قال سيبويه: وهو ما كان ألف التأنيث فيه ممدودة، وباب ذلك أن تصغر الصدر، ثم تزيد فيه الألف الممدودة كأنها كالهاء لاشتراكهما في الحركة وذلك قولك في (حمراء) و(صفراء) و(طرفاء): (حميراء)، و(صغيراء) و(طريفاء). ومثله (فعلان) الذي له (فعلى) الألف والنون فيه كألفي (حمراء) فتقول في (غضبان): (غضيبان) وفي (سكران) (سكيران)؛ لأنه يجري مجرى (حمراء) و(صفراء) وعدة حروفهما، ونظم الحركات فيهما سواء.
فإن جاء بعد ذلك ما كان فيه ألف ونون قبلها ثلاثة أحرف غير (فعلان) الذي له (فعلى)، فإنك تعتبر جمعه، فإن كانت الألف منه تنقلب ياء في الجمع قلبتها في التصغير، وإن كانت لا تنقلب لم تقلبها ياء، وذلك في قولك في (سرحان):
(سريحين)، وفي (ضبعان): (ضبيعين) وفي (حومان): (حويمين) وفي (سلطان):
(سليطين) وفي (فرزان) (فريزين)؛ لأنك تقول في الجمع (سراحين)، و(ضباعين)، و(حوامين) و(سلاطين)، وتقول: (فرازين) ومن قال: (فرازنة) فهو أيضا يقول:
(فريزين)؛ لأن الهاء في فرازنة بدل من الياء في فرازين، كما أنهم يقولون: (جحجاح) و(جحاجحة) و(زنديق) و(زنادقة).
وهو في التصغير: (جحيجيح) و(زنيديق)؛ لأن الهاء في الجمع بدل من الياء،
[ ٤ / ١٦٩ ]
وتقول في ما لم تقلب في جمعه الألف ياء: (عثمان) و(عثيمان) وسعدان و(سعيدان) وما أشبه ذلك. لأنهم يقولون: (عثمان) و(عثمانون) وسعدان و(سعدانون)، وتقول في تصغير عريان: (عريّان)؛ لأنك تقول في جمعه: (عراة) و(عريانون). فإن جاء شيء من هذا الباب في آخره ألف ونون، ولم تدر كيف تجمعه العرب، لم تقلب الألف ياء في التصغير كقولك: (مروان) و(مريّان) و(رعيان) و(رعيّان)، والفرق بين ما قلب فيه الألف ياء وبين ما لم
تقلب أن الذي تقلب فيه الألف ياء يجعلون النون فيه للإلحاق، والذين لا يقلبون الألف فيه ياء يجعلونهما بمنزلة ألفي التأنيث فجعلوا (سرحان) ملحقا ب (سربال) وكرباس)، وجعلوا النون فيه بمنزلة الألف، فكما يقال:
(سريبيل) و- كريبيس)، وجب أن يقال: (سريحين) وكذلك (ضبعان) و(فرزان)، وجعلوا (سلطان) النون فيه ملحقة بسين (قرطاس)، فمن حيث قالوا: (قريطس) قالوا:
(سليطين).
فإن قال قائل: وأنتم تقولون في تصغير (ورشان): (وريشين) وفي (حومان):
(حويمين)، وليس في الكلام حرف أصلي ملحق به نون (ورشان)؛ لأنه ليس في الكلام (فعلال) بفتح العين.
فالجواب عن ذلك أنهم ألحقوا الجمع والتصغير بجمع ما فيه الحرف الأصيل وتصغيره، ولم يلحقوا به الواحد، فكأن (وراشين) و(ورشين) ملحقين ب (سرابيل) و(سريبيل).
ولو سميت رجلا ب (سرحان) أو غيره مما ذكرنا لم يتغير بتصغيره وجمعه وقلت في رجل اسمه (سرحان): (سريحين) وفي رجل اسمه " معزى ": (معيز) ولم تقل: (سريحان) ولا (معيزى)، و(سرحان) اسم رجل، و(معزى) لا ينصرفان في التكبير، وإذا صغرتهما انصرفا؛ لأن الذي منع من الصرف لفظ الألف والنون في آخر (سرحان)، ولفظ الألف في آخر (معزى)، وإذا صغرت انقلبت الألف ياء فانصرف، وقد تقدم هذا في موضعه.
ومما يشبه (سرحان) و(سريحين) قولهم في (علباء) و(حرباء): (عليبي) و(حريبّي)؛ لأنه في الأصل (علياي) و(حرباي) ملحقين ب (سربال) و(كرباس)، فهو بمنزلة حرف أصلي، وتقول في الجمع: (علابيّ) و(حرابيّ)، وتقول في (سقّاء): (سقيقيّ) وفي (قلاء):
(مقيليّ)؛ لأن (سقاء) (فعّال)، و(مقلاء): (مفعال) تقول: (جميميل) و(معيطير)، وقد
[ ٤ / ١٧٠ ]
يجيء من الممدود ما للعرب فيه مذهبان.
بعض يذهب إلى أن المدّة للتأنيث فيجريه مجرى المؤنث الممدود.
وبعض يذهب إلى أنه لغير التأنيث فتصغيره على حسب ذلك قولهم: (غرغاء) منهم من يقول: هؤلاء " غوغاء " فلا ينونه ويجعله بمنزلة (عوراء) فإذا صغر قال:
(غويغاء)، كما يقولون: (عويراء) و(حميراء)؛ لأن الألف للتأنيث، ومنهم من يقول:
هؤلاء (غوغاء) فيجعله " فعلال " بمنزلة (قضقاض) وأصله (غوغاو)، وتنقلب الواو همزة، ويصرفه كما يصرف (قضقاضا) ونحوه.
وفي (قوّباء) لغتان: من العرب منهم من يقول: (قوباء) فيفتح الواو والألف للتأنيث في هذه اللغة لا غير، فيقول في تصغيره: (قويباء)، ومنهم من يقول: (قوياء) فيسكن الواو ويصرفه والهمزة لغير التأنيث منقلبة من ياء ملحق ب (قرطاس) كان أصله: (قوياي) بمنزلة (قرطاس) و(فسطاط)، فإذا صغر قال: (قويبي) كما يقول: (قريطيس).
وقال سيبويه: " وأما " ظربان " فتحقيره " ظريبان "، كأنك كرسته على " ظرباء "، ولم تكسّره على " ظربان ".
ألا ترى أنك تقول: " ظرابيّ " كما تقول: " سلفاء " و" صلافيّ "، ولو جاء شيء من " صلفاء " كانت الهمزة للتأنيث لا يكون من باب (علباء)، و(حرباء)، ولم تكسره على " ظربان "، ألا ترى أن النون قد ذهبت فلم تشبه ب " سريال " حيث لم تثبت في الجمع كما تثبت لام " سريال " وما أشبه ذلك ".
يريد أن (ظربان) لا يجوز أن يكون ملحقا؛ لأنه ليس في الكلام " فعلال " فلما جمعته العرب على (ظرابيّ) علمنا أنهم لم يجعلوا الجمع ملحقا كما لم يجعلوا الواحد ملحقا بواحد، وقد عرفتك أنهم جعلوا جمع " ورشان " وتصغيره ملحقين بجمع " سريال " وتصغيره فوجب أن يقال: (ظريبان) وكان جمعهم إياه على (ظرابيّ)؛ لأنهم جعلوا النون كالبدل من ألف، وقد مضى هذا في موضعه فاعرفه إن شاء الله تعالى.