلت من فاعلت بمنزلة تفعّلت من فعّلت، وضموا العين لئلا يشبه الجمع، ولم يفتحوا لأنه ليس في الكلام تفاعل في الأسماء ".
هذا باب ما جاء المصدر فيه من غير الفعل لأن المعنى واحد
وفي بعض النسخ على غير الفعل (١). قال سيبويه:
" وذلك قولك: اجتوروا وتجاوروا اجتوارا؛ لأن معنى اجتوروا وتجاوروا واحد، ومثل ذلك: انكسر كسرا، وكسر انكسارا "، وكذلك كل فعلين في معنى واحد أو يرجعان إلى معنى واحد إذا ذكرت أحدهما جاز أن تأتي بمصدر الآخر فتجعله في
_________________
(١) هذه الرواية موافقة لسيبويه ٢/ ٢٤٤.
[ ٤ / ٤٥٦ ]
موضع مصدره، فمن ذلك: قول الله ﷿: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (١) "، ومصدر تبتّل تبتّلا، وتبتيلا مصدر بتّل، فكأنه قال: بتّل، ومنه وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا (٢)، لأنه إذا أنبتهم فقد نبتوا، ونباتا مصدر نبت، فكأنه قال نبتم نباتا.
وزعموا أن في قراءة عبد الله بن مسعود: وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا (٣) لأن معنى أنزل ونزول واحد، وقال القطامي:
وخير الأمر ما استقبلت منه وليس بأن تتبّعه اتّباعا
لأن تتبّعت واتّبعت في المعنى واحد. قال رؤبة:
وقد تطوّيت انطواء الحضب
لأن معنى تطوّيت وانطويت واحد.
والحضب: الحية. وقد يجيء المصدر على خلاف حروف الفعل إذا كان الفعلان متساويين في المعنى، كقولك: أدعه تركا شديدا؛ لأن معنى يدع ويترك واحد، ورضته إذلالا شديدا وتذليلا حسنا، وذلّلته رياضة جيدة، كما قال:
فصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا ورضت فذلّت صعبة أيّ إذلال (٤)
هذا باب ما لحقته هاء التأنيث عوضا لما ذهب
" وذلك قولك: أقمته إقامة، واستعنته استعانة، وأريته إراءة " مثل إراعة، وإن شئت لم تعوّض وتركت الحروف على الأصل، قال الله ﷿: لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ (٥) "
قال أبو سعيد: اعلم أن الأصل في هذا الباب هو أن يكون الفعل على أفعل وعين الفعل منه واو أو ياء فإنهما يعتلان وتلقى حركتهما على ما قبلهما وتقلب كل واحدة منهما ألفا في الماضي وياء في المستقبل، كقولك: أقام يقيم، وألان يلين، والأصل أقوم يقوم، وألين يلين، فألقيت حركة الياء والواو على ما قبلهما، وقلبتهما ألفا بعد الفتحة وياء بعد الكسرة، ثم يعلّ المصدر لإعلال الفعل، فتقول: إقامة وإلانة، وكان الأصل إقواما
_________________
(١) سورة المزمل، الآية: ٨.
(٢) سورة نوح، الآية: ١٧.
(٣) سورة الفرقان، الآية: ٢٥.
(٤) قاله امرؤ القيس في ديوانه ٣٢، وانظر المخصص: ١٤/ ١٨٧.
(٥) سورة النور، الآية: ٣٧.
[ ٤ / ٤٥٧ ]
وإليانا، كما تقول: أكرم يكرم إكراما، غير أنك لمّا أعللت الواو والياء في الفعل أعللتهما في المصدر، فألقيت حركتهما على ما قبلهما فسكنتا وبعدهما ألف إفعال وهي الألف التي في الإقوام والإليان قبل الميم والنون فاجتمع ساكنان: أحدهما عين الفعل المعتلة، والآخر ألف إفعال، فأسقط أحدهما وجعلت هاء التأنيث عوضا من الحرف الذاهب فقالوا: إقامة وإلانة.
وكذلك يعمل في استفعل ومصدره كقولك: استعان يستعين استعانة، واستلان يستلين استلانة، والأصل استعون
يستعون استعوانا، واستلين يستلين استليانا، فاختلف النحويون في الذاهب من الحرفين لاجتماع الساكنين، فقال الخليل وسيبويه: الذاهب هو الساكن الثاني؛ لأن الساكن الثاني زائد والأول أصلي، وإسقاط الزائد أولى. وقال الأخفش والفراء: الذاهب هو الأول؛ لأن حق اجتماع الساكنين أن يسقط الأول منهما، وقد أحكمنا الاحتجاج لهذا في التصريف.
وقد أجاز سيبويه ألا تدخل الهاء عوضا، واحتج بقوله ﷿: وَأَقامَ الصَّلاةَ، * ولم يفصل بين ما كان مضافا وغير مضاف، وذكر الفراء أن الهاء لا تسقط إلا مما كان مضافا، فالإضافة عوض منها، وأنشد:
إنّ الخليط أجدّوا البين فانجردوا وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا (١)
وذكر أن الأصل: عدة الأمر والهاء سقطت للإضافة وأن ذلك لا يجوز في غير الإضافة، وقال خالد بن كلثوم: عد الأمر، جمع عدوة، والعدوة: الناحية والجانب من قوله ﷿: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى (٢) وإنما أراد الشاعر نواحي الأمر وجوانبه، فأجاز سيبويه أقمته إقاما ولم يجزه الفراء. وأما قوله: " أريته إراءة " فليس من هذا الباب؛ لأنه لم يعتل عين الفعل فيه، ولكنه دخله النقص لتليين الهمزة، فعوّض الهاء والأصل أرأيته إرءاء، كما تقول: أرعيته إرعاعا، فخفّفت الهمزة في المصدر كما خففت في الفعل بأن ألقيت حركتها على الراء وأسقطت فجعلت الهاء عوضا من ذلك، وإذا كان الفعل على انفعل وافتعل وعين الفعل واو أو ياء فإنه لا يسقط من مصدره شيء؛ لأنه لا يلتقي فيه ساكنان، ولا تلزمه الهاء؛ لأنه لم يسقط منه شيء تكون الهاء عوضا منه،
_________________
(١) انظر الخصائص: ٣/ ١٧١، والمخصص: ١٤/ ١٨٧ - ١٨٨، وانظر شرح شواهد الشافية ص: ٦٥.
(٢) سورة الأنفال، الآية: ٤٢.
[ ٤ / ٤٥٨ ]
وذلك قولك: انقاد انقيادا، وانحاز انحيازا، واكتال اكتيالا، واختار اختيارا.
قال سيبويه: " وأما عزّيت تعزية ونحوها فلا يجوز الحذف فيه ولا فيما أشبهه، لأنهم لا يجيئون بالياء في شيء من بنات الياء والواو مما هما في موضع اللام، وقد يجيء في الأول نحو: الإحواذ والاستحواذ ونحوه "
يريد أن ما كان على فعل فمصدره التفعيل أو تفعلة في الصحيح، كقولك: كرّمته تكرمة وتكريما، وعظّمته تعظمة وتعظيما، والباب فيه تفعيل، فإذا كان لام الفعل منه معتلا ألزموه تفعلة كتكرمة كراهة أن يقع الإعراب على الياء، وأرادوا أن تعرب الهاء، وتكون الياء مفتوحة أبدا، كقولك: عزيته تعزية، وسويته تسوية، ولم يقولوا عزّيته تعزيّا،
وهذا تعزيّك، وعجبت من تعزيك؛ لأن لهم عنه مندوحة باستعمالهم الوجه الآخر.
وفرق سيبويه بين هذا وبين (إقام الصلاة)، فلم يجز في هذا حذف الهاء، كما أجاز في (إقام الصلاة) بأن قال: " إنه قد جاء في باب إقام الصلاة المصدر على الأصل بغير هاء، كقولهم: الإحواذ والاستحواذ، ولم يقولوا في هذا الباب بإسقاط الهاء ".
قال أبو سعيد: وقد جاء في الشعر، قال الراجز:
بات ينزي حوضة تنزيّا كما تنزي شهلة صبيّا (١)
قال سيبويه: " ولا يجوز حذف الهاء في تجزئة وتهنئة، وتقديرهما تجرعة وتهنعة؛ لأنهم ألحقوا الهاء بأختيها من بنات الياء والواو كما ألحقوا حين قالوا: أريت وأقمت "
قال أبو العباس المبرد: الذي قاله في تفعلة مصدر فعلت من الهمز جيد بالغ، والإتمام على تفعيل كغير المعتل أجود وأكثر عن أبي زيد وجميع النحويين، تقول: هنأته تهنيئا وتهنئة، وخطّأته تخطيئا وتخطئة.
قال أبو سعيد: الذي عنده أن سيبويه لم يرد ما قاله أبو العباس من الإتيان بالمصدر على التمام، وإنما أراد أنه لا يجوز حذف الهاء من الناقص من تفعلة كما جاز في (إقام الصلاة)، لا تقول: جزأته تجزئا (ولا هنّأته) تهنئا، والدليل على ذلك أن سيبويه قال في باب المفعول الذي يتعداه فعله إلى مفعولين: " ونبّئت تنبيئا "، ولو كان ذلك لا يجوز عنده ما استعمله.
_________________
(١) بلا نسبة في الخصائص ٢/ ٣٠٢، والمنصف ٢/ ١٩٥، وشرح الشافية ١/ ١٦٥، واللسان (نزا).
[ ٤ / ٤٥٩ ]
هذا باب ما تكثّر فيه المصدر من فعلت فتلحق الزوائد وتبنيه ببناء آخر كما أنك قلت في فعلت حين كثّرت الفعل
" وذلك قولك في الهدر: التّهدار، وفي اللّعب: التّلعاب، وفي الرّدّ: التّرداد، وفي الصّفق: التّصفاق، وفي الجولان: التّجوال والتّقتال والتّسيار، وليس شيء من هذا مصدر فعّلت، ولكن لمّا أردت التكثير بنيت المصدر على هذا كما بنيت فعلت على فعّلت "
قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه يجعل التّفعال تكثيرا للمصدر الذي هو للفعل الثلاثي فيصير التّهدار بمنزلة قولك: التهدر الكثير، والتّلعاب بمنزلة قولك: اللّعب الكثير.
وكان الفراء وغيره من الكوفيين يجعلون التّفعال بمنزلة التفعيل، والألف عوضا من الياء، ويجعلون ألف التّكرار والترّداد بمنزلة ياء تكرير وترديد، والقول ما قاله سيبويه؛ لأنه يقال: التّلعاب، ولا يقال: التّلعب. قال سيبويه:
" وأما التّبيان فليس على شيء من الفعل لحقته الزيادة، ولكنه بني هذا البناء فلحقته الزيادة، كما لحقت الرئمان (١)، وهي من الثلاثة وليس من باب التّفعال، لو كان أصلها من ذلك فتحوا التاء، فإنما هي من بيّنت، كالغارة من أغرت والنّبات من أنبت ".
يريد أن التّبيان ليس بمصدر لبيّنت، وإنما مصدره التّبين والتّبيان اسم جعل موضع المصدر، وكذلك مصدر أغرت إغارة، وتجعل غارة مكان إغارة، ومصدر أنبت إنبات، ويستعمل النبات موضع الإنبات.
قال سيبويه: " ونظيرها التّلقاء يريد اللّقيان، قال الراعي:
أمّلت خيرك هل تدنو مواعده فاليوم قصّر عن تلقائك الأمل (٢) "
يريد عن لقائك، والمصادر كلها على تفعال بفتح التاء، وإنما يجيء تفعال في الأسماء، وليس بالكثير، وقد ذكر بعض أهل اللغة منها ستة عشر حرفا لا يكاد يوجد غيرها، منها: التّبيان والتلقاء، ومرّ تهوام الليل وتبراك وتعشار وتربعاع مواضع، وتمساح:
_________________
(١) الرئمان: العطف والمحبة.
(٢) انظر البيت في ديوانه ص: ١٠٧، وأدب الكاتب ص: ٦٢٨، وسيبويه: ٢/ ٣٤٥.
[ ٤ / ٤٦٠ ]
الدابة المعروفة، والتّمساح: الرجل الكذّاب وتجفاف وتمثال وتمراد بيت للحمام، (وتلفاق) هو ثوبان يلفقان، وتلقام: سريع اللّقم، ويقال: أتت الناقة على تضرابها، أي الوقت الذي ضربها الفحل فيه، وتلعاب: كثير اللّعب، وتقصار: وهي المخنقة، وتنبال:
وهو القصير.
هذا باب مصادر بنات الأربعة
" فالزم لها الذي لا ينكسر عليه أي يجيء على مثال فعللة، وكذلك كل شيء ألحق من بنات الثلاثة بالأربعة، وذلك نحو: دحرجته دحرجة، وزلزلته زلزلة، فهذا الأصلي، والملحق نحو: " حوقلته حوقلة، وزحولته زحولة "، وهو من الزّحلة، وإنما ألحقوا الهاء عوضا من الألف التي تكون قبل آخر حرف، وذلك ألف زلزال، وقالوا:
زلزلته زلزالا، وقلقلته قلقالا، وسرهفته سرهافا، كأنهم أرادوا مثال الإعطاء والكذّاب؛ لأن مثال دحرجت وزنتها على أفعلت وفعّلت "
قال أبو سعيد: قد كنت ذكرت ما يلزم المصدر في أكثر ما جاوز الثلاثة من ألف تزاد قبل آخره بما أغني عن إعادته، ولفعللت مصدران: أحدهما فعللة والآخر فعلان، كقولك: سرهفته سرهفة وسرهافا، والأغلب فيه الألزم الفعللة؛ لأنها عامة في جميعها، وربما لم يأت فعلال، نحو: دحرجته دحرجة، ولم يسمع دحراج. وألزموا فعللة الهاء عوضا من الألف التي قبل آخر فعلال، فإذا كان فعللته مضاعفا جاز الفعلال.
" وتقول: الزّلزال والقلقال، ففتحوا كما فتحوا أول التّفعيل ".
كأنهم حذفوا الهاء من فعللة وزادوا الألف عوضا منها، وفي غير المضاعف لا يفتحون أوله، لا يقولون السرهاف.
" والفعللة هاهنا بمنزلة المفاعلة في فاعلت، والفعلال بمنزلة الفعال في فاعلت، تمكّنهما هاهنا كتمكّن ذينك هناك "
قال أبو سعيد: قد ذكرنا في مصدر فاعلت أنه مفاعلة، وفعال، فإن الأصل مفاعلة، وكذلك مصدر فعللت فعللة وفعلال، والأصل فعللة.
قال: " وأما ما لحقته الزيادة من بنات الأربعة وجاء على مثال استفعلت وما لحق من بنات الثلاثة ببنات الأربعة فإن مصدره يجيء على مثال استفعلت، وذلك:
احرنجمت احرنجاما، واطمأننت اطمئنانا، والطّمأنينة والقشعريرة ليس واحد منهما بمصدر على اطمأننت واقشعررت، كما أن النبات ليس بمصدر على أنبت، فمنزلة
[ ٤ / ٤٦١ ]
اقشعررت من القشعريرة، واطمأننت من الطمأنينة بمنزلة أنبت من النّبات "
يريد أن القشعريرة والطّمأنينة اسمان وليسا بمصدرين لهذين الفعلين، وإن كانا قد يوضعان في موضع المصدر، فيقال: اطمأننت طمأنينة، واقشعررت قشعريرة، كما أن النبات ليس بمصدر لأنبتّ، وإن كان يوضع في موضعه، قال الله ﷿: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا (١)، والمسرهف: المنعّم الذي قد أحسن غذاؤه.
هذا باب نظير ضربته ضربة ورميته رمية من هذا الباب
قال أبو سعيد: اعلم أن حكم المرة الواحدة من مصدر ما تجاوز الثلاثة أن تزيد على مصدره الهاء، فإن كان المصدر تلزمه الهاء اكتفيت بما يلزمه من الهاء، وإن كان للفعل مصدران جعلت الواحد من لفظ المصدر الذي هو الأصل
والأكثر.
وتقول: أعطيت إعطاءة، وأخرجت إخراجة " إذا أردت المرة الواحدة.
وقولك: احترزت احترازة، وانطلقت انطلاقة واحدة، واستخرجت استخراجة واحدة، واقعنست اقعنساسة، واغدودنت اغديدانة، وفعلّت بهذه المنزلة، تقول: عذّبته تعذيبة، وروّحته ترويحة. والتفعّل كذلك، وذلك قولهم: تقلّب تقلّبة واحدة. وكذلك التفاعل، تقول: تغافل تغافلة، وتعاقل تعاقلة واحدة، وأما فاعلت فإنك إن أردت الواحدة قلت: قاتلته مقاتلة، وراميته مراماة ".
ولا تقول قاتلته قتالا؛ لأن أصل المصدر في فاعلت مفاعلة لا فعال، وإنما تجعل المرة على لفظ المصدر الذي هو الأصل، وأغنتك الهاء عن هاء تجلبها للمرة.
فالمقاتلة بمنزلة الإقالة والاستغاثة؛ لأنك لو أردت الفعلة في هذا لم تجاوز لفظ المصدر للهاء التي في المصدر.
قال: " ولو أردت الواحدة من اجتورت فقلت تجاورة جاز؛ لأن المعنى واحد، فكما جاز تجاورا كذلك يجوز هذا ".
يعني في مصدر اجتور جاز تجاورة في الواحدة من مصدر اجتور.
ومثل ذلك: يدعه تركة واحدة، كما يقال في غير الواحد: يدعه تركا.
هذا باب نظير ما ذكرنا من بنات الأربعة وما ألحق ببنائها من بنات الثلاثة
" تقول: دحرجته دحرجة واحدة، وزلزلته زلزلة واحدة، تجيء بالواحدة على
_________________
(١) سورة نوح، الآية: ١٧.
[ ٤ / ٤٦٢ ]
المصدر الأغلب الأكثر "
يريد أنك لا تقول زلزلة؛ لأن الأصل والأكثر في مصدر فعللت فعللة.
" وأما ما لحقته الزوائد فجاء على مثل استفعلت، فإن الواحدة تجيء على مثال استفعالة، وذلك قولك: احرنجمت احرنجامة، واقشعررت اقشعرارة. وقد مضى الكلام في نحوه.
هذا باب اشتقاقك الأسماء لمواضع بنات الثلاثة التي ليست فيها زيادة من لفظها
" أما ما كان من فعل يفعل فإن موضع الفعل مفعل، وذلك قولك: هذا مجلسنا ومضربنا ومحبسنا، كأنهم بنوه على بناء يفعل، وكسروا العين كما كسروها في يفعل، فإذا أردت المصدر بنيته على مفعل، وذلك قولك: إن في
ألف درهم لمضربا، أي لضربا، قال الله ﷿: أَيْنَ الْمَفَرُّ (١)، يريد أين الفرار، فإذا أراد المكان قال:
المفر، كما قال: المبيت حين أراد المكان؛ لأنها من بات يبيت، وقال الله ﷿:
وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا (٢)، أي جعلناه عيشا. وقد يجيء المفعول يراد به الحين، فإذا كان من فعل يفعل بنيته على مفعل، يجعل الحين الذي فيه الفعل كالمكان الذي فيه الفعل، وذلك قولك: أتت الناقة على مضربها، وأتت على منتجها، إنما تريد الحين الذي فيه النّتاج والضّراب، وربما بنوا المصدر على المفعل كما بنوا المكان عليه والقياس المفعل، فما بنوا فيه المصدر على المفعل المرجع، قال الله ﷿: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ (٣) "
ومن ذلك فيما ذكره سيبويه المطلع في معنى الطلوع، وقد قرأ الكسائي: حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٤) ومعناه حتى طلوع الفجر، وقال بعض الناس: المطلع الموضع الذي يطلع فيه الفجر، والمطلع المصدر، والقول ما قاله سيبويه؛ لأنه لا يجوز إبطال قراءة من قرأ بالكسر، ولا يحتمل إلى الطّلوع؛ لأن (حتى) إنما يقع بعدها في التوقيت ما يحدث، والطلوع هو الذي يحدث، والمطلع ليس بحادث في آخر الليل؛ لأنه الموضع.
