(وذلك قولك: الحمد لله والعجب لك، والويل لك، والتّراب لك، والخيبة له، وإنّما استحبّوا الرّفع فيه لأنّه صار معرفة فقوي في الابتداء بمنزلة عبد الله والرجل
[ ٢ / ٢١٨ ]
والذي تعلم، لأنّ الابتداء إنّما هو خبر).
قال أبو سعيد: يعني هذه المصادر التي ذكرها اختارت العرب فيها الرّفع؛ لأنّهم جعلوها كالشيء اللّازم الواجب فأخبروا عنها، وجعلوها مبتدأة وجعلوا ما بعدها خبرها وصار بمنزلة قولك: الغلام لزيد، ثم وصل ذلك من جهة الابتداء فقال: وإذا اجتمع معرفة ونكرة فأحسنه أن يبتدأ بالأعرف وهو وجه الكلام، ومعنى يبتدأ بالأعرف أن تجعله هو المبتدأ المخبر عنه وإن أخّر في اللفظ، وكذلك لو وقع بعد كان وإنّ فالوجه: أن تجعل الأعرف هو الاسم كقولك: كان زيد منطلقا، وكان منطلقا زيد، ولم يحسن أن تقول: كان منطلق زيدا؛ لأنّك إنما تخبر عمّن يعرفه المخاطب بما لا يعرفه من شأنه حتّى يعرفه فيساويك فيه وفي خبره.
وفائدة الإفادة من المتكلم للمخاطب في الخبر، ولو جعل الاسم نكرة والخبر معرفة والاسم لا يستفيده المخاطب لم يصر المخاطب بمنزلة المتكلم في معرفة ما أفاده إياه.
قال: (ولو قلت: رجل ذاهب، لم يحسن، لأنه لا فائدة فيه، فإن قرنته بشيء يقرّبه من المعرفة وتقع به فائدة جاز؛ فتقول: راكب من بني فلان سائر، وتبيع الدّار فتقول: حدّ منها كذا وحدّ منها كذا، فأصل الابتداء للمعرفة فإذا أدخل فيه الألف واللام حسن الابتداء).
يعني أنّ الذي حسّن الابتداء في: " الحمد لله، والعجب والويل لزيد " دخول الألف واللام فيه، وإذا نكّر ضعف الابتداء بالنكرة إلا أن يكون في المنكور المبتدأ به معنى المنصوب كنحو ما ذكرنا، وقولهم: سلام عليكم، وويل لزيد، وخيبة لزيد؛ لأن هذه أشياء يدعى بها ويجوز فيها النّصب، فإذا رفع وذهب به مذهب الدعاء جرى مجرى المنصوب في حسنه وإن كان الابتداء بنكرة، وقد مضى نحو هذا.
قال سيبويه: (وليس كلّ حرف يصنع به كذلك، كما أنه ليس كلّ حرف تدخل فيه الألف واللّام من هذا الباب، لو قلت: السقي لك والرعي لك لم يجز).
قال أبو سعيد: اعتماد سيبويه في هذا ونحوه على استعمال العرب فيما استعملته على وجه لم يجاوزه ولم يجز
غيره قياسا، وما استعملته على وجهين أو أكثر جاز من ذلك ما استعملوه، ولم تستعمل العرب السقي لك، والرعي لك، فلم يجزه، وأجازه الجرميّ والمبرّد، وقد ذكرنا الاحتجاج لذلك فيما مضي.
[ ٢ / ٢١٩ ]
(والحمد وإن ابتدأته فمعناه معنى المنصوب).
وهو إخبار فإذا نصب فمعناه أحمد الله حمدا يخبر عن نفسه بما يفعله من ذلك، وإذا رفع فكأنه قال: أمري وشأني ومقصودي فيما أفعله الحمد لله.
ثم ذكر سيبويه أشياء قد ابتدأت العرب بالنكرة فيها وجّه لها وجها، وذلك قولك:
شيء ما جاء بك، " وشرّ أهرّ ذا ناب "، فذكر أنه حسن ذلك لأن معناه: ما جاء بك إلّا شيء، وما أهرّ ذا ناب إلّا شرّ، فالابتداء في هذا محمول على معنى الفاعل وجرى مثلا فاحتمل.
ومعنى شرّ أهرّ ذا ناب معناه: كأنهم سمعوا هرير كلب في وقت لا يهرّ في مثله إلا بسوء، ولم يكن غرضهم الإخبار عن شرّ، وإنما يريدون أن الكلب أهره شرّ، وكذلك قولهم: شيء ما جاء بك، يقوله الرجل لرجل جاءه ومجيئه غير معهود في ذلك الوقت، ما جاء بك إلا شيء حادث لا يعهد مثله.
ومما يجري مجرى هذا ولم يذكره سيبويه: " شرّ ما جاءك إلى مخة عرقوب "، وشرّ ما أشاءك إلى مخة عرقوب، أي: ألجأك إلى أكل مخة عرقوب، وهو لا خير فيه، شرّ يعني:
جوعا وضرورة شديدة.
ثم قال: (وقد ابتدئ المنكور في الكلام على غير الوجه الذي ذكروا على غير ما فيه معنى المنصوب وهو قولهم: " أمت في حجر لا فيك ").
ومعناه: اعوجاج في حجر لا فيك فحمله سيبويه على أنّه إخبار محض وأن ذلك جاز لأنه مثله.
وقال المبّرد: أرادوا به معنى الدعاء فهو في مذهب المنصوب كأنهم قالوا: جعل الله في حجر أمتا لا فيك.
ومما جاء من نحو هذا ولم يذكره سيبويه قول العرب: " عبد صريخه أمة "، و" ذليل عاذ بقرملة "، ويقال هذا إذا استعان الرجل بضعيف لا نصرة له، ومعنى: صريخه: مغيثه، والقرملة: شجرة على ساق لا تكنّ ولا تظلّ، ولو تأوّل متأوّل هذا أن ذلك إنما جاز لأن في تعجّبا، وقد يجوز أن يقال: عجب لذلك، وقد مضى ذكر جوازه، وعبد صريخه أمة وذليل استعان بقرملة من العجب يحسن ذلك حملا على العجب.
وقد رأيت بعض النحويين يذكر أنّ كلّ نكرة مبتدإ بها من هذا النحو، ففيه معنى
[ ٢ / ٢٢٠ ]
عجب أو دعاء.
قال سيبويه: (ومن العرب من ينصب بالألف واللّام، ومن ذلك: الحمد لله، ينصبها عامّة من بني تميم وكثير من العرب، وسمعنا العرب الموثوق بهم يقولون:
التّراب لك؛ فتفسير نصب هذا كتفسيره حيث كان نكرة، كأنك قلت: حمدا وعجبا ثم جئت ب " لك " لتبين من تعني ولم تجعله مبنيا عليه فتبتدئه).
وقد مضى تفسير هذا.