قال سيبويه: " اعلم أنّ المضمر المرفوع إذا حدّث عن نفسه فإن علامته أنا، وإن حدّث عن نفسه وعن آخر قال: نحن، وإن حدث عن نفسه وعن آخرين قال:
نحن.
ولا يقع (أنا)، في موضع التاء التي في فعلت، لا يجوز أن تقول: فعل أنا؛ لأنهم استغنوا بالتاء عن أنا، ولا تقع نحن في موضع (نا) التي في فعلنا. لا تقول: فعل نحن.
وأما المضمر المخاطب: فعلامته إن كان واحدا: أنت، وإن خاطبت اثنين فعلامتهما أنتما، وإن خاطبت جميعا فعلامتهم أنتم.
واعلم أنه لا يقع أنت في موضع التاء التي في فعلت، ولا أنتما في موضع (تما) التي في فعلتما. ألا ترى أنك لا تقول: فعل أنتما، ولا يقع أنتم في موضع (تم) التي في:
فعلتم، لو قلت: فعل أنتم لم يجز. ولا يقع أنتن في موضع (تن) التي في فعلتنّ، لو قلت: فعل أنتن لم يجز.
وأما المضمر المحدّث عنه فعلامته: " هو "، وإن كان مؤنثا فعلامته: " هي "، وإن
_________________
(١) البيت في ديوانه ٦٨؛ والخزانة ٣/ ٣١١، ٣١٢، ٣٣٨؛ تاج العروس (أنس).
[ ٣ / ١٠١ ]
حدثت عن اثنين فعلامتهما: " هما ". وإن حدثت عن جميع فعلامتهم " هم "، وإن كان الجميع جميع مؤنث فعلامته: " هن ".
ولا يقع هو في موضع المضمر الذي في فعل، لو قلت: " فعل هو " لم يجز، إلا أن يكون صفة. ولا يجوز أن يكون " هما " في موضع الألف التي في ضربا، والألف التي في " يضربان "، لو قلت: " ضرب هما " أو " يضرب هما " لم يجز. ولا يقع " هم " في موضع " الواو " التي في " ضربوا "، ولا الواو التي مع النون في يضربون. لو قلت: " ضرب هم " أو " يضرب هم " لم يجز. وكذلك هي، لا تقع موضع الإضمار الذي في " فعلت "؛ لأنّ ذلك الإضمار بمنزلة الإضمار
الذي له علامة. ولا تقع هن في موضع النون التي في فعلن، ويفعلن، لو قلت: فعلت هي أو فعل هنّ لم يجز، إلا أن يكون صفة، كما لم يجز ذلك في المذكر؛ والمؤنث يجري مجرى المذكر.
ف (أنا)، وأنت، ونحن وأنتما، وأنتن، وهو، وهي، وهما، وهم، وهن لا يقع شيء منها في موضع شيء من العلامات مما ذكرنا، ولا في موضع المضمر الذي لا علامة له؛ لأنهم استغنوا بهذا فأسقطوا ذلك ".
قال أبو سعيد: أدخل الاسم المضمر في الكلام خوفا من اللبس، واحتراسا منه، ومن النحويين من يسميه المكنيّ؛ وذلك أن الأسماء الظاهرة كثيرة الاشتراك والالتباس، وليس لها أحوال تقترن بها تدل على المختص منها إذا التبست، وإنما يدل على اختصاص المختص منها في كثير من أحواله الصفات، كقولنا: مررت بزيد البزّاز، وبهذا الرجل، وبرجل ظريف.
والمضمرات تستغنى عن ذلك بالأحوال المقترنة بها، المغنية عن صفاتها، وهي ثلاثة أقسام: المتكلم والمخاطب، والغائب، والأحوال المقترنة بها: حضور المتكلم والمخاطب، والمشاهدة لهما، وتقدّم ذكر الغائب الذي يصيّره بمنزلة الحاضر المشاهد في الحكم.
وأعرفهم المتكلم، ثم المخاطب، ثم الغائب. وإنما صار المتكلم أعرف لأنه لا يوهمك غيره.
فإن قال قائل: فقد يتكلم المتكلم فلا يعرفه السامع فيسأل عنه، فيقول: " من المتكلم؟ "، كما يقال: " من المخاطب؟ " إذا سمع خطاب لا يعرف المعنىّ به.
