حدثنا يونس وعيسى بذلك جميعا. أن بعض العرب الموثوق بعربيته يقول: ما مررت بأحد إلا زيدا. وما أتاني أحد إلا زيدا.
وعلى هذا: " ما رأيت أحدا إلا زيدا " فتنصب زيدا على غير " رأيت " وذلك أنك لم تجعل الآخر بدلا من الأول ولكنك جعلته منقطعا فيما عمل في الأول.
والدليل على ذلك: أنه يجيء على معنى " ولكن زيدا " ولا أعني زيدا، وعمل فيه ما قبله كما عمل " العشرين " في الدرهم " إذا قلت: عشرون درهما.
ومثله في الانقطاع من أوله: إن لفلان (والله) مالا إلا أنه شقي فإنه لا يكون أبدا على: " إن لفلان " وهو في موضع نصب وجاء على معنى: ولكنه شقي ".
[ ٣ / ٥٩ ]
قال أبو سعيد: اختلف النحويون في الناصب للمستثنى في قولنا: أتاني القوم إلا زيدا، فأما ما قاله سيبويه في أبواب
من الاستثناء أنه يعمل فيه ما قبله من الكلام كما تعمل " عشرون " فيما بعدها إذا قلت " عشرون درهما ". وقد قال في هذا الباب: " وعلى هذا ما رأيت أحدا إلا زيدا. تنصب " زيدا " على غير رأيت، وبعده: والدليل على ذلك أنه يجئ على معنى ولكن زيدا ولا أعني زيدا. وكذلك في آخر هذا الباب: " إن لفلان مالا إلا أنه شقي " فإنه لا يكون أبدا على: إن لفلان. وهو في موضع نصب وجاء على معنى " ولكنه شقي ". وقد كشف سيبويه ذلك بأبين مما تقدم. وهو قوله في باب " غير ": " ولو جاز أن تقول أتاني القوم زيدا تريد الاستثناء ولا تذكر " إلا " لما كان نصبا. ".
قال أبو سعيد: والذي يوجبه القياس والنظر الصحيح أن تنصب زيدا بالفعل الذي قبل " إلا ". وذلك: أن الفعل ينصب كل ما تعلق به بعد ارتفاع الفاعل به. على اختلاف وجوه المنصوبات به وكل منصوب به. فمن ذلك المفعول الصحيح كقولك: " ضربت زيدا، والمصدر، والظرف من الزمان والمكان، والحال. وكذلك تنصب المفعولات التي حذفت منها حروف الجر فوصل إليها الفعل. والاسم الذي ينتصب بعده على التمييز كقولك: " تفقأت شحما ". وتملأت غيظا " و" اشتعل الرأس شيبا ".
ومنها: ما تنصب ما بعدها بتوسط حرف بينهما كقولهم: ما صنعت وأباك، و" استوى الماء والخشبة ".
فلما كان " أتاني " قد ارتفع به فاعله وهم: " القوم " وكان ما بعد " إلا " متعلقا به انتصب.
وتعلقه به: أن أتاني ذكر بعده " القوم " المرتفعون به. وذكر بعد " إلا " الاسم المنصوب، ليعلم اختلاف حال تعلقهما به.
وكقولك: رأيت زيدا لا عمرا، قد تعلق حال " زيد " و" عمرو " برأيت على اختلاف أحوالهما في التعلق به.
وكان أبو العباس المبرد والزجاج يذهبان إلى أن المنصوب في الاستثناء ينتصب بتقدير: " استثنى " ويجعلان " إلا " نائبة عن " أستثني " وكأنه قال: أتاني القوم أستثني زيدا، وهذا غير صحيح لأنا نقول: أتاني القوم غير زيد فننصب غير، ولا يجوز أن نقول:
استثنى غير زيد، وليس قبل " غير " حرف تقيمه مقام الناصب له وإنما قبله فعل وفاعل ولا بد له إذا كان منصوبا من ناصب. فالفعل هو الناصب، وناصب " غير " هو الناصب لما بعد " إلا ".
[ ٣ / ٦٠ ]
وذكر الفراء عن البصريين أنهم قالوا: نصبنا المستثنى بإضمار فعل معناه لا أعني زيدا.
وأظنه أراد ما قاله سيبويه في الموضع الذي حكينا فيه عنه من هذا الباب " ولكن زيدا. ولا أعني زيدا ".
قال أبو سعيد: هذا تفسير لمعنى الاستثناء وليس بتحقيق للناصب له. وناقضهم الفراء على الذي حكاه عنهم. ولم يتشاغل به لأنه ظن ظنه بهم.
