(من ذلك قولك حمدا وشكرا لا كفرا وعجبا، وأفعل ذاك وكرامة ومسرّة ونعمة عين، وحبّا ونعام عين، ونعمى عين، ولا أفعل ذاك ولا كيدا ولا همّا، ولأفعلنّ ذاك رغما وهوانا).
وهذا الباب الفعل المضمر فيه العامل في هذه المصادر إخبار يخبر المتكلم فيه عن نفسه وليس بدعاء على أحد، ولكنّه قد ضارع الدعاء؛ لأن المضمر فعل مستقبل فأشبه الدّعاء لاستقباله، كأنّه قال: أحمد الله حمدا، وأشكر الله شكرا، وأعجب عجبا، وأكرمك كرامة، وأسرّك مسرّة، وإذا قال: ولا كيدا ولا هما، فمعناه: ولا أكاد كيدا، ولا أهمّ هما به تبعيدا لما نفى أن يفعل.
وقوله: لأفعلنّ ذلك رغما وهوانا أي: أرغمك بفعله رغما، وأهينك هوانا به، والرّغم: لصوق الأنف بالتّراب، وإنما يراد به الذّلّ، وحذف الفعل المقدّر في هذا كحذفه
[ ٢ / ٢١١ ]
في الدّعاء.
قال: (وقد جاء بعض هذا رفعا يبتدأ ثمّ يبنى عليه.
وزعم يونس أنّ رؤبة بن العجّاج كان ينشد هذا البيت رفعا، وهو لبعض مذحج:
عجب لتلك قضيّة وإقامتي فيكم على تلك القضيّة أعجب) (١)
إذا رفع عجب كأنّه قال: أمري عجب، وإنما هذا البيت يتلو قضيّة غير مرضيّة يتعجّب فيها، والذي قبله:
أمن السّوية أن إذا أخصبتم وأمنتم فأنا البعيد الأجنب
وإذا تكون شديدة أدعى لها وإذا يحاس الحيس أدعى جندب
هذا لعمركم الصغار بعينه لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أب (٢)
ثم قال: " عجبا لتلك قضيّة " البيت.
قال: (وسمعنا بعض العرب الموثوق به يقال له: كيف أصبحت؟ فيقول: حمدا لله وثناء عليه، كأنه قال: أمري وشأني، ولو نصب فقال: حمدا لله وثناء عليه كان على الفعل، ومن المرفوع قوله:
فقالت حنان ما أتى بك ههنا أذو نسب أم أنت بالحيّ عارف) (٣)
كأنها قالت: أمرنا حنان ولم ترد تحنن، ولو أرادته لقالت: حنانا كما قال الشاعر:
تحنّن عليّ هداك المليك فإنّ لكلّ مقام مقالا (٤)
(ومثل الرفع قول الله ﷿: قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ (٥).
لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا من أمر ليموا عليه، ولكنهم قيل لهم: لم
_________________
(١) شرح المفصل ١: ١١٤، وفيه منسوب ل (رؤبة بن العجاج)؛ قطر الندى ٣٢١.
(٢) الأبيات لابن أحمر الكناني، وبلا نسبة في شرح المفصل ٢: ١١٠؛ كتاب اللامات: ١٠٦؛ اللسان (حيس).
(٣) ينسب لمنذر بن درهم الكلبي: الخزانة ٢: ١١٢؛ شرح المفصل ١: ١١٨؛ الصاحبي ٢٥٠.
(٤) البيت للحطيئة: ديوانه: ٧٢؛ تلخيص الشواهد ٢٠٦؛ همع الهوامع ١: ١٨٩، الدرر ٣: ٦٤.
(٥) سورة الأعراف، الآية: ١٦٤.
[ ٢ / ٢١٢ ]
تعظون؟
فقالوا: معذرتنا إياهم معذرة إلى ربّكم.
ولو قال رجل لرجل: معذرة إلى الله وإليكم من كذا وكذا، يريد اعتذارا، لنصب ومثله قول الشّاعر:
يشكو إليّ جملي طول السّرى صبر جميل فكلانا مبتلى (١)
والنصب أجود وأكثر لأنه يأمره بالصّبر.
ومثل الرّفع قول الله ﷿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) (٢).
فنصب صبر في البيت أجود؛ لأن الجمل كان شاكيا لطول السّرى فأمره صاحبه بالصّبر، والذي في الآية إخبار يعقوب ﵇ بصبر حاصل فيه، أو تخبرنا بأنه سيكون فيه عند فقدان يوسف ﵇ لأنه قال بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ (٣). أي فأمري صبر جميل، والمضمر الذي يكون بعده مرفوع كالمضمر الذي بعده منصوب في ترك إظهاره لأنّ المعنيين متقاربان.