(وذلك قولك: مالك وزيدا وما شأنك وعمرا).
وإنّما نصبوا عمرا لأن عمرا هو شريك الكاف في المعنى ولم يصح العطف عليه، لأن الكاف ضمير مخفوض، ولا يجوز عطف الظّاهر المخفوض على المكنيّ، ولم يصلح أيضا رفعه؛ لأنك لو رفعته كنت عاطفا له على الشأن، وليس عمرو بشريك للشأن ولا أردت أن تجمع بينهما فحمل الكلام على المعنى، فجعل ما شأنك ومالك بمنزلة ما تصنع فصار كأنك قلت ما صنعت وزيدا، (قال الشاعر:
فما لك والتلدّد حول نجد وقد غصّت تهامة بالرّجال (٢)
وقال الآخر:
فما لكم والفرط لا تقربونه وقد خلته أدنى مردّ لعاقل) (٣)
_________________
(١) البيت سبق تخريجه.
(٢) البيت لمسكين الدارمي: ديوانه ٦٦ ورواية الديوان: أتوعدني وأنت بذات عرق وقد غصت تهامة بالرجال خزانة الأدب ٣: ١٤٢.
(٣) البيت ينسب إلى: عبد مناف بن ربع الجربيّ الهذلي. شرح أشعار الهذليين ٢: ٦٨٦.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
واستدل سيبويه (على أنه لا يحسن عطف عمرو على الشأن بأنك لو قلت: ما شأنك وما عبد الله، لم يكن كحسن " ما جرم وما ذاك السويق " لأنّك توهم أنّ الشأن هو الذي يلتبس بزيد، ومن أراد ذلك فهو ملغز تارك لكلام الناس الذي يسبق إلى أفئدتهم).
وإذا أضفت الشأن إلى ظاهر حسن الكلام كقولك ما شأن عبد الله وأخيه، وما شأن زيد وأمة الله يشتمها، ويكون يشتمها في موضع نصب على الحال، فإن شئت جعلته حالا من الأوّل وإن شئت جعلته حالا من الثاني.
وقد سمع من العرب: " ما شأن قيس والبرّ تسرقه " أراد بقيس القبيلة.
وقد مثّل سيبويه ما شأنك وملابسة زيدا وملابستك زيدا، ولا يخرج ذلك عن معنى ما صنعت وزيدا، وما تصنع وزيدا؛ لأنّ ذلك ملابسة، وكيف ما عبّر عنه إذا أدّى المعنى جاز، ولو نصب مع الظاهر جاز، فقال: ما شأن عبد الله وزيدا، لأنّ الملابسة مع الظاهر كالملابسة مع المكنيّ في المعنى، ومن نصب قال: ما لزيد وأخاه، كأنه قال: ما كان شأن زيد وأخاه، ومن ثمّ قالوا: حسبك وزيدا، لأنّ معناه: كفاك، كأنّه قال: كفاك وزيدا وكأنّه قال: حسبك وبحسب زيدا درهم، وكذلك: كفيك وقطك في معنى حسبك، تقول: قطك وزيدا درهم، وكفيك وزيدا درهم، قال الشّاعر:
إذا كانت الهيجاء وانشقّت العصا فحسبك والضّحّاك سيف مهنّد «*»
كأنه قال: يكفيك ويكفي الضّحّاك.
قال: وأما ويلا له وزيدا، وويله وأباه فالنّصب على معنى الفعل الذي نصبه، وعنده أنّ الفعل الذي نصبه كأنّه قال: ألزمه الله ويلا، فعطف زيدا والأب على ذلك المعنى، كأنه قال: وألزم زيدا وألزم أباه، وكذلك لو رفع ويلا فقال: ويل له وأباه، لأنّ معناه وإن كان رفعا معنى الفعل، كما أن حسبك وزيدا معناه معنى يكفيك، ومعنى ويل له
كمعنى ويله إذا نصبت فتقديره الزم موجود.
_________________
(١) (*) البيت في ذيل الأمالي: لجرير ١٤٠، وليس في ديوانه. خزانة الأدب ٧: ٥٨١ (بلا نسبة)؛ شرح شواهد الإيضاح ٣٧٤؛ شرح شواهد المغني ٢: ٩٠٠.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
قال: ولا يجوز أن تقول: هذا لك وأباك، لأنه لم يتقدم استفهام ولا فعل ولا حرف فيه معنى فعل، وإنّما يجرّ هذا في ضرورة الشّعر، لأن الذي يقول: مررت بك وزيدا لا يقول: هذا لك وزيدا؛ لأن الفعل عامل قويّ ظهر وموضع حرف الجرّ نصب فيحمل الثّاني في النّصب على معنى الفعل كأنّه قال: لقيتك وأباك، ولا يقال: هذا لك وأباك، لأنّه لا فعل ههنا.