وأما قول سيبويه عقيب قوله " وعلى هذا: ما رأيت أحدا إلا زيدا فننصب زيدا على غير رأيت " فإنما يريد: فتنصب زيدا على غير البدل ولكن على الاستثناء كما تستثني من " أتاني القوم إلا زيدا ".
فإذا قلنا: " ما رأيت أحدا إلا زيدا، فنصب (زيد) على وجهين:
أحدهما: أن تجعله بدلا من " أحد ".
والآخر: أن تنصبه على الاستثناء.
والعامل للنصب في الوجهين هو: رأيت.
ومثله مما ينصب على معنيين وتقديرين مختلفين قولك: " صمت اليوم " نصبت اليوم على وجهين:
على الظرف، وعلى أنه مفعول على سعة الكلام.
والعامل فيه " صمت " في الوجهين جميعا.
ومعنى نصبه على الظرف أن تقدر فيه " في " وإن حذفت كأنه قال: صمت في اليوم.
ومعنى نصبه على سعة الكلام: أن تقدير " في " ويكون وصول " صمت " إلى " اليوم " كوصول " ضربت " إلى زيد ".
وقال الكوفيون في ذلك قولين مختلفين:
أما الكسائي: فيما حكي عنه فقال: إنما نصبنا المستثنى لأن تأويله: قام القوم إلا أن زيدا لم يقم ".
وقد رده الفراء بأن قال: " لو كان هذا النصب بأنه لم يفعل لكان مع " لا " أوجب في قولك: " قام زيد لا عمرو ".
قال أبو سعيد: ولا يلزم الكسائي ما ألزمه الفراء على ظاهر الكلام؛ لأن الكسائي احتج بظهور عامل ناصب بعد " إلا " فحمل " زيدا " على ذلك الناصب وهو " أن " في قوله:
إلا أن زيدا لم يقم " فإذا قلت: قام زيد لا عمرو " لم تقل: قام زيد لا أن عمرا لم يقم.
[ ٣ / ٦١ ]
والذي يفسد به قول الكسائي: أن " أن " إذا وقعت بعد " إلا " فلها تقدير؛ لأنها واسمها وخبرها في موضع اسم يقدر له عامل يعمل فيه. فلو قيل: قام القوم إلا أن زيدا لم يقم.
فلأن موضع من الإعراب وهو نصب وعامله هو العامل في " زيدا " إذا نصب. فيعود الكلام إلى أن تطلب الناصب لموضع " أن ".
وقال بعض النحويين: قول الكسائي يرجع إلى قول سيبويه وأن قوله: " وتقدير إلا أن زيدا لم يقم " تقدير لمعنى الكلام لا لعامله.
وحكي عن الكسائي أنه شبه المستثنى بالمفعول وجعله خارجا من الوصف، وجعل خروجه من الوصف بأن
قال: " لم يفعل كما فعلوا ". وهذا نحو قوله في المفعول المنصوب بالفعل.
وقال الفراء: " إلا " أخذت من حرفين: " إن " التي تنصب الأسماء ضمت إليها " لا " ثم خففت فأدغمت النون في اللام فصارت إلا، فأعملوها فيما بعدها عملين: عمل " إنّ " فنصبوا بها. وعمل " لا " فجعلوها عطفا. وشبهها بحتى، حين ضارعت حرفين أجروها في العمل مجراهما. فخفضوا بها: لأنها بتأويل " إلى " وجعلوها كالعطف: لأن الفعل يحسن بعدها كما يحسن بعد حروف العطف إذا قلت: ضربت القوم حتى زيد ". أي حتى انتهيت إلى زيد ".
وحتى زيدا، أي حتى ضربت زيدا.
وشبهها أيضا " بلو لا " لأنها " لو " و" لا " ركبتا وجعلتا حرفا واحدا.
قال أبو سعيد: والذي قاله الفراء فاسد. لأنه خلاف بينهم في أن يقال " ما قام إلا زيد " فيرفع ولا شيء قبله فيعطف عليه. ولا هو منصوب فيحمل على " أن " فبطل أثر الحرفين جميعا في هذا الموضع.
وأما تشبيهه إياها " بحتى " فبعيد. لأن " حتى " حرف واحد ليس بمركب من حرفين فيعمل عمل الحرفين. وإنما هو حرف واحد يتأول فيه تأويل حرفين في حالين. فإن ذهب به مذهب الحرف الجار فكأنه الحرف الجار لا يتوهم غيره. وإن ذهب به مذهب حرف العطف فكأنه حرف العطف لا يتوهم به غيره. و" إلا " عنده " إن " و" لا " منطوق بهما وكل واحد منهما يعمل عمله مفردا لو لم يكن معه الآخر.
