قال سيبويه: (فمن ذلك قولك: أيّ من رأيت أفضل).
قال أبو سعيد: إذا أضيف (أيّ) إلى (من) فلا تكون (من) إلا بمعنى (الذي)، وأيّ على وجوهها الثلاثة، فأيّ مبتدأ
وهي مضافة إلى من، ومن بمعنى الذي، ورأيت صلة من، وفي رأيت هاء مقدّرة تعود إلى من، وأفضل خبر أيّ، تقديره: أيّ من رأيته أفضل، ومن في معنى جماعة. وتقول: أيّ الذين رأيت في الدّار أفضل، تقديره: رأيتهم، والهاء والميم عائد إلى الذين، وفي الدار من صلة رأيت، وهي موضع للرّؤية، وتقديره: أيّ القوم أفضل، وفي الدار لم يغيّر الكلام عن حاله، كما أنّك إذا قلت: أيّ من رأيت قومه أفضل كان بمنزلة أيّ من رأيت أفضل، فالصلة معملة وغير معملة في القوم سواء.
وتقول: أيّ من في الدار رأيت أفضل، صلة (من) قولك: في الدار وحدها، فتمّ المضاف إليه أيّ اسما، ثم ذكرت رأيت بعد تمام المضاف إليه، فكأنك قلت: أيّ القوم رأيت أفضل، ولم تجعل في الدار هنا موضعا للرؤية.
ولو قلت: أيّ من في الدار رأيت زيد لجاز، إذا أردت أن تجعل في الدار موضعا للرؤية، وتقديره: أيّ من رأيته في الدّار زيد، أيّ مبتدأ، وهو مضاف إلى من، ورأيته صلته، والهاء عائدة إليه، وفي الدار ظرف له، وزيد خبره، وتقول في شيء منه آخر: أيّ من إن يأتنا نعطه نكرمه؛ فأيّ استفهام ولا يصحّ غيره، ومن بمعنى الذي؛ لأنّ أيّا مضاف إليه، والشرط وجوابه في صلة من، فتمّ أيّ اسما بالمضاف إليه وصلته، فكأنك قلت: أيّ
[ ٣ / ١٦٩ ]
القوم نكرمه، ونكرمه خبر أيّ، ولو حذفت الهاء من نكرمه نصبت أيّا فقلت: أيّ من إن يأتنا نعطه نكرم، كأنك قلت: أيّهم نكرم؟ ولو جعلت أيّا خبرا بمعنى الذي لم يجز حتى تزيد فيه، وذلك أنك تحتاج بعد المضاف إليه إلى صلة، فيصير بعد المضاف إليه وبعد الصلة بمنزلة اسم واحد، فتزيد ما يكون به كلاما، وذلك قولك: أيّ من إن يأتنا نعطه نكرم تهين، فنكرم صلة لأيّ، فإن شئت أثبتّ الهاء فقلت: نكرمه، وإن شئت نزعتها ولا يتغير لفظ أيّ بنزع الهاء من نكرمه؛ لأن نكرمه في الصلة، وتصب أيّا ب (تهين) فكأنك قلت: زيدا تهين، ولو قلت: تهينه لرفعت (أيّ من)، ولو جعلت أيّ للمجازاة جزمت نكرم، فيصير فعل الشرط، ويحتاج إلى جواب، فتأتي بما يكون جوابا، وذلك قولك: أيّ من إن يأتنا نعطه نكرم تهن، بنصب أيّا ب (نكرم) لا ب (تهن)، ولو كان نكرمه لرفعت أيّا؛ لأنّ نكرم شرط لأيّ، والشرّط يعمل في الاسم وينصبه، وأمّا تهن فتقديره: تهنه، وإنّما تحذف الهاء لما قد جرى من ذكره.
