قال سيبويه: فمن ذلك (ميعاد)، و(ميزان) و(ميقات)، تقول: (مويزين) و(مويعيد) و(مويقيت) كما يقولون: (موازين) و(مواقيت) وهذا لا خلاف فيه، وقد يجيء من هذا الباب أشياء فيها خلاف، وسنقف عليها إن شاء الله تعالى.
قال أبو سعيد: اعلم أن ما كان من بدل الحرف بحركة أوجبت قلب ما بعده، أو بحرف على حال يوجب قلب حرف بعده، ثم صغرت ذلك أرجعته، فزالت العلة الموجبة للقلب في التصغير أو في الجمع ورددته إلى أصله، فمن ذلك: (ميعاد) و(ميزان)، وما جري مجراها أصله (موعاد) و(موزان) قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، فإذا جمعت أو صغرت حركت الواو فبطل قلبها، وقد حكى بعض اللغويين أن من العرب من
_________________
(١) انظر ابن يعيش: ٥/ ١٣٣.
[ ٤ / ١٩٨ ]
لا يردها إلى الواو إذا جمع.
وأنشد:
حمى لا يحلّ الدّهر إلا بأمرنا ولا نسأل الأقوام عقد المياثق (١)
وهو جمع " ميثاق " وأصله من (وثقت). وكذلك لو صغرت (قيلا) أو (ريحا) لقلت: (قويّل) و(رويّحة)؛ لأن أصله (قول) و(روح) ويقال في جمعها (أرواح) برد الواو لتحركها وزوال الكسرة التي قبلها.
وذكر أبو حاتم السجستاني أن عمارة بن عقيل غلط فقال في (ريح): " أرياح. قال:
فأنكرته عليه، وأنشدته قول جده جرير:
إذا هبّ أرواح الشتّاء الزّعازع (٢)
فقال: أما ترى أن في المصحف: وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ (٣).
فأخذ طريق القياس فأخطأ.
وقد جاء مما لم يرد الياء فيه أشياء كقولهم: (عيد) و(أعياد) وهو شاذ، و(ديمة) و(ديم) و(ثور) و(ثيرة)، ولها في التصريف أحكام ذكرناها فيه.
وإذا حقرت (الطّيّ) و(اللّيّ) وما جري مجراه قلت: (طويّ)، و(لويّ)؛ لأن أصل (الطّيّ): (طوي) وأصل (اللّي) (لوي)؛ لأنه من (طويت) و(لويت) فقلبت الواو ياء لسكونها وتقدمها، وترجع في التصغير كما قالوا في جمع (ريّان) و(طيّان): (رواء) و(طواء)؛ لأن أصله (رويان)؛ لأنه من (رويت)، و(طويان)؛ لأنه من (طوي) بطنه ويقال
في التصغير (طويّان) و(رويّان)؛ لأن العلة الموجبة للقلب قد زالت في التصغير والجمع.
وإذا حقرت (قيّ) قلت: " قويّ " والقيّ: الأرض القفر، وأصله (قوي) لأنه من (القواء) وهي الأرض التي لا شيء فيها.
وتقول في تصغير (موقن) و(موسر): " مييقن " و" مييسر "؛ لأنه من (أيقن) و(أيسر)، وجعلت الياء واوا لسكونها وانضمام ما قبلها. فلما حركت عادت إلى الياء، ألا تراهم قالوا في الجمع: (مياسير) ومن ذلك أيضا (عطاء) و(قضاء) و(رشاء) وكل ما كانت الهمزة
_________________
(١) انظر ابن يعيش: ٥/ ١٢٢، واللسان: (وثق).
(٢) انظر بغية الوعاء: ١/ ٦٠٦.
(٣) سورة الجاثية، الآية: ٥.
