قال سيبويه: " اعلم أن كل اسم كانت لامه ياء أو واوا ثم كان قبل الياء والواو حرف مكسور أو مضموم فإنها تعتل وتحذف في حال التنوين، واوا كانت أو ياء، ويلزمها كسرة قبلها أبدا فيصير اللفظ بما كان من بنات الياء والواو سواء، واعلم أن كل شيء من بنات الياء والواو وكان على هذه الصفة فإنه ينصرف في حال الجر والرفع، وذلك أنهم حذفوها فخف عليهم فصار التنوين عوضا، وإذا كان شيء منهما في حال النصب نظرت فإن كان نظيره من غير المعتل مصروفا صرفته وإن كان غير مصروف لم تصرف. ونظيره: هذا غاز وقاض وجوار وأدل وأظب. وفى ذلك ما تكون الياء منه أصلية، وهى لام الفعل، كقولنا: غاز ورام، وقاض ومغاز وأدل وأظب؛ لأن غازي " فاعل " ومغازي " مفاعل " وأدلي وأظب " أفعل " ومنها ما يكون زائدا نحو " ثمان " ومسلّق " ويجعب " الياء فيه زائدة، وأصله " سلق " " وجعب "،
_________________
(١) البيت في الأصمعيات ١٨٣، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١٦٤٥، وشرح شذور الذهب ٧٥، والصحاح (خول).
[ ٤ / ٧٣ ]
وكذلك الياء في " ثمان " زائدة، ألا ترى أنك تقول: ثمنت القوم وأنا ثامنهم، وكذلك صحار وعذار ومثل ذلك: هذه قلنس وعرق، والعرق: جمع عرقوة الدّلو؟ وهى السّليب، والقلنس جمع قلنسوة، ولكنهم قلبوه ياء؛ لأنه ليس في الأسماء اسم آخره واو والإعراب يقع عليه، فتقرّ واوا بل تقلب ياء ويكسر ما قبلها، ونحو ذلك، دلو وأدل وحقو وأحق، وكان الأصل أدلو وأحقو مثل كلب وأكلب وفلس وأفلس، فلما وقعت الواو طرفا وقبلها ضمة قلبت ياء.
قال الشاعر:
حتّى تفضي عرقي الدّليّ (١)
وقال الآخر:
لا مهل حتّى تلحقي بعنس أهل الربّاط البيض والقلنسي (٢)
وإنما القلنسي و" العرقي " جمع لقلنسوة، وعرقوة على من جعل بين الواحد والجماعة الهاء كتمرة وتمر، وشعيرة وشعير. " وعنس " المذكور في البيت قبيلة من اليمن من مذحج، منهم الأسود العنسي الذي ادعى النبوة.
وفى هذه الجملة خلاف بين الخليل وسيبويه، وبين يونس، فأما الخليل وسيبويه فمذهبهما أن كل ما كان آخره ياء زائدة أو أصلية منقلبة من واو، نكرة كان أو معرفة مما ينصرف نظيره، أو لا ينصرف فإنه في حال الجر والرفع منون إلا أن يضاف أو تدخل عليه الألف واللام، وأما في النصب فإن كان منصرفا حركته ونونته وإن كان غير منصرف فتحته ولم تنون.
فأما المنصرف فقولك رأيت غازيا وراميا، وأما غير المنصرف فقولك: رأيت جواري وصحارى.
وأما يونس فإنه كان يوافقهم على ذلك في النكرات ويخالفهم في المعارف، فيقول في جواري، وصحارى وما جرى مجراه، إذا لم يكن اسم شيء بعينه: هذه جوار وصحار ولا بد له من ذلك؛ لأن القرآن قد جاء فيه تنوين ذلك بلا خلاف.
قال الله ﷿: وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٣). ونظيره من الصحيح لا ينصرف؛ لأن " غواشي " فواعل، وفواعل لا ينصرف في معرفة ولا في
_________________
(١) بلا نسبة في الكتاب ٣/ ٣٠٩، وابن يعيش ١٠/ ١٠٨، والخصائص ١/ ٢٣٥، واللسان (عرق).
(٢) بلا نسبة في الكتاب ٣/ ٣١٧، وابن يعيش ١٠/ ١٠٧، والاقتضاب ١٣٦، واللسان (ربط).
(٣) سورة الأعراف، من الآية ٤١.
