وذلك قولك: ما أتاني إلا زيد إلا عمرا. ولا يجوز الرفع في عمرو. من قبل أن المستثنى لا يكون بدلا من المستثنى، وذلك أنك لا تريد أن تخرج الأول من شيء تدخل فيه الآخر.
وإن شئت قلت: ما أتاني إلا زيدا إلا عمرو. فتجعل الإتيان لعمرو. ويكون (زيدا) منتصبا من حيث انتصب (عمرو).
فأنت في ذا بالخيار: إن شئت نصبت الأول ورفعت الآخر وإن شئت نصبت الآخر ورفعت الأول.
وتقول: (ما أتاني إلا عمرا إلا بشرا أحد) كأنك قلت: ما أتاني إلا عمرا أحد إلا بشر فجعلت (بشرا) بدلا من (أحد) ثم قدمت (بشرا) فصار كقولك: ما لي إلا بشرا أحد؛ لأنك إذا قلت: ما لي إلا عمرا أحد إلا بشرا. فكأنك قلت: ما لي أحد إلا بشر.
والدليل على ذلك قول الشاعر وهو الكميت:
فما لي إلا الله لا رب غيره وما لي إلا الله غيرك ناصر (١)
فغيرك بمنزلة: إلا زيدا.
وأما قوله وهو حارثة بن بدر الغداني:
يا كعب ما طلعت شمس ولا غربت إلا تقرب آجالا لميعاد
_________________
(١) البيت في ابن يعيش ٢/ ٩٣، والمقتضب ٤/ ٤٢٤.
[ ٣ / ٨٣ ]
يا كعب صبرا على ما كان من حدث يا كعب لم يبق منا غير أجلاد
إلا بقيات أنفاس تحشرجها كراحل رائح أو باكر غادي (١)
فإن (غيرا) هاهنا بمنزلة (مثل) كأنك قلت: لم يبق منا مثل أجساد إلا بقيات أنفاس.
وعلى هذا أنشد بعض الناس هذا البيت رفعا للفرزدق:
ما بالمدينة دار غير واحدة دار الخليفة إلا دار مروانا (٢)
جعلوا (غير) صفة بمنزلة: (مثل). ومن جعله بمنزلة الاستثناء لم يكن بدّ من أن ينصب أحدهما وهو قول ابن أبي إسحاق.
وأما: إلا زيد فإنه لا يكون بمنزلة (مثل) إلا صفة. ولو قلت: ما أتاني إلا زيد إلا أبو عبد الله كان جيدا. إذا كان عبد الله زيدا ولم يكن غيره؛ لأن هذا يكرر توكيدا كقوله: رأيت زيدا زيدا.
وقد يجوز أن تقول: رأيت غير زيد على الغلط والنسيان كما يجوز أن تقول:
رأيت زيدا عمرا؛ لأنه إنما أراد عمرا فنسي فتدارك.
ومثل: ما أتاني إلا زيد إلا أبو عبد الله. إذا أردت أن تبين وتوضح قوله:
مالك من شيخك إلا عمله إلا رسيمه وإلا رمله (٣)
قال أبو سعيد: الاسمان المستثنيان وإن اختلف إعرابهما فهما مشتركان في معنى الاستثناء. وإنما رفع أحدهما ونصب الآخر على ما يوجهه تصحيح اللفظ. فإذا قلت: (ما أتاني إلا زيد إلا عمرا) فلا بد من رفع أحد الاسمين؛ لأن الفعل المنفي لا فاعل له، فلا بد من رفع أحد الاسمين بعد (إلا) فاعلا له. فإذا جعلنا المرفوع (زيدا) وبعده (إلا عمرو) لم يجز رفع (عمرو) لأن المرفوع بعد (إلا) إنما يرفع على أحد وجهين:
إما أن يرفع إذا فرغ له الفعل الذي قبل (إلا) أو يجعل بدلا من المرفوع الذي قبله.
