قال سيبويه:
وذلك قولك في (مغتلم): (مغيلم) كما قلت: (مغالم) فحذفت حين كسرت الجمع، وإن شئت قلت: (مغيليم) فألحقت الهاء عوضا مما حذفت كما قال بعضهم:
(مغاليم). وكذلك (جوالق)، إن شئت قلت: (جويلق) وإن شئت قلت: (جويليق) كما قالوا: (جواليق) فالعوض من قول يونس والخليل.
قال أبو سعيد: قد تقدم القول إن الاسم إذا كان على خمسة أحرف أصول فصغرناه حذفنا الحرف الأخير منه فإن كان في الخمسة زائد، فالزائد أولى بالحذف أين كان. وإذا كان في الخمسة حرفان زائدان فقد يستويان في الحذف فيكون المصغّر مخيرا في حذف أيهما شاء، وقد يكون أحدهما أولى بالحذف من الآخر. وسترى ذلك من مواضعه.
فمن ذلك (مغتلم) الميم والتاء زائدتان؛ لأنه من (الغلمة) غير أن الميم أقوى من التاء وألزم من جهات: فمنها أن هذه التاء لا تكون في اسم إلا ومعها الميم زائدة، وقد تكون الميم زائدة بلا تاء، ألا ترى أنك تقول: (مكرم) و(مفلح)، وفيه ميم زائدة، ولا تكون التاء زائدة إلا مع الميم فصارت الميم أولى إذ لو حذفنا الميم أبقيت التاء بلا ميم وذلك غير موجود.
وجهة ثانية: أن الميم تدخل لمعنى فاعل أو مفعول والتاء داخلة لغير معنى محتمل، فكأن الزائد لغير معنى أولى بالحذف لئلا يسقط الدال على المعنى، ولنا في غيره فسحة.
وجهة ثالثة: أن الميم أول والأوائل أقوى من الأوساط، والأوساط أقوى من
[ ٤ / ١٧٤ ]
الأواخر، وعلى هذا إذا صغرت كل ما كان على (مفتعل) تكون التاء أولى بالحذف، وإن صغرت شيئا على (منفعل) فالنون أولى بالحذف كتكسيرك (منطلقا) و(منكسرا) تقول فيه (مطيليق) و(مكيسير) والعلة في حذف النون دون الميم، كالعلة في حذف التاء، وإذا صغرت (مدّكرا) قلت: (مذيكر)؛ لأن (مدكرا) (مفتعل) من " دكر " والدال الثانية هي تاء (مفتعل) فوجب حذفها، والدال الأولى أصلها ذال فعادت إلى الذال.
وإذا حقرت (مزدان) وهو (مفتعل) من زان يزين، وقد انقلبت التاء دالا حذفت الدال، فبقي " مزان " فقلت: (مزيّن)، وإذا حقرت: (مختارا) حذفت التاء فبقي (مخار) فقلت: (مخيّر)، وإن شئت عوضت في ذلك كله فقلت: (مذيكير) و(مزيين) و(مخيير).
وكذلك في الجمع تقول في جمع (منطلق) و(مدكر) و(مزدان) و(مختار): (مطالق) و(مذاكر) و(مزاين) و(مخاير) وإن عوضت قلت: (مطاليق) و(مزايين) و(مخايير)، وإذا صغرت (المقدم) و(المؤخر) قلت: (مقيدم) و(مؤيخر)؛ لأن إحدى الدالين زائدة، وموقعها موقع التاء من (مغتلم) فهي أولى بالحذف من الميم، وإن شئت عوضت فقلت:
(مقيديم) و(مؤيخير)، كما قالوا: (مقاوم) و(مقاويم)، ولا يجوز أن تدع الدال مشدّدة والميم مبقّاة فتقول: (مقيدّم) كما لا تقول في الجمع: (مقادم)؛ لأنهم يحذفون من الأصل إذا كان على خمسة أحرف حرفا فكيف يقرون ما هو زائد. وقد مضى الكلام في نحوه، وتقول في (محمّر): " محيمر " و" محيمير "، وكذلك في جمعه: (محامر) و(محامير)، وتقول في (محمار): (محيمير)، لأنك إذا حذفت إحدى الراءين بقيت ألف (محمار) رابعة في خمسة أحرف.