_________________
(١) سورة القيامة، الآية: ١٠.
(٢) سورة النبأ، الآية: ١١.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٤٨ و١٠٥ - وسورة هود، الآية: ٤.
(٤) سورة القدر، الآية: ٥.
[ ٤ / ٤٦٣ ]
وقال الله ﷿: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ (١) أي الحيض، وقالوا: المعجز، يريدون العجز، وقالوا: المعجز على القياس، وربما ألحقوا هاء التأنيث فقالوا: المعجزة، كما قالوا: المعيشة. وكذلك يدخلون الهاء في المواضع، قالوا: المزلّة، أي موضع الزّلل وقالوا: المعذرة والمعتبة، فألحقوا الهاء وفتحوا على القياس، وقالوا: المصيف، كما قالوا: أتت الناقة على مضربها، أي على زمان ضرابها، والمصيف زمان، وقالوا: المشتاة فأنثوا وفتحوا؛ لأنه من يفعل.
وما كان على فعل يفعل فاسم المكان منه مفعل، كما يقال: مقتل؛ لأنه من قتل يقتل، وقالوا: في هذا: شتا يشتو.
وقالوا: المعصية والمعرفة كقولهم: المعجزة، وربما استغنوا بالمفعلة عن غيرها، وذلك قولك: المشيئة والمحمية، وقالوا: المزلّة. وقال الراعي:
بنيت مرافقهنّ فوق مزلّة لا يستطيع بها القراد مقيلا
يريد قيلولة.
قال: " وأما ما كان على يفعل مفتوحا فإن اسم المكان مفعل، وذلك قولك:
شرب يشرب، وتقول للمكان مشرب، ولبس يلبس والمكان الملبس، وإذا أردت المصدر فتحته أيضا، كما فتحته في يفعل، فإذا كان، مفتوحا في المكسور فهو في المفتوح أجدر أن يفتح. وقد كسر المصدر كما كسر في الأول، قالوا: علاه المكبر، وتقول: المذهب للمكان، وأردت مذهبا، أي ذهابا فتفتح؛ لأنك تقول: يذهب.
وقالوا: مشربة فأنثوا، كما أنثوا الأول، وكسروا كما كسروا الأول ".
فإذا جاء المفعل في مصدر فعل يفعل كان في فعل يفعل أولى، وكذلك في فعل يفعل، وقد مضى الكلام في نحو ذلك.
" وأما ما كان يفعل منه مضموما فهو بمنزلة ما كان يفعل منه مفتوحا، ولم يبنوه على مثال يفعل؛ لأنه ليس في الكلام مفعل، فلما لم يكن إلى ذلك سبيل وكان مصيره إلى إحدى الحركتين ألزموه أخفهما، وذلك: قتل يقتل، وهذا المقتل، وقام يقوم، وهذا المقام، وقالوا: أكره مقال الناس وملامهم، وقالوا: الملامة والمقالة فأنثوا.
وقالوا: المردّ والمكرّ، يريدون الرّدّ والكرور. وقالوا: المدعاة والمأدبة، يريدون
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٢٢.
[ ٤ / ٤٦٤ ]
الدّعاء إلى الطعام، وقد كسروا المصدر كما كسروا في يفعل، فقالوا: أتيتك عند مطلع الشمس، أي عند طلوع الشمس، وهذه لغة بني تميم. وأما أهل الحجاز فيفتحون، وقد كسروا الأماكن أيضا في هذا، كأنهم أدخلوا الكسر أيضا كما أدخلوا الفتح "
قال أبو سعيد: اعلم أن مذهب العرب في الأماكن والأزمنة كأنهم يبنونها على لفظ المستقبل، فقالوا فيما كان المستقبل منه يفعل: المفعل للمكان والزمان، كقولهم: المحبس والمجلس والمضرب. وقالوا فيما كان المستقبل منه يفعل: الملبس والمشرب والمذهب، وكان يلزم على هذا أن يقال فيما كان المستقبل منه يفعل مفعل، فيقال في المكان من قتل يقتل: المقتل، ومن قعد يقعد: مقعد، غير أنهم عدلوا عن هذا؛ لأنه ليس في الكلام مفعل إلا بالهاء، كقولك: مكرمة وميسرة ومقبرة ومسربة، فعدلوا إلى أحد اللفظين الآخرين، وهما مفعل أو مفعل، فاختاروا مفعل حرفا؛ لأن الفتح أخف، وقد جاءت عن العرب أحد عشر حرفا على مفعل مما فعله على فعل يفعل، وهي منسك ومحزر ومنبت ومطلع ومشرق ومغرب، ومفرق ومسقط ومسكن ومرفق ومسجد، كأنهم حملوا يفعل
على يفعل؛ لأنهما أخوان.
وقد ذكر بعض الكوفيين أنه قد جاء مفعل، وأنشد في ذلك:
ليوم روع أو فعال مكرم (١)
وأنشد أيضا:
بثين الزمي لا، إنّ لا إن لزمته على كثرة الواشين أيّ معون (٢)
فقال بعضهم: معون في معنى معونة، وأصله معون، وقال بعضهم: معون جمع معونة، وليس في شيء من ذلك ما يمنع ما قاله سيبويه؛ لأن أصل الكلام مكرمة ومعونة وإنما اضطر الشاعر إلى حذف الهاء، والنية الهاء، ومثل هذا كثير في الشعر، كقوله:
أما تريني اليوم أمّ حمز
يريد حمزة، وقول الآخر:
أمال بن حنظل
يريد حنظلة.
قال سيبويه: " وأما المسجد فإنه اسم للبيت، ولست تريد به موضع السجود
_________________
(١) منسوب لأبي الأخزر الحماني (راجز إسلامي) في شرح شواهد الشافية ٦٨، واللسان (كرم).
(٢) البيت في ديوانه ص: ٢١٢.
[ ٤ / ٤٦٥ ]
وموضع جبهتك، ولو أردت ذلك لقلت مسجد، ويقوي ذلك ما روي عن الحجاج أنه قال: " ليلزم كل رجل مسجده " أراد مواضعهم من المسجد؛ لئلا يكون لهم تجمع في المسجد للفتن ".
قال: " ونظير ذلك المكحلة والمحلب والميسم، لم ترد موضع الفعل، ولكنه اسم لوعاء الكحل، وكذلك المدق صار اسما كالجلمود، وكذلك المقبرة والمشرقة "، يريدون الموضع الذي تجمّع فيه القبور، ويقع فيه (التشريق).
ولو أرادوا موضع الفعل لقالوا: مقبر، ولكنه اسم بمنزلة المسجد، ومثل ذلك المشربة، وإنما هو اسم لها (كالغرفة) وكذلك: المدهن والمظلمة بهذه المنزلة، إنما هي اسم ما أخذ منك، ولم ترد مصدرا ولا موضع فعل. وقالوا: مضربة السيف، جعلوه اسما للحديدة، وبعض العرب يقول: مضربة كما تقول: مقبرة ومشربة، فالكسر في مضربة كالضم في مقبرة، والمنخر بمنزلة المدهن، كسروا الحرف كما ضمّ ثمّة "
قال أبو سعيد: ولقائل أن يقول: إن منخر هو من باب منسك؛ لأنه هو موضع النّخور، وفعله نخر ينخر، ومنهم من يكسر الميم اتباعا للخاء.
قال: " وأما المسربة، وهو الشّعر الممدود في الصدر وفي السّرّة فبمنزلة المشرقة، لم ترد مصدرا ولا موضعا لفعل، وإنما هو اسم مخطّ الشّعر الممدود في الصدر، وكذلك المأثرة والمكرمة. وقد قال قوم: معذرة كالمأدبة، ومثله: (فنظرة إلى ميسرة ".
ويقرأ: ميسره، وهو منكر ليس في الكلام مفعل على ما ذكرناه.
قال: " ويجيء المفعل اسما، كما جاء في المسجد والمنكب، وذلك المطبخ والمربد. كل هذه الأبنية تقع أسماء للتي ذكرنا من هذه الفصول لا لمصدر ولا لموضع عمل ".
هذا باب ما كان اسما من هذا النحو من بنات الياء والواو التي الياء والواو فيهن لام
" فالموضع والمصدر فيهن سواء؛ لأنه معتل، وكان الألف والفتح أخف عليهم من الكسرة من الكسرة مع الياء، ففروا إلى مفعل، وقد كسروا في نحو: معصية ومحمية ولا يجيء مكسورا أبدا بغير الهاء؛ لأن الإعراب يقع على الياء، ويلحقها الاعتلال، فصار هذا
[ ٤ / ٤٦٦ ]
بمنزلة الشّقاء والشّقاوة، وتثبت الواو مع الهاء وتبدل مع ذهابها.
يريد أن الشّقاء أصله الشقاو، فوقعت الواو طرفا بعد ألف واستثقل الإعراب عليها، فقلبت همزة، فإذا كان بعد هاء يقع الإعراب عليها جاز أن لا تقلب كالشقاوة فكذلك معصية ومحمية لا تجيء إلا بالهاء إذا بنيته على مفعل، والباب فيه مفعل، مثل المومى والمقضى وما أشبه ذلك وبنات الواو أولى بذلك، لأن فعلها على يفعل، كقولك: دعا يدعو ودنا يدنو، والموضع المدعى والمدنى.
وذكر الفراء أنه قد جاء في ذلك مأوي الإبل، وذكر غيره مأوي الإبل ومآقي العين، والذي ذكر مآقي العين غالط عندي، لأن الميم أصلية في قولنا: مأق وآماق وموق وأمواق.
هذا باب ما كان من هذا النحو من بنات الواو التي الواو فيهن فاء
" فكل شيء من هذا كان فعل فإن المصدر منه والمكان والزمان يبنى على مفعل، وذلك قولك للمكان: الموعد والموضع والمورد وفي المصدر الموجدة والموعدة.
" يعني أنه قد تزاد في المصدر الهاء للتأنيث، وإنما جاء على مفعل؛ لأن ما كان على فعل وأوله واو يلزم مستقبله
بفعل، ويلزمه الإعلال وهو حذف الواو من المستقبل، كقولك: وعد يعد ووجد يجد ووصل يصل، ثم حملوا ما كان منه على فعل يفعل على ذلك، " فقالوا في وجل يوجل ووحل يوحل موجل وموجل ".
قال سيبويه: " وذلك أن يوجل وأشباههما في هذا الباب من فعل يفعل قد يعتل، فتقلب الواو مرة ياء ومرة ألفا، وتعتل لها الهاء التي قلبها حتى تكسر، فلما كانت كذلك شبهوها بالأول لأنها في حال اعتلال ولأن الواو منها في موضع الواو من الأول، فهم ما يشبهون الشيء بالشيء وإن لم يكن مثله في جميع حالاته ".
ومعنى قول سيبويه: " تقلب الواو ياء " أنه يجوز في يوجل ويوحل ييجل وييحل، وقوله " مرة " يعني قولهم: ياجل وياحل، وقوله: " تعتل لها الياء "
يريد أنهم يقولون: ييجل وييحل، فيكسرون الياء الأولى، وحقها الفتح ومما يقوى كسر الموجل " والموحل وإن كان من وجل يوجل (إنهم قالوا): علاه المكبر في الصحيح، وهو من كبر يكبر.
قال: " وحدثنا يونس وغيره أن ناسا من العرب يقولون في " وجل " " يوجل " ونحوه: " موجل " و" موحل "، وكأنهم الذين يقولون: " يوجل "، فسلّموه، فلما سلّم من
[ ٤ / ٤٦٧ ]
الإعلال وكان يفعل ك " يركب " شبه به ".
قال: " وقالوا: مودّة، لأن الواو تسلّم ولا تقلب "
يعني في قولهم: وديود، ولا يقال: ييد، كما يقال: ييجل، فصار بمنزلة الصحيح إذا قلت: شرب يشرب، والمشرب المصدر والمكان، وقد جاء على مفعل من هذا الباب أسماء ليست بمصادر ولا أمكنة للفعل، فمن ذلك: موحد، وهو اسم معدول في باب العدد، يقال: موحد وأحاد، ومثنى وثناء، ومثلث وثلاث، ومربع ورباع، وهذا قد ذكر في بابه، وجاء معدولا كما عدل عمر عن عامر، وموهب اسم رجل، وموألة اسم رجل، ومورق اسم وقالوا: فلان بن مورق، والموهبة الغدير من الماء، ومؤكل اسم موضع أو رجل.
" وبنات الياء بمنزلة غير المعتل لأنها تتم ولا تعتلّ، وذلك لأن الياء مع الياء أخف عليهم، ألا تراهم قالوا: ميسرة، وقال بعضهم: ميسرة ".
ومعنى قوله: " الياء مع الياء أخف عليهم " أنك تقول: يسر ييسر، ويعر ييعر فتثبت الياء التي هي فاء الفعل وقبلها ياء الاستقبال. وتقول: وعد يعد فتسقط الواو، فصارت الواو مع الياء أثقل من الياء مع الياء.
هذا باب ما يكون مفعلة لازمة لها الهاء والفتحة
" وذلك إذا أردت أن تكثر الشيء بالمكان " والباب فيه مفعلة، وذلك قولك:
أرض مسبعة ومأسدة ومذأبة إذا أردت أرضا كثر بها السباع والذئاب والأسد، وليس في كل شيء يقال، يعني لم تقل العرب في كل شيء من هذا " فإن قست على ما تكلمت به العرب كان هذا لفظه.
قال: " ولم يجيئوا بنظير هذا فيما جاوز ثلاثة أحرف من نحو: الضفدع والثعلب كراهية أن يثقل عليهم؛ لأنهم قد يستغنون بأن يقولوا: كثيرة الثعالب ونحو ذلك:
وإنما اختصوا بها بنات الثلاثة لخفتها، ولو قلت من بنات الأربعة نحو قولك: مأسدة، لقلت: مثعلبة، لأن ما جاوز الثلاثة يكون نظير المفعل منه بمنزلة المفعول "
يريد أن لفظ المصدر والمكان والزمان الذي في أوله الميم زائدة جعل ثلاثة أحرف يجيء على لفظ المفعول سواء، وفي الثلاثة على غير لفظ المفعول، ألا ترى أنك تقول:
في الثلاثة للمصدر: المضرب والمقتل، والمفعول مضروب ومقتول. وتقول فيما جاوز الثلاثة: المقاتل في معنى القتال، والمسرح في معنى التسريح، والموقّى في معنى التّوقية
[ ٤ / ٤٦٨ ]
ولفظ المفعول أيضا كذلك، تقول: قاتلت زيدا فهو مقاتل، وسرحته فهو مسرّح، ووّقيته فهو موقّى، فقالوا على ذلك: أرض مثعلبة، وأرض معقربة.
ومن قال: ثعالة قال: مثعلة " لأن ثعالة من الثلاثي والألف زائدة.
وقالوا: أرض محياة ومفعاة فيها أفاع وحيّات، ومقثاة فيها القثّاء.
مذهب سيبويه أن عين الفعل من حية ياء، ولذلك قالوا: " أرض محياة "، وقال غيره: هي واو. وقال صاحب كتاب العين: أرض محواة، وقالوا: رجل حوّاء صاحب حيات، وفي ذلك دليل على أن عين الفعل واو.
هذا باب ما عالجت به
ذكر في هذا الباب ما كان في أوله ميم زائدة من الآلات، فالباب في ذلك إذا كان شيء يعالج به وينقل وكان الفعل ثلاثيا أن تكون الميم مكسورة، ويكون على مفعل أو مفعلة، وربما على مفعال. وقد تجتمع اللغتان في شيء واحد، قالوا: مقص للذي يقص به ومحلب للإناء الذي يحلب فيه ومنجل ومكسحة ومسلّة ومصفاة ومخرز ومخيط، وقد يجيء على مفعال نحو مقراض ومفتاح ومصباح.
" وقالوا: المفتح، كما قالوا: المخرز، وقالوا: المسرجة، كما قالوا: المكسحة، وقد جاء منه أحرف بضم الميم، قالوا: مكحلة ومسعط ومنخل ومدق ومدهن، لم يذهبوا بها مذهب الفعل، ولكنها جعلت أسماء لهذه الأوعية، كما جعل
المغفور والمغرود والمعلوق والمغثور، وهذه أربعة أحرف جاءت على مفعول لا نظير لها في كلام العرب، وليست مأخوذة من فعل، فعلى ذلك جرت مكحلة والأربعة التي معها، أما المغفور والمغثور فلضرب من الصمغ الذي يقع على الشجر وفيه حلاوة، والمغرور ضرب من الكمأة، والمعلوق المعلاق.
هذا باب نظائر ما ذكرنا مما جاوز بنات الثلاثة بزيادة أو غير زيادة
" فالمكان والمصدر يبنى من جميع هذا بناء المفعول، وكان بناء المفعول أولى به (لأن المصدر مفعول والمكان مفعول فيه، فيضمون أوله كما يضمون المفعول) لأنه قد خرج من بنات الثلاثة، فيفعل بأوله ما يفعل بأول مفعوله، كما أن أول ما ذكرت لك من بنات الثلاثة كأول مفعوله مفتوح "
يعني أن اشتراك المصدر والمكان والمفعول في وصول الفعل إليهن ونصبه إياهن يوجب اشتراكهن في اللفظ، فيجب أن يكون بناء المصدر الذي في أوله الميم وبناء
[ ٤ / ٤٦٩ ]
المكان والزمان كبناء المفعول فيما جاوز ثلاثة أحرف، وجعل في الثلاثة علامة المفعول واو قبل آخره كواو مضروب.
قال سيبويه: " وإنما منعك أن تجعل قبل آخر حرف من مفعوله " يعني فيما جاوز الثلاثة. " واو كواو مضروب، أن ذلك ليس من كلامهم ولا مما بنوا عليه "
يعني زيادة الواو فيما جاوز الثلاثة، ولأن ذلك يثقل أيضا فيما تكثر حروفه والثلاثة أخف.
يقولون للمكان: هذا مخرجنا ومدخلنا (ومصبحنا ومسانا، وكذلك إذا أردت المصدر.
قال أمية بن أبي الصّلت:
(الحمد لله مسانا ومصبحنا بالخير صبّحنا ربي ومسانا) (١)
ويقولون للمكان: هذا متحاملنا ويقولون: ما فيه متحامل، أي ما فيه تحامل، ويقولون: " مقاتلنا "، وتعني المكان، وكذلك تقول إذا أردت المقاتلة، قال أبو كعب بن مالك "، قال أبو سعيد: في نسختي قال مالك بن أبي كعب:
أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا وأنجو إذا غمّ الجبان من الكرب (٢)
وقال زيد الخيل:
أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا وأنجو إذا لم ينج إلا المكيّس (٣)
وقال في المكان: هذا موتانا، وقال:
(أن الموقى مثل ما وقّيت)
يريد التّوقية، وكذلك هذه الأشياء، وأما قوله: دعه إلى معسوره وإلى ميسوره دع معسوره، ودعه إلى ميسوره، فإنما يجيء هذا على المفعول، كأنه قال: دعه إلى أمر يوسر عليه أو يعسر فيه، وكذلك المرفوع والموضوع، كأنه يقول: له ما يرفعه هو وله ما يضعه، وكذلك المعقول، كأنه قال: عقل له شيء، أي حبس له لبه وشدّ، ويستغنى بهذا عن
_________________
(١) الشاهد فيه استعمال " الممسى "، " المصبح " مصدرين بمعني الإمساء، والإصباح فحذف الوقت وأقام المصدر مقامه.
(٢) الشاهد فيه استعمال " مقاتل " مصدرا ميميا بمعنى القتال، انظر شرح المفصل ٦/ ٥٥.
(٣) انظر ديوانه ٧٣ والنوادر ٧٩
[ ٤ / ٤٧٠ ]
المفعل الذي يكون مصدرا، لأن في هذا دليلا عليه.
قال أبو سعيد: اعلم أن المفعول عند بعض النحويين يجوز أن يكون مصدرا، وجعلوا هذه المفعولات التي ذكرها سيبويه مصادره، فالميسر عندهم بمنزلة اليسر، والمعسور كالعسر، والمرفوع والموضوع والمعقول كالرفع والوضع والعقل. وقالوا في قوله ﷿: (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ)، أي بأيكم الفتنة.