وليس في (عمرو) وجه من وجهي الرفع؛ لأن الفعل قد ارتفع به (زيد) وفرغ له ولا اسم قبله يبدل منه.
ولا يجوز أن يكون بدلا من (زيد) لأن (عمرا) لا يكون بدلا من (زيد) لأنه
_________________
(١) الأبيات في الأغاني ٢١/ ٣١.
(٢) لم أعثر عليه في ديوانه، وهو في المقتضب ٤/ ٤٢٥.
(٣) البيت في الأشموني ٢/ ١٥١، والهمع ١/ ٢٢٧، والتصريح ١/ ٣٥٦.
[ ٣ / ٨٤ ]
ليس به ولا ببعضه ولا مشتمل عليه. فوجب النصب على ما يوجهه الاستثناء. وقد ثبت للاسمين الإتيان الذي نفي عن غيرهما. وهما جميعا مستثنيان، ومما يدل على أنهما مستثنيان جميعا: أنك لو أخرت المستثنى منه وقدمتهما نصبتهما كقولك:
ما لي إلا عمرا إلا بشرا أحد.
ومما يدل على ذلك ويكشفه قول الكميت:
وما لي إلا الله غيرك ناصر
فنفى كل ناصر سوى الله﷿- وسوى هذا المخاطب.
وأما بيت الفرزدق ففي إنشاده أربعة أوجه:
أحدها: رفع (غير واحدة) ورفع (دار مروان)
الثاني: رفع (غير) ونصب (دار مروان)
الثالث: نصب (غير) ونصب (دار مروان)
الرابع: نصبهما جميعا.
فإذا رفعا ففي رفعهما وجهان:
أحدهما: أن ترفع (غير واحد) (نعتا لدار) التي قبلها فيكون معناه ما بالمدينة دار جامعة دورا ومقاصير وحجرا كما يكون دار الخلفاء والأمراء ونحوهم. فكأنه قال: ما بالمدينة دار جامعة دورا إلا دار مروان، وتبدل (دار مروان) من (دار) المنفية.
والوجه الثاني: في رفعهما أن يجعل (غير واحدة) استثناء، فكأنه قال: (ما بالمدينة إلا دار واحدة). كأنه لم يعد دور المدينة دورا. استصغارا لها. كما يقال (ما ببغداد إلا رجل واحد) إذا لم يعد رجالهم رجالا، بالإضافة إلى ذلك الرجل لما عنده من الكفاية والغناء الذي ليس عندهم. وتقديره: ما بالمدينة إلا دار واحدة وهي دار الخليفة ثم يبدل (دار مروان) منها لأن (دار مروان) هي دار الخليفة. فيكون بمنزلة قولك: (ما أتاني إلا زيد إلا أبو عبد الله) إذا كان أبو عبد الله هو زيد.
وإذا رفع أحدهما ونصب الآخر فهما مستثنيان بمنزلة قولك: ما أتاني أحد إلا زيد إلا عمرا. وإلا زيدا إلا عمرو. وإذا نصبهما جميعا: فلأنّ الكلام قد تم بقولك ما بالمدينة دار ثم نصبهما جميعا على الاستثناء، كما تقول: ما أتاني
أحد إلا زيدا إلا عمرا.
فيستثنيهما جميعا ولا يبدل.
واعلم أنه إذا أتى استثناءان يمكن أن يكون الثاني منهما مستثنى من الأول، فإن الاختيار أن يكون الثاني محطوطا من الأول كقولك: (لزيد عليّ عشرة دراهم إلا أربعة إلا
[ ٣ / ٨٥ ]
درهما) فالوجه: أن تجعل الدرهم استثناء من أربعة فيبقى من الأربعة ثلاثة. وتكون ما بقي من الأربعة هو الاستثناء من عشرة. فيبقى من العشرة سبعة ولا يضر أن يكون المستثنى نصف المستثنى منه أو أكثر من النصف بعد أن يكون أقل من المستثنى منه.
