" فمن ذلك النونات التي ليست بحروف إعراب، ولكنها نون الاثنين والجميع وكان هذا أجدر أن تبين حركته حيث كان من كلامهم أن يبينوا حركة ما قبله متحركا مما لم يحذف من آخره شيء لأن ما قبله مسكن فكرهوا أن يسكن ويسكن ما قبله وذلك إخلال به وذلك قولك: هما رجلانه وهما ضاربانه وهم مسلمونه، ومن ذلك هنّه وضربتنه وذهبئنه، فعلوا ذلك لما ذكرت لك ومع ذلك أن النون خفية فذلك أيضا مما يؤكد التحريك إذا كان يحرك ما هو أبين منه، وسترى ذلك وما حرّك وقبله متحرك، ومثل ذلك أينه تريد أين، لأنها نون قبلها ساكن وليست بنون تغير للإعراب ولكنها مفتوحة على كل حال فأجريت ذلك المجرى ".
قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الباب ذكر فيه سيبويه ما تلحقه هاء الوقف مما قبله ساكن، وجملة الأمر أن هاء الوقف لا تلحق المعرب، لأن حركات المعرب تتغير وتختلف، وقد يدخل المعرب التنوين فجعل الحركات الداخلة عليه عوضا من الهاء، وذلك أن الهاء أصل دخولها عوضا من النقص الذي يلحق الكلم، فمن ذلك دخولها في عه وارمه
_________________
(١) قائله العذافر الكندي انظر الخصائص ٢/ ٣٤٠، شرح شواهد الشافية ٢٢٥.
[ ٥ / ٣١ ]
وبهداهم اقتده للنقص الذي دخله على ما تقدم الكلام به ويدخل في المبنيات لنقصان تصرفها عن المعرب فإنها مقصورة على شيء واحد،، وقد يمتنع من بعض المبنيات لعلل تمر بك إن شاء الله.
فذكر سيبويه ما دخله الهاء من المبنيات التي قبل أواخرها ساكن، ودخول الهاء عليها أقوى من دخولها على ما قبل آخره متحرك، لأن ما آخره ساكن إذا وقف عليه اجتمع ساكنان فيجتمع نقصان البناء ونقصان تسكين المتحرك فأدخلوا الهاء لبيان الحركة وبدأ بما كان آخره نون، لأن النون أخفى من غيرها فهي أحوج إلى تبينها بالهاء وترك حركتها عليها، ثم انتقل إلى غير النون فقال:
" ومثل ذلك قولهم ثمة " لأنه قد اجتمع في هذا الحرف أن ما قبله ساكن وهي خفية كالنون وهي أشبه الحروف بها في الصوت، فلذلك كانت مثلها في الخفاء ".
قال أبو سعيد: يعني الميم في ثمة هما ميمان الأولى منهما ساكنة والميم الثانية مبنية على الفتح فيبينونها بالهاء لأنها تشبه النون في الخفاء.
" ويبين ذلك في الإدغام " إن شاء الله " ومثل ذلك قولهم: هلمّه وإنما يريد هلم.
قال الراجز:
يا أيها الناس ألا هلمّه (١)
وإنما يريد هلم ".
قال سيبويه: " غير هؤلاء من العرب وهم كثير لا يلحقون الهاء في الوقف ولا يبينون الحركة لأنهم لم يحذفوا شيئا يلزم هذا الاسم في كلامهم في هذا الموضع، كما فعلوا ذلك في بنات الياء والواو ".
قال أبو سعيد: يريد أن قوما يدخلون الهاء في ارمه ولم يغزه وما أشبه ذلك مما ذهب منه حرف أو حرفان ولا يدخلونها في ما ذكره في هذا الباب، لأنهم قدروا إدخالها عوضا من الذاهب في ارمه ونحوه ولم يذهب من هذا الباب شيء يجعل الهاء عوضا من ذهابه قال: " وجميع هذا إذا كان بعده كلام ذهبت منه الهاء، لأنه قد يستغنى عنها وإنما أحتاج إليها في الوقف لأنه لا يستطيع أن يحرك ما سكنت عنده، ومثل ما ذكرنا قول العرب: إنّه، وهم يريدون أن ومعناه أجل قال الشاعر:
_________________
(١) الخصائص ٣/ ٣٦، شرح المفصل ٤/ ٤٢.
[ ٥ / ٣٢ ]
ويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنّه (١)
ومثل نون الجمع قولهم اعلمنّه لأنها نون زائدة وليست بحرف إعراب وقبلها ساكن فصار هذا الحرف بمنزلة هن، وقالوا في الوقف كيفه وليته ولعله في كيف وليت ولعل لما لم يكن حرفا يتصرف بالإعراب وكان ما قبلها ساكنا جعلوها بمنزلة ما ذكرنا وزعم الخليل أنهم يقولون: انطلقته يريدون انطلقت لأنها ليست بتاء إعراب وما قبلها ساكن قال أبو سعيد: ومنع بعض أصحابنا جواز ذلك لأنه يلتبس بالمفعول أو المصدر ولو جاز ذلك لجاز أن تقول ضربته والهاء للوقف، وهذا يلتبس بالمفعول، وقولهم انطلقته يلتبس بالمصدر الذي هو الانطلاق ولا خلاف بينهم أنه يجوز أن تقول ضربته زيدا على ضربت الضرب زيدا ويضمر الضرب لأن ضربت قد دل عليه واستدل أيضا على صحة قولهم أنهم يقولون: مسلمانه على ما حكاه سيبويه ومسلمونه، ولا يقولون يضربانه لأن يضربانه يصلح أن تكون الهاء للمفعول ولا تصلح أن تكون الهاء في ضاربانه وضاربونه للمفعول، لأن اسم الفاعل إذا اتصل به كناية المفعول لم يثبت فيه تنوين ولا نون فتثبت في الفعل النون، تقول: الزيدان ضارباك والزيدون ضاربوك، ولا يجوز الزيدان ضاربانك ولا الزيدون ضاربونك، ونحو: الزيدان يضربانك والزيدون يضربونك والقول عندي ما قال سيبويه والخليل، لأن سيبويه قد حكى ضربتنه والهاء للوقف وإن جاز أن تقع الهاء للمفعول، وكذلك أعلمنه، ولو كان يبطل لوقوع اللبس على ما قاله هذا القائل لم يجز في ليته ولعله، لأنه يلتبس باسم ليت ولعل، وقد حكاه سيبويه عن العرب.
قال سيبويه: " ومما أجري مجرى مسلمونه علامة المضمر التي هي ياء وقبلها ألف أو ياء، لأنها جمعت أنها خفية وأن قبلها ساكنا فأجريت مجرى مسلمانه ومسلمونه.