وكلام سيبويه يدل على أنها غير مصادر وأنها مفعولات، فجعل الميسور والمعسور زمانا يعسر فيه ويوسر فيه، كما تقول: هذا وقت مضروب فيه زيد، وعجبت من زمان مضروب فيه زيد، وجعل المرفوع والموضوع هو الشيء الذي يضعه ويرفعه، وتقول:
هذا مرفوع ما عندي وموضوعه، أي ما أرفعه وأضعه، وجعل المعقول مشتقا من قولك:
عقل له، أي شدّ له وحبس، فكأن عقله قد حبس وشد، واستغن بهذه المفعولات التي ذكرها عن المفعل الذي يكون مصدرا، ولأن فيها دليلا على المفعل، وقال بعض أهل العلم في قوله ﷿: (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ): إن الباء زائدة، ومعناه أيكم المفتون.
ومثله في زيادة الباء قوله ﷿ في بعض الأقاويل: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ (١) (أي تنبت الدّهن) وقال الشاعر:
هنّ الحرائر لا ربات أحمرة سود المحاجر لا يقرأن بالسّور (٢)
أي لا يقرأن السّور، ويجوز في قوله: " بأيكم المفتون "
قول آخر وهو: أن الكفار ادّعوا أن النبي ﷺ مجنون وأن به جنيا فردّ الله ﷿ ذلك عليهم وتوعدهم فقال: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٣)، يعني الجنّي فيما يحتمل التأويل لأن الجنّي مفتون.
هذا باب ما لا يجوز فيه ما أفعله
" وذلك ما كان أفعل لونا أو خلقة، ألا ترى أنك لا تقول ما أحمره ولا ما أبيضه، ولا تقول في الأعرج ما أعرجه، ولا في الأعشى ما أعشاه، إنما تقول: ما أشد عشاه، وما لم يكن فيه ما أفعله لم يكن فيه أفعل به رجلا، ولا هو أفعل منه لأنك تريد أن ترفعه من
_________________
(١) سورة المؤمنون: ٢٠
(٢) الشاهد فيه زيادة الباء في قوله " بالسور " يريد: يقرأن السور وفي ديوان الراعي واللسان: أحمرة، بالحاء المعجمة.
(٣) سورة القلم: ٥، ٦
[ ٤ / ٤٧١ ]
غاية دونه كما أنك إذا قلت ما أفعله فأنت تريد أن ترفعه عن الغاية الدنيا، والمعنى في أفعل به وما أفعله واحد، وكذلك أفعل منه "
وقد ذكرنا فيما تقدم أن التعجب يشترك فيه أربعة أشياء على لفظ، فما جاز في واحد منها جاز في الباقي، وذلك أنها مشتركة في رفع الشيء عن منزلة إلى ما فوقها، وهو قولك: ما أفعله وأفعل به وهو أفعل منه وأفعل الناس.
تقول: " ما أظرف زيدا " و" أظرف بزيد "، " وزيد أظرف من عمرو "، " وزيد أظرف الناس "، ولا يجوز أن تقول: " ما أبيض زيدا ولا أبيض بزيد "، " ولا هو أبيض من عمرو ولا أبيض الناس "، فما جاز في واحد منها جاز في الباقي، وما لم يجز فيه لم يجز في الباقي وإنما اشتركت في البناء لاشتراكها في المعنى، لأن التعجب والتفضيل إنما هو رفع الشيء عن منزلة ما دونه. فأما ما أفعل زيدا وأفعل به ففعلان، وأما هو أفعل الناس وهو أفعل منه فاسمان.
قال: " وإنما دعاهم إلى ذلك أن هذا البناء داخل على الفعل، ألا ترى قلّته في الأسماء وكثرته في الصفة لمضارعتها الفعل، فلما كان مضارعا للفعل موافقا له في البناء كره فيه ما لا يكون في فعله "
يريد: إنما دعاهم إلى أن لا يقولوا: " أفعل منه فيما لا يقولون فيه ما أفعله أن أفعله فعل، فإذا كان يمتنع في الفعل فهو في الاسم أشد امتناعا؛ لأن أصل هذا البناء للفعل، ومما يدل على أن أصله للفعل أن كل فعل مستقبله على " يفعل " فهو للمتكلم على أفعل مثل " أذهب " و" أصنع "، وإنما لم يجز " ما أحمره " و" لا ما أبيضه " لعلتين:
إحداهما أن الخليل قال هذه خلق يخلق عليها الإنسان في لونه كما تخلق أعضاؤه كاليد والرجل، فكما لا يقال ما (أيداه) ولا ما (أرجله)، فكذلك لا يقال ما أبيضه ولا ما أحمره وإنما يقال ما أشدّ بياضه وما أشدّ حمرته، والعلة
الثنية أن فعل هذه الأشياء على أكثر من ثلاثة أحرف وإنما تدخل الهمزة زائدة في أول الفعل الثلاثي تنقل الفعل عن فاعله إلى فاعل آخر كقولك: " علم زيد " و" أعلم عمرو زيدا "، وكذلك " دخل زيد " و" أدخل عمرو زيدا "، وكذلك " حسن زيد " و" أحسن عمرو زيدا "، أي صيّره حسنا. قال:
" ولا تكون هذه الأشياء في مفعال ولا فعول، كما تقول: ضروب ورجل محسان، لأن هذا في معنى ما أحسنه، وإنما تريد أن تبالغ ولا تريد أن تجعله بمنزلة كل من وقع عليه ضارب وحسن. "
[ ٤ / ٤٧٢ ]
يعني سيبويه أن مفعالا وفعولا إن كان فيهما معنى المبالغة فليس يجري مجرى أفعل في تصرفه في المواضع الأربعة التي ذكرناها وإنما هي في معنى ما أفعله في المبالغة. قال:
" وأما قولهم في الأحمق ما أحمقه وفي الأرعن ما أرعنه، وفي الأنوك ما أنوكه، وفي الألد ما ألدّه، فإنما هذا عندهم من العلم ونقصان العقل والفطنة، فصارت " ما ألدّه " بمنزلة ما أمرسه وما أعلمه، وصارت " ما أحمقه " بمنزلة ما أبلده، وما أشجعه وما أجنّه، لأن هذا ليس بلون ولا خلقة في جسد، وإنما هو كقولك ما ألسنه وما أذكره وما أعرفه وأنظره، تريد نظر التفكّر، وما أشنعه؛ لأنه عندهم من القبح وليس بلون ولا خلقة من الجسد ولا نقصان فيه، فألحقوه بباب القبح كما ألحقوا ألدّ وأحمق بما ذكرت لك؛ لأن أصل بناء أحمق ونحوه أن يكون على غير بناء أفعل، نحو: بليد وعظيم وجاهل وعاقل وفهم وحصيف، وكذلك الأهوج، تقول: " ما أهوجه " كقولك " ما أجنّه ".
قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه لما ذكر أحمر وأبيض وما كان من أفعل لونا وخلقة فأبطل فيه التعجب ذكر ما كان على أفعل مما لا يجوز فيه التعجب، وفصل بينه وبين ما كان لونا وخلقة ونقصا وشينا في الأعضاء كالعرج والعشا والعمى والعور، فذكر الأحمق والأنوك والأرعن فجعل ذلك بمنزلة الجهل، وأنه كان حقه في الأصل أن يجيء مثل بليد وجاهل.
وما كان من العقل نحو ألد وهو الشديد الخصومة بمنزلة العقل واللسن وما أشبه ذلك، فأجاز فيهما التعجب كما تقول: ما أبلده وما أجهله، وما جرى مجرى الفعل ما أشجعه وألسنه، وشبه قولهم ما هو أهوجه بقولك: ما أجنّه.
ولقائل أن يقول: وكيف جاز أن يقال: ما أجنّه وأصل فعله ما لم يسمّ فاعله كقولك: جنّ ولا يتعجب مما لم يسمّ فاعله؟
فالجواب أن ذلك جائز في أشياء تذكر وتشرح في الباب الثالث من هذا إن شاء الله تعالى.
هذا باب ما يستغنى فيه عن ما أفعله بما أفعل فعله وعن أفعل منه بقولهم هو أفعل منه فعلا كما استغني
بتركت عن ودعت، وكما استغني بنسوة عن أن يجمعوا المرأة على لفظها
" وذلك في الجواب، ألا ترى أنك لا تقول ما أجوبه، إنما تقول: ما أجود جوابه، ولا تقول " هذا أجوب منه جوابا " ونحو ذلك، وكذلك لا تقول أجوب به ولكن
[ ٤ / ٤٧٣ ]
تقول: أجود بجوابه، ولا يقولون في قال يقيل ما أقيله، استغنوا بما أكثر قائلته، وما أنومه في ساعة كذا كما قالوا تركت ولما يقولوا ودعت "
قال أبو سعيد: اعلم أن ظاهر كلام سيبويه أنه جعل هذا الباب خارجا عن القياس الذي ينبغي، والفعل الذي يستعمل من هذا " أفعل يفعل " وهو " أجاب يجيب "، والذي يذكره كثير من النحويين أن ما زاد من الفعل على ثلاثة أحرف فليس الباب أن يتعجب به، وجعلوا قولهم ما أعطاه وما أولاه على غير قياس وظاهر كلام سيبويه يدل على أن التعجب بما فعله أفعل كثير مستمر وأنه لم يستعمل فيه هذا الحرف على طريق الاستغناء بالشيء عن الشيء كما قالوا: ما أكثر قائلته، ولم يقولوا ما أقيله وإن كان الفعل منه قال يقيل، وهذا مما استدل به بعض النحويين أن سيبويه يرى الباب في أفعل يفعل مما يجوز فيه التعجب ويستمر وأنه تحذف منه الهمزة الأصلية، وتلحق همزة التعجب.
ومثله مما جاء فيه التعجب وفعله على أفعل قولك: ما أيسر زيدا، وهو من " أيسر يوسر "، وما أعدمه وهو معدم في معنى الإعدام الفقر، والفعل منه " أعدم يعدم "، " وما أسنه " وقد أسن وهو مسن، " وما أوحش الدار " وقد أوحشت وهي موحشة، وما أمتعه وقد أمتع وهو ممتع، وما أسرفه وقد أسرف وهو مسرف، وما أفرط جهله وهو مفرط، وفلان أفلس من طست، وقد أفلس وهو مفلس. وتقول: هو أسرع من الريح قد أسرع وهو مسرع، وهو أبطأ منك، وهو مبطئ. وقد يقال: سرع الرجل وبطؤ، ومنه: أنت أكرم لي من زيد على معنى " أنت تكرمني أكثر منه "، وقد أقفر المكان، وهذا أقفر من غيره.
هذا باب ما أفعله على معنيين
" تقول: ما أبغضني له، وما أمقتني له، وما أشهاني لذلك، إنما تريد أنك ماقت وأنك مبغض وأنك مشته، فإن عنيت غيرك قلت: ما أفعله، وإنما تعني به هذا المعنى، وتقول: ما أمقته إليّ وما أبغضه إليّ وإنما تريد أنه مقيت وأنه مبغض، كما تقول: ما أقبحه وإنما تريد أنه قبيح في عينيك، وما أقذره وإنما تريد أنه قذر عندك. وتقول: ما أشهاها إليّ، أي هي شهية عندي " كما قال أبو كبير:
أم لا سبيل إلى الشباب وذكره أشهى إليّ من الرحيق السّلسل (١)
_________________
(١) الشاهد في قوله " أشهى إليّ على معنى هو شهي عندي أي هو مشتهى فجاءت " إليّ " بمعنى " عندي " انظر ديوان الهذليين ٢/ ٨٩.
[ ٤ / ٤٧٤ ]
" وتقول: ما أحظاها عندي، أي حظيت عندي، فكأن ما أمقته وما أشهاها على " فعل " وإن لم يستعمل، كما تقول: ما أبغضه إليّ على بغض إليّ فيجيء على " فعل " و" فعل " وإن لم يستعمل كأشياء فبما مضى وأشياء ستراها ".
قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه قد ذكر التعجب من المفعول في هذا الباب في أشياء تتكلم بها العرب، والأصل أن المفعول لا يتعجّب منه لعلتين: إحداهما أن دخول الهمزة لنقل الفعل إنما تدخل على الفاعل كقولك: " لبس زيد وألبسه عمرو "، و" دخل زيد وأدخله غيره "، وقعد وأقعده غيره، ولو قلت " ضرب زيد " لم تدخل عليه الهمزة لنقل الفعل، وباب التعجب باب نقل فيه الفعل عن فاعله إلى فاعل آخر، والوجه الآخر أنه لو تعجب من المفعول لوقي اللبس بينه وبين الفاعل،
فقال سيبويه: ما تعجب منه من المفعول كأنه يقدّر له فعل فإذا قال: " ما أبغضه إليّ " فكأن فعله " بغض "، وإذا قال: " ما أمقته عندي " فكأنه قال " مقت "، وإذا قال: " ما أشهاه إليّ " كأنه قال " شهي " وإن لم يستعمل، ويكون معنى شهى في هذا التقدير، أي دعا إلى أن يشتهى بالأحوال التي تظهر فيه، ويفرق بين الفاعل والمفعول في ذلك أنه يدخل مع الفعل حرف ومع المفعول حرف آخر، فمن ذلك اللام التي تدخل مع الفاعل، تقول: " ما أبغضني لزيد وما أمقتني له "، وأنت المبغض والماقت، وتقول للمفعول: " ما أبغضه إليّ وما أمقته عندي ". ومثله هو " أكرم لي منك للفاعل "، أي يكرمني أكثر من إكرامك، وهو أكرم علي منك بمعنيين، وما آنسك لي وما آنسك بي بمعنيين مختلفين. ومما لم يأت في هذا الباب " ما أجنّ زيدا " من الجنون وهو أجنّ من غيره، وإنما الفعل المستعمل منه " جنّ "، وكذلك ما أشغله وهو أشغل من غيره وهو أعذر من غيره وألوم من غيره وأعنى بالشيء من غيره، وأعرف منه وأنكر منه.
والفعل من ذلك كله يستعمل على ما لم يسمّ فاعله، كقولك " شغل وعذر وليم وعني وأنكر "، ولكنه يقدّر له فعل ينظّم به التعجب. وقد قال سيبويه في أول الكتاب:
(وهم ببيانه) أعني على هذا الذي ذكرناه. وتقول: " ما أعجبني به وأعجبه إليّ "، " وأسرني به وأسّره إليّ ". وقولهم: " ما أبغضني له " يقوّي قول من يرى التعجب من أفعل، لأن الفعل منه " أبغض " " يبغض "، وروي ابن الإعرابي عن العرب عنيت به فأنا معني به، وعنيت به فأنا به عن، فإذا حمل قول سيبويه: (وهم ببيانه)، أعني على هذه اللغة، فهو على القياس المطرد.
[ ٤ / ٤٧٥ ]
هذا باب ما تقول العرب ما أفعله، وليس فيه فعل وإنما يحفظ هذا حفظا ولا يقاس عليه
" قالوا: " أحنك الشاتين " و" أحنك البعيرين "، كما قالوا: " أكل الشاتين " كأنهم قالوا: حنك ونحو ذلك، فإنما جاءوا بأفعل على نحو هذا وإن لم يتكلموا به، وقالوا:
آبل الناس كلهم، كما قالوا: أرعى الناس كلهم، كأنهم قالوا: أبل يأبل. وقالوا: رجل آبل وإن لم يتكلموا بالفعل. وقالوا: آبل الناس بمنزلة آبل منه، لأن ما جاز فيه أفعل الناس جاز فيه هذا، وما لم يجز فيه ذلك لم يجز فيه هذا. وهذه الأشياء التي ليس فيها فعل ليس القياس فيها أن يقال أفعل منه ونحو ذلك. وقد قالوا: فلان آبل منه كما قالوا: أحنك الشاتين "
قال أبو سعيد: اعلم أن الأصل في التعجب أن يدخل على ما له فعل، لأنه نقل الفعل بدخول الهمزة في أوله، كقولك: قعد وأقعده غيره، وذهب وأذهبه غيره، ولم يستعمل حنك ولا أبل. وقد قالوا: أحنك الشاتين وآبل الناس كأنهم قدروا له فعلا. وقد قالوا: آبل وإن لم يكن له فعل، كما قالوا: رابح ونابل وإن لم يكن له فعل، وآبل فاعل، وبناء فاعل يجري على الفعل، فصار كأن له فعلا. ومثله مما ليس في الباس فارس، وما أفرسه، وهو أفرس وإن لم يستعملوا منه فعلا، فأجروه على ما ذكرت لك.
هذا باب ما يكون " يفعل " من " فعل " فيه مفتوحا
" وذلك إذا كانت الهمزة أو الهاء أو العين أو الغين أو الحاء أو الخاء لاما أو عينا، وذلك قولك: قرأ يقرأ، وبدأ يبدأ، وخبأ يخبأ، وجبه يجبه، وقلع يقلع، ونفع ينفع، وقرع يقرع، وسبع يسبع، وضبع يضبع، وذبح يذبح، ومنح يمنح، وسلخ يسلخ، ونسخ ينسخ "
ولم يذكر سيبويه الغين لاما، وقد جاء منه دمغ يدمغ، وثلغ رأسه يثلغه " فهذه الحروف في هذه الأفعال لامات، وأما ما كانت فيه عينات فهو كقولك: سأل يسأل، وثأر يثأر، وذأل يذأل، والذألان: المرّ الخفيف، وذهب يذهب، وقهر يقهر، ومهر يمهر، وبعث يبعث، وفعل يفعل، ونحل ينحل، ونخر ينخر، وشحج يشحج، ومغث يمغث، وفغر يفغر، وشغر يشغر " والشّغر: أن يرفع الكلب إحدى رجليه ليبول، والمغث: تقلّب النفس وغثيانها، والفغر: فتح الفم.
" وإنما فتحوا هذه الحروف لأنها سفلت في الحلق، وكرهوا أن يتناولوا حركة ما
[ ٤ / ٤٧٦ ]
قبلها بحركة ما ارتفع من الحروف، فجعلوا حركتها من الحرف الذي في حيزها وهو الألف، وإنما الحركات من
الألف والياء والواو إذ كنّ عينات، وكذلك حّركوهنّ.
قال أبو سعيد: اعلم أن هذه الحروف التي من الحلق هي مستفلة عن اللسان، والحركات ثلاث: الضم والكسر والفتح، وكل حركة منها مأخوذة من حرف من الحروف، فالضمة مأخوذة من الواو، والكسرة من الياء، والفتحة من الألف، ومخرج الواو من بين الشفتين، والياء من وسط اللسان، والألف من الحلق، فإذا كانت حروف الحلق عينات أو لامات ثقل عليهم أن يضموا أو يكسروا، لأنهم إذا ضموا فقد تكلّفوا الضمة من بين الشفتين؛ لأن منه مخرج الواو، وإن كسروا فقد تكلّفوا الكسرة من وسط اللسان، وإن فتحوا، فالفتحة من الحلق، فثقل الضم والكسر، لأن حرف الحلق مستعل والحركة عالية متباعدة منه، فحركوه بحركة من موضعه وهي الفتح، لأن ذلك أخف عليهم وأقل مشقة. وكان الأصل فيما كان الماضي منه على فعل أن يجيء مستقبله على يفعل أو يفعل، نحو: ضرب يضرب، وقتل يقتل، وإنما يجيء مفتوحا فيما كان في موضع العين واللام منه حرف من حروف الحلق لما ذكرته لك من العلة. وقد يجيء ما كان في موضع العين واللام منه حرف من حروف الحلق على الأصل، فيكون على فعل يفعل، وفعل يفعل. وقد ذكر سيبويه منه أشياء، فمن ذلك قولهم: برأ يبرؤ. ويقال: برأ الله الخلق يبرؤهم ويبرؤهم، ولم يأت مما لام الفعل منه همزة على فعل يفعل غير هذا الحرف.
وقالوا: هنأ يهنئ، كما قالوا: ضرب يضرب تجيء هذه الأفعال على فعل يفعل ويفعل في الهمز أقل، " لأن الهمز أقصر الحروف وأشدها سفولا، وكذلك الهاء، لأنه ليس في الستة أقرب إلى الهمزة منها وإنما الألف بينهما. وقالوا: نزع ينزع ورجع يرجع، ونضح ينضح، ونبح ينبح، ونطح ينطح ومنح يمنح "، كل ذلك على مثال ضرب يضرب.
وقالوا: جنح يجنح، وصلح يصلح، وفرغ يفرغ، ومضغ يمضغ، ونفخ ينفخ، وطبخ يطبخ، ومرخ يمرخ "، كل ذلك على مثال قتل يقتل.
وما كان من ذلك فيه الخاء والغين فيفعل ويفعل فيه أكثر منه في غيرهما، لأنهما أشد الستة ارتفاعا وأقربها إلى حروف اللسان. ومن أجل ذلك أخفى بعض القراء النون الساكنة قبلهما في مثل قوله ﷿: (مِنْ خَوْفٍ) (١)، وما أشبه ذلك.
_________________
(١) سورة قريش، الآية: ٤، وهي قراءة نافع انظر روح المعاني ٣٠/ ٢٤١.
[ ٤ / ٤٧٧ ]
قال: " ومما جاء على الأصل مما فيه هذه الحروف عينات قولهم: زأر يزئر، ونأم ينئم من الصوت، كما قالوا: هتف
يهتف، وقالوا: نهق ينهق، ونهت ينهت، " والنّهيت: الصوت.
" وقالوا: نعر ينعر، ورعدت ترعد كما قالوا: هتف يهتف، وقعد يقعد. وقالوا:
شحج يشحج، ونحت ينحت مثل ضرب يضرب.
" وقالوا: شحب يشحب مثل قعد يقعد، ونغرت القدر تنغر " ونحز ينحز، والنّحاز: السّعال.
" وقالوا: لغب يلغب، وشعر يشعر، ونخل ينخل، كل ذلك مثل " قتل يقتل ".
قال سيبويه بعد ذكره فتح ما يفتح من أجل حرف الحلق:
" ولم يفعل هذا بما هو من موضع الواو ولا الياء، لأنها من الحروف التي ارتفعت، والحروف المرتفعة حيزّ على حدة، فإنما يتناول المرتفع حركة من مرتفع، وكره أن يتناول للذي قد سفل حركة من هذا الحيز ".
يريد أن ما كان من موضع الواو والياء من الحروف لا يلزمه أن تكون الحركة مأخوذة من الواو ولا من الياء، بل يجيء على قياسه، ولا تغيّر الواو ولا الياء حكم القياس فيه، يعني بالواو من الشفة، وبالياء من وسط اللسان، والذي هو من مخرج الواو الباء والميم، والذي من مخرج الياء الجيم والشين، تقول: ضرب يضرب، وصبر يصبر، وبسم يبسم، وحمل يحمل، فكسر هذه الحروف وإن كانت من مخرج الواو، وتقول: شجب يشجب، ومجن يمجن، ومشق يمشق، ولم يكسر ذلك من أجل الياء، لأن موضع الواو والياء بمنزلة ما هو من مخرج واحد لاجتماعهما في العلوّ عن الحلق وتقارب ما بينهما.
قال أبو سعيد: واعلم أن فعل يفعل إنما جاز فيه الخروج عن قياس نظائره في حروف الحلق، لأن فعل لا يلزم في مستقبله شيء واحد، لأنه يجيء على يفعل ويفعل، كقولك: ضرب يضرب، وقتل يقتل، فاستجازوا أن يخرجوا منه إلى يفعل لما ذكرت لك من العلة. وإذا كان الفعل يلزمه وزن لا يتغير لم يحفلوا بحرف الحلق، ولزموا القياس الذي يوجبه الفعل، فمن ذلك ما زاد ماضيه على ثلاثة أحرف، كقولهم: " استبرأ يستبرئ، وأبرأ يبرئ، وانتزع ينتزع " وأجرأ يجرئ، واطلنفأ بالأرض يطلنفئ إذا لصق بها، وانتزع ينتزع والتحم يلتحم، وقالوا فيما كان ماضيه على فعل يفعل، ولا يغيره حرف الحلق، لأن ما كان على فعل لزم فيه يفعل مما ليس فيه حرف الحلق، كقولك: (ظرف يظرف، وصلب
[ ٤ / ٤٧٨ ]
يصلب، فجرى عليه ما كان فيه حرف الحلق) " صبح " يصبح، وقبح يقبح، وضخم يضخم، وقالوا: ملؤ يملؤ " من قولنا: رجل مليء " وقمؤ يقمؤ " من القماءة وهي الدّمامة، " وضعف يضعف ".
قال سيبويه: " وقالوا: ملؤ، فلم يفتحوها، لأنهم لم يريدوا أن يخرجوا فعل من هذا الباب، وأرادوا أن تكون الأبنية
الثلاثة: فعل وفعل وفعل في هذا الباب، فلو فتحوا لالتبس فخرج فعل من البناء، وإنما فتحوا يفعل من فعل لأنه يختلف، فإذا قلت فعل ثم قلت يفعل علم أن أصله الكسر أو الضم، ولا تجد في حيز ملؤ هذا "
قال أبو سعيد: كأن سائلا سأل فقال: لم لم ينقل فعل إلى فعل من أجل حرف الحلق، فيقال مكان ملؤ: ملأ، ومكان قبح، قبح، فأجيب عنه بجوابين: أحدهما أنا لو فعلنا ذلك لأخرجنا فعل من باب فعل لحروف الحلق، وأسقطناه، فكرهوا إخراجه من ذلك لاشتراك هذه الأبنية، والجواب الآخر أنا لو فتحناه لم نعلم هل أصله فعل أو فعل، لأن مستقبله يجيء على يفعل أو يفعل، فلو جاء على يفعل لكان من باب صبغ يصبغ، فلم يلزم أن يقدّر ماضيه على فعل.
ولو جاء على يفعل لكان بمنزلة رجع يرجع، وإنما جاز أن يفتح في المستقبل فتقول: ذبح يذبح، وقرأ يقرأ، لأن فعل قد دل على أن المستقبل يفعل أو يفعل كما يوجبه القياس، وأن المفتوح أصلح يفعل أو يفعل.
قال: " ولا يفتح فعل لأنه بناء لا يتغير، وليس ك " يفعل " من " فعل "؛ لأنه يجيء مختلفا، فصار بمنزلة يقرئ ويستبرئ، وإنما كان فعل كذلك لأنه أكثر في الكلام، وصار فيه ضربان، ألا ترى أن فعل فيما تعدى أكثر من فعل، وهي فيما لا يتعدى أكثر، نحو جلس وقصد "
قال أبو سعيد: يريد أن فعل إذا كان فيه حرف الحلق لم يقلب إلى فعل، لأنه يلزم مستقبله أن يكون على يفعل، وما كان مستقبله في الأصل على يفعل لزم ماضيه أن يكون على فعل، فصار بمنزلة يقرئ ويستبرئ الذي لا يغيّره حرف الحلق، وليس مثل فعل الذي يكون مستقبله يفعل أو يفعل، وعلى أن فعل في الكلام أكثر، فجاز فيه من التصرف لكثرته ما لا يجوز في غيره.
هذا باب ما هذه الحروف فيه فاءات
" تقول: أمر يأمر، وأبق يأبق، وأكل يأكل، وأفل يأفل، لأنها ساكنة وليس ما
[ ٤ / ٤٧٩ ]
بعدها بمنزلة ما قبل اللامات، لأن هذا إنما هو مثل الإدغام، والإدغام إنما يدخل فيه الأول في الآخر، والآخر على حاله، ويقلب الأول فيدخل في الآخر حتى يصير هو والآخر من موضع واحد، ويكون الآخر على حاله، فإنما شبه هذا بهذا الضرب من الإدغام، ولا يتبعون الآخر الأول في الإدغام، فعلى هذا أجري هذا.
قال أبو سعيد: ذكر سيبويه في الباب الذي قبل هذا أن حروف الحلق إذا كانت عينا أو لاما جاز أن يأتي الفعل على يفعل، وماضيه فعل وذكر في هذا الباب أنه إذا كان حرف الحلق فاء الفعل، وكان الماضي على فعل لم يأت
مستقبله على يفعل، وإنما يأتي على يفعل أو يفعل بمنزلة ما ليس فيه حرف من حروف الحلق وفرق بينهما بأنه إذا كان حرف الحلق فاء من الفعل فهو يسكن في المستقبل، وأن هذا الساكن لا يوجب فتح ما بعده لضعفه بالسكون، كما أوجب لام الفعل إذا كان من حروف الحلق فتح ما قبله، لأن اللام متحركة، ثم شبه ذلك بالإدغام بأن الأول يتبع الثاني، يريد أن عين الفعل يجوز أن تتبع لام الفعل إذا كان لام الفعل من حروف الحلق، كما أن الحرف الأول يدغم فيما بعده، ولا تتبع عين الفعل فاءه؛ لأن الفاء قبل العين.
قال: " ومع هذا أن الذي قبل اللام فتحته اللام حيث قرب جواره منها؛ لأن الهمز وأخواته لو كنّ عينات فتحن، فلما وقع موضعهن الحرف الذي كنّ يفتحن به لو قرب فتح، وكرهوا أن يفتحوا هنا حرفا لو كان في موضع الهمزة لم يحرّك، ولزمه السكون، فحالهما في الفاء واحدة، كما أن حال هذين في العين واحدة "
يريد أن لام الفعل إذا كان من حروف الحلق فتحت العين، كما أن العين إذا كانت من حروف الحلق فتحت نفسها، فلما كانت تفتح نفسها إذا كانت من حروف الحلق وجب أن يفتحها ما يجاورها لاشتراكهما في الحركة، لأن العين واللام متحركتان جميعا، وليست كذلك الفاء والعين، لأن الفاء ساكنة في المستقبل والعين متحركة، فهما مختلفان ولو جعلت العين مكان الفاء سكنت وخالفت حالها الأولى في الحركة، ولو جعلت اللام مكان العين لم تخرج عن الحركة التي كانت تلزمها، هذا كلام سيبويه.
وعندي فيه وجه آخر يقوّي ما قال، وهو أن الفتحة التي تجتلبها حروف الحلق إنما هي على العين، والحركة في الحرف المتحرك يقدر أنها بعده، فهي بعد العين وقبل اللام، فتوسّطها بينهما ومجاورتها لهما واحدة، فمن أجل ذلك جاز أن تكون الفتحة تجتلبها العين واللام، وليست الفاء كذلك، لأن الفتحة بعيدة من الفاء إذا كانت تقع بعد الحرف
[ ٤ / ٤٨٠ ]
الذي بعده.
قال سيبويه: " وقالوا: أبى يأبى فشبهوه بيقرأ "
أراد إنهم شبهوا الهمزة التي في أول أبى، وهي فاء الفعل منها، بالهمزة التي تكون لاما في مثل: قرأ يقرأ، ففتحوا عين الفعل من أجل الفاء، كما فتحوها من أجل اللام التي هي همزة.
قال: " وفي يأبى وجه آخر، وهو أن يكون مثل حسب يحسب، فتحا كما كسرا "
قال أبو سعيد: والفرق بين هذين الوجهين أن الأول كان التقدير فيه أبى يأبى، ثم فتحت الألف عين الفعل، كما قيل: صنع يصنع تشبيها للفاء باللام، والوجه الثاني إنهم بنوه في الأصل على فعل يفعل، كما بنوا في الأصل " حسب
يحسب " على " فعل يفعل ".
قال: " وقالوا: جبى يجبى، وقلى يقلى، فشبهوا هذا بقرأ يقرأ ونحوه، وأتبعوا به الأول، كما قالوا: وعدّه، يريدون وعدته، وكما قالوا: مضّجع، ولا نعلم إلا هذا الحرف، وأما غير هذا فجاء على القياس مثل: عمر يعمر، وهرب يهرب، وحزر يحزر، وقالوا: عضضت تعضّ "
قال أبو سعيد: حكى أبو إسحاق الزجاج عن إسماعيل بن إسحاق القاضي أنه علل أبى يأبى فقال: إنما جاء على فعل يفعل، لأن الألف من مخرج الهمزة. وقال: إن ما سبقه إليه أحد، واستحسنه. وعندي أن ذلك غلط؛ لأن الألف ليست بأصل في أبى يأبى، وإنما هي منقلبة من ياء أبيت لانفتاح ما قبلها، فإذا قلنا في الماضي أبى لانفتاح ما قبلها فحقّها أن تكون في المستقبل على يأبي، كما تقول: أتى يأتي، ورمى يرمي. وإنما تنقلب في المستقبل ألفا إذا فتحنا ما قبلها، فإذا كان القياس يوجب إلا يفتح ما قبلها فلا سبيل إلى الألف التي من أجلها. قال الزجاج عن الفراء: زعم القاضي أنه جاء على فعل يفعل من أجل ذلك. وكلام سيبويه يدل على ما قلنا، لأنه قال: " فشبهوا هذا بقرأ يقرأ ونحوه، وأتبعوه الأول، كما قالوا: وعدّه ".
يريد أتبعوا الفتحة في أبى يأبى الهمزة التي في أوله، كما قالوا: وعدّه (فالأصل وعدته)، فأتبعوا التاء الدال التي قبلها، وكان القياس أن تكون الدال هي التابعة، لأن الأول يتبع الأخير، وكذا مضّجع أصله مضطجع، وجعلوا الطاء تابعة للضاد.
ومعنى قوله: " ولا نعلم إلا هذا الحرف " فإن الإشارة إلى أبى يأبى فيما
[ ٤ / ٤٨١ ]
ذكره أصحابنا ".
" وقالوا: جبى يجبى، وقلى يقلى ".
لم يصحّا عنده كصحة أبى يأبى، وقد حكى أبو زيد في كتاب المصادر: جبوت الخراج أجبى وأجبو.
وقوله: " وأما غير هذا فجاء على القياس مثل عمر يعمر ".
يريد غير الذي ذكر من أبى يأبى مما فاء الفعل منه من حروف الحلق لم يجئ إلا على القياس، كقولنا: هرب يهرب، وحزر يحزر وحمل يحمل. وقد دل هذا أيضا أن سيبويه ذهب في أبى يأبى إنهم فتحوا من أجل تشبيه الهمزة الأولى بما الهمزة فيه أخيرة، ومثله: " عضضت تعض " الذي حكاه وهو شاذ.
هذا باب ما كان من الياء والواو
" قالوا: شأى يشأى، وسعى يسعى، ومحا يمحى وصفا يصفى ونحا ينحى، فعلوا به ما فعلوا بنظائره من غير
المعتل ".
ومعنى شأى: سبق، يقال: شأى يشأى وشآني ويشآني، وشاءني يشآني.
" وقالوا: بهو يبهو، لأن نظير هذا أبدا من غير المعتل لا يكون إلا يفعل، ونظائر الأول مختلفات في يفعل. وقد قالوا: يمحو ويصفو ويزهوهم الآل، وينحو ويرغو، كما فعلوا بغير المعتل، وقالوا: فيدعو.
وقد تقدم من كلامه أن فعل يفعل لا تغيّره حروف الحلق، لأن ما كان ماضيه فعل فيفعل لازم لمستقبله، فلذلك يلزم في بهو ونحوه أن يقال ذلك في مستقبله. وأما الحروف التي يلزم سكون عين الفعل فيها، فإن حرف الحلق لا يقلب يفعل ويفعل إلى يفعل، وذلك فيما كان معتلا من ذوات الواو والياء، أو كان مدغما. فذوات الياء نحو: جاء يجيء، وباع يبيع، وتاه يتيه، وذوات الواو: ساء يسوء، وجاع يجوع، وناح ينوح، والمدغم نحو: دعّ يدعّ، وسحّ يسحّ ويسحّ، وشحّ يشحّ، ويشحّ.
قال: " لأن هذه الحروف التي هي عينات أكثر ما تكون سواكن، ولا تحرّك إلا في مواضع الجزم من لغة أهل الحجاز "
يعني فيما كان مدغما أنها تكون سواكن كذوات الواو والياء، وإن كان أهل الحجاز يحركونها في الجزم، كقولك: لم يشحح ولم يشحح، فهذا لا يعمل عليه، لأن الحركة فيه غير لازمة، وكذلك حركته في فعلن ويفعلن، كقوله: " رددن ويرددن "، وعلى أن هذا
[ ٤ / ٤٨٢ ]
يسكنّه بعض العرب، فيقولون: (رددن ردن) " فلما كان السكون فيه الكثير جعل بمنزلة ما لا يكون فيه إلا ساكنا " يعني ذوات الواو والياء.
قال: " وزعم يونس إنهم قالوا: كعّ يكعّ، ويكعّ أجود، لمّا كانت قد تحرك في بعض المواضع جعلت بمنزلة يدعّ ونحوها في هذه اللغة، وخالفت باب جئت، كما خالفتها في أنها قد تحرك "
أراد أن الذي يقول: يكعّ، وماضيه كععت جاء على مثال صنع يصنع، لأن باب كعّ لما كانت عين الفعل قد تتحرك في يكعع وكععن صار بمنزلة صنعن يصنعن، وخالف باب جئت من ذوات الواو والياء؛ لأنهما لا تتحركان إلا إذا كانتا عينين.
هذا باب الحروف الستة إذا كان واحد منها عينا وكانت الفاء قبلها مفتوحة وكان فعل
" إذا كان ثانيه من الحروف الستة فإن فيه أربع لغات مطّرد فيه فعل وفعل وفعل وفعل، إذا كان فعلا أو اسما أو صفة فهو سواء. وفي فعيل لغتان: فعيل وفعيل، إذا كان الثاني من الحروف الستة مطّرد ذلك فيهما لا ينكسر في
فعيل ولا فعل، إذا كانت كذلك كسرت الفاء في لغة تميم، وذلك لئيم وشهيد وسعيد ونحيب ورغيف وبخيل وبئيس، وشهد ومحك ولعب ونغل ورحم ووخم، وكذلك إذا كان صفة أو فعلا أو اسما، وذلك قولك: رجل لعب، ورجل محك، وهذا ما ضغ لهم ".
واللهم: الكثير البلع، وهذا رجل وغل، أي طفيلي كثير الدخول على من يشرب من غير أن يدعى، " ورجل جئز " وهو الذي يغصّ بما يأكل، والجأز: الغصص، " وهذا عير نعر " (وهو الصياح) " وفخذ "
" وإنما كان هذا في هذه الحروف، لأن هذه الحروف قد فعلت في يفعل ما ذكرت لك حيث كانت لامات من فتح العين، ولم تفتح هي أنفسها ها هنا لأنه ليس في الكلام فعيل، وكراهية أن يلتبس فعل بفعل فيخرج من هذه الحروف فعل، فلزمها الكسر هاهنا وكان أقرب الأشياء إلى الفتح وكانت من الحروف التي تقع الفتحة قبلها بما ذكرت لك، فكسرت ما قبلها حيث لزمها الكسرة وكان ذلك أخف عليهم حيث كانت الكسرة تشبه الألف، فأرادوا أن يكون العمل من وجه واحد، كما أنهم إذا أدغموا فإنما أرادوا أن يرفعوا ألسنتهم من موضع واحد، وإنما جاز هذا في هذه الحروف حيث كانت تفعل في يفعل ما ذكرت لك، فصارت لها قوة في ذلك
[ ٤ / ٤٨٣ ]
ليست لغيرها.