[ ٤ / ١٩٩ ]
فيه طرفا في موضع لام الفعل وقبلها ألف والهمزة منقلبة من ياء أو واو، وإذا صغرت أبطلت الهمز ورددتها إلى الأصل؛ لأن الهمزة إنما انقلبت من الياء والواو لتطرفهما بعد ألف، فإذا صغرنا فقد بطلت الألف، تقول في تصغيره: (عتليّ) و(قضيّ) و(رشيّ) فتحذف الياء الأخيرة ولا همزة فيه، ألا ترى أنك تقول في الجمع: (أعطية) و(أقضية) و(أرشية).
وما كانت الهمزة فيه أصلية غير منقلبة فإنها تثبت همزة في التصغير ولا تحذف، فمن يقول: (ألاءة) وهي نبت و(أشاءة) وهي الفسيلة يقول في التصغير: (أليئة) و(أشيّئة)؛ لأن الهمزة ليست بمبدلة، والأصل في هذا عند سيبويه أن ما كان معروف الأصل بالاشتقاق من واو أو ياء، فهو من باب (عطاء) و(رشاء)، وما كان لا يعرف، جعل همزة أصلية حتى يقوم الدليل على غيرها؛ لأن الهمزة هي الموجودة فلذلك تقول إذا حقرت (الصّلاء): (صليّ)، و(الصّلاءة): (صليّة)؛ لأنه يقال: (صلاية)، وتقول في (سحاءة):
(سحيّة)؛ لأنه يقال فيها: (سحاية)، فوضح أنها من الياء، فإذا لم يعرف، فهو في الحكم همزة وتقول في تصغير (منسأة): (منيسئة)؛ لأنها من (نسأت) إذا سقت وهي (مفعلة)؛ لأنها يساق بها البهائم. والمنسأة العصا، ألا تراهم إذا كسّروا قالوا: مناسئ.
وكذلك (البريّة) هو من برأ الله الخلق، وقد خففت العرب الهمزة منها، فإذا صغرت رددت الهمزة فقلت: (بريئة) مثل (مريعة) كما تقول في (ذريعة) (ذريّعة)، وأما من قال:
(البريّة) مأخوذ من (البرى) وهو التراب؛ لأن الناس خلقوا منه فتصغيره: (بريّة)؛ لأن أصله (بريّية) بثلاث ياءات فتسقط الأخيرة منه.
وأما (النبيّ) فأصله عند سيبويه الهمز، وهو مأخوذ من النبأ وهو الخبر؛ لأنه يخبر عن الله جل وعز. وقد اختلفت العرب في همزه، فأكثرهم يخفف الهمز فيقول: (نبي) وأصله: (نبيء) وتجمعه جمع ذوات الياء فتقول: " أنبياء " كما تقول (أصفياء) و(أنقياء).
ومن العرب من يهمز فيقول: (نبيء) وقرأ بذلك نافع وأهل المدينة، وقرأوا في جمعه (أنبياء) وكان القياس إذا همز أن يكون جمعه (نبّاء) مثل (كريم) و(كرماء)، كما قال العباس بن مرداس السّلمي:
يا خاتم النّباء إنّك مرسل بالحقّ كل هدى السّبيل هداكا (١)
_________________
(١) البيت في الكتاب ٣/ ٤٦٠، والمقتضب ١/ ١٦٢.
[ ٤ / ٢٠٠ ]
والذي يقول: أنبياء شبّهه بجمع (فعيل) إذا كان اسما كقولك: (نصيب) و(أنصباء) وقد أحكمنا هذا في الجمع، واستدل سيبويه على أن الأصل الهمز أنه:
" ليس من العرب أحد إلا ويقول: تنبّأ مسيلمة "
وذكر أن الذين تركوا الهمز في النّبيّ إذا صغروا أو جمعوا تركوا الهمز فقالوا في الجمع: (أنبياء)، وفي التصغير كان (مسيلمة) نبيّ سوء وأصله (نبيّي) بثلاث ياءات فتسقط الأخيرة.
