وما في هذا الباب من كلام سيبويه قد مضى شرحه في تضاعيف الأبواب المتقدّمة له، وأنا أسوق كلام سيبويه إلى آخر الباب إلّا الشيء اليسير الذي يحتاج إلى تفسير.
قال: (وذلك قولك: سلام عليك، ولبّيك وخير بين يديك، والمراد في قوله:
خير بين يديك، وويل لك، وويح لك، وويس له، وويلة لك، وعولة وخير لك، وشرّ لك، وفَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (١)؛ فهذه الحروف كلّها مبتدأة مبنيّ عليها ما بعدها، والمعنى فيهنّ: ابتدأت شيئا قد ثبت عندك ولست تعمل في حال حديثك في إثباتها وتزجيتها وفيها ذلك المعنى، كما أن " حسبك " فيه معنى النهي، وكما أن قولك:
" رحمة الله عليه " في معنى: ﵀، فهذا المعنى فيها، ولم تجعل بمنزلة الحروف التي إذ ذكرتها كنت في حال ذكرك إياها تعمل في إثباتها وتزجيتها، كما أنهم لم يجعلوا " سقيا ورعيا " بمنزلة هذه الحروف؛ فإنما نجريها كما أجرتها العرب ونضعها في المواضع التي وضعن فيها، ولا تدخلنّ ما لم يدخلوا من الحروف. ألا ترى أنك لو قلت: طعاما لك أو شرابا لك أو مالا لك تريد معنى سقيا لك أو معنى المرفوع الذي فيه معنى الدعاء لم يجز، لأنه لم يستعمل هذا الكلام كما استعمل ما قبله، فهذا يدلّك ويبصّرك أنّه ينبغي لك أن تجرى هذه الحروف كما أجرتها العرب، وأن تعني ما عنوا بها؛ فكما لم يجز أن يكون كلّ حرف بمنزلة المنصوب الذي أنت في حال ذكرك
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٨٩.
[ ٢ / ٢٢١ ]
إيّاه تعمل في إثباته، ولا بمنزلة المرفوع المبتدإ الذي فيه معنى الفعل، كذلك لم يجز أن تجعل المرفوع الذي فيه معنى الفعل بمنزلة المنصوب الذي أنت في حال ذكرك إياه تعمل في إثباته وتزجيته، ولم يجز لك أن تجعل
المنصوب بمنزلة المرفوع لأن العرب إنما أجرت الحروف على وجهين.
ومثل المرفوع: طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (١). يعني أنّ طوبي وإن لم يتبين فيها الإعراب فهي في موضع رفع؛ لأن المعطوف عليها وهو حسن مآب رفع، وأما قوله ﷿: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢). ووَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (٣). فإنّه لا ينبغي أن تقول إنه دعاء عليهم؛ لأن الكلام واللفظ بذلك قبيح، ولكن العرب إنما كلّموا بكلامهم، وجاء القرآن على لغتهم وما يعنون؛ فكأنه- والله أعلم- قيل لهم ويل للمطففين، وويل يومئذ للمكذبين، أي: هؤلاء ممن وجب لهم هذا القول، لأنّ هذا الكلام إنما يقال لصاحب الشّرّ والهلكة، فقيل: هؤلاء ممن دخل في الهلكة ووجب لهم هذا.
ومثل ذلك: قوله ﷿: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤).
فالعلم قد أتى من وراء ما يكون ولكن اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما ومبلغكما من العلم وليس لهما أكثر من ذا ما لم يعلماه.
ومثله: قاتَلَهُمُ اللَّهُ * (٥). وإنما أجري هذا على كلام العرب وبه نزل القرآن).
قال أبو سعيد: قد يعبّر عن بعض أفعال الله ﷿ ممّا جاء في القرآن وغيره بما لو حمل على حقيقة اللغة لم يجز أن يوصف بذلك، من ذلك قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى (٦). وقوله جلّ وعزّ: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ
_________________
(١) سورة الرعد، الآية: ٢٩.
(٢) سورة المرسلات، الآية: ١٥.
(٣) سورة المطففين، الآية: ١.
(٤) سورة طه، الآية: ٤٤.
(٥) سورة التوبة، الآية: ٣٠ - سورة المنافقون، الآية: ٤.