[ ٤ / ٧٤ ]
نكرة. وقال يونس: إذا سمي رجل أو امرأة بجواري قيل في الرفع " هذه جواري " بتسكين الياء بغير تنوين، ومررت بجواري ورأيت جواري، وكأن الأصل عنده، هذه جواري، ولكنهم استثقلوا الضمة على الياء ولا يدخل التنوين في شيء من ذلك، وكذلك إذا سمي بشيء من ذوات الياء مما لا ينصرف نظيره عمل به ذلك ولم ينون.
وإن انصرف نظيره نون كامرأة سميت بقاض تقول بقول يونس: هذا قاضي يا فتى بغير تنوين، وتثبت الياء وتسكنها، ومررت بقاضي فاعلم، فتجعل المجرور كالمنصوب؛ لأن ما لا ينصرف يستوي لفظ المجرور فيه والمنصوب.
وإن سمي رجلا بقاض قال: هذا قاض يا فتى ومررت بقاض يا فتى ورأيت قاضيا يا فتى، لأن فاعلا اسم رجل منصرف واسم امرأة غير منصرف.
ومذهب الخليل وسيبويه في امرأة " قاض "، " هذه قاض " و" مررت بقاض " منونا، و" رأيت قاضي " مفتوح غير منون. وقول الخليل هو الجيد؛ لأن ما كان من الجمع على فواعل أو غير ذلك من بنية الجمع الذي ثالثه ألف وبعده
حرفان لا ينصرف، في معرفة، ولا نكرة. فإذا دخل التنوين على " غواش " وهو لا ينصرف في معرفة ولا نكرة فدخوله على قاضي اسم امرأة أولى؛ لأنها تنصرف في النكرة، وهذا الذي به احتج الخليل، وهو واضح. وأما التنوين الذي دخل المعتل وإن كان نظيره لا ينصرف فالذي ذكره سيبويه أنه بدل من الياء.
وكان ابن العباس المبرد يخالف في ذلك فيقول: إنه بدل من ذهاب حركة الياء؛ لأن الأصل في جواري أن تقول جواري فتحذف التنوين؛ لأنه لا ينصرف ثم تحذف حركة الياء لاستثقالها؛ لأن الياء المكسور ما قبلها يستثقل عليها الضم والكسر فتبقى الياء ساكنة، ولا تسقط حتى يدخل التنوين؛ لأن سقوطها لاجتماع الساكنين، فوجب من هذا أن يكون التنوين أتي به عوضا من ذهاب الحركة. ثم التقى ساكنان فأسقط الياء وأسقطها قول سيبويه، فالذي ظهر من كلامهم أنهم جعلوا التنوين عوضا عن الياء. فإن قال قائل:
وكيف تجعل التنوين عوضا من الياء، ولا طريق إلى حذف الياء، قبل دخول التنوين؛ لأن سقوط الياء لاجتماع الساكنين هي والتنوين.
قيل له: تقدير هذا أن أصل " غواشي غواشي "، وكذلك " جواري " جواري ويكون التنوين لما يستحقه الاسم من الصرف في الأصل، ثم استثقلوا الضمة على الياء في الرفع
[ ٤ / ٧٥ ]
والكسرة عليها في الجر فأسكنوها فاجتمع ساكنان الياء والتنوين فحذفوا الياء لاجتماع الساكنين، ثم حذفوا التنوين لمنع هذا البناء الصرف؛ لأن الياء منونة، وإن أتت محذوفة، ثم عوضوا من الياء المحذوفة تنوينا غير تنوين الصرف.
فهذا الذي يتوجه من لفظ سيبويه ونظيره أنا لو سمينا امرأة بكتف، وكبد، وعجز، وجميع ما كان من الثلاثي أوسطه متحركا لم تصرفها لتحرك أوسط الحرف. ولو خففنا الحرف الأوسط لقلنا، في كتف، كتف وفى عجز، عجز. لكنا نمنع الصرف؛ لأن الحركة منونة. وبعض أصحاب سيبويه حمل قوله: " عوضا من الياء " على معنى عوضا من حركة الياء وهو مثل قول أبي العباس الذي ذكرناه وأجراه مجرى: (واسأل القرية). وإذا جعلنا مكان الياء ألفا وكان مثاله لا ينصرف لم يدخله التنوين، ولم يكن حكمه حكم الياء كقولنا: صحارى ومدارى.
فإن قال قائل: هلا أدخلتم التنوين على الألف في مثل هذا البناء كما أدخلتموه على الياء؟ قيل له بينهما فروق من جهات منها:
أنا رأينا ما كان فيه الياء من النكرات منونا وإن كان نظيره لا ينصرف، ورأينا النكرات التي فيها ألف التأنيث غير منونة كقولنا: حبلى وسكرى. وفرق آخر وهو أن الألف في مثل صحارى ومدارى وحبالى بدل من الياء، فلا
يدخل عليه التنوين، فيصير بدلا من بدل.
