(وذلك قولك: تربا، وجندلا، وما أشبه هذا. فإن أدخلت " لك " فقلت: تربا لك، فإن تفسيرها هاهنا كتفسيرها في الباب الأول).
قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الباب يدعى فيه بجواهر لا أفعال منها نحو التراب والترب والجندل، وهو: الصخر، وقوله فاها لفيك، وفاها إنما هو اسم للفم وليس لشيء من ذلك فعل يصير مصدرا له، ولكنهم أجروه في الدعاء مجرى المصادر التي قبل هذا الباب وقدّروا الفعل الناصب لها ما قاله سيبويه.
قال: (كأنهم قالوا: ألزمك الله، وأطعمك الله تربا وجندلا، وما أشبه هذا من الفعل، واختزل الفعل هاهنا، يعني: حذف، لأنهم جعلوه بدلا من قولهم تربت يداك).
فعبّر عنه سيبويه بفعل قد صرف من التراب، وقد رفعه بعض العرب، والرفع فيه أقوى من الرفع في المصادر في الباب الذي قبله، قال الشاعر:
فترب لأفواه الوشاة وجندل (٢)
فترب مبتدأ والخبر لأفواه الوشاة، وفيه معنى المنصوب في الدعاء كما كان في قولك " سلام عليكم " معنى الدعاء.
قال: (فمثله قول العرب " فاها لفيك ". وإنما يريد " فا " الداهية، فجعل " فاها " منصوبا بمنزلة تربا لفيك، وإنما يخصّون في مثل هذا الفم لأن أكثر المتآلف فيما يأكله
_________________
(١) البيت لحسان بن ثابت: ورواية الديوان: هيجتم غيّ لمن ولد الحماس طويل ديوانه: ١٨٧؛ شرح أبيات سيبويه ١: ٢٠٥.
(٢) عجز بيت وصدره (لقد ألب الواشون ألبا لبيتهم) شروح سقط الزند: ق ٣.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
الإنسان أو يشربه من السم وغيره.
قال: وصار " فاها " بدلا من اللفظ بقولك: دهاك الله وإنما جعله بدلا من هذا تقريبا؛ لأنه فم الداهية في التقدير، فذكر الفعل المتصرف من الداهية والفعل المقدر في هذا ونحوه ليس بشيء معين لا يتجاوز، قال أبو سدرة الأسدي:
تحسّب هوّاس وأيقن أنني بها مفتد من واحد لا أغامره
فقلت لها فاها لفيك فإنّها قلوص امرئ قاريك ما أنت حاذره (١)
يصف الأسد، والهوّاس من أسماء الأسد، وتحسّب: تحسّس، يقال: فلان يتحسّب الأخبار، أي: يتحسّس، ويجوز أن يكون تحسّب في معنى: حسبته فتحسّب، مثل: كفيته فاكتفى).
قال أبو سعيد: والذي أحفظ في هذا " وأيقن أنني " معناه: أنه عرض لناقة له فحكى عن الأسد أنه توهم أنني أدع الناقة وأفتدي بها من لقاء الأسد، وواجه هو الأسد و" لا أغامره ": ولا أقاتله، لا أرد معه غمرات الحرب، وتكون تحسّب من المحسبة، وأنني:
مفعول المحسبة، وتكون الرواية: " وأقبل معطوفا على تحسّب " يكون التقدير: تحسب هوّاس أنني مفتد بها من واحد لا أغامره وأقبل، كما تقول: حسب زيد أنني قائم وأقبل، ولو قلت: حسب زيد وأقبل بأنني قائم لجاز، كما تقول: ضربت وضربني زيدا على معنى: ضربت زيدا وضربني، " فقلت له ": يعني الأسد " فاها لفيك: دعاء عليه بإصابة الداهية له وهو على وجه التهدد، " فإنها قلوص امرئ " يعني الناقة التي أراد أخذها الأسد، قال: والدليل على أنه يريد بها الداهية ما أنشده سيبويه:
وداهية من دواهي المنو ن تحسّبها الناس لا فا لها (٢)
" لا فا لها " في موضع خبر المحسبة، كما تقول: حسبت زيدا لا غلام له، وإنما ذكر هذا تعظيما لأمرها، أي: لا يدري الناس كيف يأتونها ويتوصلون إلى دفعها.
_________________
(١) خزانة الأدب ٢: ١١٦، ١١٨، ورواية البيت الثاني في الخزانة: (له) بدلا من (لها)؛ شرح المفصل ١: ١٢٢.
(٢) خزانة الأدب ٢: ١١٧؛ تاج العروس (فوه).
[ ٢ / ٢٠٧ ]