قيل له: المتكلم قد عرف حسّا، وإن جهل نبه؛ لأن الذي يسمع كلامه إن لم يكن بينهما حجاب فهو يعاينه، ويسمع كلامه، وإن كان بينهما حجاب فقد أحسّ كلامه
[ ٣ / ١٠٢ ]
بسمعه إياه، فأما سؤاله عنه فكما يسأل الرجل عمن يعاينه، فيقول: من هذا؟ ومن الرجل؟ فيكشف ما ذكرناه أن رجلا محجوبا لو أحسّ بجماعة بقربه فسمع واحدا منهم يقول: أنا قتلت فلانا، وأنا فعلت وصنعت، علم أن القاتل هو المتكلم، لا يذهب وهمه إلى غيره، ولو سمع أنت قتلت فلانا لم يذهب وهمه إلى بعض من حضر دون بعض، والمخاطب يتلو المتكلم بالحضور والمشاهدة، وأضعفها تعريفا " كناية الغائب "؛ لأنها تكون كناية عن معرفة ونكرة، حتى قال بعض النحويين: " كناية النكرة بمنزلة النكرة ".
وأعرفهم المتكلم، ثم المخاطب، ثم الغائب. وإنما صار المتكلم أعرف لأنه لا يوهمك غيره.
فإن قال قائل: فقد يتكلم المتكلم فلا يعرفه السامع فيسأل عنه، فيقول: " من المتكلم؟ "، كما يقال: " من المخاطب؟ " إذا سمع خطاب لا يعرف المعنىّ به.
قيل له: المتكلم قد عرف حسّا، وإن جهل نسبه؛ لأن الذي يسمع كلامه إن لم يكن بينهما حجاب فهو يعاينه، ويسمع كلامه، وإن كان بينهما حجاب فقد أحسّ كلامه بسمعه إياه، فأما سؤاله عنه فكما يسأل الرجل عمن يعاينه، فيقول: من هذا؟ ومن الرجل، ويكشف ما ذكرناه أن رجلا محجوبا لو أحسّ بجماعة بقربه فسمع واحدا منهم يقول: أنا قتلت فلانا، وأنا فعلت وصنعت، علم أن القاتل هو المتكلم، لا يذهب وهمه إلى غيره، ولو سمع أنت قتلت فلانا لم يذهب وهمه إلى بعض من حضر دون بعض، والمخاطب يتلو المتكلم بالحضور والمشاهدة، وأضعفها تعريفا " كناية الغائب "؛ لأنها تكون كناية عن معرفة ونكرة، حتى قال بعض النحويين: " كناية النكرة بمنزلة النكرة ".
فأما المتكلم فجعل له لفظ ينفرد به لا يشاركه فيه غيره كما لا يشاركه غيره في لفظه، وعبارته عن نفسه وغيره، إذ كان لا يجوز أن يكون كلام واحد من متكلّمين، ولفظ واحد من لافظين، ومن أجل ذلك يستوي لفظ المتكلم المذكر والمؤنث؛ لأنّ الفصل بين المؤنث والمذكر إنما يحتاج إليه لئلا يتوهّم غير المقصود في موضع المقصود، وتثنية المتكلم وجمعه على لفظ واحد، أما في الضمير المنفصل المرفوع فهو " نحن " في الاثنين والجميع.
وأما في الضمير المتصل المرفوع ب " نا " كقولك: " قمنا " و" ذهبنا " في الاثنين والجميع، وإنما يستوي لفظ الاثنين والجميع؛ لأنه على غير طريق التثنية والجمع في غيره.
وذاك أن المثنى هو شيئان متساويا اللفظ ضم أحدهما إلى الآخر " كزيد وزيد " و" رجل ورجل " وما أشبه ذلك.
[ ٣ / ١٠٣ ]
والمجموعة هو جماعة متساو واللفظ ضم بعضهم إلى بعض كقولنا: " زيد وزيد وزيد "، و" رجل ورجل ورجل "، فيقال: " زيدون " و" رجال ".