وتقول في تحقير (حمارّة): " حميرّة "، كأنك حقرت (حمرّة)؛ لأنك لو كسرت (حمارة) للجمع قلت: (حمار)؛ لأن في
(حمارة) زائدين الألف، وإحدى الراءين فحذفت الألف؛ لأن موقعها موقع ما لا يكون إلا زائدا وموقع الراء المزيدة موقع ما يكون أصليّا، ألا ترى أنك تقول: (دابّة) و(دوابّ)، و(مدقّ)، و(مداقّ)، فالألف زائدة، والباءان والقافان أصليتان، ولم تقل (حمائر) كما لا تقول: (سفارجل). وقد مضي الكلام في حذف ما كان على خمسة أحرف، إلا أن يكون الرابع من حروف المد واللين، وأنا أقدم أصلا فيما يحذف أحد زائديه ليسهل الباب فيه ويدل عليه.
اعلم أنه إذا كان الزائد في خمسة أحرف ولم يكن أحدهما رابعا حرف مد ولين
[ ٤ / ١٧٥ ]
وجب حذف أحدهما، وفي بعض ذلك أنت مخير في حذف أيهما شئت، وفي بعضه أحد الزائدين أولى بالحذف.
فمن ذلك أن يكون أحد الزائدين أوّلا إما ميما، أو همزة، أو ياء، فالزائد الذي ليس بأوّل أولى بالحذف كقولك في (مغتسل)، و(منطلق)، و(محمّر)، و(مقدّم): " مغيسل " و" مطيلق " و" محيمر " و" مقيدم ".
تقول في (ألندد) (١) و(أرندج) و(يلندد) و(يرندج). " أليدّ " و" بليدّ " و" أريدج " و" يريدج "، فتحذف النون، ويبقى الحرف الأول وإنما كان كذلك؛ لأن الأوائل أقوى من الأعجاز وأمكن؛ ولأنها تدخل للمعاني؛ لأن الميم تدخل للفاعل والمفعول والهمزة والياء يدخلان في أول الفعل المضارع للمتكلم والغائب كقولك: (أذهب)، و(يذهب).
ومنه أن يدخل أحد الزائدين للإلحاق فيصير بمنزلة الأصلي ثم يدخل بعد ذلك الزائد الثاني (فيكون بالحذف) أولى كقولك في تصغير (عفنجج): (عفينجج)؛ لأن النون تقدّر دخولها على (عفنجج) بعد إلحاقه ب (جعفر) فصارت النون في دخولها على (عفجج) بمنزلة زائد دخل على أصلي.
وفي بعض ذلك خلاف وأنا أذكره إن شاء الله تعالى.
قال سيبويه: تقول في " مغدودن ": (مغيدين) إن حذفت الدال الآخرة كأنك حقرت " مغدونا "، وإن حذفت الدال الأولى فهي بمنزلة (جوالق) كأنك حقرت (مغودنا).
ومعنى ذلك: لأن إحدى الدالين زائدة يجوز أن تكون الأولى أو الثانية، فإن جعلناها الثانية وحذفناها وقعت الواو رابعة، فيما هو على خمسة أحرف قلت:
(مغيدين) وإن حذفت الأولى بقي (مغودن) فوجب أن تقول: (مغيدين)؛ لأن الواو زائدة وهي أولى بالحذف من الميم وصار بمنزلة (جوالق) تحذف الألف؛ لأنها ثالثة وهي أولى بالحذف من الواو.
وإذا حقرت " خفيددا " قلت: (خفيدد) و(خفيديد) إذا عوضت والياء أولى بالحذف من أحد الدالين؛ لأنها موضع الألف من (عذافر) و(جوالق) والدال للإلحاق
_________________
(١) ألندد: شديد الخصومة مثل الألد.
[ ٤ / ١٧٦ ]
فيصير بمنزلة (قردد) ثم تدخل عليها ياء فألحقتها بالخمسة.
وإذا حقرت " غدودنا " قلت: (غديدن) وكانت الواو أولى بالحذف لوقوعها ذلك الموقع؛ لأن الدال من الحروف الأصلية فلها قوة في التبقية، وتقول في " قطوطى ": (قطيط)، و(قطيطيّ) لأنه بمنزلة " غدودن "
قال أبو سعيد: جعله سيبويه (فعوعلا) مثل (عثوثل). وكان أبو العباس المبرد يقول: أن تجعله على (فعلعل) أقيس؛ لأن (فعلعلا) في الكلام أكثر من (فعوعل) كقولك:
(صمحمح) و(مكمك)، وقول سيبويه في (قطوطي) أولى؛ لأن (القطوطي) هو البطيء في مشيته، ويقال له (قطا يقطو) إذا مشي مثل مشي (القطاة) و(القبج) وما أشبه ذلك.
قال المتنخل: