قال سيبويه: " وذلك قولك في (قمحدوة): (قميحدة)، كما تقول: (قماحد) و(سلحفاة) و(سليحفة) كما قلت: (سلاحف) ".
لأن الواو في (قمحدوة)، والألف في (سلحفاة) زائدتان فهما أولى بالحذف،
[ ٤ / ١٨٧ ]
وكذلك لو كانتا أصليتين لكانتا أيضا أولى لأنهما في الطرف، ونقول في (منجنيق):
(مجينيق)، وفي عنكبوت: (عنيكب) و(عنيكيب) وفي (تخربوت): (تخيرب) و(تخيريب)، وإنما قلت في (منجنيق):
(مجينيق) و(مجانيق)، ولم تقل: (مجانق) و(مجينق) كما قلت في عنكبوت: (عنيكب) و(عنيكيب) على الوجهين؛ لأن " منجنيق " النون الأولى فيه زائدة. فإذا حذفناها بقي (مجنيق) والياء رابعة في خمسة أحرف فلا تحذفها.
وفي (عنكبوت) و(تخربوت) الواو والتاء الأخيرتان زائدتان وهما على ستة أحرف فلا بد من حذفهما ليبقى أربعة أحرف فيقع عليها التصغير والجمع فكأنه (عنكب) و(تخرب) فيجمع على (عناكب) و(تخارب)، وإن عوض قال: (عناكيب) و(تخاريب) وفي التصغير: (عنيكيب) و(تخيريب) على التعويض، وكذلك يجوز التعويض في (قمحدوة) و(سلحفاة) فتقول: (قميحيد) و(سليحيف).
قال أبو سعيد: واستدل سيبويه على زيادة التاء في آخر (عنكبوت) و(تخربوت)، والنون في منجنيق أن العرب قد كسّرت ذلك، وهم لا يكسّرون ما كان على خمسة أحرف أصلية إلا أن تستكرههم فيخلّطوا، ومعنى ذلك أن يسألهم سائل فيقول: كيف تجمعون (فرزدقا) و(جردحلا) وما أشبه ذلك، فربما جمعوه على قياس التصغير في مثل (سفرجل) و(فرزدق) وربما جمعوه بالواو والنون أو غير ذلك.
وهذا معنى قول سيبويه: " إلا أن تستكرههم فيخلطوا؛ لأنه ليس في كلامهم ".
وإذا صغرت مثل (عيضموز) أو (عيطموس) بقي في كل واحد منهما زائدان الياء والواو والذي يحذف من الزائدين الياء وحدها؛ لأنها إذا حذفت لم تحتج إلى أن تحذف الواو فيقال: (عضيميز) و(عطيميس)، ولا يقال (عطيمس) إلا في ضرورة الشعر كما قال غيلان:
قد قرّبت ساراتها الرّوائسا والبكرات الفسّج العطامسا (١)
وتقول في (جحنفل): " جحيفل " بحذف النون، وإن شئت (جحيفيل) على
_________________
(١) البيتان من شواهد سيبويه: ٣/ ٤٤٥، والمقتضب: ٢/ ٢٥٦، واللسان: (فسج).
[ ٤ / ١٨٨ ]
العوض، وإنما صارت النون زائدة؛ لأن الجحنفل هو العظيم الجحفلة ويقال: (جيش جحفل) إذا كان عظيما، فالنون فيه زائدة.
وتقول في تصغير (عجنّس) و(عدبّس): (عجينس) و(عديبس) فتحذف إحدى النونين والباءين؛ لأنها زائدة. وكذلك إحدى الباءين من (قرشبّ)؛ لأنها زائدة كزيادة إحدى الدالين في (معدّ) إلا أنه لا يحذف من (معدّ) شيء في التصغير؛ لأنه على أربعة أحرف.
وإذا صغرت (فدوكسا) (١) حذفت الواو؛ لأنها ليست رابعة، وإن صغرت (كنهورا) (٢) لم تحذف الواو؛ لأنها رابعة
فقلت فيه: (كنيهير).
وإذا حقرت (عنتريسا) قلت: (عتيريس) حذفت النون؛ لأنها زائدة، واستدل الخليل على زيادتها بأن (العنتريس) الشديد وأن (العترسة) الأخذ بالشدة فاستدل بالمعنى.
وإذا حقرت (خنشليلا) (٣) قلت: (خنيشيل) وذلك أن إحدى اللامين زائدة فحذفنا الأولى منهما فبقي (خنشيل) فقلنا: (خنيشيل)، ولو حذفنا الأخيرة من اللامين لاحتجنا إلى حذف الياء أيضا فلم تحذف إلا الأولى، وقد مضى نحو هذا.