والمتكلم لا يشاركه متكلم آخر في خطاب واحد فيكون اللفظ لهما، فتبطل تثنيته وجمعه على منهاج التثنية والجمع، ولكنه كما كان قد يتكلم عن نفسه وحده، ويتكلم عن نفسه وغيره، جعل اللفظ الذي يتكلم به عن نفسه وغيره مخالفا للفظ الذي له وحده، واستوى أن يكون غيره المضموم إليه واحدا واثنين وجماعة؛ فيقول: أنا خارج، ونحن خارجان، ونحن خارجون، وقمت ضاحكا، وقمنا ضاحكين، وقمنا ضاحكين.
وأما المخاطب فإنه يفصل بين لفظ مؤنثه ومذكّره، ويثنى ويجمع؛ فيقال للمذكر:
أنت، وقمت، وللمؤنث: أنت، وقمت، وكذلك ضربتك للمذكر، وضربتك للمؤنث، وكسر ما ذكرناه في علامة المؤنث، والياء في هي وفي ذي، في مؤنث هو وذا، كله محمول على الياء في: (تفعلين) وفصل بين المؤنث والمذكر في الخطاب؛ لأنه قد يكون بحضرة المتكلم اثنان من المؤنث والمذكر وهو مقبل عليهما، فيخاطب أحدهما، فلا يعرف حتى ينبهه بعلامته، وثنّى المخاطب وجمع لما ذكرنا من انصراف الخطاب إلى بعض الحاضرين دون
بعض، فعلم بالتثنية والجمع المقصود منهم بالخطاب.
وإذا ضم إلى المخاطب غائب صار لفظه كلفظ الاثنين المخاطبين، وإذا ضم إليه أكثر من واحد صار لفظه كلفظ الجماعة المخاطبين، فيقال: أنتما خرجتما، وأحدهما حاضر، وأنتم خرجتم وأحدهم حاضر، وعلى هذا حملت الأبيات المنشدة في خطاب الواحد بلفظ الاثنين. قال امرؤ القيس:
خليلّي مرّا بي على أمّ جندب نقضّ لبانات الفؤاد المعذّب (١)
ثم قال:
ألم تر أني كلّما جئت طارقا وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب (٢)
ويروى: (ألم ترياني)، والشاهد في الأول.
وقال آخر:
خليليّ قوما في عطالة فانظرا أنارا ترى من نحو يبرين أم برقا (٣)
_________________
(١) البيت في ديوانه ٤١.
(٢) البيت منسوبا لامرئ القيس في ديوانه ٤١.
(٣) البيت منسوبا لسويد بن كراع العكلي، وتاج العروس (عطل).
[ ٣ / ١٠٤ ]
فقال: " ترى " بعد " خليليّ "، وقال آخر:
فإن تزجراني يا ابن عفّان أزدجر وإن تتركاني أحم عرضا ممنّعا (١)
وقال أوس بن حجر:
يا ابني شراحيل ما بالي وبالكما إنّ المجاهل منها عرية قذف
أذمة لكما عندي فنطلبها أم من عرام إلهي نالكم نطف
فنطلبها لواحد، وابتداء الخطاب لاثنين، ويروى " فأعطيها "، وتعود " الهاء " إلى ذمة، وهذا لا شاهد فيه.
وقال بعض النحويين: إنّ العرب جرت عادتها في خطاب الواحد بلفظ الاثنين، على عادتهم إذا أرادوا الرحيل وأمروا برحلة البعير، وشدّ الأداة عليه، أن يأمروا اثنين بالشد، فيقولون: " يا غلامان ارحلاه، ونحو ذلك، وهذا يكثر في كلامهم، فجروا على عادة ذلك اللفظ وإن أرادوا واحدا.
وذكر بعض النحويين أن قوله ﷿: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ (٢) خطاب لواحد وأجري بلفظ الاثنين، فإذا صح أنه خطاب
لواحد فهو على نحو ما ذكرناه.
وأما ضمير الغائب فإنه يثنى ويجمع وتبين فيه علامة المؤنث، وهو أولى بذلك؛ لأنه ضمير ظاهر قد جرى ذكره، والظاهر يثّنّى ويجمع، ويدخل فيه المؤنث.