قال أبو سعيد: اعلم أن حروف الحلق لمّا أثرت في يفعل إذا كان واحد منها في موضع عين الفعل أو لامه، وكان الفعل الماضي على فعل فجوزت أن يصير على يفعل ما حقه أن يأتي على يفعل أو يفعل على ما مضى من شرحه قبل هذا الباب، فجعلت هذه الحروف في فعل وفعيل مجوزه تغيير ذلك وإن كان التغييران مختلفين، وذلك أن في يفعل أن يفتح ما ليس حقه الفتح، وفي هذا أن يكسر ما ليس حقه الكسر، لأن الفاء في فعل وفعيل في الأصل مفتوحة، وإنما جاز كسرها في فعل وفعيل من أجل حرف الحلق، فقال سيبويه:
" لم تفتح هي أنفسها " يعني حروف الحلق في فعيل، لأنها لو فتحت أنفسها لوجب أن تقول: فعيل، فتقول في بخيل: بخيل، وفي شهيد، شهيد، كما قلنا يشحب، وفتحناه لأنه ليس في الكلام فعيل، ولو قلنا شهيد، لكان بناء خارجا عن الكلام. وإذا قلنا يشحب ففتحناه من أجل حرف الحلق بقي الكلام له نظير كقولنا: يعمل ويفرق.
ولو فتحت أنفسها في فعيل لخرجت إلى فعل، فكان يبطل أن يوجد فعل مما حرف الحلق ثانيه، وكان أيضا يقع لبس بين ما أصله فعل وبين ما أصله فعل، وكسر الأول إتباعا للثاني، ولأن الكسر قريب من الفتح والياء تشبه الألف، وأتبعوا الأول في الكسر الثاني كما يتبعون الأول الثاني في الإدغام. وأهل الحجاز لا يغيرون البناء، لا يقولون في شهيد بألا يفتح الأول، وكذلك في شهد. ومن قال شهد فخفف قال: شهد، ومن قال شهد قال: شهد. وعامة العرب قالوا في نعم وبئس بكسر الأول، كأنهم اتفقوا على لغة بني تميم، ثم أسكنوا الثاني. وإذا كان البناء على فعل أو فعول لم يغيّروا، وإن كان الثاني من حروف الحلق، كقولهم: رؤف ورؤوف ولا يقولون: رؤوف ولا رؤف استثقالا للضمتين ولبعد الواو من الألف.
" كما أنك تقول: " من مثلك " فتجعل النون ميما، ولا تقول: هل مثلك " فتجعل اللام ميما " لأن النون لها بالميم شبه ليس للام، وسترى ذلك في باب الإدغام إن شاء الله تعالى ".
قال: " وسمعت بعض العرب يقول: بيس فلا يحقق الهمزة، كما قالوا: شهد فخففوا وتركوا السين على الأصل "
يريد أن الهمزة قد يترك تحقيقها ولا يتغيّر كسر الأول، وكذلك شهد إنما كسرت الشين لكسرة الهاء في الأصل، ولما سكنت الهاء لم يغيّر كسر الشين، لأن النية كسر الهاء
[ ٤ / ٤٨٤ ]
وتحقيق الهمزة، وإن كان قد لحقه هذا التخفيف.
قال: " وأما الذين قالوا: مغيرة ومغيرة فليس على هذا، ولكنهم أتبعوا الكسرة الكسرة، كما قالوا: منتن وأنبؤك وأجؤك، يريد أنبئك وأجيئك "
يريد أن هذا شاذ لا يطرد فيه قياس، وليس من أجل حرف الحلق ما عمل ذلك، ولكنه كثر في كلامهم، فأتبعوا هذه الحروف خاصة، ولا يقولون في مجير: مجير ولا في معينة: معينة، ولا في أبيعك: أبوعك، ولا في أقرئك: أقرؤك.
قال: " وقالوا في حرف شاذ: أحبّ ويحبّ ونحبّ، شبهوه بقولهم: منتن، وإنما جاء على فعل وإن لم يقولوا: حببت. وقالوا: يحبّ، كما قالوا: يئس، فلما جاء شاذا عن بابه على يفعل خولف به، كما قالوا: يا ألله، وقالوا: ليس، ولم يقولوا: لاس.
فكذلك يحبّ لم يجئ على أفعلت، فجاء على ما لا يستعمل، كما أن يدع ويذر على ودعت ووذرت وإن لم يستعمل، فعلوا هذا بهذا لكثرته في كلامهم "
قال أبو سعيد: اعلم أن في يحبّ قولان: أحدهما ما قال سيبويه أن أصله حبّ، وإن لم يستعمل حبّ، وقد تقدم القول بأن حبّ قد استعمل، وذكرت فيه ما روي عن أبي رجاء العطارديّ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (١)، وشعرا أنشدته فيه، غير ذلك قول بعض بني مازن من تميم:
لعمرك إنني وطلاب مصر لكا لمؤداد ممّا حبّ بعدا (٢)
وكان حقه على ما قدره سيبويه أن يقال: يحبّ بفتح الياء، لكنه أتبع الياء الحاء، وقال غيره: يحبّ، بالكسر، أصله يحب من قولنا: أحبّ يحبّ، وشذوذه إنهم أتبعوا الياء المضمومة الحاء كما قالوا: مغيرة، والأصل مغيرة، فكسروه من مضموم. وهذا القول أعجب إليّ، لأن الكسرة بعد الضمة أثقل وأقل في الكلام، فالأولى أن يظن إنهم اختاروا الشاذ عدولا عن الأثقل.
ومن حجة سيبويه إنهم قالوا: يئبى، والأصل يأبى، فقد كسروا المفتوح، وإنما كسروا في يئبى، وحق الكسر أن يكون في أوائل يفعل مما ماضيه على فعل إذا كان الأول
_________________
(١) سورة آل عمران: ٣١
(٢) الشاهد في قوله (حبّ) ومضارعه (يحب) وهو قليل الاستعمال، والمشهور المستعمل (أحبّ) (يحب)
[ ٤ / ٤٨٥ ]
تاء أو نونا أو ألفا، ولا تدخل على الياء، تقول في علم: أنت تعلم، وأنا اعلم، ونحن نعلم، ولا يقولون زيد يحلم، وسترى ذلك في الباب الذي بعد هذا، فصار يئبى شاذا من وجهين: أحدهما أن أبى يأبى شاذ، وكسر الياء فيه شاذ. وعند سيبويه إنهم ربما شذ الحر في كلامهم، فخرج عن نظائره، فيجسرهم ذلك على ركوب شذوذ آخر فيه، فمن ذلك قولهم: يا ألله، وليس من كلامهم نداء ما فيه الألف واللام، ولا يقطعون ألف الوصل، فلما قالوا: يا ألله فنادوا ما فيه الألف واللام، قطعوا الألف فخرجوا عن نظائره من الوجهين. ولم يقولوا في ليس: لاس، وكان حقه أن يقال، لأنه فعل ماضي وثانيه ياء وهو على فعل، وإذا تحركت الياء وقبلها فتحة قلبوها ألفا، كما قالوا: هاب ونال، وأصله: هيب ونيل.
فقولهم ليس شاذّا، وكذلك قولهم: يدع ويذر، لم يستعملوا فيه ودعت ولا وذرت، وتركهم ذلك من الشاذ.
قال: " وأما أجيء ونحوها فعلى القياس، وعلى ما كانت تكون عليه لو أتموا ".
يعني أنه يفتح الألف في أجيء، ولا يكون مثل يحبّ وإحبّ، لأن هذا شاذ، ويجيء وأجيء ونحوه جاء على ما ينبغي أن يكون.
هذا باب تكسر فيه أوائل الأفعال المضارعة للأسماء كما كسرت ثاني الحروف حين قلت فعل
" وذلك في لغة جميع العرب إلا أهل الحجاز، وذلك قولك: أنت تعلم ذلك، وأنا اعلم ذلك وهي تعلم ذلك، ونحن نعلم ذلك، وكذلك كل شيء قلت فيه: فعل من بنات الياء والواو التي الواو والياء فيهن لام أو عين والمضاعف، وذلك قولك:
شقيت، وأنت تشقى، وخشيت فأنا إخشى، وخال فنحن نخال، وعضّ فأنتن تعضضن وأنت تعضّين ".
لأن خال فعل، أصله خيل، وعضّ أصله عضضت.
قال: " وإنما كسروا هذه الأوائل، لأنهم أرادوا أن تكون أوائلها كثواني فعل، كما ألزموا الفتح ما كان ثانيه مفتوحا في فعل "
يعني أنهم كسروا أول المستقبل فيما كان الثاني منه في الماضي مكسورا، كما ألزموا الفتح فيما كان الثاني منه مفتوحا، كقولك: ضربت تضرب، وقتلت تقتل، وأجروا أوائل المستقبل على ثواني الماضي في ذلك. ولم يمكنهم أن يكسروا الثاني من المستقبل، كما
[ ٤ / ٤٨٦ ]
كسروه من الماضي؛ لأن الثاني يلزمه السكون في أصل البنية، " فجعل ذلك في الأول ".
قال: " وجميع هذا إذا قلت فيه يفعل فأدخلت الياء فتحت، وذلك إنهم كرهوا الكسرة في الياء حيث لم يخافوا انتقاض معنى فيحتملوا ذلك كما يكرهون الياءات والواو مع الياء وأشباه ذلك "
يعني أن الذين يقولون تعلم بكسر التاء لا يقولون: " يعلم بكسر الياء، لاستثقالهم الكسر على الياء ولا يدعوهم إلى كسرها داع يوجب تغيير معنى أو لفظ، وقد كسروا الياء فيما كان فاء الفعل منه واوا، قالوا: وجل ييجل، لأنهم أرادوا بكسرها قلب الواو ياء استثقالا للواو، وكذلك: وجل يوجل، ووحل يوحل، وما جرى مجراه. ولا يكسر في هذا الباب شيء كان ثانيه مفتوحا، نحو: ذهب وضرب وأشباههما.
وقالوا: أبى وأنت تئبى، وذلك أنه من الحروف التي يستعمل فيها يفعل مفتوحا وأخواتها، وليس القياس أن يفتح، وإنما هو حرف شاذ، فلما جاء مجيء ما فعل منه مكسور فعلوا به ما فعلوا بذلك "
يعني أنه لما كان يأبى على وزن يوجب أن يكون ماضيه أبي بكسر الباء كسر منه الياء في يئبى، وجعلوه بمنزلة يخشى الذي ماضيه خشي فكسروا الياء فيه أيضا فقالوا:
يئبى، وهم لا يقولون يخشى، بكسر الياء، لأنهم قد ركبوا الشذوذ في تئبى، بكسر التاء، فجّرأهم ذلك على كسر الياء الذي هو شذوذ آخر، كأنهم أتبعوا الشذوذ الشذوذ.
" وشبهوه بييجل " في كسر الياء " حين أدخلت في باب فعل، وكان إلى جنب الياء حرف اعتلال، وهم ممّا يغيّرون في كلامهم الأكثر، ويجسرون عليه إذ صار عندهم مخالفا ".
يعني إنهم شبهوا الهمزة في يئبى بعد ياء الاستقبال، إذ كان يجوز تليينها وقلبها إلى الياء بقلب الواو إلى الياء في ييجل. ومعنى قوله: " وهم مما يغيّرون في كلامهم الأكثر إذ صار عندهم مخالفا "، يعني لمّا صار مخالفا للقياس في شيء احتملوا مخالفة أخرى فيه.
قال: " وجميع ما ذكرت مفتوح في لغة أهل الحجاز، وهو الأصل "
يعني نعلم وتعلم وما أشبه ذلك، وصارت لغتهم الأصل، لأن العربية أصلها إسماعيل، وكان مسكنه مكة، ومع ذلك فإن العرب مجمعة على فتح ما كان ماضيه على فعل أو فعل في المستقبل، فعلمنا أن الفتح الأصل.
[ ٤ / ٤٨٧ ]
قال: " وأما تسع وتطأ فإنهم فتحوا، لأن فعل يفعل حسب يحسب، فتحوا الهمزة والعين، كما قالوا: يقرأ ويفزع، فلما جاءت على مثال ما فعل منه مفتوح لم يكسروا كما كسروا يأبى حيث جاءت على مثل ما فعل منه مكسور، وأن أصل يسع يوسع، ويطأ يوطئ، وإنما فتح من أجل حرف الحلق، فصار بمنزلة حسب يحسب، فلم يكسروه، لأن ما كان على يفعل كان ماضيه على فعل، ولا يكسر أول مستقبل ما ماضيه فعل، وإنما كسروا في يأبى على شذوذه، لأنه جاء على مثال ما ماضيه مكسور الثاني.
قال: " وأما وجل يوجل ونحوه فإن أهل الحجاز يقولون يوجل فيجرونه مجرى علمت، وغيرهم من العرب يقولون: هو ييجل، وأنا إيجل، ونحن نيجل، وإذا قلت:
يفعل منه، فبعض العرب يقولون، ييجل، كراهية الواو مع الياء، شبهوا ذلك بأيام ونحوها، وقال بعضهم، ياجل، فأبدل مكانها أيضا كراهية الواو مع الياء كما يبدلونها من الهمزة الساكنة "
يعني كما يقولون في ذئب: ذيب، فقلبوا الياء من الهمزة الساكنة وشبهوا قلب الواو ياء في يوجل بأيام ونحوها، والأصل أيوام. " وقال بعضهم: ياجل "، فأبدل مكان الياء ألفا، " كراهية الواو مع الياء كما يبدلونها من الهمزة الساكنة "، يعني إذا خففوا همزة رأس قالوا:
راس، بألف.
قال بعضهم: ييجل، كأنه لمّا كره الياء مع الواو كسر الياء لتقلّب الواو ياء؛ لأنه قد علم أن الواو الساكنة إذا كانت قبلها كسرة صارت ياء، ولم تكن عند الواو التي تقلب مع الياء حيث كانت الياء التي قبلها متحرك، فأرادوا أن يقلبوها إلى هذا الحد، وكره أن يقلبها على ذلك الوجه ".
يريد أن الواو لا يجب قلبها ياء إلا أن يكون المتحرك الذي قبلها مكسورا، فالذي كسر الياء في ييجل استثقل الواو في يوجل، ولم ير الياء المفتوحة توجب قلب الواو، فكسرها لتنقلب الواو.
قال: " واعلم أن كل شيء كانت ألفه موصولة في فعل، فإنك تكسر أوائل الأفعال المضارعة للأسماء، وذلك لأنهم أرادوا أن يكسروا أوائلها كما كسروا أوائل فعل، فلما أرادوا الأفعال المضارعة على هذا المعنى كسروا أوائلها، كأنهم شبهوا هذا بذلك، وإنما منعهم أن يكسروا الثواني في باب فعل أنها لم تكن تحرّك، فوضعوا ذلك في الأوائل،
ولم يكونوا ليكسروا الثالث فيلتبس " يفعل " " بيفعل "، وذلك قولك:
[ ٤ / ٤٨٨ ]
استغفر فأنت تستغفر، واحرنجم فأنت تحرنجم، واغدودن فأنت تغدودن، واقعنسس فأنا اقعنسس.
يريد أنهم شبهوا ما كان في ماضيه ألف وصل بما كان الماضي منه على فعل لاجتماعهما في كسر ألف الوصل أولا وكسرة عين فعل ثانيا، وكرهوا كسر الحرف الثاني من مستقبل " فعل "، لأن صيغته السكون، وكرهوا كسر الثالث لئلّا يلتبس " يفعل " " بيفعل "، فوجب كسر الأول، ثم حملوا مستقبل ما فيه ألف الوصل على مستقبل " فعل "، فكسروا أوله.
" وكل شيء من تفعّلت أو تفاعلت أو تفعللت يجري هذا المجرى، لأنه كان في الأصل مما ينبغي أن يكون أوله ألف موصولة، لأن معناه معنى الانفعال، وهو بمنزلة انفتح وانطلق، ولكنهم لم يستعملوه استخفافا "
قال أبو سعيد: إنه يجوز أن يقال في مستقبل تدحرج وتعالج وتمكّن: يتدحرج ويتعالج ويتمكّن، لأنه كان الأصل فيما زاد على أربعة من الأفعال الثلاثية أن تكون فيها ألف وصل، فحمل كسر هذه الأفعال على كسر ما في أوله ألف وصل، فتصير جملة ما يجوز كسر أول مستقبله ثلاثة عشر بناء، منها تسعة أبنية في أوائلها ألف الوصل، وثلاثة في أوائلها التاء الزائدة، وفعل الذي ذكرناه أولا.
قال: " والدليل على ذلك إنهم يفتحون الياءات في يفعل "
يريد أن الدليل على أن ما في أوله التاء الزائدة في الماضي كان حقه ألف الوصل أن مستقبله يفتح أوله، ولا يجري مجرى الرباعي، كقولك: يتعالج ويتكبر، فصار بمنزلة ما فيه ألف الوصل نحو ينطلق ويستغفر وما أشبه ذلك، فاعرفه إن شاء الله تعالى.
قال سيبويه: " ومثل ذلك قولهم: تقى الله رجل، ثم قالوا: يتقي الله، أجروه على الأصل وإن كانوا لم يستعملوا الألف، حذفوها والحرف الذي بعدها "
قال أبو سعيد: اعلم أن العرب تقول: تقى زيد يتقى، بفتح التاء في المستقبل، وكان الظاهر من هذا أن يقال: تقى يتقي، وإنما هو على الحذف، وأصله اتّقى يتّقي، حذفوا فاء الفعل وهو التاء الأولى من اتّقى وهي ساكنة فسقطت ألف الوصل من اتقى لأن بعدها متحركا، وفي المستقبل يتّقي، حذفوا منه التاء أيضا الأولى، فبقى يتقى، وإذا أمروا قالوا: " تق الله، وأصله اتّق الله، سقطت التاء التي هي مكان فاء الفعل وسقطت ألف الوصل. وأصل هذه التاء الساقطة واو، لأنها من وقيت، والتاء في قولهم: تقى الله رجل
[ ٤ / ٤٨٩ ]
ويتّقي وتق الله في الأمر هي تاء افتعل، وهي زائدة. واختلفوا في تاء تقى. وكان أبو العباس المبرد يقول هي زائدة، ووزن تقى تعل، وكان الزجاج يقول هي منقلبة من واو وقى، وهي فعل، مثل قولهم: تكأة وتخمة، والأصل وكأة ووخمة، ولا يقال يتقي في المستقبل بتسكين التاء، لأن الأصل ما ذكرته، ولو كان يجوز التسكين لقيل في الأمر: اتق، كما يقال في يرمي: ارم، قال الشاعر:
تقوه أيّها الفتيان إني رأيت الله قد غلب الجدودا (١)
وقال آخر:
يتقي به نفيان كلّ عشيّة فالمساء فوق متونه يتصبّب (٢)
وقال آخر:
جلاها الصيقلون فأخلصوها فجاءت كلّها يتقي بأثر
ومثل هذا يتخذ على معنى يتّخذ، فحذفوا التاء الأولى، كما حذفوا من يتقي.
وقالوا في معنى الماضي: تخذ، فكان الزجاج يقول: أصل تخذ اتّخذ، وليس الأمر عندي كما قال، لأنه لو كان اتّخذ، وحذفت التاء منه لوجب أن يقال تنخذ، وليس أحد يقول تخذ بفتح الخاء، وحكى أبو زيد تخذ يتخذ تخذا. وفيما قرأته على ابن أبي الأزهر عن بندار:
ولا تكثرا تخذ العشار فإنّها تريد مباءات فسيحا فناؤها (٣)
وإنما أراد سيبويه إنهم قالوا في المستقبل: يتقي، وإن كان الماضي تقى، لأن أصل تقى اتّقى، فردوه إلى أصل اتّقى، فقالوا: يتقي تخفيفا عن يتّقي، وقد مضى ذلك.
قال سيبويه: وأما فعل فإنه لا يضم منه ما كسر من فعل، لأن الضم أثقل عندهم، فكرهوا الضمتين ولم يخافوا التباس معنيين، فعمدوا إلى الأخف "
يريد أنهم لم يقولوا في مستقبل " فعل " " يفعل " على ما توجبه ضمة الماضي،
_________________
(١) سبق تخريجه: انظر المخصص ١٤/ ٢١٩.
(٢) قائله ساعدة بن جؤبة الهذلي انظر ديوان الهذليين ١/ ١٦٩، والشاهد فيه (يتقي) بفتح التاء مع التخفيف في موضع (يتّقي) وهو ماضي (تقى).
(٣) الشاهد في قوله (تخذ) بسكون الخاء حيث جاء به مصدرا للفعل (تخذ)، انظر المخصص ١٤/ ٢١٩.