وفرق ثالث: وهو أن الألف إذا كان بدلا، فهو بمنزلة متحرك كقولنا قال، وباع، والألف في قال بدل من الواو المتحركة، وفي باع بدل من الياء المتحركة، فكأن الحرف قد حرك، وصار كالصحيح ولم يدخله التنوين، فيحذف لاجتماع الساكنين.
وقال سيبويه: عقيب ذكره قلب الواو ياء في أدل وعرق: " ولو سميت رجلا بقيل فيمن ضم القاف يعني فيمن أشمها الضم لا في قول من قال قول بواو محضة ".
قال: تكسرها إذا سميت وتزيل الإشمام حتى يكون كبيض. وإنما أراد بهذا الفرق بين الاسم والفعل؛ لأن الضم اختص به الفعل، ليتبين معنى " فعل " وليس في الأسماء هذا وما كان في آخره واو قبلها ضمة، فإنما اختص به الفعل، فإذا صار في الاسم لعارض خولف بينه وبين الفعل، فجعل ياء، كما فعلوا ذلك " يقيل " حين سمي به.
وما كان من الياآت مشددة، أو قبلها ساكن، لم تعتل كقولنا: ظبي ودلو؛ لأن
[ ٤ / ٧٦ ]
سكون ما قبلها اضطر إلى تحريكها وزال أيضا عنه ثقل الحركة في الياء والواو.
ولو سميت رجلا ب (يفزو) لوجب أن تقول: يفز، وهو منون على قول سيبويه والخليل في الرفع والجر. وفى قول يونس: هذا يفزي بسكون الياء، ومررت بيفزي. وقد مضى الكلام في نحوه. وكذلك لو صغرنا " أعمى " وجب أن تقول: أعيم ومررت بأعيم ورأيت أعيمي في قول الخليل وسيبويه ولا تصرفه في النصب؛ لأنه مثل أحيمر وكذلك تقول: مررت بأعيم منك إذا أردت التنكير، كما تقول: مررت بخير منك، ولا يمنع منك من تنوين " أعيم "، كما لم يمنع من خير، وقد تقدم قول يونس فيما كان من ذلك معرفة.
ومن أقوى الدليل على بطلان قوله ﷿: وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ (١) بالتنوين.
وقال الخليل: لو قلنا مررت بجواري في حال المعرفة للزمنا أن نقول: مررت بجواري في النكرة؛ لأن هذا البناء يستوي فيه المعرفة والنكرة في الصحيح وأنشد سيبويه قول الهذلي:
أبيت على معاري فاخرات بهن ملوّب قدم العياط (٢)
على أنه اضطر إلى تحريك الياء في " معاري " فإن قال قائل ليس فيه ضرورة؛ لأن الشاعر لو قال:
" على معار فاخرات " لاستوى البيت فهو من الوافر فإن حرك الياء. صار مفاعلتن وإن حذفها ونون فهو " مفاعلن " والجميع جائز.
فالجواب أن الضرورة فيه أن الشاعر كره الزحاف، فرد الكلمة إلى أصلها، وجعل الياء كالصحيح، كما قال:
لا بارك الله في الغواني هل يصبحن إلّا لهنّ مطلب (٣)
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ٤١.
(٢) البيت في الكتاب ٢/ ٥٨، ديوان الهذليين: ٢/ ٢٠، والخصائص: ١/ ٣٣٤، ٣/ ٦١، واللسان: (عرا).
(٣) المقتضب: ١/ ١٤٢، ٣/ ٣٥٤، والخصائص: ١/ ٣٦٢، ٢/ ٣٤٧، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٢٢٦، شرح شواهد المغني: ٢١١.
[ ٤ / ٧٧ ]
وكما قال (١):
فيوما يوافين الهوى غير ماضي ويوما ترى منهنّ غولا تفوّل
والشاهد في " ماضي "؛ لأنه كسر الياء من " ماضي " للضرورة.
وهذا البيت فيما قرأته من شعر جرير: غير ماصبا وذلك لا شاهد فيه وهو أشبه عندي بمعنى البيت؛ لأن المعنى أن هؤلاء النسوة في يوم نيلهن يبذلن اليسير ولا يوفين الصبا حقه، ويوما يمنعن.
