(وذلك قولك: ما صنعت وأباك، ولو تركت الناقة وفصيلها لرضعها، إنما أردت ما صنعت مع أبيك، ولو تركت الناقة مع فصيلها، فالفصيل مفعول معه، والأب كذلك، والواو لم تغيّر معنى ولكنها تعمل في الاسم ما قبلها، ومثل ذلك:
ما زلت وزيدا، أي: ما زلت بزيد حتى فعل، فهو مفعول به.
وما زلت أسير والنيل، أي: مع النيل.
_________________
(١) البيت لطفيل الغنوي: شرح المفصل ٢: ٢٩؛ المقتضب ٣: ٢١٩.
(٢) البيت ينسب لأبي الأسود الدؤلي: ديوانه: ٦٥؛ شرح أبيات سيبويه ١: ٧٢؛ المقتضب ٣: ٢١٩.
[ ٢ / ١٩٤ ]
واستوى الماء والخشبة، وجاء البرد والطيالسة، أي: مع الطيالسة، قال الشاعر:
كونوا أنتم وبني أبيكم مكان الكليتين من الطّحال (١)
وقال آخر:
وكان وإيّاها كحرّان لم يفق عن الماء إذا لاقاه حتّى تقدّدا (٢)
ويدلك على أن الاسم ليس على الفعل في صنعت أنك لو قلت: اقعد وأخوك.
كان قبيحا حتى تقول: اقعد أنت وأخوك؛ لأنه قبيح أن تعطف على المرفوع المضمر، فإذا قلت: ما صنعت أنت، ولو تركت هي فأنت بالخيار، إن شئت حملت الآخر على ما حملت عليه الأول، وإن شئت حملته على المعنى الأول).
قال أبو سعيد﵀-: هذا آخر الباب وهو كلام سيبويه﵀-، ومذهبه أنك إذا قلت: ما صنعت وأباك، أن الأب منصوب بصنعت، وكذلك فصيلها منصوب بتركت، وكان الأصل فيها ما صنعت مع أبيك، ولو تركت الناقة مع فصيلها، ومعنى مع الواو يتقاربان لأنّ معنى " مع ": الاجتماع والانضمام، والواو تجمع ما قبلها مع ما بعدها وتضمه إليه، فأقاموا الواو مقام " مع " لأنها أخفّ في اللفظ، والواو حرف لا يقع عليه الفعل ولا يعمل في موضعه، فجعلوا الإعراب الذي كان في " مع " من النصب في الاسم الذي بعد الواو لمّا لم تكن الواو معربة ولا في
موضع معرب، كما قالوا: ما قام أحد إلّا زيد، وقام القوم إلّا زيدا، فإذا جئت ب " غير " أعربتها بإعراب الاسم الذي يقع بعد " إلّا "، فقلت:
ما قام أحد غير زيد، وجاءني القوم غير زيد، فإذا جعلوا " إلّا " مكان " غير " تجاوز الإعراب الذي كان في " غير " إلى ما بعد " إلّا "، لأنّها حرف غير عامل، وكذلك الكلام في ما زلت وزيدا إذا كان الحرف الذي يتصل بالفعل عاملا في الاسم الذي بعده منع من تجاوز الفعل إلى غيره كقولك:
ما زلت بزيد، فتعمل الباء في زيد، والباء في موضع نصب، فإذا قلت: ما زلت
_________________
(١) البيت في نوادر أبي زيد ينسب ل: شعبة بني قمير: ١٤١؛ شرح المفصل ٢: ٤٨؛ وروايته: (وكونوا)؛ شرح قطر الندى ٢٣٣؛ شرح أبيات سيبويه ٢٨٥.
(٢) البيت ينسب لكعب بن جعيل بن قمير التغلبي؛ شرح أبيات سيبويه ١: ٢٨٦؛ الجمل للزجاجي ٣١٧.
[ ٢ / ١٩٥ ]
وزيدا، تجاوز النصب الذي كان يقدّر في الباء إلى ما بعد الواو.
وكان الزجّاج يقول:
إنّا إذا قلنا: ما صنعت وأباك؛
أنّا ننصب بإضمار، كأنه قال: ما صنعت ولا بست أباك.
وزعم أنّ ذلك من أجل أنه لا يعمل الفعل في المفعول وبينهما الواو.
وهذا قول فاسد، لأنّ الفعل يعمل في المفعول على الوجه الذي يتصل به المفعول، فإن كان لا يحتاج في عمله فيه إلى وسيط فلا معنى لدخول حرف بينهما، وإن كان يحتاج إلى وسيط في عمله فيه، عمل مع توسّط الوسيط ووجوده، ألا ترى أنّا نقول:
ضربت زيدا وعمرا، فتنصب عمرا بضربت، كما تنصب زيدا بضربت، لأن المعنى الذي يوجب الشركة بين عمرو وزيد في ضربت، هو: الواو فجئت بها ولم تمنع من وقوع ضربت على ما بعدها.
ومنه أيضا: أنك تقول: ما ضربت إلّا زيدا، فتنصب زيدا بضربت، وإن كان بينهما " إلّا " للمعنى الذي يوجب ذلك في اتصال هذا المفعول به، وإنما يذهب بالواو إلى معنى " مع " إذا كان فيه معنى غير العطف المحض، والعطف المحض أن يوجب لكل واحد من الاسمين الفعل الذي ذكر له من غير أن يتعلق فعل أحدهما بالآخر، كقولك: قام زيد وعمرو إذا أردت أن كل واحد منهما قام قياما لا يتعلق بالآخر.
وكذلك: ما صنع زيد وعمرو إذا أردت هذا المعنى؛ كان صنع كلّ واحد لا يتعلق بالآخر، وما صنع زيد وعمرو إذا أردت هذا المعنى، فإن أردت ما صنع زيد مع عمرو على معنى: إلى أي شيء انتهيا فيما بينهما من خصومة أو مواصلة أو غير ذلك، جاز أن تنصب، وقد اجتمع في قولك: " ما صنعت وأباك " قبح الرفع في الأب لأنك تعطفه على التاء من غير توكيد، وحمل ما بعد الواو على معنى " مع " لما يقتضيه المعنى إذا أكدت التاء كنت مخيرا في رفع الأب وفي نصبه، فقلت: ما صنعت أنت وأبوك، وإن شئت " وأباك ".
فمن رفع فلزوال قبح اللفظ لأن كلّ واحد منهما صانع بالآخر شيئا وملابس له على ضرب من الملابسة، وإن نصبت فعلى إبانة معنى " مع " وأنّ صنيع الأول ملتبس بالآخر.
[ ٢ / ١٩٦ ]