وتقول: أيّ من يأتينا يريد صلتنا فنحدّثه، فيستحيل في وجه ويجوز في وجه؛ أمّا الوجه الذي يستحيل فيه فهو أن يكون (يريد) في موضع مريد إذا كان حالا وقع فيه الإتيان؛ لأنّه معلّق بيأتينا، كما كان فيها معلّقا برأيت في: أيّ من رأيت في الدار أفضل، وتقديره: أيّ من يأتينا مريدا صلتنا، ومريدا حال من ضمير الفاعل في يأتينا، وهو ضمير (من) فصار المضاف إليه إلى قولك صلتنا، فكأنّك قلت: أيّهم فنحدّثه فلا يجوز، كما لا يجوز: زيد فنحدّثه، ولو حذفت الفاء جاز فقلت: أيّ من يأتينا مريدا صلتنا نحدّثه، ونحدّثه خبر (أيّ من).
فأمّا الوجه الذي تجوز فيه المسألة فأن تجعل يريد خبر أيّ، وصلة (من) يأتينا حسب؛ فكأنك قلت: أيّهم يريد صلتنا في معنى: مريد صلتنا فنحدّثه، نصب جواب الاستفهام، وإن شئت رفعته عطفا على يريد.
وتقول أيّ من إن يأته من إن يأتنا نعطه يعطه تأت يكرمك؛ أيّ للمجازاة، ومن الأولى في موضع خفض بإضافة أيّ إليه، ومعناه معنى الذي، وصلته الشرط، والجواب من قولك: إن يأته إلى يعطه؛ لأنّ من الثانية فاعل يأته، وهو في موضع رفع، ومعناه: الذي، وصلته: إن يأتنا نعطه، فتصير من الثانية مع صلته اسما بمنزلة زيد، فكأنك قلت: أيّ من إن يأته زيد يعطه، ومن بمنزلة الذي وصلته الشرط والجزاء فتصير الأولى وما بعدها من الشرط والجزاء بمنزلة اسم فكأنّك قلت: أيّ القوم تأت، فتنصب أيّا ب (تأت)، ويكرمك الجواب، وأيّ للمجازاة، والناصب لأيّ: تأت.
[ ٣ / ١٧٠ ]
قال أبو سعيد: ذكرت مسائل سيبويه في الباب بألفاظ فيها بسط وتقريب، وأقمتها مقام الشّرح لها.
قال: (وجميع ما جاز حسن في أيهم هاهنا جاز في: أيّ من إن يأته من إن يأتنا نعطه يعطه؛ لأنّه بمنزلة: أيهم؟).
قال: (وسألت الخليل عن أيّتهنّ فلانة؛ وأيّهنّ فلانة، فقال: إذا قلت: أيّ فهو بمنزلة (كلّ) لأنّ (كلّ) مذكّر يقع للمؤنّث والمذكّر، وبمنزلة (بعض)، وإذا قلت:
أيتهنّ فإنّك أردت أن تؤنّث الاسم، كما أنّ بعض العرب- فيما زعم الخليل- تقول:
كلّتهنّ).
قال أبو سعيد: الاسم المذكر الذي يقع على المذكر والمؤنث بلفظ واحد وربّما أدخلوا عليه علامة التأنيث إذا أوقعوه على المؤنث توكيدا لتأنيثها، فمن ذلك ما ذكره الخليل من قولهم: كلّتهن وأيتهنّ، والباب فيه: كلّهنّ وأيّهنّ. ومن ذلك قولهم: زيد خير الرجال، وعمرو شرّ الرجال، وهند خير النساء، ودعد شرّ النساء، وربما قالوا خيرة الناس وشرّة الناس، والباب في ذلك التذكير.
قال حسان بن ثابت:
لعن الله شرّة الدور كوثى ورماها بالفقر والإمعار
لست أعني كوثى العراق ولكن شرّة الدور دار عبد الدار (١)
وقال منقذ بن الطّمّاح:
وأمّهم خيرة النساء على ما كان منها الدّحاق والإثم (٢)
ومما يشبه هذا ضمير الأمر والشأن في المذكّر والمؤنث، كقولك: إنّه زيد قائم، وإنّه هند قائمة، وإنّه خرج زيد، وإنّه خرجت هند، ثم يؤنّثون في المؤنث؛ فيقولون: إنها هند قائمة، وإنّها خرجت هند، قال الله ﷿: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ (٣)، ولا يقال إنّها زيد قائم، ولا إنّها خرج زيد، على معنى إضمار القصة.