ومما أنشد فيه:
" سماء الإله فوق سبع سمائها " (٢)
فذكر المازني أن في هذا ضرورة من ثلاثة أوجه أحدها أنه جمع سماء على سماء وكان حقه أن يقول: سمايا كما نقول: مطية ومطايا، فأتى بالهمزة على الأصل، وكان عليها أن تكون ياء، وأتى بالياء، وكان حقها أن تكون ألفا، فهذان وجهان، والثالث أنه كان حقه، أن يقول في الجر: فوق سبع سماء كما يقول، هذه سبع غواش ففتح في الجر وهو ضرورة عنده. ومما أنشد سيبويه من الضرورة في تحريك الياء.
قد عجبت منّي ومن يعيليا لما رأتني خلقا مقلوليا (٣)
وكان الوجه عندي يعيل، وهذا بيت يحتج به يونس وهو عنده غير ضرورة؛ لأن (يعيلي) تصغير " يعلي " وهو عنده معرفة وأنشد قول الكميت في الضرورة:
خريع دوادي في ملعب تأزّر طورا وتلقي الإزارا (٤)
ومن الضرورة:
ألم يأتيك والأنباء تنمى بما لاقت لبون بني زياد (٥)
_________________
(١) البيت لجرير، الكتاب: ٣/ ٣١٤، المقتضب: ١/ ١٤٤، ٣/ ٣٥٤، وابن الشجري: ١/ ٨٦، وابن يعيش: ١٠/ ١٠١، ١٠٤، والعيني: ١/ ٢٢٧.
(٢) عجز بيت لأمية بن أبي الصلت، انظر ديوانه: ٧٠، المقتضب: ١/ ١٤٤، والخزانة: ١/ ١١٨، والخصائص: ١/ ٢١١، ٢٢٣، والمنصف: ٢/ ٦٨.
(٣) نسب إلى الفرزدق: ٢/ ٢٢٨، المقتضب: ٢/ ١٤٢، الكتاب: ٣/ ٣١٥، والخصائص: ١/ ٦، ٣/ ٥٤، والمنصف: ٢/ ٦٨، ٧٩، والدرر اللوامع: ١/ ١١، والأشموني: ٣/ ٣٧٣.
(٤) استشهد به سيبويه: ٣/ ٣١٦، المقتضب: ١/ ١٤٤، الخصائص: ١/ ٣٣٤.
(٥) البيت لقيس بن زهير. انظر شواهد سيبويه: ١/ ٣٢.
[ ٤ / ٧٨ ]
كأنه يقول في الرفع يأتيك في الضرورة فلما جزم أسقط الضمة.
قال: وتقول في رجل سميته ب " أرمه " هذا أرم قد جاء، وتنون في قول الخليل وهو القياس، وتقول رأيت أرمي، وإنما فعلت هذا؛ لأن الهاء تسقط؛ لأنها دخلت للوقف وترد الياء التي هي لام الفعل في أدمي؛ لأنها سقطت للأمر، وتقطع ألف الوصل وعلى ما مر في قول يونس ينتصب في حال الجر فيقول:
مررت بأرمي كما ينتصب يعيلي وقد مضى الكلام فيه.
قال: وإذا أسميت رجلا يعه قلت: " هذا وع " قد جاء؛ لأنك حذفت الهاء فبقيت العين وحدها وهي حرف واحد ورددت الياء؛ لأن سقوطها كان للأمر وقد صار اسما مستحقا للإعراب فرددت الياء من أجل ذلك، وبقي الاسم على حرفين، الثاني منهما من حروف المد واللين فاحتجت إلى حرف آخر، فرددت الواو التي هي فاء الفعل وفتحتها لأحد أمرين: إما لأن الفتحة أخف الحركات وإما لأن الواو لما ظهرت في الفعل كانت مفتوحة في قولك " وعي، يعي " وكل ما اختل من الأسماء فاحتيج إلى حرف يزاد فيه وكان قد سقط منه حرف فالأولى رد الساقط الذي كان فيه.
كرجل كان اسمه عدة أو شية إذا صغرناه قلنا: وعيدة أو شية، فهذا أصل لما كان على هذا، وما لم يكن قد سقط منه حرف واحتيج له إلى زيادة كان له حكم آخر ستقف عليه إن شاء الله.
ولو سميت رجلا ب " ره " لأعدت الهمزة والألف فقلت هذا إرا قد جاء؛ لأن (ره) أصله " ارءا " في الأمر فسقطت الألف الأخيرة التي بعد الهمزة للأمر، كما نقول: اخش يا فتى، ثم أسقطت ألف الوصل لتحرك الراء فبقيت الراء وحدها فوقفت بالهاء، فإذا سميت به وجب له الإعراب ورددت البناء إلى أصله وقطعت ألف الوصل.