فإذا اجتمعت استثناءات كل واحد منها أقل من الذي يليه فإنك تعمد إلى الاستثناء الأخير فتنقصه من الذي قبله.
فتنظر ما بقي منه فتنقصه من الذي قبله، فلا تزال كذلك حتى تنتهي إلى الاستثناء الأول.
مثال ذلك: أن يقول رجل: لزيد عليّ عشرة دراهم إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا درهمين إلا درهما.
فالحكم في ذلك: أن عليه خمسة دراهم. وذلك إذا عمدنا إلى آخر الاستثناءات وهو درهم فنقصناه من درهمين فبقى درهم، فنقصنا الدرهم من ثلاثة فبقى درهمان، فنقصنا الدرهمين من أربعة فيبقى درهمان، فتنقصهما من الخمسة فيبقى ثلاثة، فتنقصها من ستة فيبقى ثلاثة، فتنقصها من سبعة فيبقى أربعة، فتنقصها من ثمانية فيبقى أربعة، فتنقصها من تسعة فيبقى خمسة، فتنقصها من عشرة فيبقى خمسة.
فهذه الخمسة التي هي عليه. وتقريب الحساب في ذلك أن تبتدئ بأول الاستثناءات فتنقصه من المال المقر به المستثنى منه. ثم تزيد بالاستثناء على ما بقي وتنقص الثالث وتزيد الرابع وتنقص الخامس إلى أن تنتهي إلى المستثنى الأخير.
مثال ذلك: مسألتنا: تنقص التسعة من العشرة فيبقى واحد وتزيد الثمانية فيصير تسعة وتنقص السبعة فيبقى اثنان وتزيد الستة فيصير ثمانية، وتنقص الخمسة فيصير ثلاثة وتزيد الأربعة فيصير سبعة، وتنقص الثلاثة فيصير أربعة، وتزيد اثنين فيصير ستة، وتنقص واحدا فيبقى خمسة. وذلك ما حصل على المقر.
فإن كان بعض الاستثناءات أكثر من الذي قبله بطل استثناؤه منه. وصار فيه قولان:
أحدهما: أن يزاد على المستثنى منه. والآخر: أن ينقص منه.
كقول القائل: له عليّ عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا أربعة.
أحد القولين: أن الأربعة تزاد على العشرة وتنقص الثلاثة من العشرة فالذي يحصل عليه من الإقرار أحد عشر درهما، كأنه قال: له علي عشرة دراهم إلا ثلاثة. وقوله إلا أربعة أي سوى أربعة له علي، فعشرة إلا ثلاثة سبعة، وتزاد عليها الأربعة فيصير أحد عشر. وهذا قول الفراء.
[ ٣ / ٨٦ ]
والقول الآخر: أن تنقص الثلاثة والأربعة جميعا من العشرة. وبعض الفقهاء يذهب إلى أن الاستثناءين يحطان من جملة ما أقر به إذا أمكن استثناؤه منه إن كان يمكن استثناء الثاني من الذي قبله كقولك: له علي عشرة دراهم إلا أربعة إلا درهما. نجعل الأربعة والدرهم جميعا مستثنين من العشرة فيصير عليه خمسة.
وعلى القول الأول المختار ينقص الدرهم من الأربعة وما يبقى وهو ثلاثة ينقص من العشرة فيبقى سبعة، والاختيار ما ذكرناه أولا. وكرهنا الإطالة في ذلك والاحتجاج له لئلا نخرج عن غرض الكتاب.
وقوله:
ما لك من شيخك إلا عمله إلا رسيمه وإلا رمله (١)
(إلا رسيمه) بدل من قوله: (إلا عمله). لأن رسيمه بعض عمله، فتبدل كإبدال بعض من كل كقولك: نفعك عملك: رسيمك ورملك، وهما ضربان من المشي يعني بهما في الطواف والسعي.
فالرمل في الطواف والرسيم: السعي بين الصفا والمروة.