واعلم أن في المضمرات منفصلا ومتصلا:
فأما المنفصل فهو: " أنا " و" أنت " و" نحن " و" أنتما " و" أنتم " و" أنتن " و" هو " و" هي " و" هما " و" هم " و" هن "، وقد أجري الضمير للمنصوب: " إيا " وما يتصل بها من علامة المتكلم والمخاطب والغائب في التثنية والجمع، والمؤنث والمذكر نحو: إياي، وإيانا، وإياه، وإياهما، وإياهم ، وسائر ما يتصل بإيا.
وأما الضمير المتصل فهو: كل ضمير لمجرور، وكل ضمير لمنصوب سوى (إيا)، وكل ضمير لمرفوع سوى ما ذكرناه من (أنا) وما بعده إلى (هن)، إنما جعل بعضه متصلا وبعضه منفصلا؛ لاختلاف مواقع ما نضمر؛ لأن الأسماء التي تضمر بعضها يتصل باللفظ العامل الذي يعمل فيه، فضميره يقع موقعه في الاتصال بالعامل، وبعضها ينفصل عن
_________________
(١) البيت منسوب لسويد بن كراع العكلي، الخزانة ١١/ ١٧؛ ولسان العرب (جزز)؛ وتاج العروس (جزز).
(٢) سورة ق، من الآية: ٢٤.
[ ٣ / ١٠٥ ]
عامله بالتقدّم عليه، وبالفصل بينه وبينه، فضميره منفصل من عامله.
ومن المنفصل أيضا ضمير الاسم الذي لا لفظ يعمل فيه فيتصل به.
وجملة الضمير تجري مجرى حروف المعاني التي تستعمل في الأشياء المختلفة، وهي حروف قليلة محصورة تستعمل فيما لا يحصي من الأسماء والأفعال، كحروف العطف، وحروف الخفض، وحروف النصب في الأسماء والأفعال، وحروف الجزم وحروف الاستفهام وما جرى مجراهن، وكذلك الضمائر هي ضمائر أسماء مختلفة بألفاظ قليلة محصورة تتكرر على كل المضمرات، فلما كانت كذلك قلّلت حروفها، فجعل ما كان منها متصلا على حرف، إلا أن يكون هاء فيزاد عليه حرف آخر لخفائه، كالتاء في قمت، والكاف في ضربتك، وجعل بعض المتصل في النية كالضمير في أفعل ونفعل وتفعل، وفي زيد قام، وزيد في التثنية والجمع، واحتمل أن يكون على حرف واحد؛ لأنه يتصل بما قبله من حروف الكلمة.
وإذا كان منفصلا كان على حرفين أو أكثر؛ لأنه لا يمكن إفراد كلمة على حرف واحد، والمنفصل منفرد عن غيره بمنزلة الاسم الظاهر، وهذه سبيل حروف المعاني؛ منها ما هو على حرف واحد كواو العطف والباء واللام، ومنها ما هو على أكثر من حرف ك (عن وعلى).
ومن أجل أنّ المتصل أقلّ حروفا من المنفصل كان النطق بالمتصل أخفّ، فلم يستعملوا المنفصل في المواضع التي يقع فيها المتصل؛ لأنهم لا يؤثرون الأثقل على الأخفّ إلا في الضرورة، وهذا الذي ضمّنه سيبويه الباب حين قال: (لا يقع أنت موضع التاء في فعلت، ولا أنتما في موضع تما التي في فعلتما، وسائر ما ذكره إثر هذه إلى آخر الباب.
فإن قال قائل: فلم تغيرت حروف المضمرات وصيغتها في الرفع والنصب؟ فيقال:
أنت في الرفع، وإياك في النصب، والتاء في ضربتك للمرفوع، والكاف للمنصوب، ومن سبيل الأسماء الظاهرة أن لا تتغير حروفها وصيغتها كقولك: (هذا زيد)، و(رأيت زيدا) و(مررت بزيد)؟
قيل: لمّا كانت الضمائر واقعة مواقع الأسماء المعربة المختلفة الإعراب، وهي مبنية، جعلوا العوض من الإعراب الدّال على المعاني المختلفة تغيير صيغة؛ ليدلّ على مثل ما دلّ عليه الإعراب وهو مبني.
[ ٣ / ١٠٦ ]