وإن سميت رجلا " قلّ " أو " خف " أو " بع " رددت ما سقط من أجل سكون الأواخر فقلت: " قول " و" خاف " و" بيع " و" اقيم "؛ لأنك إذا سميت بشيء منها رجلا أعربته وحركت آخرة فرجع الحرف الساقط؛ لأن سقوطه كان لاجتماع
الساكنين وقد تحرك.
واحتج سيبويه فيه بأن قال: إذا قلت " قولا " أو " خافا " أو " بيعا " أو " أقيموا " أظهرت للتحريك فهو هاهنا إذا صار اسما أجدر أن يظهر.
قال أبو سعيد: لا يتوهم أن سيبويه أراد أن هذه الحروف رجعت لدخول ألف
[ ٤ / ٧٩ ]
التثنية وواو الجمع وأنه لما تحرك وجب رد ما سقط لاجتماع الساكنين؛ لأنا نقول: رمى زيد، ورمت هند فتسقط الألف من رمى باجتماع الساكنين الألف والتاء ثم تدخل الألف للتثنية فتقول: " الهندان رمتا "، ولا تقول: " رماتا " وإنما أصل " قولا " " قولان "، إذا الأمر من المستقبل، وكان في الأصل يقولان فلما وقع الأمر سقطت النون كما تسقط للجزم.
وإنما أراد بهذا أن الواو سقطت من قل حيث كانت اللام ساكنة لاجتماع الساكنين.
قال سيبويه: ولو سميت رجلا: (لم يردّ) أو (لم يخف) لوجب عليك أن تحكيه.
فتقول: (جاءني لم يرد) و(رأيت لم يخف) وليس ذلك بمنزلته لو لم يكن معه العامل.
ولو سميته (يرد) مفردا و(يخف) لقلت: هذا يريد و(يخاف).
وتقول في رجل سميته ب (إن يردّد): هذا إن يردد، وجاءني إن يردّد فإن أفردت يردد، وسميت به قلت: هذا يردّ، وإن سميت ب " إن يخف " حكيت، وإن أفردته قلت:
" هذا يخاف "؛ لأنك لما أفردته لم يتعلق به حكم غيره ووجب إعرابه بالتسمية فجئت به معربا على ما يستحقه كما فعلت في أرمه. في قطع ألف الوصل ورد الياء.
وإن سميت رجلا ب (اعضض) قلت: هذا أعضّ؛ لأنه قد وجب عليك إعراب الضاد الثانية فلما وجب تحريكها وجب إدغام الأولى فيها كما تقول: أنا أعض وقطعت الألف.
وإن سميت رجلا ب (ألبّب) من قوله (١):
قد علمت ذاك بنات ألببه
تركت على حاله؛ لأن هذا الاسم جاء على الأصل كما قالوا رجاء بن حيوة وكما قالوا: ضيون فجاءوا به على الأصل ومجرى بابه على غير ذلك.
قال أبو سعيد: كان الأصل في بنات ألببه أن يقال: ألبّه؛ لأنه أفعل من اللّب ويلزم إدغام " أفعل " مما عينه ولامه من جنس واحد كقولك: " هذا أجل من هذا " وأصله " أجلل " والقياس في " حيوة " و" ضيون " أن يقال حيّة وضيّن؛ لأنه
إذا اجتمع الواو والياء والأول
_________________
(١) البيت مجهول القائل، وقد استشهد به سيبويه: ٣/ ١٩٥، انظر المقتضب: ١/ ١٧١، والخزانة: ٣/ ٢٩٢، والمنصف: ١/ ٢٠٠، ٣/ ٣٤.
[ ٤ / ٨٠ ]
منهما ساكن قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء فجاءت " بنات ألببه " و" حيوة " و" ضيون " على الأصل ولم يستعمل فيه التغيير وما يوجبه القياس في نظائره كما جاء (استحوذ عليهم الشّيطان) ونظيره استعاذ واستجار وأصلة استجور فاعلم، ولم يستعمل في استحوذ ما استعمل فيهما فلم نعدل عن استعمالهم وإن كان خارجا عن القياس، وكذلك إن سمينا رجلا بألبب لم ندغم. وإن سميناه ب " حيوة " أو ضيون لم نقلب تسليما لما قالته العرب، كما سلمنا ذلك في استحوذ فاعرف ذلك.