(٦) سورة الحجرات، الآية: ٣.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ (١). والامتحان والبلوى فيما يتعارفه النّاس إنما هو في معنى: التجربة، وهو من الله ﷿ على وجه الأمر لهم أو إيراد بعض أفعاله عليهم مما يظهر للناس ثبات المفعول به والصبر على طاعة الله تعالى أو خلاف ذلك.
وكذلك ما جاء في القرآن من " لعلّ " قد جعل بمعنى " كي "، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢).
ونظائر ذلك مما أتى فيه لعلّ بعد أمر أمر به إنما هو على معنى " كي يكون ذلك "؛ أي:
أمرناكم بهذا الأمر ليكون ذلك؛ فالشيء الذي جعل الأمر سببا له يجوز ألّا يكون، ولا يخرج الأمر أن يكون وقع مقصودا به لذلك المعنى؛ ألا ترى أنّ القائل قد يقول: مدحت الأمير ليعطيني، وكي يعطيني ولعله يعطيني، وإن لم يعطه فالقصد لم يتغيّر أن يكون واقعا لذلك المعنى.
وكذلك ما في القرآن مما يتعارفه الناس في كلامهم دعاء إذا وقع من الله ﷿ فهو من طريق اللفظ على ما قد تعارفه الناس، وهو من الله ﷿ واجب، لأن القائل إذا قال: قاتلك الله، ولعنك الله، فإنما يريد أن يوقع الله ذلك بالذي دعا عليه، فإذا قاله الله ﷿ فهو على طريق أنه يوقعه، وكذلك القول في قوله ﷿: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣). ووَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (٤). لأن القائل من الناس يذكره على جهة الدعاء عليهم، والله ﷿ يذكره على طريق وجوب ذلك لهم، لأنه هو المدعوّ المستدعى منه ذلك.
قال: (وتقول: ويل لك ويل طويل، وإن شئت جعلته بدلا من المبتدإ الأوّل، وإن شئت جعلته صفة له، وإن شئت قلت: ويل لك ويلا طويلا تجعل الأخير غير مبدل ولا موصوف به ولكن تجعله دائما).
يعني: تجعل ويلا طويلا في معنى الحال؛ كأنّه قال: ويل لك دائما.
قال: (ومن هذا الباب: فداء لك أبي وأمي، وحمي لك أبي، ووقاء لك أميّ، ولا
_________________
(١) سورة محمد، الآية: ٣١.
(٢) سورة الحج، الآية: ٧٧.
(٣) سورة المرسلات، الآية: ١٥.
(٤) سورة المطففين، الآية: ١.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
يقال: عولة لك، إلّا أن يكون قبلها ويلة لك، ولا تقول: عول لك حتى تقول: عول، لأنّ ذا يتبع ذا، كما أنّ ينوءك يتبع يسوءك ولا يكون ينوءك مبتدأ.
واعلم أنّ بعض العرب تقول: ويلا لك، وويلة لك، وعولة تجريه مجرى خيبة، من ذلك قول جرير:
كسا اللؤم تيما خضرة في جلودها فويلا لتيم من سرابيلها الخضر (١)
ويقول الرجل: يا ويلاه؛ فيقول الآخر: نعم ويلا كيلا، كأنه يقول: لك الذي دعوت به ويلا كيلا، وهذا شبيه بقولهم:
ويل له ويلا كيلا، وربّما قالوا: ويل كيل).
يعني أن الذي قال: نعم ويلا كيلا يضمر مبتدأ وخبرا، ويجعل ويلا كيلا في موضع الحال؛ لأنه لو أظهر وقال: لك الويل ويلا كيلا كان " الويل " مبتدأ و" لك " خبر، وويلا كيلا في معنى كثيرا، ثم جعل نعم دليلا على الإضمار، لأن نعم تحقيق لكلام يتكلم به، وذلك الكلام الذي تحقيقه نعم هو قولهم: لك الويل وما أشبهه.
وقوله: (وإن شاء جعله على قوله: جدعا وعقرا).
أي: إن شاء نصب ويلا كيلا بإضمار فعل فجعله كأنه مصدر له، لأن " جدعا وعقرا " على معنى: جدعك الله جدعا، وعقرك عقرا، فهو بإضمار فعل، وتجعل ويلا كذلك بإضمار فعل.