وإذا صغرت النّبوّة وأصلها (النّبوءة) ردوا الهمزة فقالوا: كان مسيلمة (نبوّته) (نبيّئة) سوء.
وإنما همز؛ لأنه لم يكثر الكلام بها بصغره، فردوها إلى الأصل؛ لأن التخفيف في الموضع الذي خففوه، وهذه العلة توجب أن ترد الهمزة في التصغير إذا قلنا: كان مسيلمة (نبيء سوء)، إلا أن يكون سمع العرب تفصل بينهما فاتبع ذلك.
قال: " وأما الشّاء فإن العرب تقول فيه: (شويّ) وفي (شاة): (شويهة) والقول فيه أن (شاء) من بنات الياءات والواوات ".
قال أبو سعيد: لا خلاف أن قولنا (شاة) أصله (شاهة) وتصغيرها (شويهة) وجمعها (شياه) والهاء الأصلية هي لام الفعل واختلفوا في (شاء) وهو الجمع، فمذهب سيبويه أن (الشاء) ليس من لفظ (شاه) وأنه اسم للجمع وأصله (شوي) أو (شوو) قلبت عين الفعل منه ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وقلبت لام الفعل منه همزة؛ لأنها طرف
وقبلها ألف، وهذا شاذ؛ لأنه أعل العين واللام جميعا، واستدل على ذلك أن العرب تقول أيضا لجمع (الشاة) (شويّ) ولام الفعل في (شويّ) ياء ثم احتج بأن الجمع قد يجيء على غير الواحد لقولهم (امرأة) و(نسوة)، والنسوة ليست من لفظ (امرأة) و(رجل) و(نفر).
و(قيراط) و(دينار) تقول فيه في التصغير والجمع: (قريريط) و(دنينير)، و(قراريط) و(دنانير) ولم تستعمل في التصغير والجمع لفظ الواحد، وكذلك الديباج فيمن قال:
(دبابيج) و(الديماس) فيمن قال: (دماميس) واحتج أيضا أنهم جمعوا (سواء) على (سواسية) وليس في الواحد سينان.
وقال أبو العباس المبرد: أما الشاء فهو بمنزلة (الماء) والهمزة فيه بدل من الهاء، وهو جمع (شاة) بإسقاط هاء التأنيث، كما قالوا (تمرة) و(تمر) و(شعيرة) و(شعير)، وذلك أن (شاة) أصلها (شاهة) فحذفوا الهاء الأصلية استثقالا للهاءين فلما جمعوه أسقطوا هاء التأنيث فردوا الهاء الأصلية فصار (شاه) ويوقف عليه (شاه)، فتلتبس بالواحدة التي
[ ٤ / ٢٠١ ]
فيها هاء التأنيث، فأبدل همزة، وهي تبدل منها كثيرا.
ومما دعا إلى قلب الهاء همزة في (ماء) وأصله (ماه) أن الهاء خفية، والألف أيضا خفية والهمزة تبين الألف، وتظهر معها أكثر من ظهور الألف مع الهاء، فقلبوها همزة، فإذا صغروا أو جمعوا كثرت الحروف بالتصغير والجمع فردوه إلى الأصل، ولم يظهروا في التصغير الألف والياء أبين منها.
وأما (شويّ) فهو غير لفظ (شاء) اسما للجمع.
ولو سميت رجلا (ذوائب) ثم صغرته لقلت: (ذؤيئب) بهمزة قبل ياء التصغير وأخرى بعدها؛ لأن الواو في ذوائب أصلها الهمز، وكان أصلها (ذآئب)؛ لأنها جمع (ذؤابة) فقلبوا في الجمع استثقالا لاجتماع الهمزتين وبينهما ألف وهي شبيهة الهمزة، وكان ذلك من شذوذ الجمع الذي لا يطرد، فإذا صغر رده إلى القياس، فجعل مكان الواو همزة.