اعلم أن ما كان من القلب وهو تقديم حرف على غيره من الكلمة والأصل غير ذلك إذا صغر لم يرد إلى الأصل؛ لأن التقديم والتأخير على غير قياس، وإنما جاء في بعض الكلام، ولا يحمل عليه ما سواه؛ لأنه ليست له علة موجبة لذلك يزيلها التصغير، فمن ذلك قولهم في (لائث): (لاث).
قال العجاج:
لاث به الأشاء والعبريّ (١)
و(شاك) في قولهم (شائك) والشائك الذي له شوكة مثل (قائل) ثم قدموا الكاف فقالوا (شاك) كقولهم (قاض).
قال الشاعر:
فتعرّفوني إنّني أنا ذاكم شاك سلاحي في الحوادث معلم (٢)
وإنما هو بتأخير عين الفعل إلى موضع لامه.
وكذلك قولهم: (أينق) في جمع (ناقة) وأصله (أنوق) فقدموا الواو وأبدلوا منها فصار (أينق) ووزنه: (أعقل) و(أنوق) " أفعل ".
ووزن (أينق): (أعقل) فيقول في تصغير ذلك (شويك) و(لويث)، كما يقال في (قاض): (قويض) ولا ترده إلى الأصل وتقول في (أينق): (أيينق) كما قالوا في الجمع (أيانق).
قال الشاعر:
ومسد أمرّ من أيانق
_________________
(١) البيت من شواهد سيبويه: ٣/ ٤٦٦، وانظر المقتضب: ١/ ١١٥، واللسان: (لوث) (عبر) (أشا) و(لثا).
(٢) انظر الديوان: ٦٧، والمقتضب: ١/ ١١٦، والكتاب: ٣/ ٤٦٦.
[ ٤ / ٢٠٥ ]
ليس بأنياب ولا حقائق (١)
وكذلك (مطمئنّ) إذا صغرت قلت: (طميئن) فقدمت الميم على الهمزة وأصله من (طأمنت) الهمزة قبل الميم، ومن ذلك (القسيّ) وهي جمع (قوس) وأصله " القووس " فإذا صغرت (قسيّا) اسم رجل لم تردها إلى الأصل وقلت: (قسيّ) وأصلها: (قسيّي) بثلاث ياءات تحذف إحداهن فيصير: (قسي).
ومن المقلوب قولهم: " أكره مسائيك "، وإنما جمعت (المساءة) ثم قلبت وكان حقه أن يقول (مساوئك)؛ لأن الألف التي قبل الهمزة في (المساءة) منقلبة من واو (ساء يسوء)، و(المساءة) بمنزلة (المقامة). وتقول في (المقامة): (مقاوم)، الواو عين الفعل ثم قدمت الهمزة على الواو فصار (مسائو) ثم قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها وهي طرف، فإذا صغرت لم تغير موضع الهمز.
وأنشد سيبويه في تقدير همزة (ساء) قول كعب بن مالك الأنصاري:
لقد لقيت قريظة ما ساها وحلّ بدراهم ذلّ ذليل (٢)
قال: ومثل ذلك في القلب قولهم: قد (راءه) يريدون (رآه) قال الشاعر:
وكلّ خليل راءني فهو قائل من أجلك هذا هامة اليوم أو غد (٣)
وقال بعض العرب: (راءة) في (راية).
ذكره عن أبي الخطاب.
قال: ومثل الألف التي أبدلت من الهمزة قول الشاعر:
سالت هذيل رسول الله فاحشة ضلّت هذيل بما سالت ولم تصب (٤)
وهذا الشعر لحسان، ويقال: إن الفاحشة التي سألت هذيل رسول الله ﷺ أن يبيح لهم الزنى.
ولقائل أن يقول: سالت لغة في (سألت) قائمة بنفسها فما وجه استشهاده بهذا.
_________________
(١) انظر الخصائص: ٢/ ٢٣٢، واللسان: (زهق).
(٢) البيت من شواهد سيبويه: ٣/ ٤٦٧، وانظر ديوان الشاعر: ٢٥٣.
(٣) البيت من شواهد سيبويه: ٣/ ٤٦٧، وانظر ديوان الشاعر ١/ ١١١، واللسان: (رأى).
(٤) البيت من شواهد سيبويه: ٣/ ٤٦٨ - ٥٥٤، وانظر المقتضب: ١/ ١٦٧، وابن يعيش: ٤: ١٢٢.
[ ٤ / ٢٠٦ ]
فالجواب أن هذا الشاعر من لغته الهمز في سألت، وإنما أبدل في هذا الموضع فاعرفه.