ويقال للمحتج عنه: إذا كان كل واحد منهما يعمل عمله مفردا فينبغي ألا يبطل عمله ألبتة. لأن " لا " إذا كانت للعطف مفردة لم يبطل العطف بها. و" إنّ " إذا كانت ناصبة
[ ٣ / ٦٢ ]
مفردة لم يبطل النصب بها. وهو لم يجعل " إلا " كذلك. لأنه إذا اعتمد على أحد الحرفين بطل عمل الآخر وهو حاضر منطوق به. ليس بمستنكر عندنا ولا عند غيرنا أن يركب حرفان فيبطل معنى كل واحد منهما مفردا.
ويحدث معنى ثالث كقولك في حروف التحضيض: لولا ضربت زيدا و" ألا ضربت زيدا " و" لولا " و" لو ما " إذا كن للتحضيض وقد بطل من " هلا " معنى " هل " ومعنى " لا ".
وكذلك سائر الحروف إذا فصّلت.
وقد قال بعض النحويين: إن هذا القول قال له صاحبه ليخالف مذهب النحويين إلى قول ينسب إليه.
ونحن متى قلنا: إن " إلا " بكمال حروفها موضوعة لمعناها كوضع " حتى " بكمال حروفها لمعناها كنا متمسكين بظاهر لفظها وهو جملة هذه الحروف لهذا المعنى.
والذي يزعم أن بعض هذه الحروف منفصل من بعض فهو يدعي ما يحتاج إلى برهان عليه.
وقول سيبويه: " ومثله في الانقطاع من أوله: إن لفلان مالا إلا أنه شقي ".
يعني: بالانقطاع من أوله: أنه ليس ببدل منه؛ لأنه ذكر " ما مررت بأحد إلا زيدا " وما بعده مما ينصبه بالاستثناء ولم يجمله على ما قبل " إلا " من طريق البدل. وكذلك لم يحمل " أنه شقي " على البدل مما قبله. لا سبيل إلى البدل فيه. لأن ما قبل " إلا " موجب.
ولما كان حرف الاستثناء فيه مخالفة ما قبله لما بعده بالنفي والإيجاب فإذا كان ما قبله موجبا كان ما بعده منفيّا كقولك:
" أتاني القوم إلا زيدا " أوجبت الإتيان للقوم ونفيه عن " زيد " وإن كان ما قبله منفيّا كان ما بعده موجبا كقولك:
" ما قام القوم إلا زيد " نفيت القيام عن القوم وأوجبته لزيد، وفي " لكن " معنى الاستثناء وذلك أنها للاستدراك فإن كان ما قبلها منفيّا كان ما بعدها موجبا مستدركا له ما نفي عما قبلها نحو قولك: ما قام عمرو لكن زيد. وما خرج القوم لكن أخوك. أثبتّ لما بعد " لكن " ما نفيته عما قبلها.
وتقول: خرج عمرو لكن زيد لم يخرج ". وخرج القوم لكن أخوك لم يخرج، غير أن ما بعد " لكن " في الأكثر من الكلام غير الذي قبلها كقولنا: ما قام زيد لكن عمرو.
وقد يكون الذي بعدها جزءا من الذي قبلها لقولك: ما قام القوم لكن زيدا و" زيد " بعض القوم. فإذا كان ذلك في الاستثناء، وكان الذي بعد " إلا " جزءا من الاستثناء
[ ٣ / ٦٣ ]
المذكورة قبلها فهو الاستثناء المطلق الذي ليس بمنقطع مما قبله فيما يتعارفه النحويون، كقولك: " أتاني القوم إلا زيدا " أو " ما أتاني أحد إلا زيد وإلا زيدا ".
وإن كان الذي بعد " إلا " ليس بجزء مما قبله فهو الاستثناء المنقطع كقولك: " ما في الدار إنسان إلا حمارا " و" إلا حمار ".
وهو الذي يجري مجرى " لكن " على ما ذكرته من مذهب " لكن " فإذا قال: إن لفلان مالا " فقد أخبر بأنه سعيد بملكه المال واستدرك ذلك بقوله: " إلا أنه شقي " كأنه قال: " إلا أنه بخل على نفسه " وكأنه قال: إن فلانا سعيدا بملك المال لكنه شقي بترك الانتفاع به بإنفاق المال ولم يتلذذ بالانتفاع به وترك نفقته. وكذلك: إذا قال: " إلا أنه شقي. كذلك لو قال: إن لزيد مالا لكن عمرا شقي " أو " إلا أن عمرا شقي " جاز لأن مذهب " لكن " يكون الأول فيه غير الثاني وكذلك " إلا " إذا كانت بمعناه.