قال أبو سعيد: لا خلاف بين أصحابنا، أن الرجل إذا سمي باسم آخره هاء التأنيث، ثم أردت جمعه، جمعته بالتاء،
واستدلوا على ذلك، بقول العرب: رجل ربعة،
[ ٤ / ١٤٣ ]
ورجال ربعات، وبقولهم: طلحة الطّلحات. قال الشاعر:
رحم الله أعظما دفنوها بسجستان طلحة الطّلحات (١)
وتقول العرب: ما أكثر الهبيرات، يريدون جمع هبيرة، ولم يسمع رجال ربعون ولا طلحة الطلحين- ولم يسمع ما أكثر الهبيرين، ولا جمع شيء من ذلك بالواو والنون.
وأجاز الكسائي والفراء جمع ذلك بالواو والنون.
فإذا جمع بالواو والنون، سكنوا اللام من (طلحة) لأنهم يقدرون جمع طلح، فلا يحركون اللام.
وكان أبو الحسن بن كيسان يذهب إلى جواز ذلك ويحرك اللام.
فيقول الطلحون فيفتحها كما فتحوا " أرضون " حملا على أرضات لو جمع بالألف والتاء؛ لأنه بمنزلة ثمرات، والقول الصحيح ما قاله أصحابنا؛ لأنه قول العرب الذي لم يسمع منهم غيره؛ ولأنه القياس؛ لأن " طلحة " فيه هاء التأنيث. والواو والنون (علامة) التذكير، ولا يجتمع في اسم واحد علامتان متضادتان.
ومما احتج به ابن كيسان أن التاء تسقط في الطلحات، فمن أجل سقوطها وبقاء الاسم بغير تائه جاز جمعها بالواو والنون. وهذا لا يلزم؛ لأن التاء مقدرة، وإنما دخلت علامة الجمع على التاء التي كانت في الواحد؛ لأن تاء الجمع عوض منها، لئلا يجتمع تاءان فصار بمنزلة ما يسقط لاجتماع الساكنين وهو مقدر.
وإذا جمعت بالألف والتاء ما كان في آخره ألف تأنيث مقصورة، فإنك تقلب ألف التأنيث ياء فتقول في حبلى حبليات وفي حبارى حباريات، وفي جمزى جمزيات.
فإن قال قائل: فأنتم تقولون: إنما حذفنا التاء في طلحات وتمرات، لئلا يجمع بين علامتي تأنيث لو جمعناه " تمرتات " فقد جمعتم بين الألف التي في حبلى والتاء التي في الجمع.
قيل له: ليس سبيل الألف سبيل التاء؛ لأن الألف لا تثبت على لفظ التأنيث، وإنما تنقلب ياء، وليست الياء للتأنيث، فإذا قلنا: حبليات لم نجمع بين لفظي تأنيث، والتاء في " تمرتان " لو قلناها هي علامة للتأنيث فلم يجز الجمع بينهما.
_________________
(١) ابن يعيش: ١/ ٤٧، الخزانة: ٣/ ٣٩٢.
[ ٤ / ١٤٤ ]
وهو الدليل على أن التاء هي علامة التأنيث، وأن الهاء بدل منها في الوقوف للفرق بين الاسم والفعل، والواحد
والجمع، إذ إن علامة التأنيث في الفعل تاء لا غير في الوقف والوصل، وكذلك في جمع مسلمات وما أشبه ذلك، وأيضا فإن التاء دخولها على بناء صحيح للمذكر، ودخول ألف التأنيث على بناء لو نزعت عنه لم يكن له معنى، ألا ترى أنّا لو قلنا في حبلى: حبل لم يكن له معنى.
وإذا قلنا في مسلمة: مسلم كان للمذكر فصار ألف التأنيث بمنزلة حرف من نفس الاسم مخالف للعلامة الداخلة على الاسم بكماله.
وإذا جمعت المقصور بالواو والنون حذفت الألف لاجتماع الساكنين وبقّيت ما قبله على الفتح فقلت في موسى وعيسى، وحبلى: موسون وعيسون، وحبلون لا يجوز غير ذلك عند أصحابنا وهو القياس وكلام العرب. فأما كلام العرب فقولهم:
(المصطفون) و(الأعلون)، ورأيت المصطفين الأعلين.
وأما القياس، فلأن الحرف الثابت في الواحد ليس لنا حذفه من الكلمة إلا لضرورة عند اجتماع ساكنين وهو مقدر كقولنا: " قاضون " و" رامون ". فلو قلنا: (عيسون) و(موسون) لكنا نقدر حذف الألف فيهما من قبل دخول علامة الجمع، ولو جاز هذا لجاز أن نقول في حبلى (حبلات) وفي سكرى (سكرات)، وليس أحد يقول هذا فوجب أن علامة الجمع إنما تدخل على (عيسى) و(موسى) والألف فيهما، ثم تسقط الألف، لاجتماع الساكنين، ويبقى ما قبلها مفتوحا.
فإن قال قائل: إنما تحذف هذه الألف تشبيها بحذف هاء التأنيث، قيل له: لو جاز ذلك لجاز أن تقول: حبلات، وقد ذكرنا السبب في حذف هاء التأنيث.
وأما الممدود فإنك تقلب الهمزة واوا فيه إذا كانت (المدّة) للتأنيث، كما قلبت في التثنية، فتقول في حمراء: حمراوات، وفي (ورقاء): ورقاوات كما قالوا: خضراوات.
وإن كان ذلك اسم رجل جمعته بالواو والنون وقلبت الهمزة واوا أيضا، فقلت:
ورقاوون وحمراوون ورأيت ورقاوين وحمراوين.
وذكر أن المازني كان يجيز في ورقاوون الهمزة، لانضمام الواو وهذا سهو؛ لأن انضامها لواو الجمع بعدها، فهو بمنزلة ضمة الواو للإعراب، أو لالتقاء الساكنين كقولك: (هذه دلوك)، و(هؤلاء مصطفو البلد) ولا يجوز فيه الهمز. وتقول في زكرياء:
[ ٤ / ١٤٥ ]
زكرياوون بمنزلة ورقاوون، وفيمن قصر زكريّون بمنزلة عيسون وموسون وفيه لغات ليس هذا موضع ذكرها.