وإنما حذفت النون من تصغير (عنتريس)، وأثبتّها في تصغير (خنشليل)؛ لأن الاشتقاق قد بين في (عنتريس) زيادة النون، ولم يكن ل (خنشليل) اشتقاق تسقط فيه النون فجعلها أصلية. وتقول في (منجنون): (منيجين)؛ لأن إحدى النونين الأخيرتين زائدة فحذفت الأولى منهما، لئلا يحذف الواو فيبقى (منجون) فقال: " منيجين " على نحو ما فعل في (خنشليل).
وإذا حقرت (طمأنينة) أو (قشعريرة) قلت: (طميئينة)، و(قشيعيرة)؛ وذلك لأن (طمأنينة) و(قشعريرة) ستة أحرف سوى الهاء، والزائد في (طمأنينة) الياء وإحدى النونين وفي (قشعريرة) الياء وإحدى الرائين، فحذف النون الأولى والراء الأولى؛ لأن تبقى فيهما الياء الخامسة فلا تحذف على نحو ما مضى.
_________________
(١) الفدوكس: الشديد، وقيل الغليظ الجافي، والفدوكس: الأسد. اللسان (فدكس)
(٢) الكنهور قطع كالجبال من السحاب، والضخم من الرجال. اللسان (كنهر).
(٣) الخنشليل: السريع الماضي، والجيد الضرب بالسيف. اللسان (خنشل).
[ ٤ / ١٨٩ ]
وإذا حقرت (قندأوا) (١) و(كنتأوا) (٢) و(حنطأوا) (٣) وكلمات جئن على هذا البناء فإنك مخير بين حذف الواو وحذف النون منهن.
فإن حذفت الواو قلت: (قنيدا) وإن حذفت النون قلت: (قديئي) ورأيت (قديئيا)؛ لأنهما زائدان زيدا على الثلاثي وألحقاه ب (جردحل).
وإذا حقرت (إبراهيم) و(إسماعيل) قلت: (بريهيم) و(سميعيل) تحذف الألف فإذا حذفتها صار ما بقي يجيء على مثال (فعيعيل) هذا قول سيبويه.
وكان أبو العباس المبرد يرد هذا ويقول: " أبيريه " و" أسيميع "، واحتج في ذلك بأن الهمزة لا تكون زائدة أولا
وبعدها أربعة أحرف أصول، وإذا لم تكن زائدة فهي أصلية والكلمة على خمسة أحرف أصول.
فإذا احتجنا إلى حذف شيء منها في التصغير حذفنا من آخرها كما يفعل ذلك ب (سفرجل) فيقال: " أبيريه " بحذف الميم و" أسيميع " بحذف اللام كما قيل (سفيريج) بحذف اللام، والذي قاله سيبويه هو الصواب.
وقد كفينا الاحتجاج له بتصغير العرب لذلك بحذف الهمزة. روى أبو زيد وغيره عن العرب أنها تصغر إبراهيم (بريهيم)، وحكى سيبويه عن الخليل عنهم في باب التصغير الترخيم في (إبراهيم)، و(إسماعيل): (بريه) و(سميع).
وهذه الأسماء أعجمية يجوز أن تكون العرب قدرت فيها غير ما تقدر في الأسماء العربية، وذلك أنه لا يكاد يوجد في الأسماء العربية اسم في أوله همزة بعدها أربعة أحرف أصلية؛ لا إن كانت الهمزة زائدة ولا إن كانت الهمزة أصلية إلا في مصادر الأفعال الرباعية بزوائد كقولهم: (احرنجام) و(اقشعرار).
والألف في أولهما ألف وصل، فلما جاءت أسماء كثيرة من أسماء الأنبياء، في أولها ألف مكسورة وبعدها أربعة أحرف أصلية، أو ثلاثة أصول وزوائد، شبهوها بألف الوصل، وأجروا حكمها على الزيادة.
_________________
(١) القندأو: السيئ الغذاء، والغليظ القصير، والكبير الرأس. القاموس المحيط (باب الهمزة، فصل القاف).
(٢) الكنتأو: الجمل الشديد، والعظيم اللحية. القاموس المحيط (باب الهمزة، فصل الكاف)
(٣) الحنطأو: القصير والعظيم البطن. اللسان (حنطأ).
[ ٤ / ١٩٠ ]
وإذا حقرت (مجرفسا) (١) و(مكردسا) (٢) وكل ما كان على هذا مما أوله ميم زائدة وبعدها أربعة أحرف أصلية فإنك تحذف الميم وتصغر الباقي. وإن شئت عوضت وإن شئت لم تعوض فقلت: (كريدس)، و(جريفس) وإن شئت (كريديس) و(جريفيس)، وإن كان مع الميم حرف آخر زائد حذفته مع الميم كقولك في (مقشعرّ) و(مطمئنّ) فتقول: (قشيعر) و(طميئن).
وإذا حقرت " خورنقا " قلت: (خرينق) بحذف الواو؛ لأنها زائدة وإن شئت عوضت فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.