[ ٤ / ٤٩٠ ]
كما كسروا أول مستقبل فعل حين قالوا: تعلم، لأن الكسر مع الفتح أخف من اجتماع ضمتين، ولم تكن بهم حاجة إلى تحمل ثقل الضمتين؛ لأن المعنى لا يتغير فتكون إبانة المعنى داعية لهم إلى تحمل الثقل، فهذا معنى قوله: " ولم يخافوا التباسا، فعمدوا إلى الأخفّ ".
قال سيبويه: " ولم يريدوا تفريقا بين معنيين، كما أردت ذلك في فعل "
يريد بذلك أن في فعل حين قالوا: تفعل في مستقبله فرقوا بهذه الكسرة بين ما كان ماضيه على فعل وما كان ماضيه على فعل، فقالوا: تعلم، ولم يقولوا تذهب، وجعله سيبويه معنيين وإن لم يكن من المعاني التي تغير مقاصد القائلين فيما غيّروا، وإنما هو حكمة في إتباع اللفظ اللفظ.
هذا باب ما يسكن استخفافا وهو في الأصل عندهم متحرك
" وذلك قولهم في فخذ: فخذ، وفي كبد: كبد، وفي عضد: عضد، وفي كرم الرجل: كرم الرجل، وفي علم: علم، وهي لغة بكر بن وائل وأناس كثير من بني تميم، وقالوا في مثل: لم يحرم من فصد له "
يعني فصد البعير للضيف (وفصده للضيف) أنه عند عوز الطعام يفصدون البعير ليشرب الضيف من دمه فيمسك جوعه.
" وقال أبو النجم:
لو عصر منها المسك والبان انعصر (١)
يريد عصر، وهذه اللغة كثيرة في تغلب وأبو النجم من بكر بن غالب وهو أخو بكر بن وائل، وقال القطامي:
ألم يخز التفرّق جند كسرى ونفخوا في مدائنهم فطاروا (٢)
" وإنما حملهم على هذا إنهم كرهوا أن يرفعوا ألسنتهم عن المفتوح إلى
_________________
(١) رجز للفضل بن قدامة العجلي الشاهد فيه (عصر) يريد (عصر) ولكنه خفف الكلمة بحذف الكسرة ويوجد به شاهد آخر (الواو) في (والبان) بمعنى (أو). انظر إصلاح المنطق ٣٦، المنصف ١/ ٢٤، أدب الكاتب ٥٦٣.
(٢) الشاهد في قوله (ونفخوا) يريد (نفخوا) فحذف الكسرة للتخفيف. انظر ديوان القطامي ٨٤، والمخصص ١٤/ ٢٢٠.
[ ٤ / ٤٩١ ]
المكسور، والمفتوح أخف عليهم، فكرهوا أن ينتقلوا من الأخف إلى الأثقل، وكرهوا في عصر الكسرة بعد الضمة كما يكرهون الواو مع الياء في مواضع، ومع هذا أنه بناء ليس من كلامهم إلا في هذا الموضع من الفعل، فكرهوا أن
يحوّلوا ألسنتهم إلى الاستثقال "
يريد أنه ليس في كلامهم فعل إلا فيما لم يسم فاعله من الثلاثي.
" وإذا تتابعت الضمتان خففوا أيضا وكرهوا ذلك كما يكرهون الواوين، وإنما الضمتان من الواوين، وذلك قولك: الرّسل والطّنب والعنق، تريد الرّسل والطّنب والعنق، وكذلك الكسرتان تكرهان عند هؤلاء كما تكره الياءان في مواضع، وإنما الكسرة من الياء، فكرهوا الكسرتين كما تكره الياءان، وذلك قولك في إبل إبل "، قال الشاعر،
ألبان إبل تعلّة بن مسافر مادام يملكها على حرام (١)
" وأما ما توالت فيه الفتحتان فإنهم لا يسكّنون منه، لأن الفتح أخف عليهم من الضم والكسر، كما أن الألف أخف من الواو والياء، وسترى ذلك إن شاء الله، وذلك نحو: جمل وحمل ونحو ذلك. ومما أشبه الأول مما ليس على ثلاثة أحرف قولهم: أراك منتفخا علي، بتسكين الفاء "
سكّن لأن قولنا نفخ كقولنا فخذ وكبد، فأسكن كما أسكن الخاء من فخذ، " ومن ذلك قولهم: " انطلق يا هذا "، بتسكين اللام وفتح القاف، وكان الأصل انطلق، اللام مكسورة والقاف ساكنة، فسكنت اللام للكسرة، فاجتمع ساكنان: اللام والقاف، فحركوا القاف وفتحوه، كما قالوا: أين وفتحوا النون.
قال سيبويه: " حدثنا الخليل عن العرب بذلك، وأنشدنا بيتا لرجل من أزد السراة، وهو:
عجبت لمولود وليس له أب وذي ولد لم يلده أبوان (٢)
_________________
(١) البيت نسبه أبو العباس المبرد إلى رجل من بني تميم انظر خزانة الأدب ٣/ ٤٣٨، المخصص ١٤/ ٢٢١، رغبة الآمل ١/ ١٩٦، والشاهد فيه (إبل) ويريد (إبل) فسكن العين للتخفيف
(٢) نسبه الشنقيطي في الدرر اللوامع ١/ ٣١، والعيني في هامش الخزانة ٢/ ٣٥٥ لرجل من أزد السراة، والشاهد فيه (لم يلده) ويريد (لم يلده) فسكن المكسور تخفيفا.
[ ٤ / ٤٩٢ ]
يريد لم يلده، فأسكن اللام، فاجتمع ساكنان، اللام والدال، ففتح الدال لاجتماع الساكنين.
" سمعناه من العرب كما أنشده الخليل، ففتحوا الدال كي لا يلتقي ساكنان، حيث أسكنوا موضع العين حركوا الدال ".
وزعموا إنهم يقولون: " ورك وورك، وكتف وكتف.
وهذا ما أسكن من هذا الباب وترك أول الحرف على أصله لو حرك، لأن الأصل عندهم أن يكون الثاني متحركا وغير الثاني أول الحرف
" وذلك قولهم: شهد ولعب، تسكّن العين كما أسكنتها في علم، وتدع الأول مكسورا لأنه عندهم بمنزلة ما حرّكوا فصار كأول ابن. سمعناهم ينشدون هذا البيت هكذا للأخطل:
إذا غاب عنا، غاب عنا فراتنا وإن شهد أجدى فضله وجداوله (١)
ومثل ذلك نعم وبئس، وإنما هو فعل "
قال أبو سعيد: قد كنت ذكرت في باب قبل هذا أن ما كان على " فعل " وثانيه حرف من حروف الحلق ففيه أربع لغات: منها " فعل "، وهو الذي أراد سيبويه في هذا الموضع، لأن شهد ولعب جاء على أصله لو حرّك معناه أنه جاء على شهد ولعب ثم أسكن من ذاك.
" ومثل ذلك: " غزي الرجل " لا تحوّل الياء واوا، لأنها إنما خففت والأصل عندهم التحريك، وأن تجرى ياء كما أن الذي خفف الأصل التحريك عنده، وأن يجري الأول في خلافه مكسورا ".
قال أبو سعيد: اعلم أن أصل غزي غزو؛ لأنه من الغزو، انقلبت الواو ياء لأنها طرف وقبلها كسرة، فكأنّ قائلا قال: إذا أسكنا الزاي وجب أن تعود الواو؛ لأن العلة التي كانت تقلبها ياء قد زالت، فقال سيبويه:
" هذا التخفيف ليس بواجب، ولا هو بناء بني عليه اللفظ في الأصل، وإنما هو
_________________
(١) الشاهد تسكين الهاء من قوله (شهد) بعد تحريك الشين بالكسر اتباعا لحركة عينها قبل السكون، انظر ديوانه: ١/ ٣٤٨، الهمع: ٢/ ٨٤، الدرر: ٢/ ١٠٩
[ ٤ / ٤٩٣ ]
عارض، كما أن الذي يقول: علم وكرم في علم وكرم الأصل عنده علم وكرم وإن خفّف ".
والدليل على أن الأصل هذا أنه لو جعل الفعل لنفسه لقال: علمت وكرمت، فرد البناء إلى أصله، فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
هذا باب ما تمال فيه الألفات
اعلم أن معنى الإمالة أن تميل الألف نحو الياء فتكون بين الألف والياء في اللفظ، والذي دعا إلى ذلك أنه إذا كان في الكلمة كسرة أو ياء نحوا بالألف نحو الياء وأجنحوها إتباعا للكسرة، ولأن الياء أقرب إلى الألف من الواو. والأشياء التي من أجلها تمال الألف، الياء أو الكسرة إذا كانتا ظاهرتين أو مقدرتين، أو كان في تصاريف الكلمة التي فيها الممال ياء أو كسرة، أو يكون مآل الألف ومرجعها إلى الياء في بعض تصريفها، أو ليفرق بين لفظين، فيشبّه ما لا أصل له في الإمالة بما يمال لاشتراكهما في لفظ الألف وذلك على مراتب منها ما تقوى فيه الإمالة، ومنها ما يجوز، وليس بقوي، ومنها ما يقبح، وقد تكلّم به على فتحه، ومنها ما جاء شاذا تكلمت به العرب، وأنت تقف على جميع ذلك مما أسوقه من كلام سيبويه.
قال سيبويه: " فالألف تمال إذا كان بعدها حرف مكسور، وذلك قولك: عابد وعالم ومساجد ومفاتيح وعذافر وهابيل، وإنما أمالوها للكسرة التي بعدها، أرادوا أن يقرّبوها منها كما قربوا في الإدغام الصاد من الزاي حين قالوا صدر، فجعلوها بين الصاد والزاي، فقربوها من الزاي والصاد التماس الخفة، لأن الصاد قريبة من الدال فقربوها من أشبه الحروف من موضعها بالدال، وبيان ذلك في الإدغام، فكما يريد في الإدغام أن يرفع لسانه من موضع واحد كذلك يقرب الحرف إلى الحرف على قدر ذلك فالألف قد تشبه الياء فأرادوا أن يقربوها منها "
قال أبو سعيد: اعلم أن الصاد والدال متقاربا المخرج، وبينهما على تقاربهما اختلاف في كيفيتهما، وذلك أن الصاد مهموسة والدال مجهورة والصاد مطبقة مستعلية وليست الدال كذلك والصاد رخوة والدال شديدة والصاد من حروف الصفير، وليست الدال منها، فلهذا التباين استثقلوا تحقيق الصاد وبعدها الدال فاختاروا حرفا من مخرج الصاد يوافق الدال في بعض ما خالفتها الصاد فيه، وذلك الحرف الزاي لأن الزاي مجهورة مثل الدال وليست بمستعلية ولا مطبقة، كما أن الدال كذلك فجعلوا الصاد بين الصاد
[ ٤ / ٤٩٤ ]
والزاي لتقرب من الدال، وكذلك قربوا الألف من الياء بالإمالة للكسر العارض ولشبه الألف بالياء، وإنما قال: " كما قرّبوا في الإدغام "، وليس تقريب الصاد من الزاي إدغاما لأنه أراد أن الكلام في هذا يكون في باب الإدغام.
قال سيبويه: " وإذا كان بين أول حرف من الكلمة وبين الألف حرف متحرّك والأول مكسور أملت الألف لأنه لا يتفاوت ما بينهما بحرف ألا تراهم قالوا: صبقت فجعلوها صادا لمكان القاف فقالوا: صقت، وكذلك إن كان الذي بينه وبين الألف حرفان: الأول ساكن، لأن الساكن ليس بحاجز قوي وإنما يرفع لسانه عن الحرف المتحرك رفعة واحدة كما رفعه في الأول، فلم يتفاوت بهذا كما لم يتفاوت الحرفان حين قلت صويق، وذلك قولهم: سربال وشملال وعماد وكلاب "
قال أبو سعيد: يريد أن الكسرة في عماد وكلاب هي التي دعت إلى إمالة الألف؛ لأن الحرف الذي قبل الألف تمال فتحته إلى الكسرة وهو بعد الكسرة في عماد وكلاب والحرف الساكن الذي في " سربال " وهو الراء بعد السين والذي في " شملال " وهو الميم بعد الشين لم يحفل به لسكونه وأنه ليس بحاجز قوي، فصار كأنك قلت " سبال " و" شمال "، وقد فعلوا ذلك فيما يشاكل ذلك ما هو أقوى مما ذكرنا، فقالوا: صبقت والأصل سبقت، لأن القاف إذا كانت بعد السين فبعض العرب يقلب السين صادا لعلة نذكرها في موضعها فقلبت القاف السين في سبقت صادا وبينهما الباء كما قلبتها في " صقت " وأصلها " سقت " وليس بينهما حرف وقلبتها في " صويق " يريدون به " سويق " وبينهما حرفان الأول متحرك والثاني ساكن.
قال سيبويه: " وجميع هذا لا يميله أهل الحجاز ".
يريد أنهم يقولون عابد وعالم ومفاتيح وهابيل مكسورات كلها، وعلى ذلك قراءة القرآن إلا بعض ما يختلف فيه القراء وهو يسير.
قال: " فإذا كان ما بعد الألف مضموما أو مفتوحا لم يكن فيه إمالة، وذلك نحو آجر تابل وخاتم لأن الفتح من الألف فهي ألزم لها من الكسر ".
يعني الفتحة للألف ألزم. قال سيبويه:
" ولا تتبع الواو لأنها لا تشبهها، ألا ترى أنك لو أردت التقريب من الواو انقلبت فلم تكن ألفا ".
قال أبو سعيد: يريد أن الألف إذا كان بعدها ضمة لم تملها إلى الواو كما أملتها
[ ٤ / ٤٩٥ ]
إلى الياء إذا كان بعدها كسرة لبعدها من الواو ولأن اللفظ لا يتأتى فيه، ومتى أملناها صارت واوا كقولنا أوجرّ. قال سيبويه:
" وكذلك إذا كان الحرف الذي قبل الألف مفتوحا أو مضموما نحو رباب، وجماد والبلبال والجمّاع والخطّاف "
يريد أنه لا يمال ذلك لأنه لا كسرة قبله ولا بعده.
" وتقول: الاسوداد يميل الألف ها هنا من أمالها في الفعال، لأن وداد بمنزلة كلاب ".
قال سيبويه: " ومما يميلون ألفه كل شيء من بنات الياء والواو كانت عينه مفتوحة.
أما ما كان من بنات الياء فتمال ألفه، لأنها في موضع ياء وبدل منها، فنحوا نحوها كما أن بعضهم يقول في ردّ ردّ، فيشم الكسر.
" قال الفرزدق:
وما حلّ من جهل حبا حلمائنا ولا قائل المعروف فينا يعنّف (١)
فيشم كأنه ينحو نحو فعل فكذا نحوا نحو الياء ".
وهذا كلام لم يأت له بتمثيل وذلك لأن ما أراده مفهوم، استغني بفهمه وهو كل ما كانت ألفه طرفا وهي منقلبة من ياء مما كان أصله ياء أو ما كان أصله واوا، ثم انقلبت ياء أو كان أصله ألفا مما يثنى بالياء.
فأما ما كان أصله ياء فقولك: رحى ورمى ومرمى، لأن أصله رميت، وتقول رحيان في التثنية، وما كان أصله واوا انقلبت ياء نحو: أدنى وملهى، وجميع ما كان من ذوات الواو إذا وقعت الواو رابعة وقبلها فتحة انقلبت ياء ثم انقلبت ألفا، فجرى مجرى الياء في حكم الإمالة، ألا ترى أنا نقول غزوت ثم نقول أغزيت وأغزيا واستغزيا تثنية استغزى. وأما ما كان أصله ألفا فحبلى وسكرى؛ لأنك تقول: حبليان وسكريان، فهذا كله حكم الياء الأصلية في الإمالة.
وأما ما كانت ألفه منقلبة من واو، وذلك إنما يكون في الثلاثي فإنه تجوز إمالته أيضا وهو الذي قال سيبويه:
_________________
(١) الشاهد فيه مراعاة كسرة الثاني من قوله (حل) التي هي في أصل المثال قبل الإدغام، ومثل ذلك لا يكاد يضبط بالمشافهة. انظر ديوانه: ٢/ ٢٩، شرح شواهد المغني: ١/ ٤٨٩.
[ ٤ / ٤٩٦ ]
" وأما بنات الواو فأمالوا ألفها لغلبة الياء على هذه اللام ولأن هذه اللام هي واو، وإذا جاوزت ثلاثة أحرف قلبت ياء، والياء لا تقلب على هذه الصفة واوا، فأميلت لتمكّن الياء في بنات الواو، ألا تراهم يقولون " معدي ومسنية والقنى والعصي "، ولا تفعل هذا الواو بالياء، فأمالوها لما ذكرت لك والياء أخف عليهم من الواو فنحوا نحوها.
يعني في قولهم العشا والمكا، وهو جحر الضّب وأصله من الواو، لأنه يقال: امرأة عشواء، ويقال: مكا ومكوان، وإنما أمالوا هذا وإن كان من الواو لما ذكر سيبويه من غلبة الياء على الواو، وغلبتها أنها تنقلب إذا جاوزت ثلاثة أحرف، ولأنها تقلب في غير ذلك إلى الياء وهو قولهم " معدي " وأصله " معدو " وأرض مسنيّة في معنى مسنوّة، أي مسقية يقال: " سنوت الأرض سقيتها "، و" القنى والعصي " أصلها القنوّ والعصوّ لأنه يقال:
قناة وقنوات وعصا وعصوان. قال سيبويه:
" والإمالة في الفعل لا تنكسر إذا قلت غزا وصفا ودعا، وإنما كان في الفعل مستتبا لأن الفعل لا يثبت على هذه الحال، ألا ترى أنك تقول: غزا ثم تقول: غزي فتدخله الياء وتغلب عليه وعدة الحروف على حالها، وتقول: أغزوا، فإذا قلت: أفعل قلت: أغزى قلبت وعدة الحروف على حالها، فآخر الحروف أضعف لتغيّره، وتخرج إلى الياء تقول: لأغرينّ، ولا يكون ذلك في الأسماء "
والأسماء التي لا يميلونها من هذا النحو نحو قفا وعصا والقنا، ولا يمتنعون من إمالة شيء من الأفعال لما ذكره سيبويه من قلبها إلى الياء في تصاريف الفعل.
" فصارت الألف أضعف في الفعل لما يلزمها من التغيير. وإذا بلغت الأسماء أربعة أحرف أو جاوزت من بنات
الواو فالإمالة مستتبّة لأنها قد خرجت إلى الياء، وجميع هذا لا يميله ناس كثير من بني تميم وغيرهم ".
قال: ومما يميلون ألفه كل اسم كانت في آخره ألف زائدة للتأنيث أو لغير ذلك لأنها بمنزلة ما هو من بنات الياء، ألا ترى أنك لو قلت في معزى وفي حبلى فعلت على عدّة الحروف لم يجئ واحد من الحرفين إلا من بنات الياء، وكذلك كل شيء كان مثلهما مما يصير في تثنية أو فعل ياء، فلما كانت في حروف لا تكون من بنات الواو أبدا صارت عندهم بمنزلة ألف رمي ونحوها "
يريد أن ألف حبلى ومعزى تمال، لأنها تنقلب ياء لو صرّفنا منها الفعل فقلنا:
[ ٤ / ٤٩٧ ]
حبليت ومعزيت، كما تقول: جعبينا، أو ثنينا فقلنا: حبليان ومعزيان كما قلنا رمى لأنه من رميت.
" وناس لا يميلون حبلى ومعزى، ومما يميلون ألفه كل شيء كان من بنات الياء والواو مما هما فيه عين إذا كان أول فعلت منه مكسورا نحوا نحو الكسرة كما نحوا نحو الياء فيما كانت ألفه في موضع الياء وهي لغة لبعض أهل الحجاز، وأما العامة فلا يميلون ما كانت الواو فيه عينا، وذلك: خاف وطاب وهاب، وبلغنا عن أبي إسحاق أنه سمع كثيّر عزّة يقول صار بمكان كذا وكذا.
وقرأ بعضهم (خاف).
قال أبو سعيد: أما إمالة خاف فلأنه على فعل وأصله خوف، فمكسرة المقدرة في الألف جازت إمالته وتكسر أيضا إذا جعلت الفعل لنفسك فقلت خفت، وكل ما كان في فعل المتكلم مكسورا جازت إمالته من ذوات الواو وكان أو من ذوات الياء. قال:
" ولا يميلون بنات الواو إذا كانت الواو عينا إلا ما كان على فعلت مكسور الأول ليس غير ".
يريد لا يميلون قال وقام وجار وما أشبه ذلك، لأنه من ذوات الواو وليس تلحقه كسرة في أصل بنيته لأنه على فعل، ولا في شيء من تصرف فعله، لأنك تقول، قلت، ولا تكسر كما كسرت " خفت "، ومثله " طلت ".
" ولا تشبّه ببنات الواو والتي الواو فيهن لام أن الواو قوية هاهنا، ولا تضعف ضعفها ثمة، ألا تراها ثابتة في فعلت وأفعل وفاعلت ونحوه، فلمّا قويت هاهنا تباعدت من الياء والإمالة وذلك قولك: قام ودار لا يميلونهما "
قال أبو سعيد: يريد أن الواو إذا كانت عين الفعل وانقلبت ألفا ولم تلحقها كسرة لم تمل في " قام ودار " وما أشبههما كما أميلت في " غزا وونى ودعا "، لأنها إذا كانت لاما كان انقلابها إلى الياء أكثر من انقلابها إذا كانت عينا لأنها أولى بالإعلال، ولو اجتمعت عين الفعل ولامه وهما من حروف العلة لأعلّت اللام دون العين، فلذلك جاز في اللام من الإمالة ما لم يجز في العين، وقوّي ذلك أنك تقول في فعّلت قوّمت، وفي فاعلت قاومت، فلا تعل الواو، ولو
كانت لام الفعل لانقلبت ياء، ألا ترى أنك تقول: غازيت وسمّيت وأصله الواو فتنقلب ياء.
قال: " وقالوا " مات " وهم الذين يقولون " متّ "، ومن لغتهم " صار وخاف "،
[ ٤ / ٤٩٨ ]
والذين يقولون " متّ " لا يقولون " مات "، لأنه لا تلحقه كسرة في تقدير ولا لفظ ".
قال: " ومما تمال ألفه كيّال وبيّاع، وسمعنا بعض يوثق بعربيته يقول: كيال كما ترى فيميل وإنما فعلوا هذا، لأن قبلها ياء فصارت بمنزلة الكسرة التي تكون قبلها نحو سراج وجمال، وكثير من العرب وأهل الحجاز لا يميلون هذه الألف ومن يميل يقول: شوك السّيال والضّياح، كما قلت كيّال وبيّاع " والسّيال شجر، والضّياح لبن ممزوج.
" وقالوا: شيبان وقيس عيلان وغيلان، فأمالوا للياء، والذين لا يميلون في كيّال لا يميلون ها هنا، ومما يميلون ألفه قولهم: مررت ببابه وأخذت من ماله، هذا في موضع الجر، شبهوه بفاعل نحو كاتب وساجد، والإمالة في هذا أضعف لأن الكسرة لا تلزم ".
قال أبو سعيد: يريد أن الكسرة في الباء واللام من بابه وماله بعد الألف شبهت بكسرة عين فاعل بعد الألف، وكسرة عين فاعل لازمة، فهي أقوى في إمالة الألف التي قبلها، وكسرة بابه وماله تزول في الرفع والنصب.
" وسمعناهم يقولون من أهل عاد " لكسرة الدال " فأما في موضع الرفع والنصب فلا تكون الإمالة كما لا تكون في آجر وتابل، وقالوا: رأيت زيدا فأمالوا كما فعلوا ذلك في غيلان، والإمالة في زيد أضعف لأنه يدخله الرفع "
يريد أن غيلان الألف التي دخلت عليها الإمالة لا تفارق، والألف في زيد إنما تكون في النصب، فأمالوا من أجل الياء، وشبهوا ألف زيدا بألف غيلان.
" ولا يقولون: رأيت عبدا، لأنه لا ياء فيه، كما لا تميل " كسلان " ولا " دهمان " لأنه لا ياء فيه، وقالوا: درهمان ".
والإمالة في درهمان شاذة لبعد كسرة الدال من الألف، والذين أمالوا لم يحفلوا بالهاء لخفائها، وسترى الكلام على خفاء الهاء وأنها لا يعتدّ بها، فيصير كأنهم قالوا: درمان.
وقالوا: رأيت قزحا، وهو أبزار القدر، ورأيت علما، جعلوا الكسرة كالياء، وقالوا:
النجادين، كما قالوا: مررت ببابه فأمالوا الألف ". ولا يميلون في النجادين لأنه لا كسرة فيه.
وقالوا: مررت بعجلانك، كما قالوا: مررت ببابك ".
ولا يميلون هذا عجلانك ولا هذا بابك.
[ ٤ / ٤٩٩ ]
وقالوا: مررت بمال كثير، ومررت بالمال، كما تقول: هذا ماش وهذا داع " فإذا وقف على ذلك " فمنهم من ينصب
لأنه لا يتكلم بالكسرة ".
فيقول: هذا ماش وهذا داع ومنهم من يميل، لأن النية فيه الكسر إذا وصل، فيقول: هذا داع وهذا ماش، وعلى هذين الوجهين يختلف من يقرأ لأبي عمرو فيما يميله إذا وقف منهم من يقول: أَصْحابُ النَّارِ (١)، فيميل كما يميل في الوصل، ومنهم من يقول النّار فيفتح.
قال: " وقال ناس: رأيت عمادا، فأمالوا للإمالة كما أمالوا للكسرة "
يريد أنهم أمالوا الألف التي بعد الدال لإمالة الألف التي بعد الميم لكسرة العين التي قبل الميم، لأن الإمالة كالكسرة.
قال: " وقوم يقولون: رأيت علما، ونصبوا عمادا لما لم يكن قبلها ياء ولا كسرة ".
يريد أن الألف التي بعد الدال ليس قبلها ياء ولا كسرة، فصار بمنزلة رأيت عبدا.
قال: " وقال بعض الذين يقولون في السّكت بمال فلا يميلون من عند الله ولزيد مال شبهوه بألف عماد للكسرة التي قبلها، فهذا أقل من مررت بمالك لأن الكسرة منفصلة ".
الإمالة في قولنا من عند الله أنه يجعل الدال المكسورة موصولة بما بعدها فيصير كأنه بالله كلمة، ويصير بمال من قولنا: لزيد مال كأنه كلمة فيصير كقولنا: مصباح وشملال وما أشبه ذلك، فلا يحفل بالحرف الساكن فيصير كأنه عماد. ثم قال:
" فهذا أقل من مررت بمالك ".
يريد أن الباء المكسورة متصلة بالميم والدال من عند ومن زيد ليست متصلة بما بعدها، فصارت الإمالة في قولنا بمالك أقوى. وقوله:
" والذين قالوا: من عند الله أكثر لكثرة هذا الحرف في كلامهم ".
يعني أكثر من لزيد مال.
" ولم يقولوا ذا مال يريدون ذا التي في هذا، لأن الألف إذا لم تكن طرفا شبهت بألف فاعل ".
_________________
(١) سورة الرعد: ٥
[ ٤ / ٥٠٠ ]
يريد أنهم لم يميلوا الألف في مال إذا أمالوا الألف في ذا، ولم يجعلوه بمنزلة عمادا، لأن الألف الثانية في عمادا طرف وليست في مال طرفا، فشبهت ألف مال بألف فاعل فلم تمل. فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
هذا باب من إمالة الألف يميلها فيه ناس من العرب كثير
" وذلك قولك: نريد أن نضربها، ونريد أن ننزعها، وذلك لأن الهاء خفيّة والحرف الذي قبل الحرف الذي يليه مكسور فكأنه قال: نريد أن نضربا، كما إنهم قالوا: ردّها كأنه قال ردّا، فلذلك قال هذا من قال ردّ وردّه، صار ما بعد الضاد في يضربها بمنزلة علما، وقالوا في هذه اللغة: منها، فأمالوا وقالوا في مضربها وبها وبنا، وهذا أجدر لأنه ليس بينه وبين الكسرة إلا حرف، فإذا كانت تمال مع الهاء وبينها وبين المكسورة حرف فهي إذا لم يكن بين الهاء وبين الكسرة شيء أجدر أن تمال، والهاء خفية، فكما تقلب الألف للكسرة ياء كذلك أملتها حيث قربت منها هذا القرب "
قال أبو سعيد: يريد أن الهاء لخفائها لا يعتدّ بها، وكأنها ليست في الكلام، فصار أن تضربها بمنزلة تضربا، والكسرة إذا كانت بينهما وبين الألف حرف أميلت الألف كقولنا صفاف وجمال وكلاب وما أشبه ذلك، ثم استدل على أن الهاء بمنزلة ما لا يعتد به أنهم قالوا: ردّها، ففتحوا الدال كأن بعدها الألف، والألف توجب فتحها ولم يعتدوا بالهاء، والذين قالوا: ردّها بعضهم يقول: ردّ وردّه، فعلم أن الدال فتحت من أجل الألف لا من أجل نفسه ولا من أجل الهاء، والإمالة في بها وبنا أقوى منها في يضربها لأنه قبل الهاء كسرة في هذا وقبل الهاء فتحة في يضربها، قال سيبويه:
" وقالوا: بيني وبينها، فأمالوا في الياء كما أمالوا في الكسرة، وقالوا: نريد أن نكيلها ولم نكلها، وليس شيء من هذا تمال ألفه في الرفع إذا قال: هو يكيلها وذلك أنه وقع بين الألف وبين الكسرة الضمة فصارت حاجزا فمنعت الإمالة لأن الباء في قولنا: يضربها فيه إمالة ولا يكون في المضموم إمالة كما لا يكون في الواو الساكنة إمالة، وإنما كان في الفتح لشبه الياء بالألف ".
قال أبو سعيد: يريد أن الضمة إذا كانت قبل الهاء منعت الإمالة ولم تكن بمنزلة الفتحة التي قبل الهاء، لأن الفتحة يمكن أن تميلها وتنحو بها نحو الكسرة كما تميل
[ ٤ / ٥٠١ ]
الألف وتنحو به نحو الياء فتقول: يريد أن يضربها فتميل الباء والهاء والألف، وإذا قلنا يضربها لم تكن إمالة الباء للضمة كما لا يكون في الواو الساكنة إمالة، والياء قريبة الشّبه من الألف، فلذلك كان المفتوح الذي قبل الهاء يمال كما يمال الحرف الذي قبل الألف وهو مفتوح.
" ولا تكون إمالة في لم يعلمها ولم يخفها لأنها ليست ها هنا ياء ولا كسرة تميل الألف، وقالوا: فينا وملينا تميل الألف للياء حيث قربت من الألف. وقالوا: بيني وبينها، وقالوا: رأيت يدا ويدها فأمالوا للياء كما قالوا يضربا ويضربها. وقال هؤلاء: رأيت دما ودمها فلم يميلوا؛ لأنه لا كسرة فيه ولا ياء. وقال هؤلاء: عندها؛ لأنه لو قال عند
أمال لم يعتد بالهاء. قال سيبويه:
" واعلم أن الذين قالوا رأيت عدا الألف ألف نصب ويريد أن يضربها يقولون هو منّا وإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١) وهم بنو تميم، وبقوله أيضا قوم من قيس وأسد، حدثنا بذلك من ترضى عربيته، فقالوا: هو منّا وإنا لمختلفون، فجعلها بمنزلة عدا وقال هؤلاء: رأيت عنبا فلم يميلوا لأنه وقع بين الكسرة والألف حاجزان قويان، ولم يكن الذي قبل الألف هاء فتصير كأنها لم تذكر، وقالوا في رجل اسمه ذه ذها أملت الألف كأنك قلت ذا في لغة من يقول: يضربا.
ومر بنا لقربها من الكسر كقرب ألف يضربا. واعلم أنه ليس كل من أمال الألف وافق غيره من العرب ممن يميل، ولكنه قد يخالف كل واحد من الفريقين صاحبه فينصب بعض ما يميل صاحبه، ويميل بعض ما ينصب صاحبه، وكذلك من كان النصب من لغته لا يوافق غيره ممن ينصب، ولكن أمره وأمر صاحبه كأمر الأول في الكسر، فإذا رأيت عربيا كذلك فلا ترينّه خلّط في لغته. "
قال أبو سعيد: يريد أن أمر العرب في الإمالة لا يطرد على قياس لا يخالفونه وكذلك ترك الإمالة لا يطرد. قال سيبويه:
" ومن قال رأيت يدا قال رأيت زينا " جمع زينة " فقوله ينا بمنزلة يدا، وقال هؤلاء كسرت يدنا ".
فلم يميلوا لأن بين الياء وبين الألف حرفين مفتوحين.
" فصار بمنزلة الكسرة في قولك: رأيت عنبا. واعلم أن من لا يميل الألف
_________________
(١) سورة البقرة: ١٥٦.
[ ٤ / ٥٠٢ ]
فيما ذكرنا قبل هذا الباب لا يميلون شيئا منها في هذا الباب "
قال أبو سعيد: يعني من يقول كيال والسيال ومررت بمال كثير وما أشبه ذلك مما تضمنه الباب المتقدم، فلا يميل شيئا مما ذكر إمالته في هذا الباب.
" واعلم أن الألف إذا دخلتها الإمالة دخل الإمالة ما قبلها ".
يريد أن الألف إذا أميلت وجب إمالة ما قبلها ضرورة، لأن الألف لا يكون ما قبلها مفتوحا فلا يمكن إمالتها حتى يمال ما قبلها.
" وإذا كانت الألف بعد الهاء فأملتها أملت ما قبل الهاء لأنك كأنك لم تذكر الهاء، فكما تتبعها ما قبلها منصوبة كذلك
تتبعها ما قبلها ممالة ".
وذلك قولك: أريد أن تضربها تميل الباء والهاء والألف، لأنك لما لم تعتد بالهاء، وأملت الألف صارت كأنها قبل الألف فأملتها.
" واعلم أن بعض من يميل يقول: رأيت يدا ويدها، فلا يميل، تكون الفتحة أغلب وصارت الياء بمنزلة دال دم لأنها لا تشبه المعتلّ منصوبة "
قال أبو سعيد: ترك الإمالة في يدا لأنه لم يحفل بالياء، لأن الفتحة التي في الياء هي بعد الياء في التقدير فغلبت عليها لأنها أقرب إلى الألف.
" وقال هؤلاء: رأيت زينا ". قال سيبويه:
" فهذا ما ذكرت لك من مخالفة بعضهم بعضا، وقال أكثر الفريقين إمالة: رمى، فلم يمل، كره أن ينحو نحو الياء إذ كان إنما فرّ منها كما أن أكثرهم يقول: ردّ في فعل فلا ينحو نحو الكسرة لأنه فرّ مما تبين فيه الكسرة ولا يقول ذاك في حبلى لأنه لم يفرّ من ياء ولا في مغزى:
قال أبو سعيد: يريد أن قوما لا يميلون رمى وإن كانت الألف منقلبة من ياء قال سيبويه:
" لأن قلبهم الياء ألفا فرار من الياء فلا يقربون الألف من شيء فرّوا منه ". كما أن أكثر من قال " ردّ " لا يقول " ردّ " لأن الأصل ردد، وقد أبطلت الكسرة وفرّ منها فلا يقرّبونها من شيء قد فرّوا منه ويميلون في حبلى لأنها ألف تأنيث وليست بمنقلبة من شيء فروا منه وألف معزى زائدة بمنزلة ألف حبلى.
قال سيبويه:
" واعلم أن ناسا ممن يميل في يضربها ومنّا ومنها وبنا وأشباه هذا مما فيه
[ ٤ / ٥٠٣ ]
علامة الإضمار إذا فصلوا نصبوها فقالوا: أن يضربا زيدا ويريد أن يضربها زيد ومنا ذاك، وذاك لأنهم أرادوا في الوقف إذ كانت الألف تمال في هذا النحو أن يبينوا في الوقف حيث وصلوا إلى الإمالة كما قالوا: أفعى في أفعى جعلوها في الوقف ياء، وإذا أمالوا كان آمن لها لأنه ينحو نحو الياء، فإذا وصل ترك ذلك، لأن الألف في الوصل أبين كما قال أولئك في الوصل أفعى زيد، وقال هؤلاء: بيني وبينها، وبين وبينها مال. "
قال أبو سعيد: يريد أنه إذا وقف على يضربها ومنّا وبنا صارت الألف طرفا والطرف أولى بالإعلال وبقلبها إلى الياء، ولأن الألف إذا وقف عليها كانت خفية والياء أبين منها والإمالة نحو الياء، فإذا وصلت بشيء بيّنها ذلك الشيء واستغني عن الإمالة التي يوجبها تطرف الألف والوقوف عليها وشبهها بأفعى زيد بالألف في أفعى وإذا
وقف عليه، فمنهم من يقول أفعى. قال:
" وقد قال قوم فأمالوا أشياء ليست فيها علة مما ذكرنا فيما مضى وذلك قليل، سمعناهم يقولون: (طلبنا) " ممال " وطلبنا زيد شبه هذه الألف بألف حبلى حيث كانت آخر الكلام ولم تكن بدلا من ياء، وقال رأيت عبدا " ممالا، ورأيت عنبا وسمعنا هؤلاء قالوا تباعد عنّا فأجروه على القياس وقول العامة، وقالوا: معزانا في قول من قال:
عمادا " ممال " فأمالهما جميعا "
قال أبو سعيد: يعني أمال الألف الأخيرة في معزانا لإمالة الألف التي بعد الزاي، وكذلك الألف الأخيرة في عمادا لإمالة الألف التي قبلها.
" ومن قال عمادا قال معزانا وهما مسلمان وذا قياس قول غيرهم من العرب؛ لأن قوله لمان بمنزلة عماد والنون بعده مكسورة، فهذا أجدر فجملة هذا أن كل ما كانت له الكسرة ألزم كان أقوى في الإمالة نحو: " عابد وعلما ومعزى ".
هذا باب ما أميل على غير قياس وإنما هو شاذّ
" وذلك الحجاج إذا كان اسما لرجل وذلك لأنه كثر في كلامهم، فحملوه على الأكثر، لأن الإمالة أكثر في كلامهم وأكثر العرب تنصبه ولا تميل ألف حجّاج إذا كان صفة، يجرونه على القياس. وأما النّاس فيميله من لا يقول هذا مال بمنزلة الحجاج وهم أكثر العرب، لأنها كألف فاعل إذا كانت ثانية فلم تمل في غير الجر كراهية أن تكون ك باب " رميت " و" غزوت "، لأن الواو والياء في " قلت " و" بعت " أقرب إلى
[ ٤ / ٥٠٤ ]
غير المعتل وأقوى "
ذكر سيبويه إمالة ألف الحجاج وهي شاذة؛ لأنه ليس فيها كسرة ولا ياء، وكذلك إمالة الناس، وإنما أراد إمالة ذلك في حال الرفع والنصب، لأنه يجوز أن يقال: هذا الحجّاج وهؤلاء الناس فيمال، وعلى أن أكثر العرب ينصب ذلك ولا يميله، وفرق بين الناس وبين مال فقال: " وأما الناس فيميله من لا يقول هذا مال " وإنما يمال مال إذا كسرت اللام بعدها، وهذا معنى قوله: " لأنها كألف فاعل إذا كانت ثانية، يعني ألف مال كألف فاعل إذا كان بعدها كسرة كالكسرة بعد ألف فاعل فلم يمل في غير الجر، يعني ألف مال. وقوله: " كراهية أن يكون ك باب " رميت " و" غزوت ".
يريد أن ألف مال عين الفعل وهي منقلبة من واو، وباب رميت وغزوت الياء والواو فيه لام الفعل، (وعين الفعل)
بعد من الاعتلال. ثم قال:
" وقال ناس يوثق بعربيتهم، هذا باب وهذا مال " وهذا ناب " وهذا عاب ".
فأما ناب وعاب فالإمالة فيهما لأن الألف فيهما منقلبة من ياء. وأما باب ومال فشبهوا الألف فيهما، وإن كانت منقلبة من واو، بألف غدا ودنا المنقلبة من واو، فأجروا عين الفعل كلامه، وإن كانت العين أبعد من الإمالة. وقال أبو العباس محمد بن يزيد: لا تجوز إمالة باب ومال، لأن لام الفعل قد تنقلب ياء وعين الفعل لا تنقلب. قال أبو سعيد:
وليس الأمر على ما قال والذي حكاه سيبويه صحيح وله وجه من القياس، لأن عين الفعل إذا كانت واوا فقد تنقلب فيما لم يسمّ فاعله، وفي مستقبل ما يسمى فاعله إذا زيدت فيه زيادة. فأما ما لم يسم فاعله فقولك قيل وقيد وما أشبه ذلك. وأما ما سمّي فاعله فقولك أقام يقيم وأجاد يجيد. قال:
" والذين لا يميلون في الرفع والنصب أكثر العرب وهو أعم في كلامهم " يريد ترك إمالة باب ومال. ولا يميلون في الفعل نحو: قال، لأنهم يفرقون بين ما فعلت منه مكسور وبين ما فعلت منه مضموم ".
يعني يفرقون بين قام وقال ورام وسام وبين خاف، لأنك تقول في " قال قلت " " وقمت وقمت "، وتقول في " خاف خفت ".
هذا باب ما يمتنع من الإمالة من الألفات التي أملتها فيما مضى
" والحروف التي تمنعها من الإمالة هذه السبعة: الصاد والضاد والطاء والظاء والغين والقاف والخاء إذا كان حرف منها قبل الألف والألف تليه، وذلك قولك:
[ ٤ / ٥٠٥ ]
قاعد وغائب وخامد وصاعد وطائف وضامر وظالم. وإنما منعت هذه الحروف الإمالة، لأنها حروف مستعلية إلى الحنك الأعلى، فالألف إذا خرجت من موضعها استعلت إلى الحنك، فلما كانت مع هذه الحروف المستعلية غلبت عليها كما غلبت عليها الكسرة في مساجد ونحوها فلما كانت مع هذه الحروف مستعلية وكانت الألف تستعلي وقربت من الألف كان العمل من وجه واحد أخف عليهم، كما أن الحرفين إذا تقارب موضعهما كان رفع اللسان من موضع واحد أخفّ عليهم فيدغمونه "
قال أبو سعيد: يريد أنه لما كان الحرفان المختلفان المتقاربان قد يقلبون أحدهما إلى الآخر ويدغمونه فيه ليكون اللفظ على وجه واحد كان هذا مثله في أن يكون اللفظ من وجه واحد في الاستعلاء. قال:
" ولا نعلم أحدا يميل هذه الألف إلا من لا يؤخذ بلغته " قال: وكذلك إذا كان الحرف من هذه الحروف بعد ألف يليها وذلك قولك: ناقد وعاطس وعاصم وعاضد وعاظل وناخل وواقد، ونحو من هذا قولهم: صقت " بالصاد " لما كان بعدها القاف نظروا إلى أشبه الحروف من موضعها بالقاف فأبدلوها مكانه " وقد ذكرنا هذا فيما تقدّم.
وكذلك إن كانت بعد الألف بحرف، وذلك قولك: نافخ ونابغ ونافق وشاحط وفائط وناهض وفائص، ولم يمنعه الحرف الذي بينهما من هذا كما لم يمنع السين من الصاد في صبقت. واعلم أن هذه الألفات لا يميلها أحد إلا من لا يؤخذ بلغته، لأنها إذا كانت ممّا ينصب في غير هذه الحروف فلم يفارقها إذ كانت قد تدخلها مع غير هذه الحروف، وكذلك إن كان شيء منها بعد الألف بحرفين، وذلك قولك: مناشيط ومعاليق ومنافيخ ومقاريض ومواعيظ ومباليغ، ولم يمنع الحرفان النصب كما لم يمنع السين من الصاد في صويق ونحوه، وقد قال قوم المناشيط حين تراخت وهي قليلة " وفي بعض النسخ مكان المقاريض المفاريض جمع مفراض وهي حديدة يقطع بها، فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
قال: " وإذا كان حرف من هذه الحروف قبل الألف بحرف وكان مكسورا فإنه لا يمنع الألف من الإمالة وليس بمنزلة ما يكون بعد الألف، لأنهم يضعون ألسنتهم في موضع المستعلية ثم يصوّبون ألسنتهم. فالانحدار أخفّ عليهم من الإصعاد، ألا تراهم يقولون " صقت " و" صبقت " و" صويق " لمّا كان يثقل عليهم أن يكونوا في حال تسفل ثم
[ ٤ / ٥٠٦ ]
يصعّدوا ألسنتهم أرادوا أن يكونوا في حال استعلاء وأن لا يعملوا الإصعاد بعد التسفل فأرادوا أن تقع ألسنتهم موقعا واحدا. وقالوا: " قسوت " و" قسمت " لأنهم انحدروا وكان الانحدار أخف عليهم من الاستعلاء من أن يصعّدوا في حال التسفل وذلك قولك:
الصّفاف والصّعاب والطّباب والقباب والقفاف والخباث والغلاب، وهو في معنى المغالبة من قولك غالبته غلابا وكذلك ما كان بالظاء نحو الظّماء والظّباء. وجملة هذا الكلام أن حروف الاستعلاء في تأخرها عن الألف أشد منعا للإمالة منها في تقدمها على الألف، فتأخرها ما ذكره في المناشيط والمعاليق والنافخ والنابغ وما أشبه ذلك، ومنع الإمالة من الألف تشبيها، ثم أجاز في الصّفاف والصّعاب والطّباب وما أشبه ذلك، وجعل الفصل بينهما أنها إذا كانت متأخرة وأملنا الألف قبلها كان الناطق بها كأنه يصعد من سفل إلى علو؛ لأن الإمالة استفال والنصب استعلاء، والصعود من سفل إلى علو أصعب من النزول من علو إلى سفل. وإذا كان حرف الاستعلاء قبل الألف وأملت فأنت في علو من موضع حرف الاستعلاء ثم تنزل منه إلى الإمالة، فلذلك كان هذا أخف.
وشبهه سيبويه بأن القاف إذا كان بعد السين قلب لها السين إلى الصاد، وإذا كانت قبل السين لم تقلب إلى الصاد لأنها إذا كانت بعد السين، ففي السين تسفّل وفي القاف صعود واستعلاء، فقلبوا السين إلى الصاد حتى يستعلي لأن الصاد من الحروف المستعلية.
وإذا كانت القاف قبل السين فأنت في استعلاء ثم تنزل إلى السين وذلك مما يخف فلا حاجة بك إلى قلب السين صادا.
قال: " ولا يكون في قائم وقوائم إمالة " كما كان في صفاف وقفاف وما أشبه ذلك، لأن صفافا فيها كسرة أقرب إلى الألف من حرف الاستعلاء وليس في قائم كسرة قبل الألف.
" فلما كانت الفتحة تمنع الألف الإمالة في عذاب وتابل كان الحرف المستعلي مع الفتحة أغلب إذ كانت الفتحة تمنع الإمالة، فلمّا اجتمعا قويا على الكسرة ".
يعني اجتمع حرف الاستعلاء والفتحة.
قال: " وإذا كان أول الحرف مكسورا وبين الألف والكسرة حرفان أحدهما ساكن، والساكن أحد هذه الحروف فإن الإمالة تدخل الألف، لأنك كنت تميل لو لم يدخل الساكن للكسرة، فلما كان قبل الألف مع حرف تمال معه الألف صار كأنه هو المكسور وصار بمنزلة القاف في قفاف، وذلك قولك: ناقة مقلات ". وهي التي لا
[ ٤ / ٥٠٧ ]
يعيش لها ولد.
" والمصباح والمطعان وكذلك سائر هذه الحروف "
قال أبو سعيد: يريد أن حرف الاستعلاء إذا كان ساكنا بين الكسرة وبين الحرف الذي يلي الألف، فبعض العرب لا يعتد به لسكونه وأنه كحرف ميت لا يعتد به ويكون في جملة الحرف الأول الذي قبله فكأن الكسرة فيه.
" وبعض من يقول قفاف ويميل ألف مفعال وليس فيها شيء من هذه الحروف ينصب الألف في مصباح ونحوه، لأن حرف الاستعلاء جاء ساكنا غير مكسور وجاء بعده، فلما جاء ساكنا تليه الفتحة صار بمنزلة لو كان متحركا بعده الألف وصار بمنزلة القاف في قوائم، وكلاهما عربي له مذهب "
قال أبو سعيد: وهذا كلام واضح. قال:
" وتقول رأيت قزحا وأتيت ضمنا فتميل، وهما ها هنا بمنزلتهما في صفاف وقفاف، وتقول: رأيت عرقا ورأيت ملغا " فلا تميل " لأنهما بمنزلتهما في غانم وقائم ".
قال أبو سعيد: يريد أن الإمالة في قزحا وضمنا جائزة؛ لأن حرف الاستعلاء قبل الكسرة وفي عرقا وملغا الفتح؛
لأن حرف الاستعلاء بعد الكسرة والألف تليه.
قال: " وسمعناهم يقولون: أراد أن يضربها زيد فأمالوا، ويقولون: أراد أن يضربها قبل فنصبوا للقاف وأخواتها. وأما ناب ومال وباع فإنه من يميل يلزمها الإمالة على كل حال لأنه إنما ينحو نحو الياء التي الألف في موضعها ".
يعني أن ألف ناب ومال وباع منقلبة من ياء لأنك تقول: ناب وأنياب وباع يبيع ومال يميل. وقالوا: خاف فأمالوا، لأن أصله خوف.
" وكذلك ألف حبلى لأنها من بنات الياء، وقد بيّن ذلك، ألا تراهم يقولون طاب وخاف ومعطي وسقي فلا تمنعهم هذه الحروف من الإمالة ".
يريد أن حروف الاستعلاء لا تمنع الألف الإمالة إذا كانت الألف منقلبة من ياء أو رجعت إلى الياء في التثنية والجمع وليست بمنزلة ألف فاعل ومفاعل وما أشبه ذلك، لأن هذه الألف أصل وليست بمنقلبة من شيء.
" وكذلك باب غزا لأن الألف ها هنا كأنها مبدلة من ياء، ألا ترى إنهم يقولون صفا وضفا ".
[ ٤ / ٥٠٨ ]
وقد تقدم أن الألف التي في موضع اللام من الفعل وإن كان أصلها الواو فهي بمنزلة ما أصلها الياء في الإمالة. قال:
" ومما لا تمال ألفه فاعل من المضاعف ومفاعل وما أشبه ذلك كقولك: " هذا جادّ وجوادّ " و" مررت برجل جاد ".
لأن الكسرة التي كانت توجب الإمالة قد ذهبت وقد أمال قوم ذلك لأن الكسرة مقدرة، كما أمالوا خاف وإن لم تكن في اللفظ كسرة لتقدير خوف أو لأنه يرجع إلى خفت. قال سيبويه:
" شبهوها بمالك إذا جعلت الكاف اسم المضاف إليه ".
قال أبو سعيد: وجه احتجاج سيبويه بمالك لإمالة ماد وجواد أن الكسرة في مالك كسرة إعراب لا تثبت ولا يعتد بها، وقد أميل الألف من أجلها، فكذلك أيضا كسرة جواد وجاد المقدرة تمال من أجلها وإن ذهبت في اللفظ، وأصل جادّ جادد وجواد وجوادد؛ لأنه فاعل وفواعل. ومثل هذا قولهم ماش. أمالوا مع الوقف ولا كسرة فيه لأنه يكسر إذا وصل الكلام، فبيّنوا بالإمالة الكسرة في الأصل. قال:
" وقالوا: مررت بمال قاسم ومررت بمال ملق ومررت بمال ينقل، ففتح هذا كله، وقالوا: مررت بمال زيد، وإنما فتحوا الأول للقاف، شبّه ذلك بعاقد وناعق ومناشيط، وقال بعضهم: بمال قاسم ففرق بين المنفصل والمتصل.
يريد أنه لا يحفل بحرف الاستعلاء، لأنه ليس من الكلمة وهو منفصل منها، فصار بمنزلة قولك: مررت بمال والفرق بين المنفصل والمتصل في أشياء كثيرة مما مضى وسيمضي إن شاء الله تعالى. قال:
" وسمعناهم يقولون: أراد أن يضربها زيد ومنّا زيد فلما جاءوا بالقاف في هذا النحو نصبوا فقالوا: أراد أن يضربها قاسم ومنّا فضل وأراد أن يعلمها ملق وأراد أن يضربها سملق وأراد أن يضربها ينقل وأراد أن يضربها بسوط نصبوا لهذه المستعلية وقلبت كما قلبت في مناشيط ونحوها، وضارعت الألف في فاعل ومفاعيل ولم يمنع النصب ما بين الألف وهذه الحروف كما لم يمنع في السماليق قلب السين صادا ".
أراد أنه يجوز من أجل القاف وإن بعد ما بين القاف والسين، قال:
" وصارت المستعلية في هذه الحروف أقوى منها في مال قاسم، لأن القاف ها هنا ليست من الحرف، وإنما شبّهت ألف مال بألف فاعل ".
[ ٤ / ٥٠٩ ]
وتشبيهه بألف فاعل أن قولنا مالق إذا أضفنا قاف قاسم إلى اللام فهو لفظ فاعل. قال:
" ومع هذا أنها في كلامهم ينصبها أكثرهم فيقولون: منّا زيد ويضربها زيد أجروها على ما وصفت إذ لم تشبه الألفات الأخر " قال: " ولو فعل بها ما فعل بالمال لم يستنكر في قول من قال: بمال قاسم، وقالوا: هذا عماد قاسم، وهذا عالم قاسم، فلم يكن عندهم بمنزلة المال ومتاع وعجلان، وذلك أن المال آخره يتغير، وإنما يمال في الجر في لغة من أمال، فإن تغيّر آخره عن الجرّ نصبت ألفه، والذي أمال له الألف في عماد وعابد ونحوهما مما لا يتغيّر فإمالة هذا أبدا لازمة، فلما قويت هذه القوة لم يقو عليها المنفصل " قال: " وقالوا: لم يضربها الذي تعلم فلم يميلوا، لأن الألف قد ذهبت ولم يجعلها بمنزلة ألف حبلى ومرمى ونحوهما.
وقالوا: أراد أن يعلما وأن يضبطا وأراد أن يضبطها، وقالوا: أراد أن يعقلا، لأن القاف مكسورة فهي بمنزلة قفاف، وقالوا: رأيت ضيقا ومضيقا كما قالوا:
رأيت عرقا ".
لم يميلوه لأن القاف تلي الألف والقاف بعد الكسرة.
" وقالوا: رأيت علما كثيرا فلم يميلوا لأنها نون وليست كالألف في معنى ومعزى "
قال أبو سعيد: يريد أنت إذا وصلت علما بما بعده كان بعد الميم تنوين ولا إمالة فيه، وإنما يمال إذا وقفت عليه لأنه يصير ألفا في قولك: علما. قال:
" وقد أمال قوم في هذا ما لا ينبغي أن يمال في القياس وهو قليل، كما قالوا:
طلبنا وعنبا، وذلك قول بعضهم: رأيت عرقا ورأيت ضيقا. كما قالوا: طلبنا وعنبا فشبهوها بألف حبلى جرأهم ذلك على هذا حيث كانت فيها علّة تميل القاف وهي الكسرة التي في أولها وكان هذا أجدر أن يكون عندهم،
وسمعناهم قالوا: رأيت سبقا حيث فتحوا، وإنما طلبنا وعرقا كالشواذ لقتلها ".
يريد أن الذين أمالوا شبهوا هذه الألف لمّا وقعت طرفا بألف التأنيث المقصورة، ولا خلاف في جواز إمالة الألف المقصورة للتأنيث، لأنها تنقلب ياء في التثنية وقد مضى الكلام على نحو هذا. قال:
" واعلم أن بعض من يقول عابد من العرب يقول: مررت بمالك فينصب، لأن
[ ٤ / ٥١٠ ]
الكسرة ليست في موضع يلزم وآخر الحرف قد يتغيّر، فلم يقو عندهم كما قال بعضهم بمال قاسم، ولم يقولوا: عماد قاسم "
يريد أن الذين قالوا بمالك فنصبوا وهم يميلون عابد لأنهم لم يحفلوا بكسرة اللام في مالك لأنها ليست بلازمة، إذ كان يجوز أن تقول: " هذا مالك " و" رأيت مالك "، كما أن الذين قالوا: بمال قاسم فأمالوا لم يحفلوا بالقاف التي بعدها من قاسم، ولم يجعلوا قاف قاسم في منع الإمالة كالقاف من شمالق لأنها غير لازمة، ولم يقولوا أيضا عماد قاسم فمنعوا إمالة عماد من أجل القاف إذ كانت غير لازمة. قال:
" ومما لا يميلون ألفه " حتى " و" أما " و" إلا "، فرقوا بينها وبين ألفات الأسماء نحو " حبلى " و" عطشى ".
لأن الحروف غير متصرفة ولا يلحقها تثنية ولا جمع ولا تغيير، ولا تصير ألفاتها ياءات، وما كان من الأسماء التي لا تتمكن ولا تصرّف تلحقه الإمالة كقولنا: متى، وقولنا:
ذا في الإشارة الأجود فيها الفتح وتجوز إمالتها.
" وقال الخليل: لو سميت رجلا بها أو امرأة يعني ب " حتى وأما وإلّا " جازت فيها الإمالة، وقد أمالوا " أنى " لأن " أنى " مثل أين، وإنما هو اسم صار ظرفا فقرب من عطشى، وقالوا: لا، فلم يميلوا لمّا لم يكن اسما، فرقوا بينها وبين " ذا "، وقالوا: ما، فلم يميلوا، لأنها لم تمكّن تمكن " ذا "، ولأنها لا تتم اسما إلا بصلة مع أنها لم تمكّن تمكّن المبهمة، فرقوا بين المبهمين إذ كان حالهما متفرقين. "
يريد فرقوا بين ما وذا؛ لأن ما أشدّ إبهاما وأقرب إلى الحروف، لأنها تكون حرفا في الجحد وتكون زائدة للتوكيد وتقع في الاستفهام والجزاء وتكون بمعنى الذي محتاجة إلى صلة. قال:
" وقالوا: " با " و" تا " في حروف المعجم، لأنها أسماء ما يلفظ به وليس فيها ما في " قد " " ولا "، وإنما جاءت كسائر الأسماء لا لمعنى آخر ".
يريد أن حروف المعجم أسماء، ولذلك جازت الإمالة فيها وليست بمنزلة " لا ".
" وقالوا: يا زيد " فأمالوا، وإن كان حرفا، من أجل الياء " ومن قال: هذا مال ورأيت بابا فإنه لا يقول على حال "
ساق " ولا " قار " ولا " غاب "، والغاب الأجمة، فهي كألف فاعل عند عامتهم، لأن المعتل وسطا أقوى فلم يبلغ من أمرها أن تمال مع مستعل كما إنهم لم يقولوا " بال " من " بلت " حيث لم تكن الإمالة قوية ولا مستحسنة عند العامة ".
[ ٤ / ٥١١ ]
قال أبو سعيد: يريد أن الذين أمالوا " هذا مال " و" رأيت بابا " وما جرى هذا المجرى على ضعف في ذلك لا يميلون إذا كان بعد الألف من هذا الجنس حرف مستعل أو قبله، نحو: " ساق " و" قار " و" غاب " وما أشبه ذلك، لأنه لم يبلغ من قوة الإمالة في " مال وباب " أن يمال مع حرف الاستعلاء.
[ ٤ / ٥١٢ ]
شرح كتاب سيبويه
تأليف
أبي سعيد السيرافي الحسن بن عبد الله بن المرزبان المتوفى سنة ٣٦٨ هـ
تحقيق
أحمد حسن مهدلي
علي سيد علي
[المجلد الخامس]
دار الكتب العلمية
[ ٥ / ٢٠٠٦ ]
بسم الله الرّحمن الرّحيم